الفصل الخامس: الاختفاء البطيء
لم يكن الأمر مجرد حزن عابر، بل كان شعورًا عميقًا بالضياع، كمن فقد بوصلته في صحراء قاحلة، لا يعرف إلى أي اتجاه يسير، ولا يرى بصيص أمل في الأفق،
حين يفكر المرء في الكوارث، يتخيل الزلازل، أو الحروب، أو انهيار سقف مفاجئ فوق رأس المرء. لكن الكارثة الحقيقية غالباً ما تأتي بصوت خافت جداً؛ صوت إشعار صغير على شاشة هاتف محمول.
كيف تبدأ عملية نزع الطمأنينة من روح بشرية؟ الأمر يشبه تماماً تجريد غرفة من أكسجينها ببطء شديد؛ لا تنتبه للنقص إلا حين تبدأ بالاختناق. الشخص الذي سرق طمأنينتك لم يحتج إلى خنجر أو صيحة حرب، لقد فعل ذلك ببرود تام عبر رسائل إلكترونية قصيرة، وصور جامدة مثبتة خلف زجاج الشاشة البارد. كيف يمكن للطمأنينة أن تعود وأنتِ تقفين كل ليلة أمام بكسلات ملونة، تطاردين شبحاً يكتب لكِ الكلمات ذاتها بينما العالم الحقيقي من حولك يذوب؟
إن العيش رهينةً لشاشة هاتف هو نوع مستحدث من العذاب. أنتِ لا تواجهين إنساناً من لحم ودم يمكن خصامه أو مغادرته، بل تواجهين طيفاً رقمياً؛ كائناً من وهم ينام في هاتفك ويستيقظ في إشعاراتك. تفتحين المحادثة القديمة للمرة الألف، تعيدين قراءة الجمل التي أقسم فيها أنه باقٍ، ثم تنظرين إلى صورته الثابتة وكأنك تطالبين تمثالاً صماً بأن ينطق بالحقيقة. أي عبث أشد قسوة من أن ينتظر المرء المطر من سقف صفيح صدئ؟
لو أن أحداً أخبرني وأنا في قمة صلابتي أنني سأصل إلى هذا الحد من التلاشي لضحكت بسخرية. لكن الحقيقة المرة هي أن الإنسان يذوب ببطء شديد، قطرة قطرة، كشمعة تُترك في مهب ريح دؤوبة. في ذلك الوقت، لم أكن أصارع شيئاً ملموساً؛ كنت أصارع أوهاماً تم غرسها بدقة مهندس محترف في تعذيب الأرواح.
كيف أصف شعور الجسد وهو يرفض الطعام؟ الوجبات كانت تُوضع أمامي فأراها كحجارة صماء، أزن اللقمة في فمي وكأنها رمل جاف يرفض البلع. الجسد الذكي يعرف قبل العقل أن ما يقتلنا ليس نقص الغذاء، بل نقص المعنى. كيف لقمة أن تُشبع روحاً تُؤكل كل ليلة على مائدة الإهمال والكلمات المبتورة؟ كان الجوع حقيقياً، لكنه جوعٌ لوجوه حقيقية، لكلمات لا تحمل شحنات ناسفة، لسلام داخلي يشبه النوم العميق بلا كوابيس مستيقظة.
ولم يكن النوم ملاذاً؛ بل كان الساحة الأشد ضراوة لهذا الجحيم. تحول النوم إلى شظايا متناثرة؛ أستغرق في غفوة مضطربة لثلاثين دقيقة، لأستيقظ فجأة وقلبي يدق في جدران صدري بقوة كجرس خطر في ليلة عاصفة. انتفاضة مرعوبة تجعل الجسد يتصبب عرقاً بارداً دون أن أعي حقيقة الخطر. كنت أجري وأركض في ظلام البيت، أتعثر في ظلال الغرف، لأرمي بجسدي المرتعد في أحضان أي شخص يصادفني، ألتصق به بعنف كمن يغرق في محيط مظلم، وأجهش ببكاء مكتوم وممزق، أطلب دفء أي حضن يرمم هذا الانهيار الخفي، علّني أسترد جزءاً من السكينة التي اغتُصبت مني.
وحتى الشارع، ذلك المكان الذي يفترض أن يمنح المرء منفذاً للتنفس، تحول إلى مسرح للرعب المبهم. لم أعد أعرف طعم البهجة في أي خروجة. كنت أمشي وسط الزحام وجسدي مشدود كالوتر، نبرات التوتر تأكل أعصابي، وعيناي تلتفتان حولهما في ذعر لا منطقي. كان عقلي الواعي يعلم جلياً وبقاطعية باردة أنني لن أراه، وأن المسافات بيننا أقسى من أن تتجسد في زاوية شارع أو مقهى عابر، لكن الخوف لم يكن يستند إلى المنطق. كان انقباض الصدر دائمًا، كأن هواء المدينة ملوث بطيفه، وكأن كل غريب يحمل ملامحه أو يتربص بهويتي المتداعية، لأعود إلى بيتي كل مرة أشد إنهاكاً وتشتتاً مما خرجت.
والليل.. يا له من وحش كاسر! أتقلب على الفراش لساعات طويلة، والظلام يلتصق بجلدي كأنه قماشة رطبة ثقيلة. عقلي لم يكن يفكر؛ كان يُشرّح. كل جملة قيلت عبر تلك المحادثات، وكل كلمة دُفنت تحت إيموجي ضاحك، وكل صمت مفاجئ.. كان يتحول تحت مجهر الهوس إلى لغز وجودي يستحق الموت عنده.
الوعي المفرط هنا هو اللعنة الكبرى. أنت لست مجرد متألم، أنت متألم بتبصر تام؛ ترى كيف يتسع الثقب الأسود في صدرك، وكيف تذوب ملامحك شيئاً فشيئاً كقطعة سكر في ماء ساكن، ومع ذلك.. تجد نفسك تتكئ على حافة الهاوية وتتدلى برضا عجيب. هو نوع من الاستمتاع المرضي بالانحدار، أن تصل إلى القاع السحيق وتستلقي عليه غير مبالٍ بالتراب الذي يملأ فمك، لأنك أدركت أن الألم أصبح هو الهوية الوحيدة المتبقية لك.
أنت السجان والسجين، الحكيم الذي يشخص العلة والمريض الذي يتناول السم بإرادته الكاملة. لا جدوى من الصراخ في مساحة لا ينعكس فيها صدى صوتك، ولا فائدة من البحث عن وجهك القديم في مرآة حطمتها بيدك منذ زمن بعيد.
تلك الأفكار المظلمة التي كانت تداهم النفس في أشد ساعات اليأس لم تكن رغبة في الفناء بقدر ما كانت صرخة يائسة للتوقف عن هذا النزيف الداخلي. عندما يصبح الألم أثقل من أن تحمله عظامك، يبدو العدم مأمناً ساحراً. الثقب الأسود لم يكن مجرد استعارة؛ كان كائناً حياً يقطن في الصدر، يبتلع الذكريات، الدفء، والقدرة على الثقة، تاركاً وراءه جثة تسير على قدمين.