NOVELFLEX

الوداع ياصغيرتي

المجد للمرأة · بقلم 𝓐𝓷𝓮𝓮𝓷 ✍︎

الفصل أثنى عشر:

حزينةٌ والهمُّ بين ضلوعها..

تبكي بصمتٍ، في الظلامِ دموعُها..

فكأنما الروحُ الكليلةُ مكلومَةٌ..

وهي التي كانت فراشة روضةٍ..

في كل أرجاء السرورِ تحومُ..

الوداع يا صغيرتي

وصل المنزل بعد الظهر؛ فقد تم دفن "مصطفى" عقب صلاة الظهر مباشرة.. لم يلقِ بالاً لأحد، دخل غرفته وخلد للنوم من فرط التعب. استيقظ على أذان العصر، فنهض يمسح وجهه بكفيه، وبقي جالساً مكانه حتى أقيمت الصلاة؛ فقام وتوجه إلى دورة المياه -أكرمكم الله-.

توضأ وصلى، وما إن انتهى حتى بقي جالسًا على سجادته بذهن شارد وتفكير عميق.. سمع صوت الباب يفتح، فالتفت ليراها ابنته، فتذكر حديثه والموعد الذي أراد بسببه زيارة جيرانه، فنهض..

"الحيُّ أولى من الميت".. عليه الآن أن يضع حزن فقده لابنه جانباً ويفكر في ابنته.. فناداها لتجيبه:

— ماذا تريد يا أبتي؟!

— اذهبي غيري ثيابكِ، البسي لباساً جديداً.. سنزور الجيران.

لم تكن تريد الذهاب إليهم، لكنها تعلم جيداً ما يجلب لها رفضها، لذلك وافقت على مضض وذهبت لتتجهز كما طلب والدها.

وما إن انتهت حتى عادت إليه؛ فأمسك والدها بيدها وبدأ يمسح على رأسها بحنان.. تنهدت بألم؛ فكم افتقدت هذا الحنان من أبيها منذ فقدانها لوالدتها! لقد تغير عليهم بلا سبب، وأحضر لهم "دخيلة" على حياتهم لا تطيق النظر إليها.. فوالدها يطلب منها أن تعتبر تلك المرأة كوالدتها، وهذا مستحيل.. فوالدتها رحلت ولن تعود أبداً، ولا يوجد من يملأ مكانها قط.

خرجت من أفكارها عندما رأت والدها يأخذ بيدها بلطف ويفتح باب المنزل.. سارت معه إلى شقة الجيران، وطرق الباب ثلاث مرات بطرقات متباعدة. وبعد قليل أتاهم الصوت عبر "الإنتركوم" يسأل عن الطارق، فتحدث:

— أنا أحمد.. جاركم.

فُتح الباب ليدخل مع ابنته، وقوبلا بالترحاب من "أبو نور" الذي استقبلهما في مجلسه.

سأله أبو نور بتهذيب:

— ما هذه الزيارة المفاجئة يا أحمد؟ هل كل شيء على ما يرام؟!

— هل أزعجتك زيارتي؟!

— ماذا تقول؟! هل فقدت عقلك؟!

— إذاً.. لماذا تسأل عن سبب زيارتي؟

— بالطبع لأنني قلقت عليك، وانتابني شعور بأن هناك خطباً ما..

تنهد أحمد، ومسح شعره بيده وقال:

— صراحةً نعم، أتيت أطلب منك أمراً أتمنى ألا تردني فيه..

— تفضل، أنا منصت لك.

التفت أحمد إلى ابنته وطلب منها أن تذهب لتسلم على "أم نور"، فذهبت.. ثم تابع بصوت خافت:

— لا أعرف كيف أخبرك.. صحيح أن ابنتي صغيرة، لكني أريد أن أزوجها، ولا أجد من هو أفضل من "نور" لها.

صمت "أبو نور" من دهشته ولم يجد حروفاً يكون منها رداً، فقرار أحمد كان مفاجئاً للغاية. ابتسم أبو نور بلطف وقال:

— لكن ابنتك لا تزال في السابعة من عمرها، كيف تريد تزويجها الآن يا أحمد؟!

— هو مجرد اتفاق، لو حدث لي شيء -لا سمح الله- أن تُزوج ابنتي لولدك عندما تبلغ التاسعة من عمرها.

وافق أبو نور على طلبه، وقاما ليعانقا بعضهما.. وفي تلك اللحظات عادت مريم لتقف بجانب والدها، فابتسم أحمد:

— سلمي على عمك يا مريم.

ذهبت مريم وسلمت على أبو نور، وبعدها غادرا المنزل.

بعد خروجهما، سار أحمد شارداً مسلوب التفكير، حتى أفاق على يد مريم وهي تمسك بكفه:

— دعنا نذهب..

تأمل أحمد ابنته لبرهة وابتسم بحنان:

— أين تريدين أن تذهبي؟ وماذا تشتهين؟!

صمتت مريم من سؤال والدها وبدأت ترمش ببراءة، فكرر سؤاله لترد عليه باستغراب:

— ماذا تعني بـ "ماذا أشتهي"؟!

غصّ أحمد في نفسه وهو يحاول التماسك لئلا تنزل دمعته؛ كيف كان مقصراً بحقهم إلى هذا الحد! لقد رحل أحدهم بسبب إهماله وتقصيره..

