12
كان صوت إطلاق النار داخل الأسوار يعني شيئاً واحداً فقط: الخطر قد اخترق الحصن، والموت يتجول الآن في الباحات الخلفية.
في الجناح الغربي للقصر، انتفض طارق من فراشه كزنبرك فولاذي أُفلت فجأة. لم يحتج العسكري المخضرم لأكثر من جزء من الثانية ليدرك طبيعة الصوت ومصدره. بحركة غريزية تدرب عليها لسنوات، التقط بندقيته الآلية من جوار سريره، وارتدى حذاءه دون أن يزعج نفسه بربط أشرطته، وانطلق خارج غرفته كقذيفة موجهة نحو المزرعة.
وفي الجناح العلوي، استيقظت مريم برعب شديد، وقلبها يخفق بسرعة تكاد تمزق صدرها. شهقت وهي تجلس في سريرها، والذكريات المظلمة للمجمع التجاري تهاجم مخيلتها. التفتت فوراً نحو الغرفة المجاورة، وركضت حافية القدمين لتطمئن على كرم. كان الطفل قد استيقظ أيضاً، يجلس في سريره، وعيناه واسعتان بخوف. ضمته مريم إلى صدرها بسرعة، تهمس له بكلمات مطمئنة، لكن قلقها على من في الخارج دفعها لاتخاذ قرار شجاع. أغلقت باب غرفة الطفل جيداً، وتناولت سترة صوفية لفتها حول جسدها ونزلت درجات السلم بخطوات متسارعة تتبع مصدر الجلبة.
في الأسفل، كانت حالة من الفوضى العارمة قد دبت بين طاقم الخدم والمزارعين. خرج الرجال والنساء من غرفهم الملحقة، يحملون فوانيس ومصابيح يدوية، تتراقص أضواؤها الصفراء على الجدران الخرسانية للممرات، وأصواتهم تتداخل في همهمات مذعورة. كان الجميع يركض باتجاه الساحة الخلفية حيث توجد الحظائر، وتحديداً نحو تلك الحظيرة المتروكة التي انبعث منها دوي الانفجار.
وصل طارق إلى الساحة الخارجية ليجد مجموعة من الخدم يتجمهرون بخوف أمام باب الحظيرة الخشبي القديم. كان أحدهم، وهو شاب يرتعد من رأسه حتى أخمص قدميه، يحمل قاطع حديد ثقيل، ويحاول عبثاً وبيدين مرتعشتين أن يكسر القفل المعدني الضخم الذي يغلق الباب من الخارج، بينما كانت صيحات مكتومة وأصوات حركة ثقيلة تأتي من الداخل.
"ابتعد من أمامي!" زأر طارق بصوته الخشن الذي شق جمهرة الخدم.
تقدم طارق بخطوات واسعة، وانتزع قاطع الحديد الثقيل من يد الخادم المرتجف بحركة واحدة قوية. ألقى طارق بندقيته على كتفه، وثبّت فكي القاطع المعدني حول حلقة القفل، وضغط بكل ما أوتي من قوة في عضلات ذراعيه المفتولتين. انكسر القفل الصلب وسقط على الأرض الترابية محدثاً صوتاً معدنياً رناناً.
دفع طارق الباب الخشبي بقدمه ليُفتح على مصراعيه، وتراجع خطوة إلى الوراء، رافعاً بندقيته الآلية، وموجهاً فوهتها ومصباحها التكتيكي نحو جوف الظلام المتعفن، مستعداً للتخلص من أي خطر يخرج من هناك بوابل من الرصاص.
لكن ما خرج من تلك العتمة لم يكن مسخاً جائعاً، بل كان مشهداً جعل الدماء تتجمد في عروق كل من وقف في الساحة، وجعل أنفاس مريم، التي وصلت للتو ووقفت خلف طارق، تتقطع في صدرها.
ظهر زيد من بين الظلال، يخطو بصعوبة بالغة على الأرضية الترابية. كان جسده الضخم الذي كان يفيض هيبة، يبدو الآن كأنه خاض حرباً في قاع الجحيم. كانت ملابسه ممزقة، ووجهه وشعره ملطخين بدماء سوداء لزجة وريش أبيض متناثر. وكان زيد يسند شقيقه الأكبر، نبراس، الذي كان يعرج بجانبه.
