6
أغلق نبراس صنبور المياه، فغمر الصمت أرجاء الحمام ذي الجدران الرخامية الداكنة، ولم يعد يُسمع سوى حفيف قطرات الماء الأخيرة وهي تنساب ببطء نحو المجرى. كان هذا الاستحمام بالماء المنعش هو شعور للمرة الأولى منذ بداية الكارثة أنه يستعيد شيئًا من حياته القديمة. منذ انطلاق شرارة الكابوس في المدينة؛ فشعر وكأن تلك المياه قد غسلت عن جسده المنهك ليس فقط عرق الركض والتعب، بل وأيضاً غبار الذعر والدم الذي شاهده يسيل على الأسفلت.
خرج من الحمام يلف منشفة بيضاء حول خصره، وتوجه نحو خزانة الملابس الثقيلة المصنوعة من خشب البلوط. اختار قميصاً قطنياً رمادياً مريحاً وبنطالاً منزلياً أسود. انزلق القماش الناعم فوق جلده البارد، مما منحه إحساساً دافئاً بالاستقرار تفتقده القلوب في الخارج. وقف أمام المرآة الكبيرة المعلقة على الجدار، وامتدت يده لتلتقط منشفة صغيرة بدأ يجفف بها خصلات شعره الداكن المبلل بحركات هادئة ومدروسة، ثم أمسك بمشطه العاجي وبدأ يصفف شعره إلى الخلف، لتعود ملامحه الحادة إلى بهائها المعتاد، بعد أن تخلص من وعثاء السفر والترقب.
وفي تلك الأثناء، تحرك مقبض الباب الخشبي لغرفته، وانفتح ببطء ليدخل شقيقه زيد.
لم ينطق زيد بكلمة في البداية، بل مشى بخطوات متباطئة يظهر عليها التعب والكسل، وتوجه مباشرة نحو السرير الكبير الوثير الخاص بنبراس، وارتمى فوقه بكامل جسده، مستلقياً على ظهره، ومسنداً رأسه إلى الوسائد القطنية الناعمة، وهو يطلق زفيراً طويلاً يحمل في طياته راحة كبرى.
توقف نبراس عن تمشيط شعره، وظل المشط معلقاً في الهواء لثوانٍ وهو ينظر عبر المرآة إلى شقيقه المستلقي على فراشه بكل أريحية. التفت إليه بجسده، وارتسمت على وجهه ملامح الاستغراب والدهشة، وعقد حاجبيه وسأله بنبرة تعجب :
"زيد؟ ما الذي تفعله هنا بحق السماء؟ ماذا جرى لغرفتك الخاصة في الجناح الغربي؟ ولماذا قررت استعمار سريري ومكاني؟"
عدل زيد من وضعية استلقائه، ووضع كفيه خلف رأسه وهو ينظر إلى سقف الغرفة، ثم أجاب بنبرة تجمع بين التذمر والقلة الحيلة:
"آه يا نبراس، لا تلمني. الغرف في هذا القصر أصبحت أزمة وطنية. طارق، بحجمه الفولاذي وضخامته التي تشبه الجدار، دخل واستولى على غرفتي بالكامل، ولم أجرؤ حتى على مناقشته أو الاعتراض؛ فالرجل يحتاج إلى سرير يتحمل كتلته العضلية بعد هذا اليوم الشاق. أما مريم... تلك الفتاة المسكينة، فقد أشرفتُ بنفسي على تسكينها في الجناح الرئيسي، وتحديداً في غرفة والدنا الراحل، السيد سليم، لأنها الغرفة الأكثر أماناً ودفئاً في الطابق العلوي."
التفت نبراس بالكامل نحو أخيه، ووضع المشط على الطاولة وتابع تساؤله:
"حسناً، طارق ومريم أخذا غرفتين، لكن القصر كبير يا زيد ويحتوي على أربع غرف أخرى للضيوف في الطابق الأرضي لماذا لم تذهب إلى إحداها؟"
هنا، انقلب وجه زيد إلى العبوس، وزم شفتيه بضيق وتمتم بنبرة غاضبة ومستاءة:
"تلك الغرف؟ إنها غير صالحة للمبيت أبداً في الوقت الحالي! يبدو أن الخدم هنا كانوا في غاية التخاذل والكسل طوال الأشهر الماضية التي غبنا فيها. الأغطية يعلوها الغبار، والستائر متسخة، ولم يقم أحد بتنظيفها أو تجهيزها للاستخدام منذ زمن طويل. إنه إهمال لا يُطاق."
