NOVELFLEX

19

خذم · بقلم فاطمة الربيعي

19

مضى شهر كامل منذ تلك الحادثة المروعة التي كادت أن تودي بحياة طارق، مر شهر على الحادثة، واستقرت الاوضاع نسبياً داخل القصر. تغيرت ملامح الأيام في هذا الحصن؛ فبعد أن كان القصر يعتمد بالأساس على طلعات الأخوين الاستكشافية، تبدلت الاستراتيجية. أدرك نبراس أن المجازفة بالعمود الفقري لقيادة القصر لم تعد خياراً متاحاً، خاصة مع وضع طارق الجديد. لذلك، بدأ يعتمد على تشكيل دوريات منتظمة من حرس القصر الأقوياء، يرسلهم في مهمات محددة ومدروسة لجلب المؤن والأدوية والذخائر متى ما دعت الحاجة، مبقياً على زيد كخط دفاع أخير داخل الأسوار.

في غرفة العلاج الهادئة، والتي أضاءتها أشعة شمس الصباح الدافئة المتسللة عبر النوافذ الزجاجية، كان زيد يجلس بجوار السرير ممسكاً بلفافة من الشاش المعقم. لقد تناوب هو ونبراس طوال الثلاثين يوماً الماضية على العناية الفائقة بجرح طارق. كان الاهتمام بتطهير مكان البتر وتغيير الضمادات بمثابة طقس مقدس لا يقبل التأجيل، خوفاً من أي تلوث أو التهاب قد يقضي على ما تبقى من أمل.

"تبدو الأنسجة في حالة ممتازة اليوم يا صاحبي،" قال زيد بصوته الدافئ، وهو يمسح بلطف حول المنطقة المبتورة التي بدأت تكتسي بنسيج جلدي وردي، معلنةً اقتراب الشفاء التام.

ابتسم طارق ابتسامة هادئة، وقد استعاد لونه الطبيعي وجزءاً كبيراً من عافيته. رفع ذراعه اليمنى السليمة، ومسد بها لحيته الخفيفة التي نبتت خلال فترة نقاهته، وقال بنبرة ملؤها الرضا رغم فداحة الخسارة:

"لقد أزعجتكم كثيراً يا زيد. لكني مدين لك ولأخيك بحياتي. لم أكن أظن أنني سأتعلم كيف أربط حذائي بيد واحدة، لكن يبدو أن الإنسان قادر على التكيف مع أسوأ الكوابيس طالما وجد من يسنده."

دخل نبراس إلى الغرفة بملامحه الصارمة كعادتها، لكن عينيه كانتا تشعان ببريق من الارتياح وهو يرى تقدم حالة صديقه المقرب. وضع يده على كتف طارق السليمة، وقال:

"لا حديث عن الديون بيننا. أنت أخونا، وبقاؤك حياً هو انتصارنا الحقيقي. متى ما شعرت بأنك قادر على حمل السلاح مجدداً، سنبدأ تدريباتك على الرماية بيد واحدة. لا أقبل بوجود متقاعدين في حصني."

ضحك طارق بصوت خافت، وأومأ برأسه موافقاً. كان الوضع داخل القصر مستقراً بشكل يبعث على الطمأنينة الخادعة، وكأن نهاية العالم قد قررت أن تستثني هذه البقعة الجغرافية من جنونها اليومي.

في ظهيرة ذلك اليوم، ارتفع صوت محركات الشاحنات الثقيلة يقترب من البوابات الحديدية الكبرى للقصر. كانت دورية الحراسة التي أرسلها نبراس قبل يومين لجمع المؤن من المستودعات المهجورة في أطراف المدينة قد عادت أدراجها. أعطيت الأوامر، وفُتحت البوابات، لتدخل شاحنتان محملتان بصناديق الطعام المعلب، وبعض المعدات الأساسية.

وقف نبراس في الساحة الأمامية، يراقب عملية تفريغ الحمولة بنظرات ثاقبة. اقترب منه "سالم"، الحارس المسؤول عن الدورية، وهو رجل في الأربعينيات من عمره، تبدو عليه علامات الإرهاق الشديد، وملابسه التكتيكية مغطاة بالغبار وبقع الدماء القديمة.

أدى سالم التحية العسكرية احتراماً لنبراس، وبدأ في سرد تقريره:

"سيدي، لقد تمت المهمة بنجاح. أفرغنا المستودع الغربي بالكامل. المؤن التي جلبناها تكفينا لأشهر قادمة."