كانت حالة نبراس تدمي القلوب وترعبها في آن واحد. القائد الصارم، العقل المدبر، والرجل الذي يهتم بتعقيم كل شبر يطؤه، كان يخرج الآن مغطىً بأحشاء الدواجن والدماء الميتة وروث الحيوانات. كانت ذراعه اليمنى تتدلى بجانبه كغصن شجرة مكسور، لا حراك فيها، ووجهه الشاحب يتصبب عرقاً بارداً، وشفتاه تنزفان دماً جراء عضه عليهما بقوة لتحمل الألم الخرافي الذي يمزق كتفه.
بمجرد أن خرج الشقيقان إلى بقعة الضوء في الساحة الخارجية، ووقع نظر نبراس على المرأة - زوجة المزارع - التي كانت لا تزال راكعة على الأرض تبكي وتنتحب وتلطم وجهها، انفجر بركان الغضب الذي كان مكبوتاً في صدره. لم يكترث نبراس لألمه المبرح، ولا لكونه لا يستطيع الوقوف دون مساعدة زيد؛ لقد تلاشت كل آلامه أمام حجم الخيانة والغباء الذي كاد أن يودي بحياتهم جميعاً.
"أيتها الحمقاء الملعونة!" صرخ نبراس بصوت جهوري مشروخ، صرخة هزت أركان القصر وجعلت الخدم يتراجعون خطوتين للخلف برعب.
حاول نبراس الاندفاع نحوها، لكن زيد أحكم قبضته على خصره ليمنعه من السقوط. أشار نبراس بيده اليسرى السليمة نحو المرأة، وعيناه تشتعلان بنار الغضب الصافي:
"لقد جلبتِ الموت إلى عقر دارنا! خبأتِ وحشاً متعفناً في حظيرتنا من أجل عاطفة غبية! لقد قتلتِ ابنتكِ مرتين، وكدتِ تقتليننا جميعاً! قسماً بمن رفع السماء، لن تبقي في هذا القصر دقيقة واحدة بعد شروق الشمس! أنتِ وزوجكِ وكل من يعلم بهذه الجريمة! سأطردكم جميعاً لتأكلكم الوحوش في الخارج كما أردتِ لتلك المسخ أن تأكلنا!"
ازداد نحيب المرأة، وأخذت تزحف على ركبتيها نحو نبراس، تتوسل وتمرغ وجهها في التراب:
"سيدي... أرجوك! ارحمني... لم أقصد... لقد كانت ابنتي... قطعة من قلبي... كيف أقتلها؟ ارحم ضعفي يا سيدي!"
"لا رحمة للغباء في هذا العالم!" قاطعها نبراس بصرخة أخرى زادت من تمزق أنفاسه، وأغلق عينيه بقوة عندما ضربت موجة من الألم الكهربائي الحارق كتفه، ليطلق تأوهاً خشناً وعميقاً من بين أسنانه المصطكة.
لم يعد زيد يطيق رؤية شقيقه يتعذب بهذا الشكل. تجاهل زيد صراخ المرأة وتجمهر الخدم، ووجه تركيزه بالكامل نحو نبراس.
"يكفي يا نبراس، توقف عن الكلام وفّر طاقتك،" قال زيد بنبرة حازمة لم يعتد أحد أن يسمعها منه وهو يخاطب أخاه الأكبر.
سحب زيد شقيقه بقوة مدروسة، وأجبره على الجلوس فوق صندوق خشبي مقلوب كان موضوعاً بالقرب من جدار الحظيرة. جلس نبراس بأنفاس متلاحقة، ورأسه يميل نحو صدره، بينما ركع زيد أمامه على ركبة واحدة، وتجاهل الدماء والقذارة التي تغطيهما، وبدأ يفحص ذراع شقيقه بعناية فائقة.
