20
انقضى يوم كامل بليله ونهاره، والمجموعة تشق طريقها وسط البراري والبساتين المهجورة دون توقف. كان مسيرا طويلا أهلك الأجساد واستنزف ما تبقى من طاقة في عروقهم. لم يكن الخوف من المسوخ هو الدافع الوحيد للركض، بل كان الخوف من تلك المجموعة البشرية المسلحة التي نسفت حصنهم وتحكمت في مصير ملاذهم القديم.
مع بزوغ خيوط الفجر الخافتة لليوم التالي، بدأت تلوح في الأفق ملامح قرية ريفية بعيدة، نائية عن صخب المدن وممرات التجارة القديمة. كانت البيوت طينية وخشبية متناثرة، يلفها صمت القبور وضباب الصباح البارد. توقفت المجموعة عند مشارف القرية، يستندون إلى جذوع الأشجار اليابسة، يلتقطون أنفاسهم المتقطعة وعيونهم تراقب المكان بحذر شديد.
أشار نبراس بيده متقدما بخطوات حذرة رغم الإنهاك الذي كان يظهر على عينيه البنيتين الحادتين. تقدم زيد خلفه مباشرة، وبندقيته جاهزة للإطلاق، بينما كان طارق يسير بثبات يحسد عليه، ضاغطا بيده اليمنى على جرح كوعه المبتور الذي لفته الضمادات البيضاء المعقمة، والتي بدأت تتسخ بغبار الطريق.
بين ممرات القرية الضيقة، ظهرت ثلاثة من وحوش الزومبي المتناثرة، كانت تتحرك ببطء شديد بسبب البرد والجهد. لم يمنحهم نبراس فرصة لإصدار أي صوت؛ وبحركات سريعة ومحترفة بالتنسيق مع الحراس وزيد، جرى القضاء عليهم بصمت باستخدام السكاكين والضربات الموجهة إلى الرأس مباشرة. سقطت الأجساد العفنة على التراب دون إحداث جلبة.
وقعت عين نبراس على بيت ريفي كبير، يبدو أنه كان يعود لأحد أثرياء القرية. كان البيت محاطا بسور خشبي مرتفع وله باب حديدي سميك. تقدم الحراس بسرعة وفتحوا الباب، ودخلت المجموعة بالكامل إلى الساحة الداخلية، ثم أغلقوا الباب وأوصدوه بالمزلاج الحديدي الثقيل، ليعلنوا رسميا حصولهم على ملاذ مؤقت يحميهم من عيون المتطفلين والوحوش.
توزع الحراس والخدم في أرجاء البيت لتطهير الغرف وفحص النوافذ، بينما انتشر نبراس وزيد في أروقة المطبخ والمخزن الصغير يفتشون برفقة المزارع العجوز عن أي طعام معلب أو زجاجات ماء قديمة تكون قد نجت من عمليات النهب السابقة.
في صالة البيت الكبيرة، سقطت مريم على مقعد خشبي طويل، وقد بلغت بها المعاناة ذروتها. كانت تتنفس بصعوبة بالغة، ويدها الناعمة تطوق عنقها بنعومة، وعيناها العسليتان الواسعتان تفيضان بدموع الألم الخالص. لم يكن تعب الركض هو ما يؤلمها فحسب، بل كان حلقها يحترق بشدة، كأن جمرات من النار قد استقرت في بلعومها بسبب استنشاقها لكميات كبيرة من الدخان الأسود أثناء انفجار القصر، متبوعا بيوم كامل من السير دون قطرة ماء واحدة.
كانت مريم تشعر بجفاف شديد يمنعها حتى من ابتلاع ريقها، وانطلقت من حنجرتها سعلة جافة وموجعة جعلت جسدها يرتجف.
