الفصل العاشر:
التقدّم مؤلم.. والرجوع مؤلم.. والثبات على حالكِ أشدّ ألماً
حياتي في ملهى
بعد سبعة أيام..
فتحت عينيها الخضراوين.. تفتحهما فترى كل شيء ضبابياً، ثم تعاود إغلاقهما..
وبعد يوم..
تسلل إلى مسامعها صوت يقرأ بثبات:
﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
بدأت تميّز الكلمات شيئاً فشيئاً، ثم فتحت عينيها.. في هذه المرة كانت ترى بوضوح.
حاولَت النهوض فشعرت بدوارٍ يسري في رأسها، ثم سمعت صوتاً يطلب منها بلطف ألا تجهد نفسها، فصحتها لم تتحسن كلياً بعد..
ركّزت نظرها نحو مصدر الصوت وتفاجأت.. فهم من نظرتها ما تدور به أفكارها، فتنحنح قائلاً:
— لا تجهدي نفسكِ، سأشرح لكِ كل ما حدث. عندما كان ذلك الرجل يأخذكما إلى هناك، تصادف وجودي في الشارع. ملامحكما أنتما الاثنتين كانت توحي بوضوح بأنكما محترمتان، فشعرت بفضولٍ يدفعني لمعرفة إلى أين يستدرجكما.. تابعت خطاه حتى وصل للمكان المحدد، وكانت الصدمة حين رأيته يدخل بكما إلى "ملهى ليلي"!
انتظرته في الخارج، ولم تكن صدمتي أقل حين رأيته يخرج بمفرده! كنت أظنه دخل ليلهو معكما رغم أن ملامحكما تقول عكس ذلك، لكن خروجه وحيداً أكد لي أنه باعكما وأخذ ثمنكما ورحل.
ظلت أفكاري تتضارب: كيف أساعدكما على الخروج من هناك؟ صرت أزور المكان يومياً كأنني أحد الزبائن، أبحث عن أي ثغرة.. وحين استطعت تحديد مخرج مناسب للهروب، دفعت المبلغ المالي وطلبتُ حضوركِ أنتِ تحديداً. وعندما أتيتِ، سلّمتكِ الدفتر والقلم ليساعدكما على التخطيط، وشرحتُ لكِ عن مكان المخرج، ثم غادرت. ومنذ ذلك الحين وأنا أقف في نفس الشارع المواجه لمخرج المنطقة.. دون استسلام، كنت أنتظركما كل صباح..
تنهدت وأردفت قائلة:
— لماذا كنت تنتظرنا؟!
فردّ بثبات:
— لأن لدي يقيناً بأنكما ستخرجان يوماً ما، وحينها أقدم لكما ما أستطيعه من مساعدة.. ولأن...
(سكت فجأة، وكأن بقية الحديث علقت في منتصف حلقه).
حثّته بنظراتها على الحديث وتكملة "لأن"!
نظر إليها، فيما تبعثرت كلماته وهو يحاول ترتيبها من جديد، ثم أردف في النهاية مستسلماً:
— لأنني أردتكِ على سنة الله ورسوله.
كان يثبت نظره في عينيها مباشرة، يبحث عن الجواب فيهما قبل أن ينطق به لسانها.
لم تعرف ماذا تقول له! أليس من المفترض أن يدرك وحده أنه بعد كل ما مرّت به، يصعب عليها التفكير في الارتباط بأي رجل؟!
نظرت إليه، وكأنه قرأ ما يدور في ذهنها، فردّ برفق:
— لستِ مجبرة على أي شيء، أنا فقط أفصحتُ عما في قلبي، وأحترم قراركِ أياً كان..
لم تعلق على حديثه، فتابع وهو يبتعد خطوتين:
— عندما تتحسن حالتكِ الصحية والنفسية، سأوصلكِ إلى المكان الذي تريدينه.. ارتاحي الآن.
ثم غادر المكان..