الفصل ثالث عشر :
طريقتها في الحديث مميزة وساحرة ، تنطق الكلمة وكأنها تشرح نفسها بنفسها؛ فلو نطقت بكلمة "وردة" تشم عبيرها في صوتها، وترى شكل الزهر مجسداً بحركة يديها الناعمة في الهواء
في اليوم التالي
فتحت عينيها عندما سمعت طرقاً على الباب، فأذنت للطارق بالدخول.. كانت تجلس تغطي شعرها بشال، فُتح الباب ودخل:
— السلام عليكم.
— وعليكم السلام.
— كيف حال صحتكِ الآن؟
— الحمد لله، أشعر بتحسن.
— حسناً.. أفطري الآن وبعدها نتحدث.
وضع صحن الفطور جانبها على الطاولة وخرج لكي تأخذ راحتها.. عاد بعد ربع ساعة، فوجدها قد انتهت من فطورها. جلس بعيداً عنها في ركنٍ على الأريكة، وبعد صمتٍ دام خمس ثوانٍ تنحنح قائلاً:
— أعلم أنه ليس لي الحق في سؤالكِ، لكن اعتبريه من باب الفضول.. أو بحثاً عن حلٍ لكِ أود معرفته.. مَن الرجل الذي قادكما إلى ذلك المكان؟!
رأى نظرة تساؤل في عينيها فأكمل حديثه موضحاً:
— ما قرابة هذا الرجل بكما؟!
رأت نظرة التساؤل تتحول إلى ملامح أسى، فنظرت إلى سقف الغرفة صامتة.. وبعد خمس دقائق ردت بصوت خافت:
— لقد تزوجني.
— متى تزوجكِ؟!
نظرت نحوه ثم طرقت برأسها أرضاً لترد:
— منذ شهر.
— أعتقد أن لكما شهراً في ذلك المكان إن لم أخطئ!
— صحيح.. عندما يأتي إلينا رجل من خارج البلاد يطلب يد الفتاة على سنة الله ورسوله، فإن أهل بلدنا -بسبب وضعنا مع البوذيين- يزوجونها دون أي شروط، لعلها تعيش حياتها معه.. الحياة التي لم تستطع عيشها هنا.. وعلى هذا، بمجرد أن حضر إلينا رجل عربي الجنسية، وافقوا على مضض..
أعزائي القراء:
عندما تظهر مواقف عن شعوب معينة، لا أعني بها أن الشعب بأكمله سيئ؛ فكل إنسان يمثل نفسه، والأصابع لا تتشابه مهما تكررت الأخطاء، فهناك الصالح والطالح.
ابتسمت بألم وأكملت:
— عندما عُرفت قصة زواجي، لم تسعني الفرحة بأنني أخيراً سأرى العالم بمنظور مختلف.. عالم يخلو من العذاب.. عالم وردي أعيش فيه مع زوجي!! بمجرد التفكير بدأت أبتسم بسعادة.. بعدها لم أعد أسمع أي صوت حولي ممّا يقولون! غرقت في عالمي مع المجهول، ظناً مني أنه لا يوجد أسوأ مما نعيشه هنا.. فلقد كنت مخطئة حينها بالطبع!
اغرورقت عيناها بالدموع، واستفقت من ذكرياتي عندما لمست والدتي كتفي وحركتها لتخرجني من أحلامي، وعلامات الموافقة والفرح واضحة على وجهي دون أن أنطق حرفاً! فردت والدتي:
— الله يتمم لكِ على خير يا عزيزتي.. تجهزي، لأنك بعد "كتب الكتاب" وقراءة الفاتحة ستذهبين معه مباشرة.
أومأت لها برأسها بابتسامة، ثم ذهبت لغرفتي.. حضر والدي وبيده قطعة قماش كبيرة على شكل "صرة" وقال:
— هذه لكِ يا عزيزتي.
أمسك برأسي ودعا لي بالتوفيق؛ فبالتأكيد يتمنى كل والد الأفضل لابنته، لكنه لا يستطيع أكثر من ذلك، فحاله المادي في مكان عيشهم لا يسمح.. ذهب من غرفتي مهموماً لأنه لم يستطع توديعي بالطريقة التي تليق بكل عروس.
فتحت الصرة القماشية لأرى ما أهداني إياه والدي.. فإذا به "كتاب الله"!! نعم كما سمعت، أهداني والدي القرآن الكريم.. احتضنته وبكيت بحرقة، ثم أرجعته مكانه كما كان، وأغلقت الصرة بإحكام وتركتها فوق الكرسي.
