الفصل الثالث: الصورة
بعد أيام، وصلته صورة قديمة.
لم تكن صورة عادية. كانت صورة تعود إلى سنوات طفولته، وكان أمين ظاهرًا فيها، صغيرًا لا يعرف شيئًا عن الحياة ولا عن الأسرار التي يمكن أن يتركها الماضي في قلب الإنسان.
وكانت دنيا موجودة أيضًا.
ظلّ ينظر إلى الصورة طويلًا، محاولًا تذكّر المناسبة التي التُقطت فيها، لكنه لم يستطع أن يستعيد تفاصيل واضحة.
ثم لاحظ شيئًا في الخلفية.
انعكاس رجل على زجاج.
لم يكن وجهه واضحًا، لكن بعض التفاصيل كانت ظاهرة: ساعة سوداء، وخاتم فضي، وثلاثة خطوط على المعصم.
توقف قلب أمين لحظة.
كان يعرف هذه العلامات.
لقد رآها من قبل، منذ سنوات طويلة، لكنه لم يعرف أين ولا متى.
وصلته رسالة:
— ما تكبرش الصورة.
لكن أمين كبّرها.
اقترب من وجه الرجل، وحاول أن يميّز ملامحه. لم يظهر الوجه بوضوح، وكأن الصورة نفسها ترفض أن تمنحه الإجابة التي يبحث عنها.
ثم وصلت رسالة أخرى:
— يا أمين... أنت تعرفني... فقط... نسيت.
أغلق الهاتف.
حاول النوم، لكن النوم لم يأتِ.
كانت ذاكرته تتحرك في داخله كقطع الزجاج المتناثرة: صوت، وباب، ومطر، ويد، ووجه دنيا، وصوت رجل يقول شيئًا لم يستطع فهمه.
فتح عينيه وعاد إلى الصورة.
هذه المرة، لاحظ شيئًا لم ينتبه إليه من قبل.
الطفل الموجود في الصورة كان هو نفسه.
والرجل لم يكن بعيدًا عنه كما تخيّل، بل كان يقف قريبًا منه.
وصلت رسالة أخيرة:
— الآن بدأت تتذكر.
ثم رسالة أخرى:
— لكن لا تبحث عن الرجل.
وبعدها:
— ابحث عن الطفل.
ظل أمين ممسكًا بالهاتف.
للمرة الأولى، لم يعد السؤال الذي يشغله هو: من الرجل الذي يرسل إليه الرسائل؟
بل صار السؤال:
ما الذي حدث لذلك الطفل حتى أصبح رجلًا يخاف من ذكرياته؟