NOVELFLEX

الفصل الثاني: الباب الذي لم يكن مغلقًا

شفرة الشاعر: هي لي · بقلم 𓆩𝓨𝓐𝓡𝓐𓆪


الساعة 3:12 فجرًا — "حدائق الليل"

كان المطر يضرب زجاج المشتل، فيما وقفت ليلى أمام الباب الحديدي المغلق، تحمل ملف شركة السالمي بيد، وأمر التفتيش باليد الأخرى.

_افتح الباب. لدينا أسئلة عن شحنات قديمة.

ظهر رجل في منتصف العمر خلف الزجاج، تفحّص البطاقة التي أبرزتها له، ثم نظر إلى الضابطين الواقفين خلفها.

_المشتل مغلق في هذا الوقت.

_لهذا السبب جئنا ومعنا الإذن القانوني.

فتح الرجل الباب بمقدار يسمح له بالوقوف في المدخل دون الابتعاد عنه.

_أنا المسؤول عن المكان. إذا أردتم معلومات عن شركة السالمي، فقد انتهى التعامل معها منذ سنوات.

_لم أسألك عن مدة التعامل. سألت عن الشحنات.

تغيّرت ملامحه قليلًا.

_أي شحنات؟

فتحت ليلى الملف، وأرته نسخة من سجل قديم.

_هذه الشحنات. الأرقام موجودة هنا، والتواريخ تشير إلى عمليات تسليم بعد إغلاق الشركة رسميًا.

حدّق الرجل في الورقة، ثم أعاد نظره إليها.

_لا أعرف شيئًا عن هذا السجل.

_لم أقل إنه سجلك. أريد أن أعرف أين توجد النسخة الأصلية.

_لا توجد نسخة أصلية هنا.

أشارت ليلى إلى الباب المفتوح خلفه.

_إذًا لن تمانع أن نتأكد.

تردد الرجل قبل أن يبتعد عن المدخل.

_لا تلمسوا النباتات. بعض الأنواع حساسة، وأي خطأ قد يتلفها.

_لن نلمس شيئًا لا علاقة له بالتحقيق.

دخلت ليلى، وتبعها الضابطان. 

كانت رفوف النباتات تمتد حتى نهاية الممر، بينما قادهم الرجل إلى مكتب ضيق تتكدس فيه ملفات قديمة وفواتير داخل صناديق كرتونية.

أشار إلى الرفوف.

_هذه سجلات السنوات الأخيرة. لن تجدوا فيها ما تبحثون عنه.

بدأ أحد الضابطين بفحص الصناديق، بينما راقبت ليلى الرجل وهو يلتفت باستمرار نحو باب جانبي.

_ما الموجود خلف ذلك الباب؟

_غرفة تنظيف.

_افتحها.

_لا داعي لذلك.

أغلقت ليلى الملف.

_أنت قلت إن المكان لا يحتوي على سجلات أخرى. وأنا أتحقق من كلامك.

_إنها غرفة خاصة بالموظفين.

_ومع ذلك، ستُفحص ضمن حدود أمر التفتيش.

تقدمت نحوه، لكنه سبقها بخطوتين، ودخل الغرفة الجانبية.

سمعت ليلى صوت احتكاك الورق.

_ماذا تفعل؟

لم يجب.

اندفعت إلى الغرفة، فرأته يقف أمام حاوية معدنية صغيرة. كان يمزق سجلًا ورقيًا ويلقي صفحاته في النار المشتعلة داخلها.

_ابتعد عنها!

حاول الرجل إسقاط بقية الأوراق، لكن أحد الضابطين أمسك بذراعه، بينما استخدم الآخر مطفأة الحريق لإخماد اللهب.

تراجعت ليلى خطوة، ثم نظرت إلى الصفحات المتفحمة.

_أنت قلت إن السجلات القديمة غير موجودة هنا.

_كنت أتخلص من أوراق تالفة. هذا تنظيف روتيني!

_قبل وصولنا بدقائق؟

_لا يحق لك اتهامي لمجرد أنني أتخلص من النفايات!

_لم أتهمك. سألتك لماذا تحرق سجلًا بينما نطلب سجلات الشحن.