وبعد الكثير من الأماني والأحلام، أتى ليلٌ يحمل بين طياته الكثير.. وها قد دخل علينا الرجل؛ لم يكن شديد الجمال ولا قبيحاً، بل كانت ملامحه عادية جداً لا بأس بها.. وكان معه الرجل الآخر الذي يُقال له "المأذون". بعد عقد القران ذهب المأذون وهلّت علينا التبريكات.. ظل هو صامتاً لا يتفاعل كثيراً، يكتفي بردود مختصرة.. ثم نهض وقال:
— علينا الذهاب حتى لا أتأخر عن المطار والسفر.
انتفض قلبي لموضوع السفر.. إذاً، حان موعد الوداع! بدأت عيوني تنهمر بالدموع، وودعت والدي.. ثم حملت الصرة التي أهداني إياه والدي وسرنا معاً.. فجأة توقف! فوقفت معه أنظر إليه، فإذا بي أرى سيارة بانتظارنا، فتح الباب الخلفي وطلب مني الركوب، فدخلت وأنا لا أعي ما يحدث حولي.. لم أكن أعرف حتى اسم زوجي! سوى أنه أصبح زوجي بشكل رسمي. كيف؟! لا تسألوني لأنني لا أعرف أيضاً!
التفتُّ لأتأمل السيارة من الداخل لأنها المرة الأولى في حياتي التي أدخل فيها سيارة.. وهنا كانت الصدمة؛ فقد رأيت فتاة أخرى معي في المقعد نفسه!! ما الذي يحدث؟! كيف لم ألمحها منذ ركوبي؟! بنسبة 80% أستطيع القول إنها لم تكن موجودة عندما دخلت، وبنسبة 10% لا أعرف هل إحساسي مخطئ أم صحيح.. تشوّش ذهني وبدأ رأسي يدور في مليون سيناريو: مَن هذه؟! يبدو لي أنها في عمري أو قريبة مني.. بعيداً عن كل هذا، كان الشيء الواضح والحقيقي: أنها فتاة صغيرة عازبة مثلي. هل يعقل أنها أخته؟! ربما، لكن لماذا لم يُعَرّفني عليها؟!
تزاحمت في رأسي مليون فكرة، لكنني لم أستطع أبداً أن أضع بينها احتمال أنها ربما تكون زوجته الأولى وأنا الثانية! أو أنا الأولى وهي ضرتي الجديدة!
نزل بنا عند أحد مطاعم الشوارع وطلب لنا العشاء، وبين حين وآخر كنت أسترق النظر إليهما. تناولنا الطعام، وبعدها ظننت أننا سنعود للسيارة.. لكنه نطق أخيراً لنكمل السير على الأقدام في هذه الشوارع حتى نصل إلى المكان المنشود..
حتى وصلنا إلى مكان غريب، توجد خارج بابه ستارة بلون برتقالي، ولوحة تحمل كتابة باللون البرتقالي أيضاً تضيء وتطفو.. كُتب على اللوحة: (إن كنت تريد الراحة والاسترخاء فهذا مكانك).
كنت أحاول فهم الكلمات لكنه لم يدعني أفكر، إذ طرق الباب فخرج منه رجل كانت نظراته مسلطة عليّ وعلى الفتاة الأخرى.. (صمتت تسترجع ما حدث، وسحبت نفساً طويلاً وأكملت):
— بدل أن يتحدث بنفس لغتنا، تحدث باللغة الإنجليزية حتى لا ندرك ما يقوله! لا أعلم إن كانت الفتاة قد فهمت شيئاً أم لا.. فبالطبع لم أستطع فهمه، فكما تعلمون -بسبب طغيان البوذية- تعليمنا ودراستنا كانت محدودة وليست كاملة.. فلم أفقه شيئاً مما دار بينهما!
وفور انتهاء حديثهما، ضحك الرجل وهو يعيد نظراته نحونا.. لم أستطع تفسير تلك النظرات، لكنها أشعرتني بقشعريرة تسري في جسدي كله! ابتعد الرجل عن باب المدخل، ونطق مَن يُقال إنه زوجي يخبرنا بأن ندخل..
بقيت واقفة أنظر إليه بنظرات تملؤها التساؤلات دون أن أنفذ ما طلب مني.. رأيته يكمل حديثه مع الرجل، وربما شعر أنني أنتظر منه تفسيراً لما يحدث، فنظر إليّ وقال:
— بعد قليل آتي إليكما.
