11
حل الليل على قصر البساتين، وابتلعت العتمة كل معالم الحياة التي كانت تضج في أرجائه خلال النهار. تلاشت أصوات التدريب، وسكنت ضحكات كرم الصغير، وغابت حركة الخدم في الممرات، ليحل محل ذلك كله صمت جنائزي مهيب. كان ذلك النوع من الصمت الذي يضغط على طبلة الأذن، صمت محمل بثقل نهاية العالم، حيث ينام الناجون وعين على أحلامهم وعين أخرى تترقب الكابوس الذي يحيط بأسوارهم. كان الجميع قد استسلموا لسلطان النوم، باحثين عن مهرب مؤقت من واقعهم المرير، عدا روحين لم تعرفا طعم الراحة في تلك الليلة: نبراس وزيد.
في جناحه الواسع والمظلم، كان نبراس يجلس على حافة سريره الوثير، وجسده الضخم ينضح بإرهاق يفوق الوصف. لم يكن تعباً جسدياً فحسب، بل كان استنزافاً نفسياً وعصبياً تراكم على كاهله. أزال حزامه العسكري الذي يحمل سلاحه الشخصي ووضعه على المنضدة الجانبية بحركة بطيئة ومثقلة. مسح وجهه بكفيه الخشنتين، محاولاً طرد صور الدماء والمسوخ التي انحفرت في ذاكرته، وصورة ذلك المجمع التجاري الميت الذي كاد أن يبتلع شقيقه.
كان نبراس يسعى بشدة لفرض سيطرته المطلقة على هذا الحصن، مهووساً بتعقيم كل شبر، وتأمين كل ثغرة، وكأن النظافة المادية قادرة على غسل قذارة هذا الوباء الذي اجتاح البشرية. ألقى نظرة على غرفته المرتبة بعناية فائقة، وأراد أن يستلقي أخيراً ليمنح عضلاته المتصلبة حقها من الراحة. تمدد على ظهره، وأغمض عينيه، محاولاً تنظيم أنفاسه لعل النوم يطرق بابه.
لكن، وفي قلب ذلك السكون المطبق، التقطت أذناه صوتاً نشازاً.
فتح عينيه فجأة، وتصلب جسده في مكانه. كان الصوت خافتاً جداً، يأتي من بعيد، من خلف الجدران السميكة والنوافذ الزجاجية. ظن في البداية أنه حفيف أوراق النخيل التي تداعبها رياح الليل الباردة، أو ربما هلوسة سمعية ناتجة عن التوتر العصبي المفرط. لكن الصوت تكرر، هذه المرة كان أوضح وأكثر تميزاً. لم يكن حفيفاً ولا عواء ذئب شارد؛ كان صوتاً بشرياً بامتياز.
كان بكاءً.
نحيباً مكتوماً، متقطعاً، محملاً بلوعة وانكسار يمزق نياط القلب. كان يأتي من الخارج، وتحديداً من جهة المنطقة الزراعية ومزارع المواشي الملحقة بالقصر.
جلس نبراس منتصباً كالفهد الذي استشعر الخطر. انقبضت معدته، وتلاشت كل ذرة إرهاق من جسده لتحل محلها يقظة مرعبة. هل اخترق أحدهم الأسوار؟ هل هناك هجوم؟ نهض بسرعة، واتجه نحو النافذة الكبيرة التي تطل على المزرعة. أزاح الستارة المخملية الداكنة قليلاً، ونظر عبر الزجاج. كانت الساحة الخلفية غارقة في ظلام دامس لا يقطعه سوى ضوء القمر الشاحب الذي يلقي بظلال طويلة ومخيفة للأشجار. لم يلمح أي حركة، لكن البكاء كان مستمراً، يرتفع وينخفض كأمواج بحر حزين.
لم يكن من طبع نبراس أن يتجاهل ثغرة في مكانه. ارتدى سترته بسرعة، والتقط مسدسه، وخرج من غرفته بخطوات صامتة وثقيلة، متجهاً نحو الجناح المقابل حيث تقع غرفة شقيقه.
فتح نبراس باب غرفة زيد دون أن يطرق، وتسلل إلى الداخل. كانت الغرفة مضاءة بنور خافت ينبعث من مصباح القراءة الصغير بجانب السرير. هناك، كان زيد مستلقياً على ظهره، بكامل ملابسه النهارية، واضعاً قدميه الضخمتين على حافة السرير. كان يمسك بين يديه كتاباً تاريخياً سميكاً ومجلداً بجلد بني قديم، يقرأ فيه بملل واضح، وعلامات الضجر ترتسم على وجهه الشاب. كان يقلب الصفحات ببطء، محاولاً الهروب من واقع الزومبي والخراب بقراءة قصص عن إمبراطوريات سقطت قبل مئات السنين، لكن ذهنه كان مشتتاً، وطاقته الجسدية المكبوتة تمنعه من الاستسلام للنوم.
رفع زيد نظره عن الكتاب عندما شعر بوجود نبراس، ورمق شقيقه بنظرة تساؤل.