صمت الرجل.

أخرجت ليلى قفازًا من حقيبتها، والتقطت طرف ورقة لم يصل إليها اللهب بالكامل.

لم يبقَ سوى جزء من جدول، واسم مبتور، ورقم شحنة واضح في أسفل الصفحة.

١٧

توقفت عيناها عند الرقم.

قال الضابط:

_هل هذا هو الرقم الذي وجدناه في المسرح؟

_لا تستنتج شيئًا بعد. صوّر الورقة، وسلّم البقايا إلى الأدلة الجنائية.

التفتت إلى الرجل.

_ما الذي كان في هذا السجل؟

_أخبرتك، أوراق تالفة.

_إذًا لن تجد مشكلة في أن تشرح لنا لماذا أردت التخلص منها الآن.

_لن أقول شيئًا قبل حضور محاميّ.

أومأت ليلى.

_هذا حقك. لكن النار لن تجيب عن أسئلتنا بدلًا منك.

خرجت من الغرفة، وأمرت الضابط بتوثيق الحاوية ومكانها، ثم عادت إلى المكتب لتفحص الملفات المتبقية.

لم تجد سجل الشحنة كاملًا، ولم تحصل على اعتراف، ولم تعرف ماذا يعني الرقم.

لكنها عرفت شيئًا واحدًا: الرجل لم يتخلص من الورق لأنه تالف فحسب. لقد انتظر حتى وصلت الشرطة، ثم حاول إخفاءه أمامها.

رنّ هاتفها.

كان رئيس المباحث.

_أين وصلتِ؟

_وجدنا محاولة لإتلاف سجل قديم. بقيت منه أجزاء تحتاج إلى الفحص.

_هل حصلتِ على أسماء؟

_لا. الرجل طلب محاميًا، ولن أضغط عليه خارج القانون.

ساد الصمت لحظة، ثم قال الرئيس:

_وصلني اتصال من القيادة. يريدون نتائج قبل الصباح، والصحافة بدأت تنشر اسم السالمي.

نظرت ليلى إلى الورقة المحترقة داخل الغلاف.

_سنقدّم ما تثبته الأدلة، لا ما يريدون سماعه.

_احرصي أن يكون لديك شيء تقدّمينه، إذًا.

انتهت المكالمة.

رفعت ليلى عينيها إلى الموظف الذي وقف عند باب المكتب، يراقبها بصمت.

_من كان يعرف أنكم تحتفظون بهذه السجلات؟

لم يجب.

_فكّر جيدًا قبل أن تجيب. هذه المرة لن أسألك عمّا احترق، بل عمّن كان يخشى أن يبقى.

 يقل شيئًا.

بقيت ليلى واقفة أمام باب المكتب، تراقب الموظف الذي لم يرفع عينيه عنها. كان الضابطان يجمعان بقايا السجل المحترق، بينما انتشرت رائحة الورق المحترق في الغرفة.

_سأكرر سؤالي: من كان يعرف أن هذه السجلات ما زالت موجودة؟

مسح الرجل جبينه بكمّ قميصه.

_موظفو الشركة القدامى، على الأغلب. أنا لا أتذكر كل من عمل هنا.

_لم أسألك عمّن عمل هنا. سألتك عمّن كان يعرف مكان السجلات.

_لا أعرف.

أغلقت ليلى الملف الذي أمامها.

_حسنًا. سنراجع أسماء العاملين السابقين، وسنقارنها بسجلات الدخول والشحن. إذا كنت صادقًا، فلن يتغير شيء بالنسبة إليك.

رفع الرجل رأسه بسرعة.

_أنتم لا تفهمون ما تبحثون عنه.

_إذًا، ساعدني على الفهم.

تردد، ثم نظر إلى الضابطين قبل أن يتحدث.

_كانت هناك شحنات لا يتولى موظفو المشتل تسجيلها بأنفسهم تصل التعليمات من الإدارة، وتُنفّذ كما هي. لم يكن من المفترض أن نسأل عن وجهتها.

_من كان يرسل التعليمات؟

_لا أتذكر الأسماء.

_هل كانت مكتوبة أم تصل عبر الهاتف؟

_أحيانًا مكتوبة.

