NOVELFLEX

18

خذم · بقلم فاطمة الربيعي

18

كانت بوابات قصر البساتين الحديدية تلوح في الأفق. على شرفة الطابق الأرضي، كانت مريم تقف ممسكة بمسدسها الأبيض العاجي، تتلفت بحذر وتراقب الطريق الممتد. لحسن الحظ، كان الطفل كرم قد استسلم لنوم عميق في غرفته؛ إذ أهلكه اللعب الطويل والركض خلف الأرنب الصغير منذ الصباح الباكر، مما أتاح لمريم حرية الحركة والتركيز على جولتها الأمنية دون أن تشغل بالها بمراقبته.

بمجرد أن رأت سيارة الدفع الرباعي تقترب بسرعة غير معتادة، انقبض قلبها. توقفت السيارة بعنف في الساحة الأمامية، ولم يترجل زيد بمرحه المعتاد، بل انفتح الباب وخرج نبراس أولاً، يتبعه زيد.

شلت الصدمة أطراف مريم وهي ترى الشقيقين؛ كانا عاريي الصدر، وجسداهما ملطخان بالدماء الحمراء القانية والغبار، ووجه نبراس يقطر عرقاً ممتزجاً ببقايا دم جاف. اندفعت مريم نحو السيارة والدموع تتجمع في عينيها العسليتين الواسعتين:

"نبراس! زيد! ما الذي حدث؟ هل أنتما بخير؟"

لم يجيباها، بل توجها فوراً نحو الباب الخلفي. وعندما فُتح الباب، رأت مريم طارق مستلقياً بلا حراك، وذراعه اليسرى مبتورة من عند الكوع، ملفوفة بقمصان الأخوين التي تحولت إلى خرق غارقة في الدماء.

شهقت مريم وتراجعت خطوة إلى الوراء، واضعة يدها المرتجفة على فمها، بينما انهمرت الدموع على وجنتيها المزينتين بالنمش الرقيق. كان المنظر أبشع من أن يحتمله عقلها، لكن غريزة النجاة دفعتها للتحرك مسرعة لتفتح لهما الأبواب الداخلية، بينما تولى نبراس وزيد حمل جسد طارق الضخم بكامل قوتهما، والراعي العجوز ناصر يتبعهما بخطوات واجفة وهو يهمس بكلمات الرعب.

نقلا طارق إلى غرفة الطوارئ الصغيرة التي أعداها مسبقاً في القصر، ووضعا جسده الثقيل على السرير الطبي. كان نبراس يتحرك بكفاءة تخفي وراءها بركاناً من الحزن والإنهاك. أحضر صناديق الإسعافات المتقدمة، والمطهرات القوية، وشاشاً معقماً جديداً لتبديل الضمادات البدائية التي تلوثت بالكامل.

بدأ نبراس يفك الأقمشة الممزقة عن كوع طارق ببطء وحذر. ومع كل طبقة ترفع، كانت رائحة الدم الحار والمطهر الكيميائي النفّاذ تنتشر في الأجواء لتمتلئ بها الغرفة الضيقة. ظهر الجرح المبتور بعظامه المكشوفة ولحمه الحي أمام الأعين.

كانت مريم تقف قريباً، تحاول المساعدة ومناولته الأدوات، لكن مع تطاير رائحة الدم ورؤية تفاصيل اللحم المبتور وهو يتعرض للتعقيم الجديد، شعرت بتقلص عنيف في معدتها. دارت الدنيا من حولها، واجتاحتها موجة عارمة من الغثيان والدوار. لم تعد قادرة على التنفس، فاستدارت بسرعة وهرعت خارج الغرفة متوجهة نحو المرحاض القريب في الرواق.

أغفلت مريم الباب خلفها وانحنت فوق الحوض تتقيأ بشدة، وجسدها يرتجف بالكامل تحت تأثير الصدمة البصرية والرائحة الخانقة.

في غرفة العلاج، توقفت يد نبراس المغطاة بالقفازات الطبية وهو يمسك بزجاجة اليود. التفت نحو أخيه الأصغر زيد، الذي كان يراقب الباب بقلق واضح وعينين خضراوين تملأهما الحيرة.

قال نبراس:

"زيد، اذهب إليها فوراً. واسيها، وتأكد من أنها بخير. قل لها إنه لا يجب أن ترى هذا المنظر، هذه الأمور فوق طاقتها، وعليها ألا تعود إلى هنا حتى ننتهي من خياطة الجرح وتغطيته."

أومأ زيد برأسه، وتحرك بخطوات سريعة نحو الرواق. في الحقيقة، كان زيد منجذباً لمريم منذ اليوم الأول. كان يرى فيها البراءة والرقة التي يفتقدها هذا العالم الموحش، وكان يهتم بها جداً ويحيطها برعاية خاصة دون أن يظهر ذلك بشكل علني يثير حساسية أخيه الصارم.