كان زيد يمتلك معرفة طبية ميدانية لا بأس بها، اكتسبها من التدريبات الرياضية العنيفة التي كانا يمارسانها، ومن قراءاته المتعددة. بدأت أصابعه الخشنة تتلمس بلطف شديد منطقة الكتف الأيمن لنبراس، نزولاً من الترقوة وحتى المفصل.
أطلق نبراس صرخة مكتومة عندما ضغط زيد على نقطة معينة، وحاول سحب جسده للخلف لا إرادياً.
"اثبت يا أخي... اثبت،" همس زيد وهو يواصل الفحص بتركيز. بعد ثوانٍ قليلة، ارتخت ملامح زيد قليلاً، ورفع نظره نحو طارق الذي كان يقف فوق رأسهما بحذر، ثم التفت إلى نبراس وقال بصوت يحمل مسحة من الارتياح الممزوج بالقلق:
"الأخبار الجيدة هي أنه ليس كسراً في العظم. لا يوجد تهشم. المفصل سليم من حيث البنية، لكنه خلع كامل وشديد. عظمة العضد قد خرجت من التجويف الكتفي بالكامل واستقرت للأمام بسبب قوة الارتطام بالمعلف الخشبي."
"ردّه إلى مكانه... الآن،" نطق نبراس الكلمات بصعوبة بالغة، وعيناه مغلقتان، ووجهه يقطر عرقاً.
"سأفعل، لكن الأمر لن يكون نزهة يا نبراس. العضلات حول الكتف متشنجة بشدة بسبب الألم، وإجبار العظم على العودة لمكانه سيسبب لك ألماً يوازي ألم السقوط أو أشد،" حذر زيد بجدية.
في هذه الأثناء، تقدمت مريم بخطوات خجولة ومترددة. كانت تنظر إلى الدماء السوداء التي تلطخ وجه زيد، وإلى حالة نبراس المزرية، وشعرت بغصة في حلقها. وقفت بجوار زيد، وعيناها تفيضان بالتعاطف والقلق.
رفع زيد نظره إليها، وعندما رأى السترة الصوفية ووشاحاً قطنياً يتدلى من رقبتها، التمعت في ذهنه فكرة. "مريم،" قال زيد بسرعة، "أعطني هذا الوشاح القطني من فضلك. أحتاج إليه فوراً."
دون أن تسأل، سحبت مريم الوشاح من حول عنقها وناولته إياه. أخذ زيد القماش، وقام بطيّه عدة طيات متراصة ليصنع منه قطعة سميكة ومتينة. استدار نحو نبراس، ومد يده بالقطعة القماشية نحو فم شقيقه.
"افتح فمك وعض على هذا بقوة،" أمر زيد بصرامة.
فتح نبراس عينيه، ونظر إلى القماش ثم إلى زيد بنظرة تحمل استياءً وكبرياءً لا ينكسر حتى في أشد لحظات الضعف. "لست بحاجة إلى هذا الهراء يا زيد. أنا لست طفلاً، ولن أبكي. قم بعملك وأعد يدي إلى مكانها."
"قلت لك افتح فمك!" رفع زيد صوته، وتلاشت نبرة الأخ الأصغر ليحل محلها حزم رجل يعرف تماماً ما يفعله. "هذا الخلع ليس بسيطاً، وأنا سأضطر لاستخدام قوة غاشمة لسحب ذراعك. افتح فمك يا نبراس!"
ببطء وعلى مضض، فتح نبراس فكيه، وقام زيد بدس القطعة القماشية السميكة بين أسنانه.
استعد الجميع للحظة الحاسمة. خيم صمت مرعب على الساحة، لم يقطعه سوى أنفاس نبراس المتسارعة ونحيب المرأة الخافت في الخلفية.
"طارق، تعال إلى هنا،" نادى زيد. "قف خلفه، وثبت جذعه وصدره بقوة. لا تدعه يتحرك للخلف مهما حدث. مريم، أمسكي المصباح وسلطيه على الكتف، أريد أن أرى مسار العظم بوضوح."