_أين احتُفظ بها؟

_لنعد الى المشتل

الساعة 4:03 فجرًا — "المشتل"

أشار الرجل إلى الخزانة المعدنية قرب النافذة.

_كانت بعض الأوراق تُحفظ هناك، لكن الخزانة فُرغت عندما أُغلقت الشركة.

اقتربت ليلى منها، ثم توقفت قبل أن تفتحها.

_من أفرغها؟

_لا أعرف.

_ومن يملك مفتاحها الآن؟

صمت الرجل.

لم تكرر السؤال. أشارت إلى الضابط كي يصوّر الخزانة وقفلها، ثم طلبت منه تسجيل أقوال الموظف كاملة. لم يكن ما قاله كافيًا لإثبات وجود نشاط غير قانوني، لكنه كان أول إقرار بأن بعض الشحنات لم تكن تُدار بالطريقة المعتادة.

وقبل أن تغادر الغرفة، التفتت إليه.

_هل تعرف عاملًا سابقًا اسمه كان مرتبطًا باستلام النباتات النادرة؟

ذكر الرجل اسمًا، ثم أضاف بسرعة:

_لكنه ترك العمل منذ زمن. لا أعرف أين تجده.

دوّنت ليلى الاسم.

_سنحاول الوصول إليه بالطريقة القانونية.

بعد دقائق، وقفت ليلى عند مدخل المشتل، تحت المظلة المعدنية التي يتسرب الماء من حوافها. كان الضابط يضع الأدلة المصوّرة في حقيبة مخصصة للنقل، فيما طلبت هي إرسال بقايا السجل إلى المختبر.

رنّ هاتفها مرة أخرى. ظهر اسم رئيس المباحث.

_أريدك أن تعودي إلى القسم بعد إنهاء الإجراءات. وصلتنا تعليمات جديدة.

_هل ظهرت نتيجة من المختبر؟

_ليس بعد. الأمر يتعلق بالقيادة والإعلام.

أنهت المكالمة، ثم التفتت إلى الضابط.

_لن نغادر قبل التأكد من توثيق كل ما ضُبط. لا أريد أن تتحول محاولة إتلاف السجل إلى نزاع حول سلامة الأدلة.

أومأ الضابط، وعاد إلى الداخل.

انتظرت ليلى قرب الباب، تراجع ملاحظاتها. لم يكن الرقم 17 كافيًا لربط السجل بالساعة الموجودة في المسرح، ولم يكن الموظف قد ذكر اسمًا يمكن التحقق منه. كانت لديها الآن شحنات غير واضحة، وخزانة أُفرغت، وسجل حاول أحدهم إحراقه.

ثلاثة خيوط، ولا واحد منها يقود إلى إجابة نهائية.

بعد استكمال إجراءات الضبط، جلست ليلى في سيارة الشرطة إلى جانب الضابط الذي كان يقودها. لم تغادر الملف من يدها، وظلت تقارن صورة الجزء المحترق بنسخة السجل التي أحضرتها معها.

سأل الضابط.

_هل تعتقدين أن الموظف يعرف أكثر مما قال؟ 

_أعتقد أنه خائف من شيء محدد، لكن الخوف وحده لا يثبت أنه يعرف القاتل.

_وما الذي سنفعله الآن؟

_سنبحث عن العامل السابق الذي ذكره. إذا كان قد تعامل مع الشحنات بنفسه، فقد يستطيع تفسير طريقة تسجيلها.

توقف الضابط عند إشارة المرور، ونظر إلى الطريق المبتل.

_وإذا رفض الكلام؟

أغلقت ليلى الملف.

_سنبحث عن دليل مستقل يؤكد ما يقوله أو ينفيه. لا يمكننا بناء قضية على نصف إجابة.

الساعة 4:16 فجرًا —" منزل العامل السابق"

وصلت ليلى والضابط إلى منزل صغير في أحد الشوارع القديمة. كانت النوافذ مغلقة، والضوء الوحيد يأتي من مصباح فوق الباب.

طرقت ليلى ثلاث مرات.

بعد لحظات، فُتح الباب بمقدار ضيق، وظهر رجل في أواخر الأربعينيات، بدا عليه الإرهاق.