"نبراس؟" همس زيد مستغرباً رؤية شقيقه بكامل استعداده في هذا الوقت المتأخر. "ما الأمر؟ هل حدث شيء؟ لماذا لم تنم؟"
أغلق نبراس الباب خلفه بهدوء شديد، واقترب من السرير، وعيناه تحملان جدية. "هل تسمع هذا الصوت يا زيد؟" سأله بنبرة منخفضة لا تقبل المزاح.
عقد زيد حاجبيه، وأغلق الكتاب التاريخي وألقاه جانباً. أرهف السمع لبضع ثوانٍ، محاولاً التقاط ما يشير إليه شقيقه، لكنه لم يسمع شيء.
"أي صوت؟" سأل زيد بحيرة. "أنا لا أسمع شيئاً سوى صوت مكيف الهواء في الممر. هل تتحدث عن صوت من الداخل أم من الخارج؟"
"من المزرعة،" أجاب نبراس بحزم، وعيناه تلمعان في العتمة. "هناك امرأة تبكي. بكاء متواصل ومكتوم يأتي من جهة الحظائر الخلفية. لم أستطع تحديد الموقع بدقة، لكنه قادم من هناك لا محالة. قم، احمل سلاحك، علينا أن نتتبع هذا الصوت فوراً ونتأكد من عدم وجود اختراق للأسوار."
لم يتردد زيد لثانية واحدة. اختفى الملل من ملامحه تماماً، وحلت محله يقظة المحارب. نهض عن السرير بحركة سريعة ورشيقة تتناقض مع ضخامة جسده، وسحب مسدسه من طراز غلوك، وتأكد من تلقيم الرصاصة في بيت النار، ثم أومأ برأسه لنبراس إيذاناً بالاستعداد.
تسلل الشقيقان كظلين عملاقين عبر الممرات الخلفية للقصر، وتجنبا إيقاظ طارق أو الحراس لكي لا يثيرا ذعراً لا داعي له قبل تقييم الموقف. خرجا من الباب الخلفي المؤدي إلى المزارع، ولفحتهما نسمات الليل الباردة المحملة برائحة التراب الرطب وروث الماشية.
كانت المساحة الممتدة بين القصر والحظائر واسعة، وتكتنفها ظلال الأشجار العالية. سارا بحذر شديد، بخطوات تكتيكية متوازية، مسدساتهما موجهة نحو الأرض ولكن جاهزة للرفع في جزء من الثانية. مع كل خطوة كانا يبتعدان فيها عن القصر، كان صوت البكاء يصبح أوضح، أعمق، وأكثر ألماً.
تتبعا الصوت متجاوزين حظائر الأبقار والخيل الآمنة والمضاءة بمصابيح خافتة، حتى وصلا إلى أطراف المزرعة الشرقية. هناك، حيث تقبع حظيرة خشبية قديمة ومتروكة، كانت تُستخدم قديماً لتخزين الأعلاف والمعدات التالفة وباتت معزولة عن بقية المنشآت.
أمام باب الحظيرة الخشبي المتهالك، وتحت ضوء القمر الفضي الذي كشف عن المشهد، توقف نبراس وزيد بذهول.
كانت هناك امرأة تجلس على الأرض الترابية الباردة، تضم ركبتيها إلى صدرها، وتدفن وجهها بين يديها، وتنتفض بجسدها النحيل مع كل شهقة بكاء تخرج من حنجرتها. كانت ترتدي ثياباً ريفية بسيطة، وشعرها مشعث، وتبدو عليها علامات الانهيار التام. تعرف الشقيقان عليها على الفور؛ إنها زوجة أحد المزارعين الرئيسيين الذين يعملون ويسكنون في الملحقات التابعة للقصر.
اقترب نبراس وزيد بخطوات ثابتة أحدثت صوتاً خفيفاً فوق الحصى. رفعت المرأة رأسها بوجل، وما إن رأت "أسياد القصر" يقفان أمامها كأسوار منيعة في ظلمة الليل، حتى قفزت واقفة على قدميها برعب شديد، وبدأت تمسح دموعها بكم ثوبها بيدين ترتجفان بعنف.
"سـ... سيدي نبراس! سيدي زيد!" تلعثمت المرأة بصوت مكسور ومذعور، وانحنت قليلاً باحترام ممزوج بالخوف. "أنا... أنا أعتذر! أعتذر بشدة إن كنت قد أزعجت راحتكم. لم أقصد إيقاظكم... أرجوكم سامحوني، سأعود إلى غرفتي فوراً."
خفض نبراس سلاحه قليلاً، لكن ملامحه بقيت صارمة ومترقبة، وسألها :
"ما الذي يبكيكِ في وسط هذا الليل البهيم وأمام هذه الحظيرة المتروكة؟ هل تعرضتِ لأذى؟ هل هناك خطر في الخارج؟"
حاولت المرأة رسم ابتسامة كاذبة ومرتجفة على شفتيها، وهزت رأسها بالنفي السريع المتلاحق:
"لا، لا شيء يا سيدي. أقسم لك أنه لا يوجد شيء. أنا فقط... تذكرت بعض المآسي، وخرجت لأستنشق الهواء. كل شيء بخير، أرجوكم لا تقلقوا."
