NOVELFLEX

الفصل السابع: الذاكرة المهجورة

تجاوزت يوسف وحلقت بعيداً · بقلم إسراء حمدي حسن

الفصل السابع: الذاكرة المهجورة

رغم أنني لم أعد أنتظر مكالمة، ورغم أن شهوراً عديدة مرت منذ أن رحل ومشى في طريق، ومضيتُ أنا في طريق آخر.. إلا أن طيفه ظل عالقاً كغصة لا تُبلع.

استيقظتُ اليوم على هدوء غريب يملأ الغرفة، هدوء أشبه بخراب ما بعد العاصفة. لم تعد تلك اللهفة التي اعتدتُ أن أقفز بها لأتفقد هاتفي أول ما تفتح عيناي، معلقةً على أمل مكالمة تأخرت طويلاً. البارحة.. نمتُ في صمت تام، ولأول مرة، كان الصمت أخف وزناً من ثقل الانتظار. لكن، هل يعني غيابه عن حياتي أنه غادر تفكيري حقاً؟

المفارقة المؤلمة التي أرهقت روحي أن مشاعري لم تعد ملكاً لي؛ يوسف.. رغم غيابه الفعلي، ورغم كل الجسور التي هدمناها معاً، ترك طيفه يسيطر على كل زاوية في عقلي. صار غيابه حضوراً أثقل من وجوده، نعم.. تجاوزتُ، وبدت على صوتي وثبات خطواتي كل علامات القوة وصلابة من جتازت الأسوأ، لكنني.. حين أخلع قناع الثبات هذا وأختلي بنفسي في عتمة الليل، أكتشف أنني لم أنجو حقاً، بل كنتُ أتقن فن الهروب إلى الأمام، وأن الجرح القديم ما زال ينزف تحت سترة التظاهر بالصلابة. فأن تبدو متجاوزاً وقوياً أمام العالم شيء، وأن تحتضن هشاشتك وحدك في العتمة شيء آخر تماماً؛ التظاهر بالصلابة هو أثقل عباءة يمكن أن ترتديها روح جرحت بصمت. ووسط هذا كله، وجدت نفسي خائفة من الحب.. رغم أنني لم أذق طعمه الحقيقي قط.

جلستُ على السرير، وضممتُ ركبتي إلى صدري، لأشعر بذلك الثقل الذي يطبق على أنفاسي. أدركتُ حينها أن الاستيعاب المتأخر هو المعركة الأقسى؛ ألا تحزن وقت الصدمة، بل تظل سليماً حتى تتراكم التفاصيل ككومة قش، لتدرك فجأة أنك طوال تلك المدة كنت تستهلك قلبك في المكان الخطأ ومع الشخص الخطأ. استغرقتُ وقتاً طويلاً عقبال ما استوعبتُ حقاً.. استوعبتُ أنه فعل كل هذا، وبكل بساطة، كان واخدني "تسلية".

الكلمة بذاتها كانت تحمل شكلاً هندسيّاً قبيحاً، زواياها حادة تجرح حلقي كلما تذكرت كيف كنتُ أمنحه أعذب ما في روحي، وكيف كنتُ أتجاوز عن هفواته وألتمس له الأعذار، بينما كان هو يراني مجرد مساحة راحة عابرة يقضي فيها وقته حين يفرغ من عالمه الحقيقي، ثم يغادر متى شاء دون أن يرف له جفن.

والأكثر قسوة، تلك الجملة التي تركّت ندبة أبدية في كبريائي حين رماها في وجهي بكل برود: *"أنا بنساكي بواحدة تانية".*

حين يتحول تاريخك، ودموعك، وكل ما قدمته بصِدق، إلى مجرد "وسيلة" ليتجاوزك أحدهم مع شخص آخر.. هنا لا ينكسر قلبك فحسب، بل يتدنس المعنى النقي لكل ما صدقته يوماً. جملة واحدة قادرة على هدم كل جدران الصبر والاحتواء التي بنيتها طوال تلك الشهور. "بنساكي بواحدة تانية".. وكأنني كنتُ مجرد مرحلة مؤقتة، أو دواءً مرّاً يتعاطاه ليجتاز به وقتاً عصيباً، ثم يستبدلني بكل سهولة كمن يغير قميصاً بلى على جسده. كيف يقوى إنسان على نطق هذه الجملة بمثل هذا الاكتفاء؟ كيف يتحول التاريخ الصغير، وتفاصيل الأيام إلى مادة رخيصة لدهس قلب لم يقدم سوى الصدق؟

انتابتني موجة عارمة من الخجل.. الخجل من نفسي، ومن تلك السذاجة التي جعلتني أقبل بالحد الأدنى. تذكرتُ كل البنات؛ كيف تُحب الواحدة منهن علناً، كيف تُضاء وجوههن بالهدايا المفاجئة، الخروجات المتفق عليها، والاهتمام الذي يجعلهن يشعرن بأنهن محور الكون. أما أنا؟ فالحب جاءني هكذا وخلاص.. بلا بهجة بدايات، وبلا تفاصيل صغيرة، وبلا اهتمام حقيقي. فقط نسخة باهتة من العاطفة، رضيت بها لأنني كنت طيبة أكثر من اللازم. كنتُ دائماً الطرف الذي يقدم التنازلات، والطرف الذي يرضى بالفتات على أمل أن يغيره الوقت.

لكن النتيجة كانت واضحة كصخرة صلبة في منتصف الطريق: أنا لم أُحب بالشكل الذي يشبه الإناث، بل أُهديت "نسخة باهتة"، ووجدت نفسي في النهاية خارج الحسابات تماماً، متروكة على قارعة الذاكرة بينما هو يمضي ليبني حياة أخرى فوق أشلاء كرامتي.

هبطت دموعي بصمت، لكنها لم تكن دموع ضعف.. كانت دموع غضب مكتوم، غضب مني أنا قبل أي شخص آخر. الفراق الهين هو الذي يرحل فيه الشخص بموقف واضح، أما الفراق الذي تكتشف فيه أنك كنت "مغفلاً" يستهلك مشاعره في الاتجاه الخطأ.. فهذا هو الموت البطيء الذي تنتهي صدمته بصرخة غضب تجبرك على إغلاق الباب للأبد.

لكنني فجأة رفعت رأسي، ومسحت عيني بظهر يدي. نظرتُ إلى انعكاسي في المرآة المجاورة، فرأيت تلك الفتاة الشاحبة التي استهلكت حزنها كله عليه.. وحدثت نفسي بقسوة: كفى!

عقرب الساعة لن يعود للوراء، وتلك الصفحة الممزقة انتهت إلى غير رجعة. لم أعد أبكيه، ولن أسمح لدموعي أن تسقط مجدداً على شخص لم يرى قيمتي يوماً. ليفعل ما يشاء وليبحث عن من ينساها بها.. أما أنا، فقد عاهدت نفسي أن أسترد ما تبقى مني، وأن أغلق هذا الباب ا

لأبدي في وجه ظله للأبد.