_نعم؟

أبرزت ليلى هويتها.

_المحققة ليلى. نحتاج إلى التحدث معك بشأن عملك السابق في "حدائق الليل".

تغير وجهه عند سماع اسم المشتل.

_لا علاقة لي بذلك المكان الآن.

_نعرف أنك غادرت العمل منذ سنوات. نريد فقط أن نسألك عن بعض سجلات الشحن.

حاول إغلاق الباب.

_لا أعرف شيئًا.

وضعت ليلى قدمها بعيدًا عن الباب، ولم تمنعه من إغلاقه.

_لن أطلب منك فتحه بالقوة. لكن إذا كنت تعرف شيئًا يتعلق بجريمة قتل، فمن الأفضل أن تتحدث معنا.

ظل الرجل ممسكًا بالمقبض، وعيناه تنتقلان بين وجهها والضابط.

_من مات؟

_نادر السالمي.

ارتخت أصابعه عن المقبض، ثم تشبثت به من جديد.

_هل مات فعلًا؟

تبادلت ليلى والضابط نظرة سريعة.

_نعم. عُثر عليه مقتولًا الليلة الماضية. لماذا تسأل؟

تراجع الرجل خطوة إلى الداخل، وظهر الرعب على وجهه بصورة لم تستطع ليلى تجاهلها. لم يكن حزنًا على رجل يعرفه، بل خوفًا من خبر كان يتمنى ألّا يسمعه.

_لا... لا ينبغي أن يحدث هذا.

_ماذا تقصد؟

نظر الرجل إلى الشارع خلفهما، ثم عاد ببصره إليها.

_الرجل الذي يرتدي حبر القصائد.. لا يترك خلفه أحداً يعرف اسمه الحقيقي.

تجمدت ملامح ليلى.

_من تقصد؟ هل تتحدث عن شخص تعامل مع السالمي؟

_اخرجي.

_أريدك أن توضح ما قلته.

_قلت اخرجي! لا أريد أن أُسأل عن هذا مرة أخرى!

أغلق الباب بقوة.

لم تطرقه ليلى ثانية. بقيت أمامه لحظات، تستعيد العبارة حرفًا حرفًا، ثم دوّنتها في دفترها كما سمعَتها، من دون أن تضيف إليها تفسيرًا.

سألها الضابط بصوت منخفض:

_هل تعتقدين أنه يعرف الشاعر؟

نظرت إلى الباب المغلق.

_لا أعرف. وربما هو نفسه لا يعرف من يكون.

ثم أضافت وهي تعيد دفترها إلى جيبها:

_لكننا الآن نعرف أن اسم السالمي ليس الشيء الوحيد الذي يخيف الناس.

بقيت ليلى أمام باب منزل العامل السابق، تنظر إلى دفترها المفتوح. أعادت قراءة العبارة التي كتبَتها قبل لحظات، ثم أغلقت الدفتر ببطء.

سيدي، هل نعود إلى القسم؟ سألها الضابط.

_نعم. أريد تسجيل ما حدث هنا، بما في ذلك رفضه الإجابة. لا تكتب أنه تعرّف إلى القاتل، لأنه لم يقل ذلك.

_وماذا عن عبارته؟

_تُسجّل كما نطقها تمامًا. لا نعرف معناها بعد.

عادت ليلى إلى السيارة، وجلست إلى جانب الضابط. طوال الطريق، لم تحاول تفسير عبارة «الرجل الذي يرتدي حبر القصائد». كانت تعرف أن عقلها يستطيع بناء احتمالات كثيرة، لكن كثرة الاحتمالات لا تجعل أيًّا منها حقيقة.

عندما وصلا إلى قسم التحقيقات، كانت الساعة تقترب من الخامسة صباحًا. دخلت ليلى إلى مكتبها، ووضعت ملف السالمي بجانب تقرير المشتل. لم تكن قد حصلت على إجابة، لكن لديها الآن شاهدًا خائفًا، وسجلًا محترقًا، وعبارة لم تستطع تجاهلها.

رنّ هاتف المكتب.

