NOVELFLEX

الفصل الرابع: الأقنعة المستعارة

تجاوزت يوسف وحلقت بعيداً · بقلم إسراء حمدي حسن

الفصل الرابع: الأقنعة المستعارة

لم تكن المشكلة يوماً في المساحات أو الأماكن التي جمعتنا، بل في ذلك الأثر البارد والمؤلم الذي يتركه بعض الأشخاص خلفهم بعد أن يخلعوا أقنعة النضج وينصرفوا ببرود، كأن شيئاً لم يكن، وكأنهم لم يمروا من هنا يوماً.

هناك زوايا مظلمة ودقائق منسية في الذاكرة تشبه إلى حد كبير تلك الغرف المغلقة التي نخشى مجرد الاقتراب من أبوابها؛ لأن أدنى حركة قرب مقبضها تثير غبار تفاصيل قديمة كان يُفترض أن تُدفن وتُنسى تحت أغطية النسيان. في تلك الصومعة الموحشة التي تتوسط روحي، لا تتردد صرخات عالية ولا ضجيج عاتب، بل ينساب همس خفي يمتلك من القسوة والسطوة ما يكفي ليعيد فتح جروح طرية ظننتُ أنها أصبحت مجرد أثر لزمن غابر.

الحقيقة الأكثر رعباً والتي يتأخر المرء دائماً في استيعابها وفهم جوانبها، لا تكمن في قسوة الفعل المباشر نفسه، بل في ذلك التناقض البشع والشرخ الهائل بين ما يظهره الشخص للعالم وما يخفيه في أعمق طبقات روحه. كنتَ تبدو أمام الجميع، وأمامي أنا في بداية المطاف، رجلاً اكتمال نضجه يسبق سنوات عمره، يمتلك الحكمة ورزانة العقل، يدّعي الاحترام والوقار والاحتواء في كل تصرف وحركة، وتتحدث بتلك النبرة الهادئة الواثقة التي تجعل أي امرأة تظن دون تردد أنها أخيراً وجدت الأمان والحصن المنيع الذي كانت تبحث عنه طوال حياتها.

لكن الحقيقة الحافية والمستترة خلف ذلك المظهر الرجولي الأنيق كانت مختلفة تماماً؛ لم تكن سوى كائن عابث يحمل في داخله طفلاً ضئيلاً وهشاً، يتغذى على الخراب ويتلذذ بنشوة التفوق الوهمي، يمتلك دهاء العابثين ولذة المفسدين الذين يستهويهم كسر اللعب الثمينة لمجرد التجربة، ويمارس ألاعيبه الصغيرة ببرود تام ودون أن ترمش له عين أو يطرف له جفن.

كنتُ خلال تلك الأيام، وحين تحاصرني حيرة الأسئلة وألم التجاهل، أتخيل في مخيلتي أننا نسير معاً في مكان هادئ ووحيد، أشبه بالمقابر المنسية. كنتُ أرى نفسي في تلك التخيلات طفلة بريئة تمشي بقلب صافٍ وتصدق كل كلمة، وتُمسك بكل براءة بيد رجل ظنته سنداً يحميها من قسوة العالم. لكن بعد أن مرّ الوقت، وبعد أن رحلت تماماً وانقشعت غشاوة الوهم، تغيرت نظرتي لتلك التخيلات تماماً؛ أدركتُ حينها كيف كان شكل الحكاية حقاً من الخارج. لم تكن رحلة أمان كما كنت أتوهم، بل كان طفلاً شيطانياً عبثياً يرتدي قناع النضج، يجر خلفه في العتمة تلك الطفلة البريئة ليستمتع بتخبطها وضياع يقينها.

أتذكر بوضوح كيف كنت تمارس مراوغاتك الهادئة واستخفافك المتواري خلف السطور والرسائل. لم تكن تصرخ يوماً في وجهي أو تجاهر بالعداء الصريح، بل كنت تستخدم تلك النبرة المتعالية، ذلك التقليل الهادئ والناعم المغلف حرصاً واهتماماً زائفين، لترمي في روحي بكلمات قاسية تشبه قطرات ناعمة من النار الحارقة. كانت عباراتك تشعرني دائماً بأنني دون المستوى المطلوب، وبأنني لا أرتقي لمستوى توقعاتك أو خيالك الشاهق، فكنت تزرع في داخلي بتأنٍ بذور الشك المتواصل، حتى أصبحتُ أتساءل في خلواتي ومناجاتي لنفسي: هل أنا حقاً غير كافية؟ هل أنا من ينكث غزل هذه العلاقة ويبدد فرص استمرارها؟

