قلب الميت

قلبُ الميّت
رواية
تأليف: بن عشيبة محمد أمين
الشلالة — ولاية البيض — الجزائر — 2026م
---
الإهداء
إلى كلِّ من انتظرَ طويلًا،
إلى كلِّ من ظنَّ أنَّ فقدانَ شخصٍ يعني فقدانَ نفسِه،
إلى كلِّ قلبٍ تعلَّمَ أن يعيشَ بعدَ أن ماتَ فيه الانتظار.
وإلى أبي بوعلام...
سندي وروحُ الروح.
---
نبذة
ماذا يبقى من الوعد حين يبتلعه عام كامل من الصمت؟
كان أمين يظن أن أصعب ما يمكن أن يعيشه الإنسان هو أن يفقد شخصًا يحبه.
لكنه لم يكن يعرف أن فقدان شخص قد يكون أهون من فقدان جزء من ذاكرته.
بعد سنة كاملة من انتظار دنيا، تأتيه مكالمة واحدة لتفتح بابًا لم يكن يعرف بوجوده أصلًا.
رجل غريب يجيب من هاتفها.
صورة قديمة تظهر فيها ملامح من ماضيه.
رسائل مبهمة.
وتسجيل بصوت دنيا تقول فيه:
«أمين... ما تثقش في ذاكرتك.»
كل خيط يقوده إلى شيء واحد: طفولته.
وكلما اقترب من الحقيقة، اكتشف أن الماضي الذي ظن أنه نسيه لم يكن مفقودًا تمامًا.
كان مختبئًا.
وكان هناك رجل يراقبه من بعيد منذ سنوات.
رجل يحمل ساعة سوداء، وخاتمًا فضيًا، وثلاثة خطوط متوازية على معصمه.
كان أمين يظنه عدوًا.
لكن الحقيقة كانت أبعد من ذلك.
فالرجل لم يكن عدوًا.
كان عمه... شقيق أبيه.
وكان يراقبه من بعيد، لا ليؤذيه، بل ليطمئن عليه.
لأن بعض الأبواب لا تُفتح كي نعود إلى الماضي...
بل كي نغلقه أخيرًا.
---
الفصل صفر — عين تموشنت
قبل أن يعرف أمين معنى الانتظار، كان يعرف معنى الحلم.
كان في العاشرة من عمره حين بدأ يجيب عن السؤال نفسه بالطريقة نفسها، كلما سأله أحد:
— واش حاب تولّي كي تكبر؟
كان يرفع رأسه بثقة ويقول:
— عسكري.
لم يكن يعرف وقتها معنى الرتبة، ولا معنى المسؤولية، ولا ثقل الزيّ العسكري.
كان يعرف شيئًا واحدًا فقط:
أنه يريد أن يكون قويًا.
أن يحمي.
أن يكون الرجل الذي يستطيع أن يقف أمام الخوف بدل أن يهرب منه.
نشأ أمين في عين تموشنت، في بيت بسيط لا يملك الكثير، لكنه كان يملك شيئًا أهم من المال: الدفء.
كان والده بوعلام رجلًا قليل الكلام، كثير الفعل.
لم يكن يقول لابنه كل يوم إنه يحبه.
لكنه كان يترك له آخر قطعة خبز.
ويغطيه إذا نام في البرد.
ويقف إلى جانبه حين يمرض.
وإذا خرج أمين في الصباح، كان بوعلام يراقبه من بعيد حتى يبتعد، دون أن يناديه.
كان أمين، رغم صغر سنه، يفهم أن بعض الآباء يقولون «أحبك» بأفعالهم.
وكان بوعلام واحدًا منهم.
لكن أمين كان يلاحظ شيئًا آخر في أبيه أيضًا.
كان بوعلام يلتفت كثيرًا إلى الشارع.
وإذا سمع سيارة تتوقف أمام البيت، يرفع رأسه.
وإذا طرق غريب الباب، يسكت للحظة قبل أن يفتح.
لم يكن أمين يفهم السبب.
وكان يظن أن الكبار يحملون أسرارًا كثيرة لا تخص الأطفال.
ثم جاءت الأيام التي أجبرت العائلة على الرحيل.
انتقلوا إلى الشلالة القبلية، بولاية البيض، بحثًا عن حياة أفضل.
كانت البداية مختلفة.
أرض جديدة.
وجوه جديدة.
بيت جديد.
ومدرسة لا يعرف فيها أحد اسمه.
لكن أمين حمل معه عادته القديمة:
أن يراقب كل شيء بصمت.
كان يراقب الأطفال وهم يلعبون.
يراقب الرجال عند المحلات.
يراقب الوجوه التي تمر أمام البيت.
وكان يحتفظ بكل شيء في ذاكرته، دون أن يعرف لماذا.
دخل مدرسة القرية في السنة الرابعة.
كان متفوقًا، هادئًا، حسن الخلق.
وفي إحدى الأمسيات الباردة، حين كان عائدًا إلى البيت، لمح رجلًا يقف بعيدًا.
توقف أمين.
لم يكن يعرفه.
كان الرجل يرتدي معطفًا داكنًا.
وفي يده ساعة سوداء.
وفي إصبعه خاتم فضي.
وعلى معصمه ظهرت ثلاثة خطوط متوازية.
ظل أمين يحدق فيه.
خطا خطوة.
فتقدم الرجل خطوة.
توقف أمين.
توقف الرجل.
ساد بينهما صمت غريب.
ثم قال الرجل بصوت هادئ:
— أخيرًا كبرت.
لم يفهم أمين.
قال:
— تعرفني؟
لم يجب الرجل.
ظل ينظر إليه لحظات، وكأنه يقارن وجه الطفل بصورة قديمة في ذاكرته.
ثم قال:
— مازال الوقت بكري.
— واش؟
لكن الرجل استدار ومشى.
ظل أمين واقفًا مكانه حتى اختفى.
عاد إلى البيت.
ولم يخبر والده.
في تلك الليلة، ظل يتذكر الساعة السوداء والخاتم والخطوط الثلاثة.
وحين نام، حلم بمكان لا يعرفه.
كان هناك باب.
وصوت أبيه يقول:
— أمين، ابقى هنا.
استيقظ قبل أن يرى ما وراء الباب.
لم يعرف لماذا شعر، منذ تلك اللحظة، أن الرجل لم يكن يراه للمرة الأولى.
كان يعرفه.
لكن من أين؟
ذلك السؤال بقي نائمًا في ذاكرته سنوات طويلة.
---
الفصل الأول — آداب وفلسفة
مرت السنوات.
كبر أمين، وكبرت معه أسئلته.
لم يعد يكتفي بالنظر إلى الأشياء.
صار يريد أن يعرف لماذا تحدث.
ولماذا يتغير الناس.
ولماذا يبقى بعضهم في الذاكرة حتى بعد أن يغادروا حياتنا.
دخل الثانوية، واختار شعبة آداب وفلسفة.
لم يكن يعرف لماذا اختارها تحديدًا.
ربما لأنه كان يحب الأسئلة التي لا تملك جوابًا