_المحققة ليلى؟ رئيس المباحث يطلب حضورك فورًا.

أغلقت الملف وأخذته معها.

كان رئيس المباحث واقفًا أمام شاشة تعرض عناوين إخبارية عن مقتل نادر السالمي. على مكتبه أوراق تحمل أختامًا رسمية، وإلى جانبها هاتف لم يتوقف عن الرنين.

_أغلقي الباب.

فعلت ليلى ذلك، ثم وضعت الملف أمامه.

_هذه نتائج التحقيق الأولية. لدينا محاولة لإتلاف سجل في المشتل، وشحنات تحتاج إلى مراجعة، وشاهد سابق رفض الإدلاء بمعلومات إضافية.

لم يفتح الملف.

_هذا لا يكفي.

_لم أقل إنه يكفي لإغلاق القضية.

_القيادة لا تريد قائمة بما لا نعرفه. تريد اسمًا تقدّمه للإعلام.

_لدينا مشتبه به؟

نظر إليها بحدة.

_لدينا أشخاص يمكن التحقيق معهم.

_هذا ليس ما سألت عنه. هل يوجد دليل يربط أحدهم بالقتل؟

تردد للحظة، ثم قال:

_هناك ضغط من جهة عليا. اسم السالمي مرتبط بأشخاص نافذين، والوزارة تريد احتواء القضية قبل أن تتحول إلى فضيحة أكبر.

_إذًا، علينا أن نثبت ما حدث، لا أن نختار شخصًا لإرضاء الصحافة.

ضرب بيده على المكتب.

_أنت لا تفهمين حجم الضغط الذي أتعرض له!

_أفهمه. لكن إذا أعلنتَ اسم شخص بلا دليل، فلن تختفي الجريمة. سنكون قد أضفنا إليها ظلمًا جديدًا.

ساد الصمت.

دفع رئيس المباحث ورقة نحوها.

_هذا طلب رسمي بتقديم تقرير أولي خلال ساعات. وإذا لم تلتزمي بالتعليمات، فقد تُسحب منك القضية إلى حين مراجعة أدائك.

قرأت الورقة، ثم أعادتها إلى مكانها.

_سأقدّم التقرير في الموعد. سأكتب ما نملكه من أدلة، وما نحتاج إلى التحقق منه. لن أضع اسمًا في خانة القاتل لأن أحدًا يريد عنوانًا مثيرًا.

_أنتِ بذلك تضعين نفسك في مواجهة القيادة.

_أنا أضع التحقيق في مواجهة الحقيقة.

حملت ملفها وغادرت المكتب. لم يحاول رئيس المباحث إيقافها.

عادت ليلى إلى مكتبها، وبدأت إعداد التقرير. فصلت الوقائع المثبتة عن المعلومات التي تحتاج إلى تحقق، وكتبت أن الرقم 17 ظهر في بقايا سجل المشتل، من دون أن تربطه بالساعة الموجودة في مسرح الجريمة.

بعد أن أرسلت التقرير، أغلقت الحاسوب، وأخرجت هاتفها لتتصل بفريق الأدلة وتسأل عن حالة السجل المحترق. لم تصل نتيجة جديدة بعد.

وضعت الهاتف على المكتب، ثم اتجهت إلى سيارتها لتغادر إلى الأرشيف الخارجي الذي ورد عنوانه في سجلات شركة السالمي. لم يكن لديها ما يكفي لفتح الملف المفقود، لكنها أرادت التحقق من مكان حفظه قبل طلب الإذن اللازم.

الساعة 11:38 مساءً — الأرشيف الخارجي

وصلت ليلى إلى المبنى بعد أن حصلت على إذن الدخول وفحصت سجل النقل المتاح. كانت الأمطار تضرب النوافذ، والممرات شبه خالية إلا من موظف المناوبة الذي قادها إلى غرفة الأرشيف القديمة.

_هذا هو المخطط الذي طلبتِه. الغرفة السابعة عشرة كانت تُستخدم لحفظ الملفات قبل إعادة تنظيم المكان.

أخذت ليلى المخطط.

_هل تغيّر تقسيم الغرف بعد ذلك؟

_نُقلت بعض الرفوف، وأُغلقت غرف، لكنني لا أملك تفاصيل أكثر. كل شيء موجود في السجلات.