وحين بلغت اللعبة ذروتها واكتملت فصول مسرحيتك، لم تكتفِ بالانسحاب الهادئ كعادة من يدركون قيمة ما تركوه، بل أعلنت ارتباطك بأخرى كضربة قاضية مقصودة ومحسوبة بالمسطرة والقلم لتضمن بها إيقاع أكبر قدر من الإيذاء. والأكثر تجريداً من الرحمة والأنفة، كانت تلك الصورة التي اخترت إرسالها إليّ دون مقدمات أو تمهيد. لم تكن مجرد مشاركة لخبر عادي في حياتك، بل كانت سهماً موجهاً بعناية فائقة لقلبٍ أرهقه الصبر وطول الانتظار، رسالة صامتة وقاسية تخبرني بوضوح وجلاء:

انظري كيف أستبدلكِ بلمحة عين وكيف أترككِ تتخبطين وحدكِ في خيبتكِ وذهولكِ.

تلك العبارات والأفعال والمواقف لم تتبخر في الهواء كما كنت تظن؛ لقد استقرت في الأعماق كبقع داكنة وثقيلة تلتصق بجدار الروح، تحولت إلى أصوات داخلية ناقدة تُعيد تكرار شريط الخذلان كلما حلّ الهدوء أو أطفأتُ أنوار غرفتي. إن أشد أنواع الإيذاء بشاعة ليس ذلك الذي يأتيك من شخص أعلن عداوته لك منذ البداية، بل من طفل عبثي يتخفى في هيئة رجل ناضج، يمنحك الأمان بيده اليمنى، بينما تحفر يده اليسرى مدفن ثقتك بكل من حولك.

ثم جاءت تلك اللحظة الفاصلة.. لحظة إدراك عميقة لم تزرني وأنت بقربي، بل بعد أن مرّ الوقت وابتعدتُ مسافات طويلة عن سحر حضورك المزيف. حين خيم السكون التام على الغرفة وتوقف صخب الحكاية، تجلت لي الحقيقة كاملة وساطعة؛ أدركتُ أن كل ما كنت أتخيله وأعيشه لم يكن سوى مرآة لانعكاس براءتي التي استغلتها، وأنك لم تكن سوى ذلك الطفل الشيطاني العابث الذي ارتدى قناع الوقار ليخدع قلباً لم يعتد سوى الصدق. في هذه اللحظة التي تلت غيابك، رأيت براءتي الخاصة وهي تقف على أقدامها من جديد، أطهر وأصلب من كل ألاعيبك، بينما بقيت أنت وحدك محبوساً في عتمة ذلك الطفل الشيطاني الذي لا ينمو أبداً ولا يذوق طعم السلام.

اليوم، حين أنظر إليك من بعيد عبر مسافة الزمن التي تفصلنا، لا أرى ذلك الرجل الذي حاولت جاهداً إقناعي بوجوده، بل أرى ذلك الطفل الهش القابع في العتمة، الذي عجز عن النمو الروحي والعاطفي، فقرر إيذاء كل من يقترب منه ليداري خيبته وضآلة قدره. لقد استرددتُ صوتي المسلوب كاملاً، وأدركتُ أن نقائي وصفاء قلبي ظل كما هو، لم يتلوث بعبثك، وأن الخسارة الحقيقية، تلك الفاجعة التي لا تدركها أنت يا من تعبث، ليست في ألمي أنا، بل في مصير تلك الفتاة التي ستدخل حياتك بعدي والتي ستأتي غداً لتسلمك قلبها ببراءة تامة. ستجلس أمامك مرتاحة البال، وتراك في نظرها الكائن الكامل الذي لا يعتريه نقص، والطمأنينة التي انتهت إليها كل مخاوفها، غير مدركة أن خلف هذا الوقار المصطنع يختبئ كائنٌ مريض، يتغذى على استنزاف أرواح الآخرين ليرمم خيباته المعقدة بالداخل.

وستبقى أنت.. وحدك في عتمة غرفتك، حين يسدل الليل أستاره وتتوارى الأقنعة. هناك، في ذلك الصمت الخانق، لن تجد شيئاً تحارب به وحشة نفسك سوى رائحة نجاستك الدفينة التي ستفوح شيئاً فشيئاً لتملأ أركان المكان. مهما برّعت في تزيين وجهك أمام العالم، ومهما أتقنت دور الرجل الحكيم والمثال الناصع، سيبقى ذلك الدود الصغير في داخلك ينخر في طمأنينتك. سيأتي اليوم الذي تنكسر فيه تلك المرايا المخدوعة، لتتعرى أمامها وأمام نفسك حقيقتك البشعة؛ لتعلم ساعتها أن من جبل يده بالخراب، لا يترك خلفه سوى الرماد، وأن طيف ضحيتك القديمة سيبقى يطاردك في كل زاوية، يذكرك بأنك مجرد ظل باهت يرتجف خوفاً خلف قناع من زجاج.