وقف زيد أمام باب المرحاض، وسماع صوت أنينها الخافت يمزق قلبه. طرق الباب برفق، ثم دفعه بهدوء ودخل. كانت مريم تستند بيدها على الحوض، ووجهها شاحب تماماً، ووجنتاها الوردية قد فقدتا لونهما بفعل التعب والغثيان، وخصلات شعرها البني القصير تتدلى على جبهتها المتعرقة.

اقترب زيد منها. مد يده الكبيرة والدافئة، ووضعها برفق على ظهرها وبدأ يفركه بحركات دائرية هادئة لمساعدتها على التنفس واستعادة توازنها. وبيده الأخرى، رفع خصلات شعرها القصير عن وجهها وجبينها لكي لا تضايقها.

"اهدأي يا مريم... خذي نفساً عميقاً،" همس زيد بصوته الدافئ الذي يحمل نبرة حماية واضحة. "كل شيء سيكون بخير. طارق قوي وسيتجاوز هذا."

غسلت مريم وجهها بالماء البارد، والتفتت إليه وعيناها العسليتان الواسعتان تفيضان بالدموع:

"كان المنظر مرعباً يا زيد... الدماء... كيف استطعتم فعل ذلك؟"

مسح زيد دمعة سقطت على خدها بإبهامه برفق، وقال بنبرة جادة:

"فعلنا ذلك لكي يبقى حياً. نبراس طلب منكِ ألا تعودي إلى الغرفة الآن. لا يجب أن تري هذه الأشياء يا صغيرة، اتركي الأمر لنا. اذهبي واجلسي بجوار كرم، ونحن سنتولى الباقي. ثقي بنا."

شعرت مريم بالأمان والدفء يتدفقان إلى قلبها بفضل كلمات زيد واهتمامه اللطيف في هذه اللحظة المظلمة. أومأت برأسها موافقة، واستندت على ذراعه لثوانٍ قبل أن تتوجه نحو غرفة كرم، بينما عاد زيد إلى غرفة العلاج بقلب أكثر ثباتاً.

عندما عاد زيد، كان نبراس قد انتهى من تنظيف الجرح ووضع الضمادات الطبية المعقمة البيضاء التي لُفت بإحكام حول كوع طارق المبتور. وفي تلك اللحظة، بدأ طارق يستعيد وعيه ببطء.

حرك طارق رأسه، وانطلقت من بين شفتيه آهة ألم عميقة ومكتومة، وفتح عينيه المجهدتين ليلتقي بنظرات الأخوين. كان الألم قادماً كإعصار يجتاح جسده بعد زوال مفعول الصدمة العصبية، وبدأت ملامحه تتشوه من شدة المعاناة.

لم ينتظر نبراس؛ سحب حقنة جاهزة تحتوي على مهدئ ومسكن آلام قوي جداً من العتاد الطبي الذي يحتفظون به للحالات الحرجة. غرس الإبرة برفق في وريد ذراع طارق السليمة، وضغط المكبس ببطء.

"تحمل يا صاحبي، سيبدأ المفعول الآن،" همس نبراس وهو يتأمل صديقه بحزن عميق لم يستطع إخفاءه هذه المرة. كانت عينا نبراس الحادتان تحملان انكساراً مرئياً؛ فهو من بتر هذه الذراع بيده.

بعد دقيقة، بدأ المهدئ يسري في عروق طارق، وارتخت عضلات وجهه المتشنجة قليلاً، وهدأ تنفسه الصاخب، رغم أن ملامح الإرهاق الشديد ظلت مرتسمة عليه.

نظر طارق إلى نبراس، ورأى نظرة الحزن والذنب في عيني صديقه. رغم الألم الفظيع الذي ينهش جسده، ورغم خسارته الفادحة لذراعه، إلا أن روح طارق الجسورة والمرحة لم تنكسر. تحركت شفتان طارق بصعوبة، وارتسمت عليهما ابتسامة باهتة ومجهدة، وحاول إشعال الطمأنينة في الغرفة.

"تباً لك يا نبراس..." قال طارق بصوت مبحوح وضعيف، محاولاً الممازحة لتخفيف العبء عن كاهل صديقه. "لقد خربت قميصك المفضل من أجلي... وأفسدت تسريحة شعرك الفاحم بهذا الغبار."

تنهد نبراس وضغط على كتف طارق السليمة برفق:

"لا وقت للمزاح الآن أيها الدب."

تابع طارق ونبرته تحولت إلى جدية دافئة مليئة بالامتنان الصادق:

"أنا جاد يا صديقي... أنا بخير، وأعلم ما فعلته من أجلي. لولا فأسك وسرعة بديهتك، لكنت الآن مسخاً متعفناً أدور في الشوارع بحثاً عن لحم بشر. لقد أنقذت حياتي، ومنحتني فرصة لأرى الغد... لذلك، أنا أشكرك من كل قلبي."

نظر زيد ونبراس إلى صديقهما، وشعرا برابطة الأخوة تتوثق بينهم أكثر من أي وقت مضى؛ فالجسد قد يفقد أطرافاً في حرب النجاة، لكن الروح تبقى كاملة طالما بقي الحب والولاء صادقين تحت سقف هذا الحصن المنيع.