NOVELFLEX

الفصل السادس:اعترافات من القبو

تجاوزت يوسف وحلقت بعيداً · بقلم إسراء حمدي حسن

الفصل السادس:اعترافات من القبو

هناك لحظات في الحياة تدرك فيها أنك لست بخير، ليس لأنك مريض أو تتألم، بل لأنك تعيش في حلم شخص آخر.. حلم كابوسي، ومفروش بالورود الزائفة.

المرعب حقاً ليس أنك تعرضت للخديعة، بل أنك اكتشفت متأخرًا أنك كنت تدين بالولاء لمسخ. لم يكن يوسف مجرد رجل أخطأ في حق قلبي، بل كان تجسيدًا لحقيقة مرعبة تتكرر في ظلمة الحكايات؛ كان هو ذاك الوهم المصنوع ببراعة، الفخ المنصوب على مهل في طريق النوايا الطيبة. طفل شيطاني يرتدي جلباب الوقار، لا يملك أدنى فكرة عن الحب، لكنه يملك موهبة استثنائية في سرقة الأمان، وإعادة صياغة عقل الضحية حتى تشك في طهارتها وفي كل ما تراه.

تقول أساطير الأولين إن البصير هو من يرى الأشياء قبل وقوعها، لكن الدستور الحقيقي للبشر يقول إن البصير هو من يستطيع رؤية الماضي على حقيقته بعد أن يزول عنه سحر التعمية. لم أكن بصيرة، ولا عبقرية، كنتُ فقط فتاة عادية جداً، استغرقت وقتاً أطول من اللازم لتفهم أن الطيبة حين تزيد عن حدها تتحول إلى غباء مجسد، وأن البراءة قد تكون أحياناً الجريمة التي تعاقب عليها نفسك طوال العمر.

بعد الرحيل، لم تكن هناك موسيقى تصويرية حزينة، ولا سيناريوهات سينمائية عن استعادة الذات.. كانت هناك فقط شقة صامتة، وساعات طويلة من الجلوس في العتمة، وأرق ثقيل يجعلك تسمع دقات قلبك كأنها خطوات شخص غريب يمشي في الصالة. كنتُ أجلس في منتصف الليل، وضوء الهاتف الأزرق ينعكس على وجهي المجهد.

في تلك الليالي، بدأت أرى الشريط يعيد نفسه أمام عيني، لكن هذه المرة بدون الغشاوة الوردية التي كانت تغطي البصر.

تذكرتُ ليلة محددة، كانت الساعة قد تجاوزت الثانية صباحاً، الغرفة مظلمة، والبرودة تنهش الأطراف. اتصلتُ به.. مرة، واثنتين، وثلاثاً. الهاتف يرن حتى النهاية ثم يسكت. قلبي كان يدق بجنون، وأفكاري تأخذني إلى أبعد السيناريوهات الشيطانية: "هل حدث له حادث؟ هل هو مع حبيبته الجديده؟ هل بالغتُ في كلمتي الأخيرة معه فقرر ألا يتحدث معي مره أخرى؟" كنتُ أختنق بذنوب وهمية، وأعد الثواني وأنا أفرك يديّ ببعضهما من الرعب.

وبعد ثلاث ساعات من صمت عقابي مرعب، ردّ أخيراً. لم يكن هناك اعتذار، ولا صوت لهيف.. كان صوته بارداً، متهكماً، كأنني أكلم شخصاً أطلب منه حسنة على باب مسجد:

ـ "ألو؟ أخيرًا رديت! كنت فين؟ قلبي كان هيقف من الخضه عليك."

ـ "كنت مشغول.. في إيه؟ هو كل شوية سين وجيم وتحقيق؟"

ـ "أنا بس كنت بطمن عليك.. أنت بتكلمني ببرود كده ليه؟"

ـ "أنا بكلمك عادي جداً.. أنتِ اللي بتخلقي مشاكل من لا شيء وتنكدي على نفسك وعليا."