عقد نبراس حاجبيه، ولاحظ التوتر الخفي في نبرة الحارس:

"هل واجهتم أي عقبات؟ الطريق استغرق وقتاً أطول من المعتاد."

تنهد سالم بضيق، ومسح العرق عن جبينه بظهر يده وقال:

"لقد عانينا الأمرين حتى جلبناها يا سيدي. المنطقة كانت تعج بالمتعفنين بشكل غير طبيعي، وكأن شيئاً ما قد استثارهم، أو كأن هناك من دفعهم نحو طريقنا. اضطررنا لتغيير مسارنا عدة مرات، واستخدمنا الذخيرة أكثر مما خططنا له. أشعر وكأننا كنا نتحرك في حقل ألغام، لكننا تأكدنا من عدم ترك أي أثر خلفنا."

صمت نبراس للحظة. "متعفنون يتجمعون بلا سبب واضح... تغيير مسارات..." تمتم في نفسه. لم يكن نبراس يثق بالصدف في هذا العالم القاسي. التفت نحو زيد الذي كان يقف على مقربة، وقال:

"زيد، ضاعف الحراسة على الأسوار الغربية والجنوبية. أريد الجميع في حالة تأهب. هناك خطب ما..."

لم يكد نبراس ينهي جملته، ولم تكد شاحنات المؤن تطفئ محركاتها، حتى حدث ما لم يكن في الحسبان.

دَوَّى انفجارٌ هائلٌ هز أرجاء القصر من أساساته، كان صوتاً يصم الآذان، قادماً من جهة السور الشمالي. تطايرت قطع الخرسانة المسلحة، والحديد المنصهر، وتصاعدت سحابة من الدخان الأسود الكثيف والغبار الخانق غطت سماء القصر الصافية في ثوانٍ معدودة.

سقط بعض الحراس أرضاً من شدة الموجة الانفجارية، بينما ارتمى نبراس وزيد خلف الشاحنات كإجراء غريزي.

"تباً! ما هذا؟!" صرخ زيد وهو يسحب بندقيته الآلية، وعيناه تتسعان من هول المفاجأة.

نهض نبراس وسط الغبار، ونظر نحو الفجوة الضخمة التي أحدثها الانفجار في السور الحصين الذي طالما احتموا خلفه.: لقد تعرضوا لهجوم بشري منظم.

من خلف الغبار والدخان، بدأت تظهر أشباح المهاجمين. لم يكونوا مجرد عصابة صغيرة، بل كانت مجموعة كبيرة جداً، جيشاً صغيراً من المرتزقة والقطاعين، مدججين بالأسلحة الثقيلة والرشاشات. لقد ارتكب الحارس سالم خطأً قاتلاً دون أن يدري؛ لقد كان هناك من يتتبع آثار شاحناتهم عن كثب طوال اليومين الماضيين، ينتظر اللحظة المناسبة لضرب معقلهم واغتنام ثرواتهم من المؤن والأسلحة.

"أسلحة ثقيلة! احتموا وأطلقوا النار!" زأر نبراس بأعلى صوته، موجهاً أوامره للحراس المتبقين. بدأ الرصاص ينهمر كالمطر من كلا الجانبين. اختلطت صرخات الجرحى بأصوات البنادق، وتحول القصر الذي كان واحة للأمان إلى ساحة حرب دموية طاحنة. كانت الكثرة العددية والقوة النارية تميل بشدة لصالح المهاجمين الذين تدفقوا كالسيل الجارف من الفجوة التي أحدثوها.

في الطابق العلوي، وتحديداً في جناحها، كانت مريم تجلس على الأرضية الخشبية تلاعب الطفل كرم بمكعباته الملونة عندما هز الانفجار العنيف المبنى بأسره. اهتزت بعض اللوحات من الجدران .

صرخ كرم برعب، ووضع يديه الصغيرتين على أذنيه، وانخرط في بكاء هستيري. لم تتردد مريم لحظة واحدة؛ انتفضت من مكانها كأنها نمرة تحمي شبلها، وسحبت مسدسها الأبيض العاجي الذي أهداه إياها نبراس من غمده الجلدي.

"كرم! تعال إلي بسرعة!" صرخت مريم وهي تحمله بين ذراعيها، وتتجه به نحو خزانة الملابس الكبيرة المصنوعة من خشب السنديان المتين.