هز نبراس رأسه بهدوء، ومشت على وجهه ابتسامة متسامحة وهو يحاول تهدئة شقيقه، فقال وعيناه تلمعان بالود:
"لا بأس يا أخي، لا تبتئس. في مثل هذه الظروف، يُعد وجود سقف فوق رؤوسنا معجزة بحد ذاته، ولا مجال الآن لمحاسبة الخدم على نظافة الغرف والستائر."
لكن زيد لم يتراجع عن عبوسه، وتمتم بنبرة منخفضة ممتلئة بالغيظ وهو يقلب عينيه:
"أعلم ذلك... ولكن الأمر مستفز، نحن ندفع لهم رواتب مجزية بانتظام لكي يقوموا بواجباتهم على أكمل وجه، وفي النهاية نجد هذا التقاعس!"
نظر نبراس إلى شقيقه العابس المستلقي على السرير كأنه طفل صغير يعترض على ألعابه، فتحركت في داخله غريزة المداعبة التي طالما تشاركاها في طفولتهما. وبحركة سريعة ومفاجئة، جمع نبراس المنشفة الصغيرة التي كان يجفف بها شعره، ولفها بيده لتصبح ككرة قطنية، ثم رماها بدقة نحو وجه أخيه.
ارتطمت المنشفة بوجه زيد مباشرة، فصرخ صرخة خفيفة ومندهشة وهو يزيحها عن عينيه، وجلس بسرعة على السرير وهو ينظر إلى نبراس بملامح مصدومة ومفتعلة الغضب.
أشار نبراس بيده نحو الأريكة الجلدية الطويلة والعريضة التي تقبع في زاوية الغرفة بجانب النافذة، وقال بنبرة صارمة مازحة وهو يحاول كبح ضحكته:
"بما أن غرف الضيوف متسخة، وبما أنك رجل نبيل منحت غرفتك لطارق، فمكانك ليس هنا على سريري. قم وتحرك فوراً، ونم على تلك الأريكة هناك؛ فهي مريحة وتكفي لطولك."
وضع زيد يده على صدره، ممتثلاً دور الضحية والمظلوم، ونظر إلى نبراس بعينين واسعتين تفيضان بالمسكنة المصطنعة، وقال بصوت متهدج متباكٍ:
"يا للإنسانية! أهذا هو استقبالك لي بعد أن نجوتُ من الموت بأعجوبة؟ أهذا ما تفعله بأخيك الصغير المسكين الذي كاد أن يصبح وجبة عشاء للزومبي في المدينة؟ تطردني من السرير الدافئ لترميني على أريكة باردة؟"
لم يستطع نبراس السيطرة على نفسه هذه المرة؛ فانطلقت ضحكته الرجولية الصافية لتردد صداها بين جدران الغرفة، ضحكة غسلت كل ما تبقى من خوف الليل في قلبه. اقترب من السرير، وضرب كتف زيد بخفة، وقال وهو لا يزال يبتسم :
"اصمت أيها الممثل البارع! نم حيث تشاء... السرير واسع ويكفينا معاً، تماماً كما كنا نفعل في الأيام الخوالي بالميتم."
تلاشت ملامح المسكنة عن وجه زيد، وحلت محلها ابتسامة دافئة وصادقة. استلقى مجدداً على السرير، بينما توجه نبراس ليطفئ كشاف الإضاءة الرئيسي، ليحل في الغرفة نور الفجر الخفيف المنبعث من النافذة، معلناً بداية يوم جديد في عالم ميت، لكنه عالم لا يزال ينبض بالحياة والأمل داخل هذا القصر.
استلقى الشقيقان على الفراش الوثير بعد أن خمدت ضحكاتهما، وحلَّ الصمتُ الرتيبُ داخل الغرفة التي بدأت زواياها تتضح مع تغلغل خيوط الصباح عبر ستائر النافذة. تمدد نبراس على الجانب الأيمن من السرير، مستنداً برأسه إلى وسادته، بينما اتخذ زيد الجانب الأيسر. استدار كل منهما ليوجه ظهره للآخر، في محاولة منهما لاستجماع ما تبقى من طاقة بشرية نضبت طوال ساعات الليل الطويلة التي قضوها في الركض والمواجهة والترقب.
