5
كانت الـ "لاند كروزر" تتهادى فوق الطريق الترابي الذي ازداد ضيقاً كلما توغلت في عمق البساتين. خيوط الفجر الأولى نجحت أخيراً في تمزيق حجب الضباب الرمادي، لتنعكس أشعة الشمس الذهبية على أوراق شجر البرتقال والليمون المبللة بالندى. وفي نهاية الممر الأخضر، بدأت ملامح القصر الصيفي تلوح في الأفق من بين جذوع النخيل الباسقة.
لم يكن المكان مجرد بيت ريفي بسيط، بل كان القصر حديثًا ومحاطًا بأسوار إسمنتية مرتفعة وكاميرات مراقبة. جدرانه الخارجية شُيدت من الحجر الأبيض المصقول الممزق بلمسات من الخشب المعالج المقاوم للعوامل الجوية، وتحيط به أسوار إسمنتية مرتفعة تعلوها كشافات إضاءة حديثة ونظام كاميرات مراقبة متطور. كانت خطوط التصميم عصرية وحادة، تنم عن ثراء فاحش وذوق رفيع لا يمت بصلة للمفهوم التقليدي عن البيوت الطينية أو الاستراحات القديمة.
تطلعت مريم من نافذة السيارة الخلفية، واتسعت عيناها العسليتان باستغراب وذهول وهي تتأمل هذه الأعجوبة المعمارية القابعة في قلب العزلة. تذكرت كلمات نبراس منذ قليل عندما وصف المكان بأنه "حصن طيني قديم"، وقارنت وصفه بالواقع المبهر الذي تراه أمامها الآن. هزت كتفيها بقلة حيلة وبحركة خفيفة، تفكر بسرها بنبرة لا تخلو من التعجب:
"يبدو أن نبراس غني لدرجة لا تُصدق... ويرى هذا القصر مجرد بيت قديم!"
قطعت مريم حبل الصمت الثقيل الذي عاد ليلف المقصورة بعد أن فرغت من تناول طعامها، فقالت بصوت ناعم وهي تلتفت نحو الأمام:
"سيد نبراس، وطارق... انظروا حولكم، الأجواء هنا هادئة تماماً. لا وجود لتلك الأجساد المتحركة ولا لأصوات الصراخ. من الواضح أن أولئك... الزومبي... سيبقون في المدينة ولن يخرجوا إلى هنا، أليس كذلك؟ فالمدينة مليئة بالبشر، وهم يركضون خلفهم لأنهم يأكلونهم... لا مبرر يجعلهم يتركون الشوارع المكتظة ويأتون إلى هذه البساتين المعزولة."
التفت طارق إليها قليلاً، وعدل من وضعية المقود وهو يطلق زفيراً قوياً، ثم أجابها بنبرته الخشنة المحملة بخبرة عسكرية :
"نعم يا مريم، هم الآن في المدينة لأن الصيد سهل وهناك حشود ضخمة تضمن بقاءهم حركيين. لكن في المستقبل القريب، عندما تنتهي الضحايا البشرية هناك أو تختبئ في الملاجئ، سيبدأون بالانتشار والتمدد نحو الأطراف. سيأتون إلى هذه البساتين والمزارع، ليس بحثاً عن البشر فحسب، بل لأجل الحيوانات أيضاً. المواشي، الطيور، وكل كائن حي يتحرك ويملك دماً في عروقه سيكون هدفاً لجوعهم الأعمى. هذا الهدوء مؤقت، وعلينا ألا نثق به."
اقتربت السيارة من البوابة الحديدية الضخمة لقصر البساتين. وفي اللحظة التي استعد فيها طارق لإطلاق زامور السيارة لتنبيه من بالداخل، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ انفتحت الأبواب الحديدية الكبيرة بسرعة وسلاسة.
اندفع من خلف الأسوار أربعة من حراس القصر المسلحين ببنادق صيد، يرتدون ستراتهم الأمنية المرتبة، وإلى جانبهم عدد من المزارعين والخدم الذين يعملون في الأراضي المحيطة. كانت وجوههم مشدودة بالخوف، لكن علامات العقل والآدمية كانت واضحة في عيونهم. لحسن الحظ، وبفضل العزلة الجغرافية وسرعة التصرف، كان جميع من في هذا القصر على قيد الحياة ولم يتسلل الوباء إليهم بعد.
