13
مرت ثلاثة أيام ثقيلة منذ تلك الليلة الدامية التي كادت أن تعصف بأمان القصر. ثلاثة أيام كانت كفيلة بتغيير الكثير من الديناميكيات داخل الأسوار العالية. لم يكن طرد عائلة المزارع مجرد إجراء عقابي، بل كان رسالة دموية واضحة للجميع: لا تهاون، لا رحمة، ولا مكان للعواطف عندما يتعلق الأمر بالبقاء. انكمش الخدم على أنفسهم، وتضاعف التزامهم بالتعليمات، بينما خيم على القصر هدوء.
في الخارج، تحت أشعة شمس الصباح الدافئة التي بدأت تبدد برودة الأيام الماضية، كان زيد وطارق يطوفان حول محيط القصر والأسوار الخارجية كذئبين يحرسان منطقتهما. لم تكن جولة روتينية، بل كانت تفتيشاً دقيقاً لكل قفل، وكل كاميرا، وكل نقطة ضعف محتملة.
زيد: كان لا يزال يحمل في داخله غضباً مكتوماً من حادثة الحظيرة، مما جعله يضاعف من دوريات الحراسة ويعيد توزيع دوريات الحراس لضمان تغطية كاملة على مدار الساعة.
طارق: كان يشرف على تعزيز الأبواب الخشبية القديمة بصفائح معدنية، والتأكد من عدم وجود أي مساحة مظلمة أو متروكة قد تتحول إلى بؤرة للوباء من جديد.
أما في الداخل، وفي إحدى القاعات الرياضية الملحقة بالقصر، كانت مريم تخوض معركتها الخاصة. حادثة تلك الليلة، ورؤيتها لنبراس وهو يُردّ كتفه المخلوع بألم خرافي، جعلتها تدرك حقيقة قاسية: الرجال الذين يحمونها لن يكونوا دائماً بجوارها. كانت ترتدي ملابس رياضية مريحة، ويتصبب العرق من جبينها وهي تتدرب بجدية مفرطة. كانت تضرب كيس الملاكمة بقبضتيها المغلفتين بالضمادات، وتتدرب على الركل، وتعيد تكرار حركات الدفاع عن النفس التي علمها إياها زيد سابقاً. كانت نظراتها حادة، وأنفاسها منتظمة؛ لم تعد تلك الفتاة الخائفة التي تنتظر الإنقاذ، بل كانت تصيغ من خوفها درعاً يحميها ويحمي الطفل الصغير.
في تلك الأثناء، وبعيداً عن ضجيج التدريب وجولات الحراسة، كان المشهد في غرفة المعيشة الرئيسية للقصر يتسم بتناقض عجيب بين الصرامة المطلقة والبراءة الخالصة.
كانت الغرفة واسعة، تغمرها إضاءة طبيعية مريحة تتسلل عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة. هناك، على كرسي جلدي وثير، يجلس عليه نبراس محاطاً بهالة من الوقار والهدوء. كان يرتدي قميصاً قطنياً واسعاً، بينما ذراعه اليمنى كانت مسندة بعناية داخل حمالة قماشية سوداء متينة، لُفت حول رقبته وكتفه لتعمل كمشد يثبت المفصل المخلوع ويمنعه من الحركة العشوائية التي قد تعيد تمزيق الأربطة المتعافية للتو.
على عكس شقيقه زيد الذي يرى في الجلوس ثباتاً مميتاً وفي الكتب أوراقاً تبعث على الملل، كان نبراس يجد في القراءة ملاذه الآمن. كان يمسك بيده اليسرى السليمة كتاباً ضخماً يتحدث عن استراتيجيات البقاء وتاريخ الأوبئة، يقلب صفحاته بيد واحدة، وعيناه تلتهمان السطور بتركيز شديد.
"إن أخطر ما يواجه الإنسان في زمن الكوارث ليس الموت ذاته، بل فقدان الانضباط الذي يجعل من الموت نتيجة حتمية."