لم يكد نبراس يغمض عينيه ويستسلم لأولى خطوط النوم، حتى شعر بحركة مباغتة وقوية تسحب الدثار الصوفي الدافئ عن جسده. التفت بطرف عينه في العتمة، ليجد أن زيد قد تكوّم على نفسه في الجانب الآخر، ولفَّ الغطاء بأكمله حول جسده كشرنقة، تاركاً شقيقه الأكبر يواجه لسعات برودة الصباح الخريفية المنبعثة من النوافذ.
تمتم نبراس بنبرة منخفضة، ممتلئة بالغيظ والاضطراب، وأطلق شتيمة لاذعة ممتزجة بقلة الحيلة وهو يحرك كتفيه بضيق.
في الجانب المقابل، اهتز جسد زيد بخفة، وانطلقت منه ضحكة مكتومة وصافية تردد صداها الخافت في أرجاء الغرفة. لم يكن زيد نائماً، بل كان مستمتعاً إلى أقصى حد بإثارة حنق شقيقه الأكبر وجعله منزعجاً؛ حيث يجد في إثارة غضب نبراس وسيلة للشعور بالأمان، وإثباتاً بأن الحياة ورغم كوابيسها الخارجية لا تزال تحتفظ ببعض ملامحها القديمة. قال نبراس وصوته يحمل تحذيراً صارماً:
"زيد... أقسم لك إن لم تعِد الغطاء في غضون ثانية واحدة، فستندم،"
لكن زيد لم يتحرك، بل زاد من إحكام قبصته على الدثار وتظاهر بالنوم العميق، مطلقاً غطيطاً مزيفاً وساخراً.
نفد صبر نبراس. تحرك بآلية سريعة، فنهض من الفراش بخطوات حازمة، وتوجه نحو الخزانة الخشبية الكبيرة حيث فتحها وسحب منها غطاءً صوفياً جديداً وسميكاً. التفت نحو السرير، وبدلاً من أن يستلقي بهدوء، تقدم نحو الجانب الذي يقبع فيه شقيقه، ورفع قدمه ليرفس زيد رفسة قوية ومباغتة في منتصف ظهره.
بصوت مكتوم وارتطام قوي، تهاوى جسد زيد من فوق الفراش المرتفع ليسقط أرضاً على السجادة السميكة المفروشة بين السرير والطاولة. تشتتت شرنقته الصوفية، وجلس على الأرض وهو يفرك ظهره بيده الحرة، ويتذمر بصوت عالٍ ملأ الغرفة:
"يا لك من غوريلّا قاسية القلب! هل هذه معاملة يتلقاها شقيقك الأصغر؟ لقد كدت تكسر عمودي الفقري من أجل قطعة قماش!"
"هذا جزاء اللصوص، نم على الأرض الآن إن كان يعجبك ذلك،" أجاب نبراس وهو ينزلق تحت غطائه الجديد ويغلق عينيه بابتسامة انتصار.
تذمر زيد مجدداً ببضع كلمات غير مفهومة، ثم زحف عائداً إلى السرير في جانبه المعين، مستسلماً هذه المرة للنوم دون مشاكسة، حيث غط الاثنان في نوم عميق وضروري بعد ليلة استيقظوا فيها طوال الوقت ولم تذق فيها جفونهم طعم الراحة.
عندما استيقظ الجميع، كانت الشمس قد توسطت كبد السماء، وأرسلت أشعتها الدافئة المستقيمة لتخترق نوافذ قصر البساتين، كاشفة عن تفاصيل مزارع النخيل الممتدة التي تحيط بالحصن الأبيض. ساد الهدوء أرجاء المكان، لكنه كان هدوءاً مشحوناً بالعمل؛ فقد أمضى طارق والحراس الساعات الأولى من الصباح في تفقد الأسوار وتوزيع نقاط المراقبة.