نظرتُ إلى الداخل، وأصدقك القول إنني لم أرد الدخول أبداً.. أردتُ معرفة ما إذا كانت الفتاة مثلي أم لا، لتصدمني الحقيقة عندما نظرت بجانبي ولم أجدها! نعم، فقد دخلت منذ الوهلة الأولى التي طلب منا فيها الدخول!
حولت نظري إلى الملقب بزوجي، فرأيته يأخذ مبلغاً كبيراً من المال من يد الرجل!! تغيرت ملامحه عندما رآني لا أزال أنتظره.. وضع المال في يده واقترب مني قائلاً بنبرة آمرة:
— دعنا ندخل.
وأمسك بيدي يجرني إلى الداخل محاولاً ألا ينكشف أمره.. لا يزال متمسكاً بقناعه المخادع! هناك أشخاص يبدؤون بالتمثيل ثم يكشفون أقنعتهم في نهاية المسرح، لكن هذا الرجل أراد إنهاء عمله الخبيث دون أن يسقط قناعه.. دخلت معه رغماً عني، وأنا أرى الستائر البرتقالية المزينة في كل باب ومدخل، والإنارة تنبعث بلون برتقالي خافت!
كان مكاناً غريباً للغاية، وكان يجرني كالبهيمة.. سرت في الممر وأنا أرى غرابة المكان ومن فيه.. كانت ملابس أغلب النساء مخلة بالأدب، ناهيك عن الصراخ والكلمات غير المفهومة التي تردد من مختلف الزوايا، مما ضاعف رعبي!
وبين هذا وذاك، رأيت باباً أمامي ينفتح بكل قوة، وتخرج منه فتاة تجري وتتعثر ثم تنهض من جديد، حتى اقتربت مني لأعرف أنها.. الفتاة نفسها التي جاءت معي في السيارة!!
كانت حالتها مزرية؛ بملابس ممزقة، والدموع تملأ عينيها، وفمها ينزف من الجهة اليسرى، وشعرها منكوش كأن أحداً جذبه بعنف.. وقبل أن أستوعب هول ما يحدث، رأيت رجلاً يخرج خلفها ويقترب منا!
اقترب وأمسك بيدها يجرها بقسوة، فصرخت قائلة:
— أنقذيني أرجوكِ، إنهما وحوش ليسوا بشراً!
كانت تصرخ وتستنجد بي، بينما أنا لا حول لي ولا قوة.. أنقذها كيف؟! جمد الدم في عروقي فبقيت كالصنم أتابعها وهي تستنجد بي حتى أدخلها الغرفة من جديد وأغلق الباب بقوة..
عندها تحدث الذي معي، والذي كان قبل قليل أشبه بشبح لم يُبْدِ أي ردة فعل:
— لنذهب.
بدأ بجرّي خلفه، لكن ليس بقوة هذه المرة، بل بلطف كأنه يدلني على المكان خوفاً من أن أضيع.. مهلاً! كيف أحدثه وأسأله لماذا لم يحرك ساكناً لرجل يظلم فتاة أمامه؟! لا أعلم، فلم أكن أملك من القوة ما يكفي لأنطق بحرف واحد، فكيف لي أن أستفسر عما حدث للتو؟! فكنت صامتة تماماً، أسير كطفلة صغيرة يغويها والدها بيده..
حتى طرق باباً خرجت منه سيدة! ملابسها لا تقل قلة أدب عن البقية، تبدو كأنها راقصة أو..!!
تحدث معها وتحدثت معه، تارة تنظر إليه وتارة تفحصني عينيها من الأعلى للأسفل، ثم أشارت بإصبعها نحو باب آخر.. بدأ يجرني نحوه وفتح الباب.. غرفة صغيرة مزينة بطريقة غريبة، ولا يخلو باب فيها من الستارة البرتقالية.
أمرني بالجلوس فجلست بصمت تام، جلس أمامي وقال:
— هذا مكان سوف أترككِ فيه لمدة أسبوع لأمر طارئ، وعندما أحلّه سأتي لأخذكِ.. لا تقلقي، لن يضركِ أحد، ثقي بي!
عن أي ثقة يتحدث وأنا قبل قليل رأيته يبيع ويشتري بالأموال، ناهيك عن الفتاة التي يرثى لحالها ولم ينطق ببنت شفة؟! ماذا تفعل لو كنت مكاني؟ أسألك بالله..