فتحت أبواب الخزانة بسرعة، وأفرغت الجزء السفلي من الأغطية، ثم وضعت الطفل المرتجف في الزاوية المظلمة. "اسمعني يا كرم،" قالت مريم بصوت حاولَت جاهدة أن تجعله ثابتاً رغم دقات قلبها التي كانت تقرع. "يجب أن تبقى هنا، ولا تصدر صوتاً مهما حدث. ابقَ متكوراً على نفسك وأغلق عينيك."

أمسك كرم بطرف سترتها، وعيناه تفيضان بالدموع، وصوته يخرج متقطعاً:

"أنا خائف... لا تتركيني..."

شعرت مريم بقلبها يتمزق، لكنها أدركت أن العاطفة الآن تعني الموت. اتخذت وضعية دفاعية أمام الخزانة، ووجهت فوهة مسدسها نحو باب الغرفة المغلق. استمرت أصوات الرصاص والصراخ تتصاعد من الطابق السفلي. فجأة، سمعت وقع خطوات ثقيلة تقترب من الرواق المؤدي إلى غرفتها.

بدأ كرم يبكي بصوت أعلى من شدة الخوف لسماعه تلك الأصوات الغريبة. تراجعت مريم خطوة نحو الخزانة، وفتحت الباب جزئياً بسرعة وانحنت لتكون في مستوى وجهه، ونظرت في عينيه الدامعتين بنظرة تحمل كل معاني الحزم والحنان في آن واحد.

"كرم! انظر إليّ!" قالت بصوت هامس ومشدود. "يجب أن تهدأ الآن! أنت فتى قوي، أنت بطل! الأبطال لا يبكون في أوقات الخطر. إذا بقيت هادئاً، أعدك أننا سنلعب طوال اليوم غداً. اكتم بكائك وكن شجاعاً، أرجوك!"

أثرت كلماتها الحازمة في الطفل. مسح دموعه بظهر يده الصغيرة، وابتلع غصته، وأومأ برأسه محاولاً كتم شهقاته، واضعاً يده فوق فمه الصغير. أغلقت مريم باب الخزانة برفق، واستدارت لتوجه مسدسها بكلتا يديها نحو الباب، مستعدة لإطلاق النار على أول من يقتحم غرفتها.

في الأسفل، كان الوضع يتدهور بسرعة كارثية. كان المهاجمون يتقدمون بأسلوب حرب العصابات، يفجرون الأبواب الداخلية، ويقضون على الحراس واحداً تلو الآخر. أدرك نبراس أن القصر قد سقط فعلياً، وأن محاولة الدفاع عنه حتى آخر قطرة دم ستعني إبادتهم جميعاً. الأولوية المطلقة الآن هي النجاة، والحفاظ على أرواح من تبقى من أسرته.

بينما كان نبراس يطلق النار من خلف أحد الأعمدة الرخامية الكبيرة، لمح زيد يقاتل بشراسة قريباً منه. صاح نبراس بصوت طغى على أزيز الرصاص:

"زيد! اترك هذا المكان فوراً! اذهب إلى مريم والطفل! أخرجهما من هنا! خذهما نحو الباب الخلفي المؤدي إلى البساتين، ولنلتقِ جميعاً هناك! لا تدعهم يمسونهما بسوء، هل تسمعني؟!"

"وماذا عنك وعن طارق؟!" صرخ زيد وهو يطلق دفعة من رصاص بندقيته نحو مجموعة من المهاجمين.

"نفذ الأمر ولا تجادل! أنا وطارق سنؤمن انسحابكم! تحرك الآن!" زأر نبراس بنبرة قيادية لا تقبل العصيان.

لم يملك زيد سوى الانصياع لأمر أخيه الأكبر. ترك موقعه الدفاعي، وركض عبر الممرات الجانبية، متفادياً الرصاص المتطاير والشظايا، وصعد السلم المؤدي إلى جناح مريم.

وصل زيد إلى باب غرفتها، وركله بقدمه ليفتحه بقوة. كادت مريم أن تضغط على الزناد وترديه قتيلاً من شدة توترها، لكنها أدركت ملامحه في اللحظة الأخيرة، فخفضت سلاحها وهي تلهث.

"زيد!" صرخت مريم بقلب ينتفض من مكانه.

اقتحم زيد الغرفة، وملابسه مغطاة بغبار المعركة ووجهه متصبب عرقاً.

"اين كرم؟"

-"في الخزانة, ولكن ماذا يحدث؟!"