اجتمع أفراد المجموعة الأربعة—نبراس، وزيد، وطارق، ومريم—حول مائدة الفطور الخشبية الكبيرة في غرفة الطعام الرئيسية. كانت المائدة حافلة بما جلبوه من معلبات، إلى جانب بعض الخبز الريفي الطازج والتمر والجبن الذي أعده مزارعو القصر. ورغم طيب الطعام، إلا أن الوجوم كان سيد الموقف؛ فالأفكار كانت تدور حول الخطوة القادمة في عالم تداعت ركائزه.
أخذ طارق رشفة من شاي ساخن، ووضع كوبه الثقيل على الطاولة، ليوجه بصره الحاد نحو الشقيقين ويقطع الصمت قائلاً:
"حسناً يا رفاق، نحن الآن في أمان مؤقت، والمؤن التي لدينا تكفينا لعدة أيام، لكن الاعتماد على هذه المزارع وحدها على المدى الطويل مجازفة غير محسوبة. نحن بحاجة إلى التخطيط للمستقبل قبل أن تنتشر الفوضى في الأطراف وتغلق الطرق الفرعية بالكامل."
أومأ نبراس برأسه مؤيداً، ومسح فمه بمنديل قبل أن يجيب بنبرة جادة:
"أنت على حق يا طارق. نحتاج إلى وضع قائمة بالاحتياجات الأساسية والتحرك لجلدها قبل فوات الأوان. نحن بحاجة إلى كميات وافرة من وقود الديزل والبنزين لتشغيل مولدات الكهرباء في القصر وضمان حركة الـ لاند كروزر او السيارات الخرى والدراجة. ونحتاج أيضاً إلى جلب مؤن طبية معقمة، ومزيد من المعلبات والمواد الجافة التي لا تتلف بسرعة."
التفت زيد نحو مريم، التي كانت تجلس بصمت مطبق في طرف المائدة، ترتدي ذات الثوب القطني البسيط وتلف كتفيها بالغطاء، وتبدو علامات الحرج والضعف واضحة في ملامحها الناعمة. قال زيد بنبرة تفيض بالشفقة والاهتمام:
"ولا تنسوا مريم أيضاً. الفتاة خرجت من القصر الرئيسي دون أن تملك أي شيء سوى الملابس التي ترتديها الآن. إنها بحاجة إلى ملابس شتوية ثقيلة، وأحذية مناسبة للحركة، وأغراض شخصية تعينها على العيش معنا في هذا المكان."
"إذاً، الوجهة واضحة،" قال طارق وهو يفرش خريطة صغيرة للمنطقة على الطاولة. "هناك بلدة صغيرة ومجمع تجاري ريفي يقع على بعد خمسة عشر كيلومتراً من هنا، على أطراف البساتين. المنطقة هناك أقل اكتظاظاً بالسكان من وسط المدينة، وتحتوي على محطة وقود رئيسية ومتاجر للمستلزمات الطبية والملابس. سنذهب إلى هناك ونجلب كل ما يمكننا تحميله في السيارة."
في هذه الأثناء، رفعت مريم عينيها العسليتين، ونظرت نحو نبراس وطارق بنظرة تحمل تصميماً مفاجئاً، وقالت بصوت ناعم ولكن نبرته كانت واثقة وثابتة:
"سيد نبراس...وسيد طارق... أرجوكم، أريد الذهاب معكم في هذه الرحلة."
توقف نبراس عن تناول طعامه، والتفت إليها بسرعة وعقد حاجبيه دلالة على الرفض القاطع، وقال بنبرة حازمة وخالية من التردد:
"بالتأكيد لا يا مريم. هذا الأمر غير قابل للنقاش. المكان الذي سنذهب إليه قد يكون محفوفاً بالمخاطر، والشوارع ليست آمنة. مهمتك هي البقاء هنا داخل القصر، حيث الحراسة مشددة والأسوار تحميكِ. لا مبرر لتعريض حياتكِ للخطر في الخارج."
التفتت مريم نحو زيد كأنها تستنجد به، فتحركت في نفس زيد غريزة الدعم والإنصاف. نظر زيد إلى شقيقه الأكبر وقال بنبرة هادئة ومقنعة:
"نبراس، لا بأس في ذلك، دعها تأتي معنا. الفتاة تحتاج إلى اختيار ملابسها وأغراضها الشخصية بنفسها، وهي أعلم بما يناسبها منا. كما أن بقاءها معنا داخل السيارة وتحت حمايتنا وحماية أسلحتنا قد يكون أكثر أماناً لها من البقاء هنا والانتظار وسط القلق والترقب."