قرأ نبراس هذه الجملة في سره، وابتسم بمرارة، فقد أثبتت أحداث الأيام الماضية صحتها حرفياً. ولتجنب تيبس عضلاته وضعف الدورة الدموية، كان نبراس يقوم بحركة لا إرادية مستمرة؛ كان يحرك أصابع يده اليمنى المستقرة داخل الحمالة القماشية، يفتحها ويغلقها ببطء وبشكل متكرر ليمنعها من التخدر، متجاهلاً الوخز الخفيف الذي يسري في كتفه مع كل حركة.
وعلى السجادة الفارسية الفاخرة الممتدة عند قدميه، كان "كرم"، يعيش في عالمه الخاص والآمن. كان يحيط به عدد من المكعبات الخشبية الملونة والألعاب البسيطة، يركبها ويهدمها بضحكات خافتة ومناغاة طفولية بريئة. كان نبراس، بين الحين والآخر، يرفع نظره عن صفحات الكتاب ليرمق الطفل بنظرة تحمل دفئاً خفياً يتناقض تماماً مع ملامحه الصارمة التي أرعبت المزارعين قبل ليالٍ قليلة. كان وجود كرم عند قدميه يمنحه شعوراً بالمسؤولية، وسبباً ملموساً للاستمرار في هذه الحياة القاسية.
مر الوقت هادئاً، وغرق نبراس في فصل معقد من كتابه، مندمجاً في التحليلات حتى غاب ذهنياً عن محيطه المباشر. توقف عن مراقبة كرم لعدة دقائق، معتقداً أن الطفل لا يزال مشغولاً بمكعباته على الأرض.
لكن الأطفال في هذا العمر يمتلكون طاقة سحرية على التسلل واختلاق المغامرات في غفلة من الكبار.
سئم كرم من المكعبات، وجذبت انتباهه الأريكة الجلدية الكبيرة والمقوسة التي تقع على بعد خطوات قليلة من كرسي نبراس. بخطوات مثابرة عنيدة، مشى كرم نحو الأريكة، وبدأ رحلة تسلق شاقة. استخدم وسادة صغيرة سقطت على الأرض كدرجة، وسحب جسده الممتلئ الصغير بصعوبة حتى تمكن من اعتلاء سطح الأريكة بنجاح. وقف هناك لثوانٍ، يتمايل منتشياً بانتصاره الصغير، ملوحاً بدمية قماشية كان يمسكها بيده.
وفي تلك اللحظة... انقلب .
أراد كرم أن يخطو خطوة للأمام فوق الأريكة، لكن قدمه الصغيرة تعثرت بطيات الغطاء الجلدي الزلق. اختل توازنه بالكامل، وبحركة دراماتيكية سريعة، هوى نحو الأمام.
صدر صوت سقوط مكتوم، تبعه فوراً صرخة بكاء حادة ومفاجئة شقت هدوء الغرفة.
انتفض نبراس في مكانه كمن لدغته أفعى. رمت يده اليسرى الكتاب بقوة ليسقط على الطاولة الزجاجية، والتفت بسرعة نحو السجادة عند قدميه، لكنه لم يجد كرم. قفز واقفاً، متناسياً ألم كتفه المربوط، واتجهت عيناه نحو مصدر البكاء.
هناك، عند حافة الأريكة، كان كرم ملقى على وجهه فوق السجادة السميكة. كان المشهد، للحظة الأولى، مرعباً لنبراس الذي تبرمج عقله مؤخراً على توقع أسوأ الكوارث، لكن بمجرد أن اقترب خطوتين، تبدلت ملامحه تماماً.
سقط كرم على وجهه، نعم، ولكن السقوط كان من مسافة قصيرة جداً، واستقر وجهه مباشرة فوق وسادة إسفنجية ضخمة كانت ملقاة بجوار الأريكة. كان الطفل رافعاً مؤخرته في الهواء بطريقة كوميدية، بينما وجهه مدفون في الوسادة، ويزعق ببكاء عالٍ يحمل من الغضب والاحتجاج على هذا "الفشل التكتيكي" أكثر مما يحمل من الألم الحقيقي.