لم يضيع ثانية واحدة في الشرح. اتجه فوراً نحو الخزانة، وفتحها ليسحب كرم الذي كان يرتجف. حمله زيد بذراع واحدة قوية، ورفعه ليحتضنه إلى صدره، بينما أمسك بيده الأخرى معصم.

"علينا الخروج من هنا حالاً. القصر يسقط، وهم يملكون متفجرات!" قال زيد ويسحبها خلفه نحو الممر الخلفي الآمن نسبياً.

حاولت مريم التوقف، وعيناها تدوران في محجريهما بحثاً عن إجابات وسط هذا الجنون:

"انتظر! ماذا عن البقية؟ ماذا عن نبراس وطارق؟ لن نتركهم هنا ليموتوا!"

نظر إليها زيد وطمأنها بصوت حاد وسريع:

"سيكونان بخير! أخي لا يُهزم بسهولة، وطارق معه. لقد أمرني بنراس بإنقاذكما، وسنفعل ذلك. سنخرج من الباب الخلفي وسيلحقون بنا في البساتين. اركضي!"

شد زيد على يدها، وبدأا في الركض عبر الممرات الخلفية المظلمة، وكرم يتشبث بعنق زيد بقوة، بينما مريم تركض خلفه، ومسدسها لا يزال في يدها، وروحها معلقة بأولئك الذين تركوهما في قلب الجحيم.

في تلك الأثناء، وفي صالة الاستقبال الرئيسية للقصر، كان مشهداً أسطورياً من الصمود يُكتب بالدماء. لم يكن طارق مستلقياً في غرفته ينتظر الموت؛ بل بمجرد سماعه الانفجار، نهض متحدياً كل آلامه. ورغم أن جرحه لم يبرأ تماماً، ورغم أنه فقد ذراعه اليسرى التي كانت تعينه على حمل البنادق الثقيلة، إلا أنه كان يقاتل كوحش جريح لا يعرف الاستسلام.

بذراعه اليمنى الوحيدة، كان طارق يمسك بمسدس تكتيكي ذي سعة كبيرة، يقف بجوار نبراس، ويطلق النار بتركيز ودقة متناهية. كان يجسد أرقى صور التكيف مع الإعاقة؛ كل رصاصة تخرج من فوهة مسدسه كانت تستقر في صدر أو رأس أحد المهاجمين. كان يتحرك بمرونة، ويستخدم الجدران والأعمدة لإسناد جسده الضخم، مغطياً ظهر نبراس الذي كان يستخدم بندقيته الهجومية لصد الموجات المتتالية.

"لم أظن يوماً أنني سأقاتل بنصف جسد، لكن يبدو أن هذا النصف يكفي لإرسال هؤلاء الأوغاد إلى الجحيم!" صرخ طارق بصوت جهوري وهو يطلق النار، محاولاً بث الحماس في النفوس المنهكة.

ابتسم نبراس ابتسامة قاسية وسط الدخان، رد بينما كان يغير مخزن بندقيته:

"أنت بجيش كامل يا طارق. لكن الكثرة تغلب الشجاعة، ولديهم قاذفات صواريخ محمولة. إذا بقينا هنا، سندفن تحت أنقاض هذا القصر."

ألقى نبراس نظرة سريعة على المتبقين من رجاله. لم يبق صامداً سوى خادمين من الخدم المخلصين الذين حملوا السلاح، وثلاثة من خيرة حراسه الذين صمدوا رغم الإصابات الخفيفة.

"الجميع! تراجع تكتيكي نحو المخرج الخلفي! أطلقوا النيران للتغطية، ولا تتوقفوا حتى نصل إلى الأشجار!" أصدر نبراس أمره النهائي.

بدأوا في التراجع ببطء، خطوة بخطوة، ونيران أسلحتهم لا تتوقف لتشكيل ستار ناري يمنع المهاجمين من التقدم السريع. وفي طريقهم عبر المطابخ والممرات الخلفية، وجدوا أحد المزارعين المسنين الذين كانوا يعملون في حدائق القصر، كان مختبئاً خلف ثلاجة ضخمة ويرتجف خوفاً. أمسك به أحد الحراس وسحبه معهم.

"لا نترك أحداً خلفنا، تحرك أيها العجوز!" صرخ الحارس، ودفعه أمامه لضمان سلامته.

