الفصل الثامن:أثر الخطيئة المعتمة
لا تسير الحياة يوماً على وتيرة واحدة؛ بل تتأرجح بلا رحمة داخل الروح المتناقضة، تجتمع في صدرك طاقة قوة وهمية تقاومين بها عصف الريح، يعقبها فوراً طوفان عارم من الحزن الحارق الذي يعصر القلب من جذوره، ثم يطرق بابك الخذلان ليصفعك على وجهك كحقيقة صاعقة لا مناص منها، فتجدين نفسك مرغمة على سلوك دروب النسيان الموحشة، ليس لأن الألم تلاشت آثاره، بل لأن الروح كفّت تماماً عن الالتفات للوراء. وفي النهاية، تقفين على حافة التجاوز البارد، حرة نعم.. ولكن بملامح ممزقة وندوب لا تشبهك.
ورغم كل هذه المشاعر المتناقضة التي تعصف بالصدر، تظل الحقيقة المرة راسخة لا تهزها رياح الأعذار، إلا أنني مازلت هنا أعاني.. هذه هي الحقيقة.
حين أكون بمفردي في سكون الليل.. في تلك اللحظة التي تتعرى فيها الجدران من كل زيف النهار، ويتحول الصمت إلى محقق قاسٍ يطرح أسئلته الثقيلة بلا إجابة، تداهمني الذاكرة بكل ثقلها ووحشتها.
أتذكر كيف كانت حياتي هادئة، بريئة، ومرتبة تماماً كغرفة طفلة لم يعبث برائحتها الغبار بعد؛ ولا أحمل للدنيا هماً، وذلك كله قبل أن أختار بإرادتي أن يدخل حياتي، ويلعب بمشاعري بكل ركن جميل داخلي.
أتذكر "يوسف".. يا إلهي، كم كانت تلك العلاقة تبدو لي من خلف شاشات الهاتف الواهمة واحة غناء، وكم داعبت خيالي أحلام اللقاء العابر. كنت أعطي حبي بكل نقاء وعفوية، كطفلة تمنح لعبتها الوحيدة لمن تثق به، متخيلة أن العالم أنقى من أن يخون، بينما كان هو لا يرى في تلك البراءة سوى مرآة أخرى لشهوته؛ يلتهم روحي وقلبي عبر شاشات الهاتف الباردة، ويختزل مشاعري العميقة في رغبة عابرة، محولاً طهري إلى قربان يغذّي به غرائزه الملتوية.
كنت أتخيل لو أنه جاء حقاً، لو كان صادقاً ودق باب بيتنا شامخاً ليخطبني، وليحبني كأي فتاة عادية يحيط قلبها بالدفء والأمان، يفعل لأجلها الكثير والكثير من التفاصيل الصغيرة التي تصنع اليقين والسكينة، لكنه لم يفعل؛ بل ترك يدي في منتصف الطريق المهجور.. تركني أنزف وحدي دون التفاتة وداع.
كانت هذه العلاقة مع يوسف شهوراً.. نعم، مجرد شهور عابرة في تقويم الزمن، لكنها كانت كفيلة بأن تبتلع عمري كله، أن تحرق ربيع أيامي في جحيم بطيء.
كنت أمشي بفستان أبيض.. ذاك الذي افترضت أنه يمثل براءتي المطلقة، لكنني وجدته ممزقاً، مهلهلاً، لست أدري أين تلاشت أجزاؤه تحت وطأة الخذلان، وكأنني كنت أركض به في مكان غريب يشبه عالم الميتين ظناً مني أنه ثوب نجاة، فإذا به كفن أبيض يلف براءتي المتبقية.
كنت أمشي تائهة في طريق غامض معتم، لا أرى نهايته، ولا أين يلقي بي الظلام أو إلى أين تأخذني قدمي بعد ذهابه؛ كان طريقاً موحشاً بلا ملامح، تتناثر فيه ظلال الخذلان كأشلاء جثث قديمة، مكان يشبه المقابر المنسية، حيث لا صوت يعلو فوق صدى الندم، ولا شيء سوى صقيع الوحدة الذي ينهش ما تبقي من نبض.
كنت أشبه طفلة ضائعة، تمد يدها ببراءة خائفة تظن أنها تمسك بيد سندها وملاذها الآمن، بينما في غرفتي، حين أنظر إلى نفسي في المرآة، لا أرى سوى انعكاسه هو؛ كيان غامض، مضلل ومظلم.
