NOVELFLEX

انطلقت الـ "لاند كروزر" تشق عتمة الفجر المترنح تحت ضربات الضوء الرمادي الأولى. الشوارع الفرعية التي سلكها طارق كانت تزداد قسوة ووعورة كلما ابتعدوا عن المربع السكني الفاخر للقصر الرئيسي. تحولت الأرصفة المنظمة إلى مساحات ترابية، وبدأت الأشجار

خذم · بقلم Fati F

4

انطلقت الـ "لاند كروزر" تشق عتمة الفجر المترنح تحت ضربات الضوء الرمادي الأولى. الشوارع الفرعية التي سلكها طارق كانت تزداد قسوة ووعورة كلما ابتعدوا عن المربع السكني الفاخر للقصر الرئيسي. تحولت الأرصفة المنظمة إلى مساحات ترابية، وبدأت الأشجار البرية الكثيفة تتدلى أغصانها فوق سقف السيارة، محدثة ضربات متتالية.

أمسك طارق بمقود السيارة بقوة، وعيناه لا تفارقا الطريق المتعرج. ساد صمت ثقيل داخل المقصورة، لم يقطعه سوى أزيز المحرك القديم واهتزاز الهيكل المعدني مع كل حفرة يبتلعها الأسفلت المتآكل. التفت طارق قليلاً نحو نبراس، وحرك حاجبيه الكثين تساؤلاً قبل أن يتحدث بنبرته الخشنة المعتادة:

"نبراس، المدينة في الأسفل أصبحت مصيدة مغلقة. الشوارع الرئيسية التي تؤدي إلى وسط العاصمة تكدست فيها الجثث والسيارات، والذهاب إلى هناك دون وجهة محددة هو انتحار محض. زيد ذكي، ويعلم أن الحركة داخل الأحياء المكتظة تعني نهايته ونهاية دراجته. أين تظن أنه اتجه؟ أين تريد مني أن أقود هذه العربة الآن؟"

أرجع نبراس رأسه إلى الخلف، مستنداً إلى المقعد الجلدي البالي. جالت عيناه في الأفق البعيد، حيث تبدو خطوط النخيل والأشجار الباسقة تتداخل مع الضباب الصباحي في أطراف المحافظة. تنفس بعمق، وارتسمت على وجهه ملامح اليقين وهو يجيب:

"توجه نحو الشمال يا طارق. اخرج من هذا الطريق الفرعي وسلك طريق البساتين القديم. إنه يتجه نحو القصر الصيفي المعزول... ذلك القصر القابع في وسط مزارع النخيل الكثيفة."

التفت طارق إليه بسرعة، ولمعت عيناه بفهم مفاجئ:

"قصر البساتين؟ المكان الذي كنا نقضي فيه سهراتنا ونتعلل فيه حتى الصباح؟"

"بالتأكيد،" أومأ نبراس برأسه وتابع:

"ذاك القصر هو ورثنا الآخر الذي تركه لنا والدنا الراحل، السيد سليم. إنه حصن حقيقي، محاط بأسوار طينية وإسمنتية سميكة، ويمتد على مساحة واسعة من المزارع التي تحجب الرؤية عن أي غريب. والأهم من ذلك كله، أن زيد يعشق ذلك المكان. في كل مرة كان يشعر فيها بالضيق أو يريد الهروب من صخب المدينة، كان يستقل دراجته النارية ويتجه إلى هناك ليبقى بمفرده. هو يعلم أن القصر الرئيسي في المدينة مكشوف، ويعلم أيضاً أن قصر البساتين يحتوي على بئر ماء جوفي ونظام حماية بدائي ومؤن قديمة."

أطلق طارق زفيراً قويًا حمل موافقته:

"ذكاء مالي، اختيار موفق. الطريق إلى هناك طويل وسيمر عبر المزارع المعزولة، وهو أفضل بكثير من المرور بالطرق السريعة. سنحتاج إلى ساعتين على الأقل للوصول إن لم تصادفنا عقبات."

في هذه الأثناء، وفي المقعد الخلفي للسيارة، كانت مريم تجلس منكمشة على نفسها. كانت قد لفت الغطاء الصوفي الثقيل حول كتفيها الصغيرتين بحذر، وعيناها العسليتان تراقبان حواف الطريق والظلال المتحركة برعب مكتوم.

وفجأة، وفي وسط هذا الصمت المطبق الذي يلف السيارة، صدر صوت غريب ومفاجئ. (قرقرة)

كان ذلك صوت معدة ليلى الخاوية، يتردد بوضوح في جو المقصورة الضيق. لقد كانت الفتاة تركض وتختبئ لساعات طويلة دون أن تذوق قطرة ماء أو كسر خبز، والجهد العصبي والبدني الذي بذلته استهلك كل طاقة في جسدها الضعيف.

في لمحة بصر، صبغت الحمرة وجنتي مريم. تحولت خدودها البيضاء إلى اللون الوردي بفعل خجل شديد تملّكها. انحنت برأسها إلى الأسفل حتى كاد ذقنها يلامس صدرها، وشبكت أصابع يدها المرتجفة ببعضها البعض، وهي تتمنى لو أن الأرض تنشق وتبتلعها جراء هذا الموقف المحرج أمام هذين الرجلين اللذين ينقذان حياتها.

لمح نبراس حركتها عبر مرآة الرؤية الداخلية. نظر إليها برفق، وانفرجت أساريره عن نظرة دافئة تخلو من أي سخرية. التفت بجسده بالكامل نحو المقعد الخلفي، وأشار بيده نحو الصناديق الكبيرة المليئة بالمعلبات والمؤن التي جمعوها من المطبخ الرئيسي.