لم يستطع نبراس أن يمنع زاوية فمه من الارتفاع في ابتسامة نصفية. كان الموقف مقلقاً لأنه غفل عنه، ولكنه مضحك لدرجة لا تقاوم.
انحنى نبراس مستخدماً يده اليسرى السليمة ليمسك بكرم من مؤخرة ملابسه ويرفعه عن الأرض كقطة صغيرة. قلب الطفل ليواجهه، فإذا بوجه كرم محمر بشدة، والدموع تملأ عينيه الواسعتين، وشفتيه تبرزان للأمام في عبوس طفولي لطيف.
"أين كنت تعتقد نفسك ذاهباً أيها المتسلل الصغير؟" قال نبراس بنبرة هادئة وحنونة، وهو يمسح دموع الطفل بإبهامه الأيسر. "هل ظننت أنك تستطيع تسلق جبال الألب في غفلتي؟"
وضع نبراس كرم على حجره وبدأ يربت على ظهره بلطف حتى هدأ بكاء الطفل تدريجياً وتحول إلى شهقات متقطعة. تنهد نبراس براحة، وأسند ظهره إلى الكرسي، محتضناً الطفل بذراعه الواحدة. أدرك في تلك اللحظة أن هذا القصر، رغم كل الأسوار والبنادق، لا يزال يحمل حياة تنبض بالبراءة، وأن مهمته الحقيقية ليست فقط قتل الوحوش في الخارج، بل الحفاظ على هذه الضحكات والدموع الصغيرة آمنة في الداخل.
كانت أنفاس مريم تتلاحق بصورة منتظمة لكنها مجهدة، وصوت خطوات حذائها الرياضي يتردد بخفوت على أرضية الرواق الخشبية الطويلة. كانت قد أنهت للتو جلسة تدريب قاسية، حيث أفرغت كل خوفها وقلقها المتراكم في تسديد اللكمات والركلات. وجهها الصغير كان يتوهج بحمرة واضحة، ووجنتاها اللتان تزينهما حبات نمش رقيقة كانتا تكتسيان بلون وردي داكن بفعل المجهود البدني، بينما التصقت بعض خصلات شعرها البني القصير والمجعد بجبينها المتعرق.
في يدها اليمنى، كانت تمسك بزجاجة ماء بارد، ترفعها إلى شفتيها بين الحين والآخر لتطفئ ظمأها الشديد. عندما اقتربت من باب غرفة المعيشة المفتوح، توقفت لثوانٍ تلتقط أنفاسها، ومسحت العرق عن جبينها بظهر يدها الحرة، قبل أن تخطو إلى الداخل.
بمجرد دخولها، وقعت عيناها الواسعتان العسليتان على مشهد جعلها تتوقف للحظة، وابتسامة تلقائية رقيقة ترتسم على شفتيها رغم التعب. هناك، على الكرسي الجلدي الوثير، كان نبراس يجلس بهدوء، محتضناً الطفل الصغير "كرم" في حجره. كان نبراس يحيط الطفل بذراعه اليسرى السليمة، بينما ذراعه اليمنى لا تزال مستقرة بحذر داخل الحمالة القماشية السوداء. كان كرم يعبث بأزرار قميص نبراس بتركيز طفولي شديد، غير مدرك لحجم الإصابة التي يعاني منها الرجل الضخم الذي يجلس في حضنه.
تقدمت مريم بخطوات هادئة نحو الكرسي. ورغم أن المشهد كان يبعث على الطمأنينة، إلا أن شعورها بالمسؤولية تجاه حالة نبراس الصحية دفعها للتدخل.
