الفصل التاسع: "حين يعود الطيف"
ظلمة الغرفة الهادئة كانت تزيد مع ساعات الليل المتأخرة، كنت جالسة على طرف سريري، مسندة ظهري للوسادة، وعيناي تبصران ببطء نحو زجاج الشباك البارد الذي يعكس ظلي الهادئ ووحشة المكان من دونه، في هذه الساعات الساكنة، وحين تهدأ ضوضاء العالم كله ولا يبقى سوى صوت الأفكار، يملأني حضوره دون استئذان.
لا أستطيع أن أنكر.. أتذكره. أحياناً يزورني طيف نبرة صوته وكأنه يحدثني الآن، وأتذكر جيداً كيف كان يبدو خائفاً عليّ.. أو هكذا أوحى لي! أتذكر كلامنا الطويل وأحاديثنا التي ظننتها يوماً مكاناً آمناً يحميني من قسوة العالم. لكن الذكرى حين تعود، تعود محمولة بمرارة كبيرة؛ فكل تلك الوعود، والأغاني التي كان يغنيها لي لكي تطمئن روحي، أدركت الآن متأسفة أنها كانت جميعها كذب مع الأسف.. لم تكن حقيقية يوماً.
وكأن شريط السينما يعود للوراء في لقطة سريعة؛ أغمض عيني قليلاً فأسمع صوته وهو يغني لي بإحساس غير حقيقي، أتذكر كيف كان يغني لي أغاني رامي صبري بكل تفاصيلها وشجونها، وكيف كان يبتسم وقتها ويقول لي كلاماً وتهريجاً يكرره عشان يضحكني، وكنا نقعد نحكي ونهزر في تفاصيل عادية شعرت وقتها أنها كل عالمي، كنت أضحك ببراءة، وأصدق أنني مميزة في حياته، وأن صوته الموجه لي هو أصدق شيء في الكون.. لكن يا الله.. كان مؤلماً أن أكتشف لاحقاً أن كل هذا الغناء وهذا الكلام لم يكن سوى لحن مزيف، وأن الكلمات التي حفظتها عن ظهر قلب كانت تذهب لشخص غيري، أو أنها لم تكن تعنيه أساساً.
شعرت بغصة حارقة تعتصر صدري، وبغضب مكتوم يتصاعد بداخلي منه.. أنا لست فقط متألمة.. أنا حزينة منه، حزينة من هذا الاستخفاف بقلب أعطى ثقته بلا توقف، ومن شخص جعل من الأمان سجناً ومن الحب كذبة.
وسط هذا الصراع، سرحت بخيالي قليلاً، وكأنني أرى نفسي في مرآة روحي.. أشبه فتاة تقف وحدها في عتمة المكان، ترتدي فستاناً أسود، وشعرها الأسود القصير ينسدل حول وجهها باهت الملامح، وقد رسمت على عينيها مكياجاً حاداً يعكس شراسة وجعها وبراءتها التي راحت وأخذت وقتها حتى انكسرت. كانت تمشي حافية القدمين ببطء على أرض مفروشة بورود حمراء قانئة، لا تبالي بأشواكها. وفي يدها تفاحة سوداء داكنة تشتعل من الداخل بنور خفي، سارت بها حتى توقفت أمام مرآة قديمة، وما إن لامست أطراف أصابعها سطح المرآة البارد حتى ظهرت فيها تشققات سريعة، وبدلاً من أن تنكسر.. تحولت تلك التشققات فجأة إلى نور ساطع يملأ المكان، وكأن الظلمة تنفرج عن فجر جديد يولد من رحم الوجع.
أفتحت عيني لأعود إلى واقع الغرفة، وليتردد صداه في داخلي: إن الألم لم يكن سوى نار وكسر، لكنه النور الذي سيعيد تشكيل روحي من جديد.
فكرت مع نفسي وأدركت شيئاً مهماً: تذكري ليوسف الآن.. ليس ضعفاً أبداً! أن تحن لموقف، أو تتذكر شخصاً مر بحياتك وأوجعك، لا يعني أنكِ هُزمتِ أو عدتِ للوراء.
فالتجاوز ليس خطاً مستقيماً أبداً.. ظننت في بداية الطريق أن التجاوز خط مستقيم يصعد بي نحو النجاة؛ خطوة أخطوها للأمام، فلا ألتفت للخلف أبداً. لكن الحقيقة التي عرفتها وأنا جالسة في عتمة غرفتي، و أن الشفاء ليس خطاً مستقيماً، بل هو طريق متعرج ومليء بالمنعطفات.
يمكنني أن أستيقظ في أحد الأيام وأنا أشعر بقوة كبيرة، أظن أنني نسيت تماماً، وأن كل ما تركَه في داخلي قد اختفى. ثم.. وبدون أي إنذار، وفي ليلة عادية جداً، تفاجئني تفصيلة صغيرة؛ رائحة عطر، نبرة صوت عالقة في الذاكرة، أو حتى أغنية قديمة كنت أحسب أنني تخلصت منها، فتسقطني من جديد في قاع الحنين وكأن شيئاً لم يتغير!
حين يحدث ذلك، كنت ألوم نفسي سابقاً وأتسأل بوجع: "متى أنتهي من هذا العذاب؟ ألم أنتهِ منه بعد؟" لكنني الليلة، وأنا أنظر إلى الشباك، أدركت شيئاً مختلفاً: السقوط المفاجئ نحو الذكرى لا يعني أنني عدت لنقطة الصفر، ولا يعني أنني فشلت في تجاوزه.
التجاوز الحقيقي يشبه أمواج البحر؛ تأتي الموجة القوية لتجرف كل شعور بالأمان بنيته، وتُعيدني إلى الألم القديم، فيبدو لي أنني خسرت كل شيء. لكنني أعود فأتذكر: حتى وأنا أبكي الآن، وأنا أتذكر خذلانه وكل تلك الكذبات، أنا لست في نفس النقطة السابقة. أنا أرى الألم بوضوح، وأعرف أنه لم يعد يملك القدرة على هدم روحي كما كان من قبل.
إنني أتعافى بطريقتي الخاصة.. أتقدم خطوتين، وأتراجع خطوة للخلف، ثم أقف لألتقط أنفاسي وأتابع السير. هذا التعثر المستمر ليس ضعفاً.. بل هو الثمن الذي تدفعه الروح لكي تتخلص من كل وهم قديم.
جلست في شرفتي انظر إلي السماء وأخذت نفساً عميقاً، وهمست لنفسي في صمت الغرفة:
"لا بأس أن أتألم اليوم، ولا بأس أن أتذكره.. فالتجاوز ليس امتحاناً صعباً يجب أن أجتازه بلا أي خدش، بل هو رحلة طويلة لترميم قلبي.. ولن أيأس أبداً حتى أنجح تماماً.