أوقف طارق السيارة في الفناء الداخلي الواسع المكسو بحجر الغرانيت الملون. وقبل أن تتوقف العجلات تماماً، أطلقت إحدى المزارعات القديمات، وهي امرأة خمسينية تدعى "أم سعد"، صيحة فرح هزت أرجاء الحديقة عندما لمحت وجه نبراس خلف الزجاج.
"إنه السيد نبراس! لقد وصل السيد نبراس!" صرخت أم سعد، والتفتت فوراً لتركض بنشاط نحو الأبواب الزجاجية الداخلية للقصر لتزف البشرى السعيدة إلى زيد الذي كان في الداخل.
فتح نبراس باب السيارة وقفز منها كالسهم، غير آبه بسلاحه أو بمظهره المنهك. اندفع نحو رئيس الحراس الذي تقدم لاستقباله، وأمسك بكتفيه بقوة وضغط عليهما وهو يسأله بنبرة متحشرجة صاخبة:
"زيد! أخي زيد هنا؟ هل وصل؟ هل هو بخير؟"
أجاب رئيس الحراس بابتسامة واسعة طمأنت قلب نبراس المكلوم:
"نعم يا سيدي، السيد زيد هنا منذ أكثر من خمس ساعات لقد وصل على دراجته النارية، وهو بخير تماماً ولم يمسه أي سوء. إنه في صالة الاستقبال بالداخل."
لم ينتظر نبراس سماع بقية الكلمات. التفت واندفع نحو مدخل القصر بخطوات سريعة تكاد لا تلامس الأرض. وفي نفس اللحظة، انفتحت الأبواب الداخلية الضخمة، وخرج منها زيد يركض بجنون بعد أن سمع صيحات أم سعد.
تلاقت أعين الشقيقين في وسط الردهة الفاخرة للقصر. تلاشت في تلك اللحظة كل الخوف الوجودي الذي عاشه نبراس في الأزقة المظلمة وفي طرقات الموت. ركض الاثنان نحو وارتمى كل منهما في حضن الآخر بقوة هائلة كادت تطيح بتوازنهما.
ضم نبراس أخاه الصغير إلى صدره بكل ما أوتي من عزم، وكأنه يحاول إدخاله بين ضلوعه ليحميه من العالم الخارجي الساقط. دفن وجهه في كتف زيد، وامتزجت أنفاسهما المتلاحقة، وظل يربت على ظهره بقبضتيه المرتجفتين وهو يغمض عينيه ويهمس بصوت تخنقه العبرات والدموع:
"الحمد لله... الحمد لله يا رب... أنت بخير... أنت حي..."
أما زيد، الذي كان جسده ينتفض هو الآخر من أثر الصدمة والفرح، فقد شدد من قبضته حول خصر شقيقه الأكبر، ورفع رأسه قليلاً ليقول بنبرة مازحة حاول من خلالها كسر جدار البكاء والتوتر، وهي النبرة التي طالما استخدمها لتهوين الصعاب على نبراس:
"الحمد لله على سلامتك أنت يا رجل... الحمد لله أنك هنا يا غوريلّا!"
انفجر نبراس بالضحك وسط دموعه، ضحكة صافية نبعت من أعماق قلبه الذي تخلص أخيراً من ثقله. تراجع خطوة إلى الوراء، ونظر إلى وجه زيد البهي ووسامته التي لم تتأثر بالفوضى، ثم مد يده وقرص ذراع زيد بقوة وخفة ليجعله يتأوه مازحاً.
"لا تزال كما أنت، لسانك طويل حتى في وسط نهاية العالم!" قال نبراس وهو يمسح عينه بظاهر كفه ويسحب شقيقه نحو الفناء الخارجي حيث كان طارق ومريم يترجلان من السيارة.
التفت زيد نحو السيارة، فارتسمت على وجهه علامات الدهشة عندما لمح مريم تقف بجانب طارق، وهي تلف نفسها بالغطاء الصوفي، وتبدو كوردة صغيرة نجت من عاصفة مدمرة. تقدم نحوها بخطوات سريعة، وعلامات الارتياح والاعتذار تتسابق على ملامحه الأرستقراطية النظيفة.