ومع ذلك، لساني لم يتجرأ على سؤاله، فبقيت صامتة كعادتي. عندما وجدني لا أتحدث، قام مودعاً وخرج! لا أعرفه، وقد قالوا إنه زوجي، وفرحتي بالزواج تبددت فور دخولي إلى هذا الجحيم.. والآن؟! يترُكني بين الغرباء؟! بل بين الوحوش، فهذا أصدق وصف لوضعهم!
بينما كنت أتحدث مع نفسي بصمت، سمعت صوت الباب ينفتح.. فنزويت في ركن الغرفة خوفاً وأنا أعانق نفسي أحميها من أي خطر مجهول. رأيت السيدة نفسها هي من فتحت الباب على مصراعيه.. انتظرت لأعرف ماذا تريد، لكن نظرها لم يكن نحواي بل كان موجهاً لشيء خلف الباب، فنظرت حيث كانت تتركز نظراتها.. فإذا بي أرى فتاة تسير ببطء شديد وتدخل الغرفة كأنها جثة خاوية لا حياة فيها سوى الحركة الآلية..
ما إن دخلت حتى أغلقت السيدة الباب من الخارج وسمعت صوت القفل.. لقد حبستنا! وطالما أغلقت الباب بالمفتاح فلا مفر لي من هنا.. أصبحت أشك حقاً في أنه سيعود ليأخذني، لكنني سأنتظر.. لا بأس، فليس لدي خيار سوى الانتظار، كما ترى ..
خرجتُ من خيط أفكاري وثرثرتي عندما سمعت صوت سقوط مدوٍ، فالتفتُّ لمصدر الصوت لأجد الفتاة ذاتها قد وقعت أرضاً.. لابد أنها أغمي عليها!
اقتربت منها بسرعة لأرفع رأسها، فإذا بجبينها ساخن جداً وتتصبب عرقاً..
نهضت مذعورة وبدأت أطرق الباب بقوة لعل أحداً يأتي لإنقاذها قبل فوات الأوان.. أطرق وأصرخ بلا توقف، حتى سمعت صوت القفل يتحرك..
فُتح الباب لتطل السيدة ومعها رجل ينظران إليّ بنظرات غاضبة، وسألتني السيدة بحدة عما أزعجني.. فأشرت لها إلى الفتاة مبيناً أنها مريضة وتكاد تفقد وعيها وعرقها يغطي وجهها.. أصدقك القول إنني لم أجد في وجوههم أي ذرة خوف أو تعاطف، بل بدا واضحاً أنهم معتادون على هذه المشاهد!
رأيت نظرة الملل في أعينهم، ثم التفتت السيدة للرجل قائلة بسخرية:
— هذا ما كان ينقصنا.. أن نسعفها من أول يوم! ما هذا النحس! اتصل بالدكتور ليحضر فوراً.
ثم خرجت! ورأيت الرجل يتصل ويتبادل الحديث.. وبعد نصف ساعة، حضر شخص يُقال إنه طبيب!
، لم ألمح أي علامة توتر أو استغراب على وجهه؛ لا حيال المكان ولا بخصوص الفتاة، كأنه معتاد هو الآخر مثل بقية الموجودين! إذاً، أنا الوحيدة التي تتأثر وتبكي هنا..
أعطاها الإسعافات الأولية بهدوء دون أن ينطق بكلمة، ثم كتب بعض الأدوية وأعطاها للرجل.. وحين كان يهم بالخروج، تجرأت وتحدثت وأنا ألاحظه بصمت منذ دخوله:
— ماذا حصل لها يا دكتور؟! هل ستكون بخير؟!
نظر الدكتور إليّ ثم إلى الرجل بجانبي وقال:
— ألم تكوني تعرفين ما حدث لها؟!
رد الرجل أخيراً بإيماءة مقتضبة، وأشار للطبيب نحو الباب فخرج، وتركني كتمثال حجري لم يجبني أحد! شعرت بقهر يغلي في صدري، لكن ماذا عساي أن أفعله سوى الانتظار.. ربما تستيقظ وتكون بخير.
فجلست بالقرب منها أتأمل ملامحها الباحثة عن أمان، وتنهدت بحرقة قبل أن أغرق مرة أخرى في أفكاري: كيف حال والديّ الآن؟ هل هما بخير يا ترى؟ آمل ذلك.. يا رب احفظهما من البوذيين وأذاهم.