NOVELFLEX

الفصل الثالث:خلف شاشة مضيئة

تجاوزت يوسف وحلقت بعيداً · بقلم إسراء حمدي حسن

الفصل الثالث:خلف شاشة مضيئة

في العالم الافتراضي، لا تحتاج إلى جثة لتثبت وقوع الجريمة، يكفي فقط أن تنظر إلى شاشة هاتف تنبض بالضوء في عتمة الليل، بينما تتلاشى إنسانيتك سطراً بعد سطر. هناك، خلف ذلك الزجاج الأملس، بنيتُ لك يا يوسف صرحاً هائلاً من الأوهام، وكنتُ أتكفل بنفسي بتغليف كل قسوة منك بغلاف دافئ من التبريرات؛ لأن الحقيقة كانت أمراً لا أطيق تحمله.

كنتُ أكتب لك بلهفة المأهول بالحب، أسرد لك تفاصيل يومي، وأشاركك أفكاري ونصوصي الممتدة بكل شغف.. ثم أراقبك. أراقب عبارة متصل الآن وهي تضيء وتنطفئ بنذالة، ألمح علامة القراءة التي تخبرني أنك رأيت كلماتي، ثم يبدأ الصمت. يمتد ذلك الجفاف لساعات طويلة، وحين يأتيني منك الرد أخيراً، يكون مقتضباً وكأنه صدقة: "جميل" أو "بالتوفيق".

تأكلني الغصة، لكنني كنت أمارس هواية الضحايا المفضلة: خلق الأعذار. أقول لنفسي إنك مشغوك بالتأكيد، أو أن ضغوط الحياة تجعلك قليل الكلام، مخترعة لك أسباباً لم تكلف نفسك عناء التفكير فيها.

وحين كان يحلو لك أن تمنحني بعض الاهتمام، لم يكن اهتماماً دافئاً بقدر ما كان تطفلاً خانقاً، كنت تسألني بنبرة حاسمة يغلفها فضول بريء عن الشخص الذي تحدثت معه، ولماذا تأخرتُ في الرد بضع دقائق، وتطالبني بكشف مساحتي الخاصة، وحين أظهر انزعاجي، تقلب الطاولة بذكاء وتسألني بإنكار عما إذا كان اهتمامك يزعجني، فأجد نفسي أعتذر بلهفة عن حقي الطبيعي في الحفاظ على خطوطي الحمراء!

ولم يتوقف الأمر عند التجاهل أو التطفل، بل امتد إلى تلك السخرية المبطنة التي تسللت عبر الشات. أتذكر يوم شاركتك فكرة روائية شغفتُ بها، فكان ردك المباغت يحمل قلماً مسموماً يرتدي زي المزاح، حين كتبتَ لي ببرود أنني آخذ الأمور بأكبر من حجمها، وأن تفكيري سطحي بعض الشيء، لكن لا بأس فهذا لطيف بالنسبة لمني. كانت كلمتك تنزل كقطرات أسيد هادئة، تتركني أتساءل في العتمة عما إذا كنتُ حقاً بلا قيمة.

أما الوعود بالزواج والخطبة فور أن تفرغ من دراستك، فكانت المخدر الموضعي الذي تحقنني به كلما لوح في الأفق خطر الابتعاد. كنت أبتلع تلك الوعود بشغف، ومقدمة صبري لتلك الأيام الموعودة. لكن، وحين كان القلق ينهشني وأسألك بنبرة متوترة عن موعد مجيئك الحقيقي، كنت تهدئني بكلمات مطعمة باليقين لأصدقك بسذاجة.

غير أن أسئلة مرّة كانت تتردد في أعمق نقطة من روحي: كيف لرجل أن يرى قيمة لمن تنازلت عن حذرها لأجله؟ كيف يأتمن على بيته من منحته ثقتها الكاملة عبر عالم افتراضي صامت؟ كنت أستشعر دونية ثقيلة، وأعرف في أعماقي أن من تتساهل في حماية مساحتها الخاصة، لن تصبح في عينك يوماً امرأة مصانة.

كنت أضع مرشحات وردية على شاشة هاتفي لألطف من حدة الحقيقة، خشية أن أستيقظ وأجد نفسي أستنزف روحي في وهم رقمي رخيص.

لكن الاستيقاظ حدث في النهاية. تهاوت المرشحات، وأدركتُ أن التجاهل عبر الشاشات إهانة لا لا تقلّ عن الصفح في الوجه، وأن الكلمات المكتوبة تقتل بنفس كفاءة السكين.

لم أعد أبحث عن النقطة الخضراء، ولم أعد أنتظر حرفاً يأتيني من خلف الزجاج، لم أعد أبحث عن النقطة الخضراء، ولم أعد أنتظر حرفاً يأتيني من خلف الزجاج. وضعتُ الهاتف جانباً، مستسلمة لذلك الجفاف الذي استوطن روحي بعد أن أفرغ بئر الثقة تماماً.

إن أشد أشكال القسوة التي يمارسها العابثون بالوعود ليست في إخلافهم لما وعدوا به، بل في أنهم يسرقون منك قدرتك على تصديق أي أحد بعدهم؛ يتركونك واقفاً في العتمة، تخشى إعطاء الطمأنينة لأنك لم تعد تملكها، لتكتشف أن الأمان الذي يُهدر مرة، يحتاج عمراً كاملاً ليعود.