"مريم،" قال نبراس بصوت رخيم وناعم، يحاول كسر الجليد والحرج الذي يغلفها. "لماذا تنتظرين وتتحملين هذا الجوع؟ يمكنكِ أن تأكلي الآن، الصناديق بجانبكِ مباشرة وهي مليئة بكل ما يحتاجه بطنكِ. افتحي أي علبة وابدئي بالأكل فوراً."

رفعت مريم عينيها العسليتين ببطء، وكانت نظرتها تحمل تردداً غريباً، ونطقت بصوت خفيض للغاية، شبه هامس:

"أنا... أنا لا يمكنني الأكل قبلكم يا سيدي. أنتم أسياد القصر وأصحاب الفضل في إنقاذي... لا يجوز لخادمة أن تمد يدها إلى الطعام وتأكل براحتها بينما أسيادها يبحثون ويقودون السيارة في هذا الخطر."

توقف نبراس عن الكلام لثانية، ونظر إليها بجدية ممزوجة بأسف دافئ. ثم أطلق تنهيدة خفيفة، وهز رأسه رافضاً هذه الكلمات التي تنتمي إلى عالم مات وانتهى في الخارج.

"استمعي إليّ جيداً يا مريم،" قال نبراس ونبرته تحمل صرامة أخوية حانية. "لا مزيد من هذه الأمور الآن. عالم (الأسياد والخدم) قد احترق بالكامل في الشوارع التي تركناها وراءنا. نحن الآن في عالم جديد تماماً، عالم لا يعترف بالألقاب، بل يعترف فقط بمن يستطيع النجاة ويملك القوة للوقوف على قدميه. لستِ خادمة عندنا، وأنتِ الآن فرد من هذه المجموعة الصغيرة."

التفت طارق نحو الخلف للحظة، وأضاف بصوته الخشن مؤيداً كلام صديقه:

"نبراس على حق يا فتاة. في قانون النجاة، الجوع هو العدو الأول بعد تلك المسوخ. إن ضعف جسدكِ فلن تتمكني من الركض إن احتجنا لذلك، وستصبحين عبئاً علينا. كلي لتقوى عظامكِ."

تابع نبراس وهو يبتسم ويسحب علبة من الفول المدمج المجهز وعلبة من اللحم المجفف، ويضعهما في حجرها:

"خذي هذه. هناك طعام بالخلف يكفينا لأسابيع طويلة لا تقلقي بشأننا؛ أنا وطارق رجال، جلودنا سميكة وأجسادنا متعودة على تحمل المشاق والجوع لساعات طويلة في النادي وخارجه. نحن نتحمل أكثر بكثير، أما أنتِ فتحتاجين إلى الطاقة الآن. كلي ولا تخجلي."

نظرت مريم إلى علب الطعام في حجرها، ثم إلى وجه نبراس الوسيم الذي كان يشع أماناً لم تعهده من قبل. تلاشت حمرة الخجل تدريجياً من وجنتيها، وحل محلها شعور عميق بالامتنان والراحة. امتدت يدها الصغيرة لتلتقط فتاحة العلب المعدنية الصغيرة الملحقة بالصندوق.

بدأت مريم بفتح علبة اللحم المجفف بحركات بطيئة ومتأنية، وصوت تمزيق المعدن كان يعلن انتصار الحياة البسيطة داخل هذه العربة المتنقلة وسط الموت. أخذت قطعة صغيرة ووضعتها في فمها، وبدأت تأكل بنهم حاولت جاهدة إخفاءه وراء آداب سلوكها الهادئة. كانت كل لقمة تبتلعها تعيد الدفء إلى عروقها الباردة، واللون الوردي الطبيعي بدأ يعود ليزين وجنتيها الشاحبتين.

كان الطريق طويلاً، طويلاً جداً ومهجوراً. انحرفت السيارة بالكامل عن ملامح المدينة، ودخلت في عمق منطقة البساتين. هنا، تحولت المناظر الخارحية إلى غابات ممتدة من نخيل التمر الباسق، وأشجار البرتقال والرمان التي تداخلت أغصانها لتصنع نفقاً أخضراً مظلماً فوق الطريق الترابي الضيق. الضباب الصباحي كان يرتفع من أراضي السقي، مسبباً طبقة بيضاء لزجة على الزجاج الأمامي، مما اضطر طارق لتشغيل ماسحات الزجاج التي كانت تصدر صوتاً منتظماً ورتيباً

نبراس عاد ليراقب الطريق بجانب طارق، والبندقية ترتاح بين قدميه. كان يرى بين الحين والآخر من بين جذوع النخيل البعيدة ظلالاً متباعدة لبعض الفلاحين أو المارة الذين تحولوا؛ كانوا يتحركون بهيام وبطء شديد في وسط السواقي الطينية، غير آبهين بالمياه أو الطين، يقودهم فحيحهم المشترك نحو أي صوت قد يصدر. لكن سرعة الـ "لاند كروزر" وهدير محركها القوي كانا يبقيانهم دائماً في الخلف، مجرد ذكريات رمادية تتلاشى وسط خضرة البساتين الطاغية.

استمرت مريم في تناول طعامها بهدوء، بينما كانت السيارة تتوغل أكثر فأكثر في هذا الممر الأخضر الطويل، متجهة نحو ذلك الحصن حيث يرقد الأمل الأخير لنبراس في العثور على شقيقه زيد وإعادة تجميع شتات عائلتهم الممزقة.