نفذ طارق ومريم الأوامر فوراً. وقف طارق خلف الصندوق الخشبي، ولف ذراعيه القويتين حول صدر نبراس السليم، مثبتاً إياه كصخرة لا تتزحزح. وسلطت مريم المصباح بيدين ترتجفان قليلاً نحو الكتف المشوهة.
وقف زيد أمام شقيقه، وأخذ نفساً عميقاً ليملأ رئتيه بالهواء. مد يديه الضخمتين، وأمسك بذراع نبراس اليمنى؛ وضع يداً تحت المرفق، واليد الأخرى حول المعصم. نظر مباشرة في عيني نبراس، اللتين كانتا تنطقان بعذاب صامت.
"استعد... واحد... اثنان..."
لم ينتظر زيد الرقم ثلاثة. كانت تلك حيلة قديمة لكي لا يمنح العضلات فرصة للتصلب توقعاً للألم. بحركة فجائية، عنيفة، ومدروسة في آن واحد، سحب زيد ذراع نبراس نحو الأسفل وباتجاه الخارج بقوة هائلة، ثم قام بتدوير الذراع للداخل ودفعها بقوة للأعلى نحو تجويف الكتف.
في تلك اللحظة المجنونة، غرس نبراس أسنانه في القماش القطني بقوة كادت أن تمزقه. انحنى جسده للأمام رغماً عن تثبيت طارق، وبرزت عروق رقبته وجبهته كحبال نافرة تكاد تنفجر. عيناه جحظتا، والدموع طفرت منهما لا إرادياً بفعل شحنة الألم الفائقة التي ضربت جهازه العصبي. خرجت من حنجرته صرخة وحشية، هائلة، مزقت حباله الصوتية، لكنها اصطدمت بالقماش السميك لتتحول إلى زمجرة مكتومة، وحشية، تشبه زئير أسد جريح وقع في فخ معدني.
كان الصوت مسموعاً بوضوح وسط السكون. ارتد العظم إلى مكانه الطبيعي داخل التجويف الكتفي.
بمجرد عودة المفصل، ترك زيد ذراع شقيقه، وتراجع خطوة إلى الوراء وهو يلهث، يمسح عرقاً بارداً تساقط من جبهته. بينما استرخى جسد نبراس فجأة، وانهارت دفاعاته. سقط رأسه على صدره، وبصق القطعة القماشية المبللة باللعاب من فمه، وأخذ يسحب الهواء إلى رئتيه بشهقات طويلة وعميقة، وجسده كله يرتجف من أثر الصدمة العصبية لانحسار الألم المفاجئ.
"لقد انتهى الأمر... لقد عاد إلى مكانه،" قال زيد بصوت متعب، وهو يربت على كتف أخيه السليم. "أنت بخير الآن يا غوريلّا... أنت بخير."
اقتربت مريم، وبدون وعي منها، مدت يدها ومسحت العرق عن جبهة نبراس بمنديل نظيف كانت تحمله في جيبها، وهي تهمس بكلمات حمد لله على سلامته، بينما نظر لها نبراس بعينين متعبتين، وأومأ برأسه شاكراً صنيعها، وقد تلاشت قسوة ملامحه لثوانٍ معدودة.
بينما كان نبراس يستعيد أنفاسه ووعيه الكامل بعد جحيم الألم، كان المشهد في الساحة الخلفية يتخذ منحى آخر من التوتر.
بأمر من طارق الذي أدرك خطورة الموقف الأمني الداخلي، انطلق أحد المزارعين الشبان مسرعاً نحو الغرف السكنية المخصصة للعمال، وعاد بعد دقائق قليلة يجر خلفه رجلاً في الأربعينيات من عمره. كان الرجل يرتدي ملابس النوم، وشعره مشعث، وعيناه تملأهما الحيرة والنعاس الذي تبدد فور رؤيته للمشهد المهيب أمامه.
إنه زوج المرأة الباكية، ووالد الفتاة المتحولة التي قُتلت للتو في الداخل.