_أريد النسخ الأصلية لمخطط الغرفة، وليس نسخة التوزيع الحالية.

أحضر الموظف ملفًا آخر، ثم تركها تعمل بعد تسجيل طلبها.

وضعت ليلى المخطط القديم فوق الطاولة، وأخرجت قياساتها من الغرفة التي دخلتها قبل قليل. راجعت طول الجدار، ثم عرض المساحة، وأعادت القياس مرة أخرى.

لم تتطابق الأرقام.

رفعت المخطط نحو المصباح، ثم أنزلته. لم تكن المشكلة في اختلاف بسيط ناتج عن نقل الرفوف؛ فالمساحة المسجلة على الورق أكبر من المساحة الحقيقية للغرفة.

سحبت قلمًا، وحددت حدود الغرفة على المخطط.

ثم توقفت.

أعادت قياس المسافة بين الجدارين، وكتبت النتيجة بجانب القياس القديم.

كان هناك فراغ لا يظهر في التوزيع الحالي.

همست:

_أين ذهبت هذه المساحة؟

لم يجبها أحد.

اقتربت من الجدار، ومررت نظرها على امتداده، من الأرض حتى السقف. لم تلمسه، ولم تحاول فتحه. اكتفت بمقارنة موضعه مع الخطوط المرسومة على المخطط.

كان هناك فراغ مخفي خلفه.

أخرجت هاتفها والتقطت صورًا للمخطط والقياسات، ثم اتصلت برئيس المباحث.

_وجدت اختلافًا في مخطط الأرشيف. أحتاج إلى إذن لفحص الجدار وفق الإجراءات.

_هل وجدت الملف؟

_لا. وجدت مساحة لا تتطابق مع المخطط. لا أستطيع الجزم بما وراءها قبل الفحص.

_لا تلمسي شيئًا حتى يصل الفريق.

_لن أفعل.

أنهت المكالمة، وبقيت واقفة أمام الجدار. لم تكن تعرف إن كان الفراغ مرتبطًا بالسالمي، أو بالسجل المفقود، أو بشيء آخر تمامًا.

لكنها عرفت أن أحدًا لم يضع هذه الخطوط في المخطط عبثًا.

ذهبت الىالخارج لتقف إلى جانب سيارتها، توقفت فجأة.

كان هناك ظرف أسود يستقر على الزجاج الأمامي، مختومًا بالشمع، دون اسم للمرسل أو أي علامة تدل على هويته. لم يكن وجوده في ذلك المكان أمرًا عابرًا، على الأقل ليس بالنسبة إليها.

اقتربت بحذر، وأمسكت الظرف من حافته، ثم قلبته بين أصابعها. لم تجد سوى اسم واحد مكتوب على الجهة الأمامية:

ليلى.

نظرت حولها، إلى المواقف شبه الخالية والشارع الذي ابتلّ بمياه المطر، لكن لم يظهر أحد يثير الشك.

فتحت الظرف وأخرجت الورقة المطوية بداخله. مرّت عيناها على السطور المكتوبة بخط منتظم:

«لم يكن البابُ مغلقًا، بل كانوا ينظرون إلى الجدار.
معظمُ العيون ترى الدم وترتعد، وقليلٌ منها يرى العقل الذي سكبه.
أتساءل... هل كان خيطكِ الأول حظًّا، أم أنكِ بدأتِ تسمعين نبض شفرتي؟»

ثبتت ليلى نظرها على الكلمات الأخيرة، ثم أعادت قراءة الرسالة بصمت.

_من أنت؟ تمتمت وهي تطوي الورقة ببطء.

لم تكن الرسالة اعترافًا، ولم تمنحها دليلًا يمكن تقديمه في التحقيق. لكنها أكدت لها أن هناك من يتابع مسار القضية، ويعرف أن خيطًا ما بدأ يتشكل بين يديها.

وضعت الرسالة داخل حقيبتها، وفتحت باب السيارة.

هذه المرة، لم يكن السؤال عمّا يريد قوله فحسب، بل كيف عرف أنها بدأت تقترب.