وقفت أمام الكرسي، وانحنت قليلاً لتكون في مستوى نظر الطفل، وقالت بنبرة حنونة تحمل توبيخاً خفيفاً ومبطناً:
"كرم، حبيبي، ماذا تفعل هنا؟ لقد اتفقنا أن نترك العم نبراس يرتاح، أليس كذلك؟"
رفع كرم عينيه البريئتين نحو مريم، ثم عاد لينظر إلى نبراس، وشد قميصه بقوة أكبر وكأنه يحتمي به، دافعاً رأسه الصغير في صدر نبراس القوي.
تابعت مريم حديثها وهي تمد يدها لتمسك بذراع كرم الصغيرة برفق محاولة سحبه:
"هيا يا بطل، انزل. العم نبراس ليس بحالة جيدة ليجلسك في حضنه، وأنت لم تعد طفلاً صغيراً جداً، وزنك أصبح ثقيلاً."
أثار تصرف كرم وتشبثه العنيد ضحكة خشنة وعميقة من صدر نبراس. اهتز جسده قليلاً مع الضحكة، ورفع يده اليسرى ليربت على شعر الطفل، ثم نظر إلى مريم قائلاً بصوته الهادئ الذي يحمل نبرة حازمة ولكن دافئة:
"دعيه يا مريم، لا بأس. إنه لا يزعجني على الإطلاق. أنا بخير، ووزنه بالكاد أشعر به."
تراجعت مريم قليلاً أمام إصرار نبراس، رغم أن نظرة القلق لم تفارق عينيها. تنهدت باستسلام، وابتسمت له قائلة:
"كما تشاء... ولكن إن آلمك، أخبرني فوراً لآخذه."
ثم رفعت زجاجة الماء التي في يدها، وسألته باهتمام:
"هل تريد أن أجلب لك شيئاً لتشربه؟ ماء بارد، أو ربما بعض العصير إذا توفر؟"
هز نبراس رأسه نفياً، وأجاب وهو يعيد نظره إلى كرم الذي عاد للعب بأزرار القميص:
"لا، شكراً لك. شربت كوباً من القهوة قبل قليل، ولا أحتاج لشيء الآن. اذهبي وارتاحي أنتِ، يبدو أنكِ أرهقتِ نفسكِ في التدريب."
لم تكد مريم ترد على نبراس، حتى سُمعت أصوات خطوات ثقيلة وسريعة تقترب من مدخل الغرفة. التفتت مريم ونبراس نحو الباب، ليدخل زيد باندفاعه المعتاد. كان زيد، بشعره الأشقر الكثيف وملامحه الوسيمة التي لا يخفيها غبار الأيام، يحمل على وجهه ابتسامة واسعة، وعيناه تلمعان بحماس غريب لا يتناسب مع قسوة العالم في الخارج.
كان يضم يديه الكبيرتين معاً أمام صدره، وكأنه يخبئ كنزاً ثميناً. بمجرد أن رأى مريم تقف في الغرفة، اتسع بريق عينيه، ونادى بصوت متحمس:
"مريم! تعالي وانظري ماذا وجدت!"
عقدت مريم حاجبيها بفضول، وتقدمت نحوه خطوتين.:
"ماذا هناك يا زيد؟ ماذا تخبئ؟"
فتح زيد كفيه ببطء وحذر، ليكشف عن كتلة صغيرة جداً من الفرو الأبيض تتكور بين أصابعه الضخمة. كان أرنباً صغيراً جداً، يرتجف بخفة، وأنفه الزهري يتحرك بسرعة متلاحقة.
شهقت مريم بفرح، واتسعت عيناها العسليتان بذهول. "يا إلهي! أرنب! من أين جئت به؟"
ابتسم زيد، وهو يرى كيف أضاء وجه مريم وعادت إليه الحياة، وقال وهو يمد يديه نحوها برفق:
"لا أعرف بالضبط كيف تمكن من الدخول. وجدته يتسلل بالقرب من السور الخلفي للمزرعة. يبدو أنه وجد فتحة صغيرة وهرب من شيء ما في الخارج. أعرف كم تحبين الحيوانات، لذا التقطته وجلبته فوراً."