"مريم! أنتِ حية وبخير!" قال زيد بنبرة تفيض بالشفقة والاهتمام. "كيف نجوتِ؟ لقد بحثتُ عنكِ في كل زاوية من زوايا القصر الرئيسي قبل أن أنطلق بالدراجة. صرختُ باسمكِ ودخلتُ إلى الجناح الملحق بالخدم، لكني لم أجد لكِ أثراً، وظننتُ أن... ظننتُ أن الأمر قد انتهى بالنسبة لكِ. أنا أعتذر منكِ بشدة يا مريم، أعتذر لأني تركتكِ ورحلت، لكني أقسم لكِ أني حاولتُ العثور عليكِ ولم أرد التخلي عنكِ."
نظرت مريم إلى الأرض بوجل، وعادت حمرة الخجل الوردية لتزين وجنتيها الشاحبتين أمام كلمات زيد الرقيقة واهتمامه النبيل. شبكت يديها تحت الغطاء، وقالت بصوت ناعم، خفيض، يحمل نبرة الاحترام والخجل:
"لا داعي للاعتذار أو الخجل يا سيدي... أنت لم تقصر أبداً. لقد اختبأتُ في خزانة المؤن الصغيرة المستترة أسفل الدرج الداخلي وأغلقتُ الباب بإحكام، ولعل هذا هو السبب الذي جعلك لا تسمعني أو تراني وسط تلك الفوضى. أنا الممتنة لك لأنك فكرت فيّ بالأساس، ولولا فضل الله ثم فضل شقيقك السيد نبراس والكابتن طارق، لكنتُ الآن في عداد الراحلين. شكراً لك."
أومأ زيد برأسه بارتياح، وشعر بحجم الثقل الذي انزاح عن ضميره بعد أن رأى هذه الفتاة المسكينة التي تعهد بحمايتها حية وبأمان.
في هذه الأثناء، تقدم طارق بخطواته الثقيلة وجسده الضخم الذي يشبه الجدار الفولاذي. التفت زيد نحو المدرب، ولمعت عيناه بالامتنان، واندفع ليحضن طارق بقوة. ضمه طارق بذراعيه الضخمتين، وربت على ظهره بكفه العريضة ربتات قوية أحدثت صوتاً مسموعاً.
"أهلاً بك يا زيد" قال طارق بصوته الجهوري الدافئ. "لقد أثبتّ اليوم أنك رجل مواقف، وتصرفك بالدراجة والأسلحة كان عين العقل. والدك الراحل سيكون فخوراً بك بلا شك."
تحرك الجميع بعد ذلك نحو الداخل، حيث أغلق الحراس البوابات الحديدية الخارجية والداخلية بإحكام شديد، وعادوا للتمركز على الأسوار بنظام نوبات صارم أشرف عليه طارق ونبراس قبل دخولهم.
الداخل كان دافئاً، مريحاً، وبعيداً كل البعد عن أجواء الرعب الخارجي. الإضاءة الصفراء الخفيفة كانت تمنح المكان طابعاً من الأمان المفقود. جلس نبراس وطارق وزيد في صالة الاستقبال الرئيسية ليناقشوا خطواتهم القادمة وكيفية تأمين قصر البساتين للأيام أو الأشهر القادمة، وتوزيع نوبات الحراسة وإدارة مخزون المياه والطعام.
أما مريم، فقد كان جسدها قد وصل إلى مرحلة الإنهاك التام. تداخل الجوع العاطفي والبدني مع قلة النوم والخوف المستمر، فبدأت جفونها العسلية تترنح وتغلق رغماً عنها وهي تجلس على طرف المقعد.
لاحظ نبراس ذلك، فالتفت نحو إحدى الخادمات الموجودات في القصر وقال برفق:
"خذي مريم إلى الجناح الشرقي. جهزي لها غرفة خاصة، دافئة ومريحة، ودعيها تنام وترتاح وتأخذ كفايتها من الأمان دون إزعاج."
نهضت مريم ببطء، ونظرت نحو نبراس وزيد وطارق بنظرة وداع ممتنة وصامتة. تبعت الخادمة عبر الممرات الطويلة المؤدية إلى الغرف الداخلية. وعندما دخلت غرفتها الجديدة، وجدت سريراً كبيراً ودافئاً ينتظرها. ألقت بجسدها الضعيف فوق الأغطية الناعمة، وما إن لامس رأسها الوسادة حتى استسلمت فوراً لسلطان النوم العميق، تاركة وراءها أهوال الليلة الماضية، غارقة في واحة الأمان الجديدة وسط بساتين النخيل الحانية.