وصلت المجموعة المتبقية أخيراً إلى الباب الحديدي الخلفي والمخفي الذي يؤدي مباشرة إلى بساتين النخيل والبرتقال الشاسعة الممتدة خلف القصر. فتح نبراس الباب بقوة، ودفع الجميع للخروج. كان زيد ومريم وكرم في انتظارهم هناك، مختبئين خلف الأشجار الأولى.

عندما رأت مريم نبراس وطارق يخرجان سالمين رغم الإرهاق والغبار الذي يكسوهما، تنهدت براحة عميقة وكأن جبلاً قد انزاح عن صدرها. لكن نبراس لم يعطهم وقتاً لالتقاط الأنفاس. التفت إلى الخلف، وألقى قنبلة دخانية كثيفة داخل الممر لمنع المهاجمين من تتبعهم مباشرة، وأغلق الباب الحديدي بقوة.

"اركضوا! لا تتوقفوا ولا تلتفتوا إلى الوراء! تعمقوا في البساتين بأقصى سرعة!"

بدأ الجميع في الركض بلا هوادة، بلا توقف، وبلا رحمة لأجسادهم المنهكة. كان زيد يركض في المقدمة، حاملاً كرم الذي كان يبكي بصمت الآن، بينما مريم تركض بجانبه، أنفاسها تتقطع وصدرها يحترق من المجهود، لكنها كانت تستمد قوتها من رغبتها في الحياة.

خلفهم، كان طارق يركض بخطوات ثقيلة، يتصبب عرقاً، وتوازنه يختل أحياناً لكن نبراس كان هناك دائماً، يركض بجانبه، يسنده متى ما تعثر، ويشجعه متى ما تباطأ. أما الحراس الثلاثة والخادمان والمزارع، فقد كانوا يركضون وهم يلهثون، محاولين مجاراة سرعة قادتهم.

غاصوا في أعماق البساتين المظلمة والموحشة. كانت الأشجار الكثيفة تتشابك فوق رؤوسهم كأذرع غول عملاق، تحجب ضوء الشمس وتخلق متاهة من الظلال المخيفة. الأشواك تمزق ملابسهم وتخدش جلودهم، وجذور الأشجار البارزة تتعمد عرقلة خطواتهم، لكن الخوف من الموت كان أقوى من أي ألم جسدي.

توقف نبراس للحظة، مستنداً إلى جذع شجرة نخيل معمرة، ليلتقط أنفاسه ويلهث بشدة. التفت إلى الوراء، ونظر من بين فراغات الأشجار نحو حصنهم المنيع. كان مشهداً يفطر القلب؛ أعمدة الدخان الأسود الكثيف وألسنة اللهب البرتقالية تتصاعد من سقف قصر البساتين، ذلك المكان الذي آواهم، وحماهم، وجمع شملهم في هذا العالم المنهار.

لقد خسروا ملاذهم الآمن، خسروا المؤن التي جازفوا بحياتهم من أجلها، وخسروا شعورهم الزائف بالاستقرار. أدرك نبراس في تلك اللحظة القاسية أنهم عادوا إلى نقطة الصفر؛ مشردين، مطاردين، ومحاطين بالموت من كل جانب.

تقدم زيد منه، وهو يلهث وكرم لا يزال متعلقاً بعنقه كطوق نجاة، وسأل بصوت متقطع:

"إلى أين نذهب الآن يا نبراس؟ لقد فقدنا كل شيء."

أغمض نبراس عينيه للحظة، وحبس ألمه الداخلي خلف قناع الصلابة، ثم فتح عينيه اللتين اشتعلتا بتصميم لا يلين. نظر إلى مجموعته الصغيرة المنهكة؛ إلى مريم التي تقف بشجاعة وركبتيها ترتجفان، وإلى طارق الذي تحدى إعاقته، وإلى الحراس والخدم الذين وضعوا ثقتهم العمياء فيه.

"سنذهب إلى عمق المجهول يا زيد،" أجاب نبراس بصوت هادئ ومخيف في آن واحد. "سنعبر هذه البساتين، وسنجد ملاذاً آخر. هم أحرقوا جدراننا، لكنهم لم يحرقوا إرادتنا. لم ينتهِ الأمر بعد... لقد بدأت الحرب الحقيقية للتو."

وهكذا، عاودوا الركض مجدداً، مبتعدين عن الرماد المتطاير خلفهم، ليغوصوا أكثر في قلب الغابة، تاركين خلفهم ذكريات الراحة، وواصلوا الركض نحو الغابة.