ولم تقتصر الخسارة على ضياع البراءة فحسب؛ بل لقيت نفسي أرتدي شخصيته القاسية الملتوية بحذافيرها. تشربت روحه المسمومة كأنني أجرعت سمّاً بطيئاً، وأخذت من طريقته في القسوة والبرود درعاً سميكاً أتخفى خلفه كي لا يعلم أحد كم أنا ممزقة من الداخل. أصبحت كـ "يوسف" نسخة أنثوية باهتة، ترتدي عباءته السوداء الداكنة التي لوثت طهر روحي، وصارت تسير بخطوات تشبه خطاه الجافة، كأن الوجع قد أكل نقائي وبدل ملامحي تماماً حتى صرت لست أنا.
صرت أشبهه في جفائه، ووجدت نفسي أنساق وراء تصرفات مستلبة، أحاول عبثاً الانتقام -بلا شجاعة حقيقية- من أي شخص جديد يطؤ حدود حياتي بعده، لكن كانت خسارة نفسي أولاً وقبل الجميع، حتى غدوت غريبة عن ذاتي، لا أعرف من أنا، ولا ماذا تبقى مني تحت هذا الخراب المزمن.
أعود بذاكرتي إلى الوراء، إلى تلك الجلسات الطويلة التي لم تكن سرداً جافاً ليوميات، بل كانت حواراً يعج بالعتمة والتناقضات المرضية التي تمزق العقل وتُقْطِر سمّاً بطيئاً في الأوردة.
كان يجلس أمامي عبر الشاشة الباردة، ليفاتحني بلا خجل ولا ذرة وجدان عن أخريات عرفهن، عن تفاصيل ارتباطاته القديمة وحديثه المتبادل مع المعجبات، وكأنني لست سوى متفرج في مسرحية عبثية يكتب هو فصولها السامة. كنت أنظر إليه بدهشة وأنا أسمعه يحكي ببرود مرعب عما كان يفعل، فأعترض وأرسم حدود الصواب وسط حديثه وأقول له بصوت يرتجف:
— "يوسف.. مينفعش اللي بتقوله ده، ليه بتعمل كده؟ انا بضايق على فكرة.."
فكان يبتسم ببرود مريب، ليرد عليّ بنبرة هادئة ومستفزة تحاول امتصاص غضبي الخانق وتنويمي مغناطيسياً:
— "عادي.. دي حاجات قديمة انتهت.. وانتي غيرهم كلهم، إنتي الأساس، إنتي الوحيدة اللي دخلت قلبي بجد."
تلك الكلمات السامة كانت تمر في صدري كطعنات خفية مسمومة؛ كيف لرجل يروي لي تفاصيل نزواته ومعجباته بكل بساطة وقسوة، ثم يرجع ليؤكد لي مكانتي المزعومة؟! وفي ذات اللحظة، ذات اليد التي كانت تحدثني عن تلك العلاقات وتستدرجني بكلماتها المعسولة عبر الهاتف، كانت توقعني في ذلات لا تغتفر ولا تمحوها الأيام. كنت أردد مبرراته الواهية في رأسي كالممسوسة، وأنا متراخية بين عقل يصرخ بالرفض والفرار، وبين قلب مهشم يستجدي الوهم.
كنت أتخيل أنني أرقص معه بفستاني الأبيض البريء، كان مثل الشيطان.. نعم، كنت أدرك تماماً أنه شيطان ملعون يرتدي ثياب الهلاك، لكنني كنت أرى أنا.. بعيني المغمضتين بالحب الأعمى، شيئاً آخر.. كنت أرصده بعينيّ المخدوعتين كأنه طوق نجاة و النور الوحيد المتبقي في عالمي المعتم، كنت مرحة جداً معه، كفتاة ترقص حافية في ساحة قلبه، مبتهجة كفراشة رأت الحب لأول مرة، كنت أظن نظراته وابتسامته إعجاباً برقصتي بعفويتي وبحبي له، ولم أدرك أنه كان يستمتع بمشاهدة عرض مسلٍّ على وشك الانتهاء، لا ببداية حب على وشك أن يبدأ، كنت أعلم أنه يجرفني إلى الهاوية، ومع ذلك كنت أمد يدي إليه بكامل إرادتي المسلوبة، أستجدي دفئاً مصطنعاً من بين أنيابه، متجاهلة ذلك الصوت الصادق في أعماقي الذي كان يصرخ محذراً من هول السقوط، حتى تبدد الوهم وبقيت وحدي ألعن أثر خطواته.. أشبه فتاة ترتدي فستاناً أسود، تطير نحو الهاوية بكامل إرادتها، تظن أن الجناحين اللذين منحها إياهما سيوصلانها إلى النور، لتكتشف متأخرة أنهما لم يكونا سوى ريش غراب أسود، يلقي بها في قاع العتمة حيث لا بقايا لصوتها، ولا حتى صديً لندائها الأخير.