التقط نبراس أنفاسه، ونظر إلى شقيقه بنظرة حادة، ثم وجه بصره نحو مريم وقال بنبرة رخيمة، تحمل في طياتها تلك الثقافة والرجولة المبكرة التي تربى عليها:
"يا زيد، الأمر ليس قسوة أو تحكماً. مريم فتاة، وفي عرفنا وثقافتنا، الفتيات مكرمات ومعززات في البيوت، لا يُقذف بهن في مواطن الخطر والقتال. هذا العمل—جلب المؤن، ومواجهة المسوخ، وتحميل الأثقال والوقود—هو عمل رجال بالدرجة الأولى، رجال يملكون القوة البدنية والقدرة على التعامل مع الحديد والموت. مكانها الطبيعي هو الراحة هنا، لا الركض في الشوارع المهجورة."
كان نبراس يقصد بكلامه رفعة شأنها وأنها مصونة في نظره، لكن مريم لم تتراجع، بل زاد بريق عينيها تصميماً، وقالت بصوت متهدج يحمل نبرة الرجاء القوي:
"سيد نبراس، أنا أقدر كلامك واحترامك لي كفتاة، وأعلم أنك تريد حمايتي. لكن هذا العالم قد تغير، ولم أعد أريد أن أكون تلك الفتاة الضعيفة التي تختبئ في الخزائن وتنتظر مصيرها بين أيدي الآخرين. أريد أن أتعلم كيف أواجه، وأريد أن أكون حاضرة ومفيدة للمجموعة. أرجوك... دعني أذهب."
نظر نبراس إلى مريم ثم التفت نحو طارق ليجد أن المدرب الضخم يكتفي بمراقبة الموقف بصمت، تاركاً القرار النهائي لصاحب الشأن.
أطلق نبراس تنهيدة عميقة وطويلة، خرجت من صدره محملة بالاستسلام أمام هذا الإصرار الأنثوي الشجاع. وضع كفيه على الطاولة، ونظر إلى مريم بعينين حادتين كالسيف، وخيمت على صوته نبرة من الصرامة المطلقة التي لا تقبل التهاون:
"حسناً... حسناً يا مريم. أوافق على ذهابكِ معنا، ولكن بشرط واحد لا ثانٍ له، وإن خالفتهِ فستكون هذه آخر مرة تخرجين فيها من عتبة هذا القصر."
أومأت برأسها مستعدة لسماع الشروط.
تابع نبراس وعيناه تثبتان عينيها:
"شرطي هو أن تبقي ملاصقة لنا خطوة بخطوة. لا تتحركي إنشاً واحداً دون إذن مني أو من طارق وزيد. إن طلبنا منكِ البقاء في السيارة فلا تفتحي الباب مهما حدث بالخارج، وإن طلبنا منكِ الركض فتركضين دون التفات. سلاحكِ الوحيد في هذه الرحلة هو الانصياع التام لأوامرنا. هل هذا واضح ومفهوم؟"
"واضح تماماً يا سيدي، أعدك بذلك،" أجابت مريم بلهفة، وانفرجت شفتاها عن ابتسامة خفيفة من الارتياح، بينما عادت خدودها لتصطبغ بلون وردي خفيف بفعل الحماس.
"إذن، لنتحرك فوراً،" قال طارق وهو ينهض من مقعده ويحمل سلاحه الحديدي الثقيل. "الشمس في وسط السماء، وعلينا استغلال ساعات النهار والعودة قبل حلول الظلام."
نهض الجميع من المائدة بنشاط مشحون بالترقب. تحرك نبراس وزيد نحو المقاعد الخلفية لتحضير الأسلحة وصناديق الذخيرة والبنادق، بينما توجهت مريم لترتدي حذاءً بسيطاً وتستعد لخوض أولى تجاربها في عالم النجاة الجديد، عاقدة العزم على ألا تكون عبئاً على هؤلاء الرجال الذين منحوها الحياة من جديد.