لم يكن زيد غافلا عنها؛ فرغم انشغاله بالبحث وتأمين المكان، كانت عيناه الخضراوان تلتفتان نحوها بين الحين والآخر. بمجرد أن سمع سعلتها ورأى ألمها، ترك كل شيء في يده، واجتاحته رغبة عارمة في حمايتها ومواساتها. اندفع نحو المطبخ كالمجنون، يقلب الصناديق والرفوف المتربة، حتى وقعت يده على زجاجة ماء بلاستيكية مغلقة ومحفوظة بعناية في عمق إحدى الخزائن الأرضية.
سحب زيد الزجاجة، وعاد راكضا إلى الصالة. جثا على ركبتيه أمام مريم وفتح غطاء الزجاجة بسرعة، ثم مد يده برفق لتستقر خلف ظهرها، رافعا جسدها قليلا لمساعدتها على الشرب.
"مريم، خذي هذا... اشربي ببطء،" قالها زيد بصوته الدافئ.
امسكت مريم الزجاجة بيدين مرتعشتين، وقربتها من شفتيها الجافتين. تدفق الماء إلى فمها وحلقها المحترق، فشعرت وكأن الحياة تعود إلى جسدها من جديد. شربت بنهم كبير، والدموع تسيل على وجنتيها بينما كان زيد يراقبها بنظرات مليئة بالراحة والحنان، ويده لا تزال تسند ظهرها برفق، مستمتعا بقربه منها ورغبته في أن يكون درعها الواقي في هذا الزمن الرمادي.
بعد أن ارتوت قليلا، أبعدت مريم الزجاجة وتنفست بعمق، ونظرت إلى زيد بعينين مليئتين بالامتنان:
"شكرا لك يا زيد..."
ابتسم زيد ابتسامة دافئة ومطمئنة، ومسح قطرة ماء سقطت على ذقنها بأطراف أصابعه برقة:
"أنا هنا دائما لحمايتك يا مريم. لا تقلقي أبدا."
في هذه الأثناء، التفت زيد نحو الطفل كرم الذي كان يجلس هادئا ومذعورا. تقدم زيد نحوه وقدم له ما تبقى من الماء في الزجاجة. شرب الطفل الصغير بسرعة وعطش شديد، ومسح فمه بظاهر يده الصغيرة، والهدوء بدأ يعود إلى نفسه بعد ساعات الرعب الطويلة.
تحرك كرم بخطوات بطيئة ومترددة نحو طارق، الذي كان يجلس مستندا بظهره الضخم على الحائط مجهدا. سار الطفل حتى وصل إليه، وجلس برفق على الأرض بجانب ساق طارق الممتدة.
رفع كرم عينيه الواسعتين نحو وجه المدرب الضخم، وقال بصوت خافت ونبرة طفولية تملؤها الحيرة والجوع:
"عمي طارق... أنا جائع جدا. متى سنأكل؟"
رغم الإنهاك العظيم الذي كان ينهش جسده، إلا أن قلب طارق الكبير لم يتخل عن حنانه. التفت نحو الطفل الصغير، وارتسمت على وجهه المتعب ابتسامة دافئة وعطوفة.
مد طارق ذراعه اليمنى ووضع كفه الكبيرة برفق فوق رأس كرم، وبدأ يمسد شعره البني الناعم بحركات متتالية وهادئة، صانعا بوجوده وضخامته مظلة من الأمان للطفل الصغير وسط هذا الخراب.
"لا تقلق يا بطل،" قال طارق بصوته الأجش الذي حاول أن يجعله مرحا ومطمئنا. "نبراس وزيد يفتشون البيت الآن زاوية زاوية. هم يبحثون عن أشهى الأطعمة المعلبة من أجلك ومن أجل مريم. ابق هنا بجانبي، وستجد الطعام أمامك قبل أن ترمش عينيك. أنت فتى شجاع، والشجعان يصبرون قليلا، أليس كذلك؟"
أومأ كرم برأسه الصغير موافقا، واستند برأسه على فخذ طارق الضخم، مستمدا الدفء والأمان من ذلك الرجل الذي فقد ذراعه لكنه لم يفقد شجاعته أو إنسانيته، بينما استمرت حركة الرجال في الخلفية يفتشون عن لقمة عيش تشد أزرهم لمواجهة المجهول القادم.