"لقد قصرت بحقهم كثيراً.. لأنني اعتبرت أن زواجي بأخرى سيعوضهم عن وفاة والدتهم، ظننتها تستطيع أن تحل محلها، لقد كنت مخطئاً تماماً".

نزل لمستواها وعانقها ليطلق العنان لمعاناته، لتنهمر الدموع من محجريه بصمت..

"أعاهد نفسي أن أسعدها قدر مستطاعتي، لعل ذلك يمحي ذنبي، ويغفر لي ربي تقصيري، وينتهي تأنيب ضميري ولو قليلاً".

استغربت مريم من انقلاب مزاج والدها المفاجئ، ولم تعلق، لكن ذلك لم يطمئنها أبداً، فثمة حدس داخلي يخبرها بأن ما يحدث ليس جيداً.

نهض أحمد بعد أن مسح دموعه سريعاً حتى لا تراها ابنته، وابتسم في وجهها قائلاً:

— ما رأيكِ أن نذهب للحديقة؟ بما أنكِ تحبين الحيوانات.. فهناك الكثير منها لم تريها بعد!

قفزت مريم بحماس ولمعت الفرحة في عينيها البريئتين -تلك الفرحة التي انطفأت بوفاة والدتها- وردت بلهفة:

— نعم هيا لنذهب! أريد أن أرى كل شيء جديد هناك.

أمسكت يد والدها وأخذت تسحبه وراءها بحماس.. كان أحمد يبتسم وهو يرى "مريم القديمة" العفوية تعود مجدداً، ويعاهد نفسه مراراً وتكراراً بأنه سيصلح ما خربه بيديه. ذهبا للحديقة وتنزها فيها، ورأت الطيور والدجاج والأسماك، وكان أحمد يعلمها أسماء الحيوانات وخصائصها.. ثم لعبت بعد ذلك على "الأرجوحة" مع والدها وهي في قمة السعادة.

وعندما حل المساء، ذهبا إلى مطعم قريب من الحديقة، وطلب الطعام وسألها عما تفضله؛ فنظرت في "القائمة" وتصفحتها حتى النهاية، ثم عاودت تصفحها من البداية ببراءة وبطريقة مضحكة للغاية.. وفي النهاية قالت:

— اختر لي شيئاً لذيذاً، فأنا لا أعرف أيهما ألذ..

ضحك أحمد من قلبه لأول مرة منذ وفاة زوجته.. ماذا لو أنه كان يعيش هكذا مع أطفاله منذ البداية؟ ماذا كان سيخسر؟! لطالما تمنى الكثير مع حبيبته فماتت، ونسي شكر نعمة ربه فيما يمتلك، حتى أتته صفعة وفاة طفله "مصطفى" لتوقظه من سهوته وغفلته.

تنهد بحسرة عندما أحضر النادل طعامهم؛ لقد كان طبق حبيبته الراحلة المفضل: مرق دجاج، ودجاج مقلي مع أرز أبيض وبطاطس. بدأ يأكلان معاً.. وما إن انتهيا حتى خرجا من المطعم.

وبينما كانا قريبين من منزلهما، رأت مريم رجلاً يحمل "غزل البنات" (حلوى على شكل قطن وردي داخل كيس)، فجرت نحوه عفوياً قاطعةً الشارع العام:

— أريد واحدة يا أبتي!

كانت تقفز أمام بائع الحلوى بسعادة، فابتسم أحمد وهو يسير نحوها بخطى هادئة.. وفجأة، ودون سابق إنذار، انطلقت سيارة مسرعة فصدمته ليرتطم بعمود الكهرباء ويقع أرضاً! ومزيداً من الفاجعة، دهسه السائق من فوقه لينقسم جسده نصفين، وحمل بسيارته نصفاً معه ثم فرّ هارباً في حالة سكر واضحة..

اختفت ابتسامة مريم، والتفتت بفزع على صوت "تفحيط" السيارة، لترسي عيناها على الدماء المنتشرة حولها ووالدها الطريح على الأرض.. صرخت وهي تهرول نحوه وتبكي بانهيار:

— أبتي! ماذا حصل لك؟!

في تلك اللحظة، كان "أبو نور" عائداً لمنزله فسمع الضجيج والصراخ؛ التفت فرأى مريم، فجرى نحوها ليرى أحمد في حالة مزرية.. حالة لا يتمنى أحد رؤية إنسان فيها.

رفع أبو نور رأس أحمد متأثراً، وسأله بصوت مرتعش:

— كيف حدث هذا يا أحمد؟!

رفع أحمد نظره نحو أبو نور بعينين مليئتين بدموع الحسرة، وكان يصارع الموت لينطق بكلماته الأخيرة:

— ابنتي.. في ذمتك..

سقط رأسه من بين يديه وتدحرج أرضاً.. أغلق أبو نور عيني جاره وهو يردد بقلب مكسور: "إنا لله وإنا إليه راجعون.. إنا لله وإنا إليه راجعون".

اتصل بالإسعاف وهو يراقب مريم التي تجلس تصرخ وتبكي بحرقة؛ كان المنظر بشعاً وفوق طاقة طفلة مثلها، أن ترى الحياة تسرق منها عائلتها الوحيدة في لحظات. أسرع ليعانقها ويمسح على رأسها، ففقدت وعيها وأغمي عليها بين يديه.. انتظر سيارة الإسعاف، وبمجرد وصول المسعفين وتحدثه معهم، حمل مريم وذهب بها إلى منزله الآمن.