تحمست مريم بشدة، ومدت يديها قليلاً لتأخذ الأرنب من زيد. ضمته إلى صدرها بحنان بالغ:
"إنه جميل جداً ومذعور. شكراً لك يا زيد، سأعتني به جيداً."
في هذه الأثناء، كان كرم يراقب المشهد من حضن نبراس. وبمجرد أن رأى الكتلة البيضاء تتحرك في يدي مريم، نسي أمر القميص، ونسي جلسته المريحة، وانزلق بسرعة من حجر نبراس ليهبط على الأرض. ركض بخطوات غير متزنة نحو مريم، ووقف يقفز حولها محاولاً رؤية الأرنب.
"أرنب! أريد أن ألعب معه! دعيني ألمسه!" كان كرم يهتف بحماس، وعيناه تلمعان بفرح خالص.
جلست مريم على ركبتيها لتقترب من مستوى كرم، وسمحت له بتمرير أصابعه الصغيرة على فرو الأرنب الناعم، بينما وقف زيد يراقبهم بابتسامة هادئة، والتفت لينظر إلى أخيه نبراس الذي كان يتابع المشهد بصمت وراحة.
بينما كانت مريم وكرم مشغولين بالأرنب الصغير، دخل طارق إلى الغرفة قادماً من المزرعة. كان بنيته الرياضية الضخمة تملأ المكان، وفي يده سلة صغيرة تحتوي على بعض البيض الطازج الذي تم جمعه من دجاج المزرعة.
توقف عند الباب، ونادى بصوته الجهوري على إحدى الخادمات اللواتي كن يمررن في الرواق:
"يا سعاد! خذي هذا البيض إلى المطبخ واحرصي على حفظه جيداً."
أخذت الخادمة السلة وانصرفت مسرعة، بينما توجه طارق نحو الكرسي الذي يجلس عليه نبراس. ألقى نظرة سريعة على زيد ومريم وكرم، ثم سحب مقعداً خشبياً صغيراً وجلس بالقرب من صديقه. كان طارق، بصفته مدرباً رياضياً وخبيراً في الإصابات البدنية، يشعر بمسؤولية مستمرة تجاه تعافي نبراس.
انحنى طارق قليلاً للأمام، ونظر بجدية إلى كتف نبراس المربوطة، وسأل بنبرة عملية لا تخلو من القلق الأخوي:
"كيف حال ذراعك اليوم يا نبراس؟ هل لا زلت تشعر بالخدر في أصابعك؟ هل تحركها كما أخبرتك؟"
تنهد نبراس بضيق واضح. كان يكره أن يُعامل كمريض أو كشخص ضعيف يحتاج للمراقبة الدائمة. حرك أصابع يده اليمنى الظاهرة من الحمالة بعصبية خفيفة، ونظر إلى طارق بملامح جادة.
"تباً يا طارق، أنا لست مشلولاً!" قال نبراس بنبرة حادة قليلاً، رغم أنه يحاول السيطرة على انزعاجه. "أنا بخير، وأحرك أصابعي، والكتف في مكانها. توقف عن سؤالي كل ساعة وكأنني سأفقد ذراعي."
ابتسم طارق بهدوء، فهو يعرف طبع صديقه العنيد وكبرياءه الذي لا يسمح له بالاعتراف بالألم.:
"أعرف أنك لست مشلولاً، ولكن الخلع كان عنيفاً، والأربطة تحتاج لوقت. إذا لم تلتزم بالراحة، فقد تخرج الكتف من مكانها مرة أخرى بأي حركة خاطئة. تحمل أسئلتي، فهذا لمصلحتك."
أشاح نبراس بوجهه نحو النافذة متمتماً بكلمات غير مفهومة، بينما ضحك زيد بخفوت وهو يقف بالقرب من مريم، مدركاً تماماً حجم المعاناة النفسية التي يمر بها أخوه الأكبر بسبب اضطراره للجلوس بلا حراك حقيقي.
