NOVELFLEX

عقاب غير مرئي

المجد للمرأة · بقلم 𝓐𝓷𝓮𝓮𝓷 ✍︎

الفصل الحادي عشر:

فليذهب الجميع إلى الجحيم..

يبدو أن هناك نقصاً في الأرواح ،

ولا بد أن أرسل المزيد منكم إليها

عقاب غير مرئي

وما إن دخلت السيارة حتى أغمضت عينيها، فاختفت كأن لم تكن.. تنفست بعمق وظلت مغمضة العينين، حتى شعرت بعينٍ تراقبها. فتحت عينيها لترى أحد حراس المستشفى يطالع المكان، لكنها اطمأنت حين رأت نظراته لا تستقر عليها مباشرة.. إذاً، هو لا يراها، وما ذلك إلا مجرد حدس لديه.

التفت زميله نحوه وسأل:

— ماذا هناك؟!

— لقد سمعت صوت أنفاسٍ للتو من المقعد الخلفي..

ضحك زميله قائلًا:

— أنت تتوهم لأنك استيقظت من النوم للتو! ربما لم تأتِ لهذه الجهة حتى.. أنت شعرت بذلك فقط، لا بأس، لنذهب..

عندما سمعت حديثه، تباطأت في تنفسها.. شعورٌ مرهق وصعب أن تحبس أنفاسك وتخرجها بعد فترة ببطء شديد خوفاً من كشف أمرك، حيث تبدو الدقيقة الواحدة كأنها يوم كامل وأكثر، وهذا تماماً ما شعرت به بطلتنا.

— أقسم لك إنني سمعت صوت أنفاس أحد ما!

— حسناً حسناً، لديك حاسة تاسعة، هيا لنرحل. (وجره معه)..

عندما ابتعدا قليلاً عن السيارة، أعطتها ظهرها وأخرجت قداحتها.. أشعلت سيجارة، ثم التفتت لتنفث دخانها على زجاج السيارة الأمامي. وبينما هما يسيران عائدين للمستشفى، نظر للمرة الأخيرة نحو السيارة فرأى زجاجها قد أصبح ضبابياً لا يتضح منه شيء، فمضى مع زميله نحو المستشفى.

وحين تيقنت أنهما دخلا، رقدت في المقعد الخلفي لتدخل في سباتٍ عميق..

أشرقت الشمس، وبدأت الحرارة تنتشر في المكان لتطال مواقف السيارات وزجاجها الذي أصبح ساخناً، باعثاً بحرارته إلى داخل السيارة. شعرت بذلك ففتحت عينيها بكسل، وما إن رأت نفسها في السيارة حتى نهضت بسرعة لتخرج منها، ناسيةً ما حدث بالأمس.

وما إن خرجت، التفتت حولها متأكدة من أنها في المواقف، وبدأت تستذكر ما جرى.. لتمتد ملامحها وتتذكر أنها لا تزال متخفية، وقررت مواصلة التخفي في الوقت الحالي حتى تخرج من هنا بسلام.

نظرت إلى جرحها الذي أصابها حين قفزت من النافذة، وضعت يدها عليه فتوهج بلون أزرق خافت فاختفى الجرح تماماً من جسدها!

سارت في الشارع واضعةً يديها في جيبي بنطلونها، ترى المنطقة حولها هادئة بطريقة جميلة لا يقطعها سوى زقزقة العصافير. ابتعدت عن المستشفى وهي تبتسم براحة من جمال الجو ورواق الصباح.. لكن ذلك الهدوء تشتت فجأة بسبب أصوات مزعجة قادمة؛ قطبت حاجبيها وتابعت سيرها، وكلما اقتربت ازداد علو الصوت.. شخص ما يبكي ويئن لسبب ما!

لكنها لم تهتم واستمرت في طريقها، حتى ظهرت أمامها فتاة لا يتعدى عمرها ست سنوات، يقف معها شاب يطلب منها أموراً غير لائقة ويهددها، بينما كانت الفتاة تضع يدها على وجهها وتبكي.

أعادها ذلك المنظر إلى طفولتها، فاقتربت منهم بخطوات ثابتة وملامح حادة موجهة نحو الشاب.. كان يلح عليها بوقاحة، طالباً منها أن تخلع ملابسها لدقيقة ثم يدعها تذهب، وإن لم تفعل فلا تلومنّ إلا نفسها!

التفتت إلى الفتاة لترى ردة فعلها، فوجدتها مستمرة في النحيب بصمت دون أن تبعد يدها عن وجهها.

انتظرت لترى ما سيصنع بها، فرأته يشتد غضباً لعدم انصياعها، فاقترب منها وشد شعرها بعنف صارخاً:

— ماذا قلت لكِ؟!

صرخت الفتاة ولم ترد، فشرع في نزع ملابسها رغماً عنها.. وهنا تدخلت هي، فأمسكت بيده!

توقف الشاب فجأة وسط حديثه حين وجد يده معلقة في الهواء، عاجزاً عن تحريكها وكأن شخصاً خفياً يمسك بها بقوة.. حاول سحبها عبثاً وباءت محاولاته بالفشل، فبدأ الخوف يدب في قلبه وهو يلتفت يميناً ويساراً بارتجاف:

— مـ.. مـ.. من هنا؟!

لم يتلقَّ إجابة، بل شعر فجأة بأن يده تحررت وسقطت، أو بالأحرى انطلقت من تلك القبضة المجهولة.. كانت تنتظره أن يهرب رعباً أو يرتدع، لتمنحه فرصة للنجاة تبعد عنها تأنيب الضمير.. لكنها أيقنت أنه لا يستحق، حين رأته يعاود الاقتراب من الفتاة ليكمل فعلته الدنيئة، ظناً أن ما حدث للتو مجرد صدفة!

أخرجت قداحتها وأشعلتها، وقربتها من يده ليلتهمها اللهب فوراً. حين باغتته الحرارة، صرخ فزعاً وهو يحتضن يده دون أن يرى سبباً مرئياً.. لكن النيران بدأت تستعر في يده بالكامل من تلقاء نفسها، ثم انتقلت إلى صدره حين قرب يده منه.

كان يصرخ متألماً بينما يخرج منه دخان أبيض كثيف دون أن يتبين أثر للنار! بدأت ألوان جلده تتغير كأنه يتعفن، وأخذ يضرب صدره ويده كالمجنون حتى احترقت ملابسه بالكامل ووقع على الأرض وسط الدخان الأبيض ورائحة الحريق النفّاذة، وهو يتقلب يميناً ويساراً من شدة العذاب.

ابتسمت بانتصار، واقتربت منه لترفع رأسه بشعره، وهمست في أذنه بقسوة:

— المجد للمرأة أيها المعتوه..

ثم تركته وابتعدت.

مسحت على جبين الفتاة فأغمضت عينها ونامت بهدوء، فأخفتها وحملتها بين يديها.. وبينما هي تمضي، بدأ حشد من الناس يتجمع حول الرجل المشتعل، حائرين من رائحة الحريق وغياب أي أثر للنار سوى جراحه وصراخه الجنوني، حتى تحول تدريجياً إلى رماد أمام أعينهم!

عجز الناس عن التدخل خوفاً من اللهب المحيط به، وظلوا يراقبون في ذهول وحزن.. وما إن هدأت النار ولم يبقَ سوى الرماد، حتى جمعو رماده بغرة ومضوا.

أما هي، فمضت في طريقها بهدوء حاملةً الفتاة بين يديها، بعد أن شهدت نهايته العادلة..