ينقطع الخط بصوت كليك جاف. هكذا ببساطة. يتركك تغرق في أفكارك، تتساءل هل أنت المخطئ؟ هل بالغت في القلق؟

لكن الكابوس الحقيقي، الموقف الذي كان ينبغي أن أهرب بعده فوراً ولا أنظر خلفي، حدث بعد ذلك بأسابيع. اتصلتُ به في ساعة متاخرة، جاءني صوت الرنين كالعادة.. وفجأة فُتح الخط. لكن الصوت لم يكن صوته. كان صوت فتاة تضحك بخفة، صوت ناعم ومسترخٍ للغاية:

ـ "ألو؟ مين معايا؟"

تجمّد الدم في عروقي. شعرتُ بكف بارد يعصر قلبي، وقلت بصوت خرج مخنوقاً بالمرارة:

ـ "أنتِ مين؟! فين يوسف؟"

سمعتُ حركة على الطرف الآخر، وصوت قهقهة مكتومة، ثم سُحب الهاتف وجاءني صوته هو، خالياً من أي ذرة ارتباك، بل بنبرة مستفزة من يراك تبالغ في رد فعلك:

ـ "إيه في إيه؟ دي قريبتي بتهزر عادي! أنتِ كبرتي الموضوع ليه كده؟"

ـ "بتهزر؟! أنت بتسيب قريبتك ترد على تليفونك وتضحك وأنا قلقانة عليك ومحدش عارف أنت فين؟"

وفجأة، وكما يفعل السحرة المحترفون حين ينكشف أمرهم، قلب الطاولة تماماً. تحولت نبرته من البرود إلى غضب عارم:

ـ "أنتِ إنسانة شكاكة ومش طبيعية ومريضة! أنا غلطان إني رديت عليكِ أصلاً.. بجد قفلتيني!"

أغلق الخط في وجهي، وهل تعرفون ماذا حدث بعد ذلك؟

هنا تكمن المأساة؛ بدلاً من أن ألقي بالهاتف في أقرب سلة مهملات، قضيتُ بقية الليل أدمع وأرسل له رسائل اعتذار طولها كيلومترات! أترجاه أن يسامحني على "شكوكي"، وأقسم له أنني أثق به! كيف يستطيع شخص أن يحولك من مجني عليه إلى جاني يطلب العفو عن جريمة لم يرتكبها؟

حين عدتُ بقارئتي وتفكيري لهذه اللحظات، زالت التبريرات. لم يكن يوسف مجرد شاب طائش، ولا شخص "صعب الفهم" كما كنتُ أقنع نفسي. كان يمارس لعبة سيكولوجية قذرة ومجربة؛ إبقاء الضحية دائماً تحت التهديد، جعلها تشك في عقلها وفي قدرتها على التمييز، حتى تصبح تابعة بالكامل، ناهيك عن ذلك المزاح الخفيف والانتقادات المبطنة التي كان يوجهها لي باسماً، والتي لم تكن سوى وسيلة لتقويض ثقتي بنفسي حجرًا بحجر.

كنتُ أجلس على الأريكة، والهدوء حول يطبق على أنفاسي، وأشعر بغضب وحزن عارم يتولد في داخلي.. ليس غضباً منه، بل من نفسي التي سمحت لكل هذا أن يحدث.

تلك الليلة، لم أعتذر، ولم أرسل رسالة واحدة. فتحتُ قائمة الأسماء ببرود تام، وحذفتُ رقمه نهائياً، مسحتُ كل الرسائل القديمة و الأغاني التي كان يرسلها لي، كنتُ أستند إليها كأدلة إدانة أو أمل، ووضعتُ الهاتف جانباً.

وقفتُ أمام المرآة الكبيرة في الممر، كان وجهي شاحباً والعرق البارد يملأ جبهتي، لكن لعينيّ نظرة جديدة لم أعرفها من قبل؛ نظرة شخص أدرك اللعبة لا يريد أن يكررها مجدداً، أدركتُ حينها أن السحر لا يزول بالتجاهل، بل ينكسر بالوعي، يوسف لم يكن رجلاً بالمعنى المكتمل، كان مجرد طفلٍ عبثي ارتدى قناع الوقار ليجرب قدرته على الكسر، وأنا أعدته اليوم لمقامه الحقيقي:

مجرد نكرة لا وجود له في عالمي.

أطفأتُ أضواء الصالة، ودخلتُ غرفتي، ولأول مرة منذ أشهر طويلة.. نمتُ في صمت تام، ودون أن أنتظر اتصالاً أو رسالة لن يأتوا.