هبط الليل بسرعة، وسيطر السكون على قصر البساتين ومحيطه. أُطفئت معظم الأضواء القوية توفيراً للطاقة وتجنباً للفت انتباه أي وحوش ليلية قد تقترب من الأسوار. كانت الممرات مضاءة بمصابيح خافتة صفراء تلقي بظلال طويلة على الجدران.
كان الوقت قد تأخر، وحان موعد نوم كرم. لكن الطفل، كعادته، كان يمتلك طاقة لا تنضب وعناداً يرفض الاستسلام للنعاس. كانت مريم تمشي في الرواق المظلم نسبياً، تحاول الإمساك بكرم الذي كان يركض أمامها بملابس النوم، يراوغها بضحكات مكتومة ويدخل ويخرج من الغرف الفارغة.
"كرم! توقف حالاً!" كانت مريم تهمس بصوت حازم محاولة عدم إحداث ضجة كبيرة. "لقد تأخر الوقت، والجميع نائمون. هيا بنا إلى السرير."
لكن كرم كان يجد في الأمر لعبة ممتعة. انحرف فجأة ودخل إلى ممر فرعي يؤدي إلى مكتب قديم في مؤخرة القصر، وهو مكان نادراً ما يتم استخدامه. تبعته مريم بسرعة، وهي تشعر ببعض الانزعاج من شقاوته في هذا الوقت المتأخر.
وبينما كانت تمشي في الممر الهادئ، توقفت فجأة. كان هناك شعاع ضوء رفيع يتسرب من أسفل باب المكتب المغلق جزئياً. وقبل أن تتقدم خطوة أخرى، التقطت أذناها أصوات همسات خافتة تأتي من الداخل. كانت الأصوات لزيد وطارق.
اقتربت مريم بحذر، وأمسكت كرم من يده بسرعة قبل أن يركض نحو الباب، ووضعت إصبعها على شفتيها طالبة منه الصمت. وقفت بجوار الباب الموارب، واستمعت باهتمام.
كان زيد يتحدث بنبرة منخفضة وسريعة:
"لا اعتقد ان مركز الشرطة الذي يقع على أطراف المدينة مس بعد. السيارات محطمة حوله، لكن الباب الخلفي للمستودع يبدو سليماً. أنا متأكد أن هناك ذخيرة وأسلحة كافية لنا."
رد طارق بصوت قلق:
"الأمر مخاطرة كبيرة يا زيد. المنطقة هناك مكتظة، وإذا حوصرنا، فلن يكون هناك من يساندنا. الأهم من ذلك، كيف سنخرج دون أن يلاحظ نبراس؟"
"نبراس يجب ألا يعرف بأي شكل من الأشكال،" قال زيد بحزم شديد. "أنت تعرف أخي. إذا عرف أننا ذاهبون لمركز الشرطة، فلن يدعنا نذهب من دونه. سيصر على القيادة أو التغطية."
تنهد طارق وقال:
"وذراعه ليست بخير. أي ضربة، أي حركة مفاجئة للهروب، سوف تؤلمه بشدة وقد تسقطه في منتصف المعركة. نحن نحتاج للاسلحة جداً، القصر واسع والذخيرة تتناقص، لكن خروجنا وحدنا..."
"ليس لدينا خيار آخر،" قاطعه زيد. "نحن بحاجة للأسلحة، ونبراس بحاجة للراحة. سنخرج غداً فجراً وندعي أننا نقوم بدورية استكشافية بعيدة، ونعود قبل أن يشك في الأمر."
لم تستطع مريم أن تقف وتستمع أكثر من ذلك. دفعها قلقها وخوفها من هذا التهور لفتح الباب والدخول فجأة، وهي لا تزال تمسك بيد كرم.
صدر صرير خفيف من الباب الخشبي، مما جعل زيد وطارق ينتفضان في مكانهما. كانا يقفان حول طاولة خشبية قديمة، يفردان عليها خريطة مطوية للمنطقة، ومصباح يدوي يضيء الورقة.