تم دفع الزوج ليقف أمام الصندوق الخشبي حيث يجلس نبراس، ويحيط به زيد وطارق كأسود تحرس عرينها. نظر الزوج بصدمة إلى زوجته الملقاة على الأرض تبكي وتنتحب وتضرب رأسها بالتراب. ثم رفع نظره ليرى أسياد القصر؛ زيد مغطى بالدماء السوداء، ونبراس يجلس منهكاً وذراعه متدلية رغم إعادتها لمكانها، وبقايا دماء وأحشاء تغطي ملابسهما الفاخرة.
"ما... ما الذي يحدث هنا؟" تلعثم الزوج، وصوته يرتجف رعباً من هذا المشهد المروع. "سيدي نبراس... سيدي زيد... ما الذي فعلته زوجتي؟ لماذا هي تبكي هكذا؟ بالله عليكم أخبروني!"
رفع نبراس رأسه ببطء. كان الألم لا يزال ينبض في كتفه، والضعف يغزو جسده، لكن عينيه كانتا تشتعلان بتلك القسوة المعهودة، قسوة الرجل الذي يرى العالم بالأبيض والأسود، ولا يساوم على أمن من يعيش تحت كنفه.
وقف بكامل طوله المهيب، رغم ميله الطفيف نحو اليسار لحماية كتفه. نظر إلى الزوج بنظرة جليدية تخترق العظام، وأشار بيده السليمة نحو باب الحظيرة المفتوح والذي تنبعث منه رائحة الموت.
"ماذا فعلت زوجتك؟" كرر نبراس السؤال بصوت منخفض، هادئ، "زوجتك، أيها الرجل الغافل، قررت أن تلعب دور الإله. ابنتك التي أخبرتمونا أنها ماتت بالحمى ودفنتموها... لم تُدفن. ابنتك تحولت إلى مسخ متعفن، وزوجتك العظيمة خبأتها في حظيرتي، لتتغذى على دواجن المزرعة، وتنتظر اللحظة المناسبة لتكسر الباب وتأكلنا جميعاً في أسرتنا."
شهق الزوج برعب، وتراجع خطوة إلى الوراء، وعيناه تتسعان بصدمة حقيقية، ونظر إلى زوجته التي أخفت وجهها بين يديها صارخة:
"سامحني يا أبو قيس.. لم أستطع... لم أستطع!"
"أنت لم تعلم، أليس كذلك؟" سأل نبراس بنبرة ساخرة ومريرة. "هذا لا يهم الآن. ما يهم هو أن هذه الأسوار التي سهرنا على بنائها، وهذه القوانين التي وضعناها لحمايتكم وحمايتنا، تم اختراقها من الداخل بسبب عاطفة مريضة."
تقدم نبراس خطوة نحو الزوج، ورفع صوته ليسمعه كل خادم ومزارع في الساحة، ليجعل من هذا الموقف درساً لا يُنسى في تاريخ قصر البساتين الجديد:
"اسمعني جيداً، واسمعوا جميعاً! نحن لا ندير هنا جمعية خيرية، نحن نعيش في غابة مليئة بالوحوش. ومن يضعف، ومن يخفي عدوى، ومن يعرض حياة فرد واحد في هذا الحصن للخطر، لا مكان له بيننا! مع أول خيط من خيوط الفجر، أريدكم أن تحزموا أمتعتكم. أنت، وزوجتك، وكل من له صلة قرابة بكم. ستأخذون طعاماً يكفيكم ليومين، وستخرجون من بوابات هذا القصر إلى غير رجعة! هذا قراري، ولا رجعة فيه، حتى لو بكيتم دماً بدل الدموع!"
وقفت مريم تراقب المشهد بقلب منقبض. كانت تدرك قسوة القرار، فالطرد في هذا العالم يعني حكماً مؤكداً بالإعدام. لكنها، عندما نظرت إلى كتف نبراس المخلوعة، وإلى الدماء السوداء على وجه زيد، وإلى تذكرها للطفل الصغير النائم في الأعلى، أدركت الحقيقة المرة: في عالم الأموات الأحياء، الرحمة العمياء هي أقصر طريق للفناء، ونبراس، بقسوته وجبروته، هو الجدار الوحيد الذي يفصلهم عن الموت.