انصدم الاثنان برؤية مريم تقف عند الباب، وعلامات الصدمة والقلق واضحة على وجهها.
تقدمت مريم خطوتين داخل الغرفة، ونظرت إليهما بجدية وسألت بصوت منخفض لكنه يحمل نبرة اتهام:
"هل نبراس يعرف بما تخططان له؟"
تبادل زيد وطارق نظرات سريعة ومربكة. صمت زيد لثانية قبل أن يقول بهدوء محاولاً تبرير الموقف:
"مريم، اسمعي... إذا عرف نبراس فلن يدعنا نذهب من دونه. أنتِ ترين حالته، ذراعه ليست بخير، وأي ضربة أو احتكاك سوف تؤلمه وقد تكلفه حياته. نحن نحتاج للأسلحة والذخيرة جداً لحماية القصر، ولا يمكننا الانتظار حتى يتعافى بالكامل."
تدخل طارق، وتقدم نحو مريم رافعاً يديه بحركة تهدئة، وقال بنبرة رجاء:
"أرجوكِ يا مريم، لا توقظي نبراس وتخبريه. نحن نعرف ما نفعله، وسنكون حذرين. إذا ذهب معنا، فسيكون عبئاً على نفسه وعلينا، ونحن لا نريد أن نفقده بسبب عناده."
وقفت مريم في حيرة. عقلها يدرك منطقية كلامهما؛ نبراس في حالته الحالية لن يكون قادراً على القتال بفعالية، ولكنه كقائد، لن يقبل أن يجلس في الخلف بينما يخاطر أخوه وصديقه بحياتهما.
قبل أن تنطق مريم بأي كلمة، أطل كرم برأسه من خلف ساقيها، ونظر إلى الرجال الكبار بفضول طفولي، وسأل بصوته الرقيق الذي شق جو التوتر المكتوم:
"ما هو السر؟ هل تلعبون الغميضة؟"
ابتسمت مريم بمرارة، وانحنت قليلاً لتضع يدها الناعمة على شعر الطفل . مسدت رأسه بلطف محاولة إبعاده عن هذا الجو المشحون، وقالت بنبرة حنونة:
"لا شيء يا كرم، لا يوجد أسرار. هيا إلى النوم أيها الشقي، لقد تأخر الوقت كثيراً."
لكن كرم، بعناده المعتاد، نفخ خديه ورفض التحرك، متمسكاً ببنطال مريم وقال بوضوح:
"لا أريد أن أنام! أريد أن أعرف السر!"
في تلك اللحظة، تدخل زيد. لم يكن الوقت مناسباً للتدليل أو النقاش. نظر زيد إلى كرم، وعبس بوجهه لتتغير ملامحه الوسيمة إلى الجدية المطلقة والصرامة. نظر في عيني الطفل مباشرة، وقال بصوت عميق، حازم، ناطقاً اسم الطفل بقوة:
"كرم."
كانت مجرد كلمة واحدة، لكن النبرة التي قيلت بها كانت تحمل سلطة ذكورية خالصة تشبه سلطة نبراس. انكمش الطفل فوراً، وتلاشت شجاعته الطفولية. ابتلع ريقه، ونظر إلى الأرض، وأجاب بصوت خافت جداً ومطيع:
"حسناً."
نظرت مريم إلى زيد، وشعرت بالامتنان لتدخله الحاسم الذي أنهى شقاوة كرم في هذه اللحظة الحرجة. أومأت برأسها نحو زيد وطارق، كإشارة خفية بأنها ستكتم سرهما ولن تخبر نبراس في الوقت الحالي، رغم أن قلبها كان يعتصر قلقاً عليهما.
قالت بصوت خافت:
"شكراً لك يا زيد."
ثم استدارت، وسحبت كرم من يده برفق، وخرجت من المكتب، مغلقة الباب خلفها، لتترك الرجلين في ظلام الغرفة يكملان التخطيط لمهمة غدٍ قد تقلب موازين حياتهم في هذا العالم المنهار.