لكن زيد لم يكن يمتلك صبر أخيه وبروده التحليلي. كان زيد يمتلك دماً حاراً، ونخوة رجولية تشتعل كالنار إذا ما استشعر أن هناك ظلماً يقع على امرأة أو ضعيف. رأى في ارتجافها ودموعها وخوفها المفرط علامات واضحة للتعنيف الجسدي أو النفسي. تقدم زيد خطوة غاضبة نحوها، وعروق رقبته تبرز من شدة الانفعال، وقال بصوت جهوري يحمل تهديداً صريحاً لا لبس فيه:
"اسمعيني جيداً! هل قام زوجك بضربك؟ هل أهانك أو مد يده عليكِ في هذا الوقت؟ قولي الحقيقة ولا تخافي! إذا كان ذلك الوغد قد تجرأ على إزعاجك أو إيذائك، أقسم لكِ بخالقي أنني سأذهب إليه الآن، وسأمسح بوجهه الأرض ذهاباً وإياباً حتى ينسى اسمه! نحن لا نسمح بظلم النساء في هذا القصر!"
شهقت المرأة برعب من غضب زيد المفاجئ، ولوحت بيديها أمام وجهها مدافعة بصدق بالغ:
"لا! لا يا سيدي زيد، أقسم بالله العظيم أن زوجي رجل طيب وحنون! لم يمسني بسوء قط، وهو نائم الآن ولا يعلم حتى أنني خرجت! المشكلة ليست في زوجي، أقسم لكم!"
شعر نبراس أن الموقف يحمل في طياته أمراً أشد رعباً من مجرد شجار عائلي. كان هوسه بالأمن والسلامة يصرخ في داخله بأن هناك خللاً جسيماً في منظومته. اقترب من المرأة، وتجاوز زيد بخطوة، ونظر في عينيها مباشرة بنظرة جليدية تفتش في أعماق روحها، وقال بصوت بطيء:
"إذا لم يكن زوجك، وإذا لم يكن هناك هجوم خارجي، فلماذا تبكين بحرقة أمام حظيرة مغلقة من الخارج بقفل حديدي؟ وما هي تلك الرائحة الغريبة التي تنبعث من شقوق هذا الباب؟"
أشار نبراس بمسدسه نحو الباب الخشبي الضخم للحظيرة. في تلك اللحظة، لاحظ زيد ما أشار إليه أخوه. كانت هناك رائحة مقززة، رائحة عفونة ولحم ميت ودم متخثر تتسرب ببطء مع تيار الهواء البارد.
انهارت دفاعات المرأة تماماً. سقطت على ركبتيها مجدداً، وغرست أصابعها في التراب، وانفجرت في نوبة بكاء هيستيرية، ممزقة بصوتها سكون الليل، وبدأت تعترف بالحقيقة التي كتمتها في صدرها خوفاً من الطرد أو الإعدام:
"ابنتي... ابنتي الصغيرة... لقد مرضت قبل ايام. ارتفعت حرارتها، وبدأت تهذي... ظننا أنها حمى عادية. لكن... في المساء... ماتت. توقف قلبها بين يدي. صرخت وبكيت، ولكن قبل أن أتمكن من استدعاء الطبيب أو إخباركم... فتحت عينيها مجدداً."
توقفت المرأة لتلتقط أنفاسها المتقطعة، بينما تجمد الدم في عروق نبراس وزيد وهما يستمعان للكلمات التي كانا يخشيانها أكثر من أي شيء آخر.
"لقد تحولت... أصبحت واحدة من تلك الوحوش الملعونة! حاولت أن تعضني... لم تكن ابنتي بعد الآن! لم أستطع قتلها... إنها قطعة من قلبي! لم أتحمل فكرة أن أطلق النار عليها أو أسمح لأحدكم بتهشيم رأسها! فقمت باستدراجها إلى هنا بصعوبة... وحبستها في هذه الحظيرة المتروكة. أنا آتي كل ليلة لأبكي خلف الباب... أعتذر لها... أنا أم، أرجوكم افهموني... لم أستطع التخلص منها!"
كانت الكلمات تنزل كالصواعق على رأس نبراس. اختراق! تلوث! وباء داخل أسوار حصنه المعقم! كل جهوده، كل تشدده في النظافة والحماية، تبخرت بسبب عاطفة أم عمياء كادت أن تودي بحياة كل من في القصر. لو تمكنت تلك الفتاة المتحولة من كسر الباب، لكانت العدوى قد انتشرت في المزارع وبين الخدم كالنار في الهشيم.
"أيتها الحمقاء!" صرخ نبراس بغضب مكبوت وهو يتراجع خطوة للخلف، وعيناه تشتعلان بنار الغضب الصافي. "هل تدركين ما فعلته؟ هل تدركين أنكِ وضعتِ أرواحنا جميعاً على حافة الهلاك المباشر؟"
لم ينتظر نبراس لسماع المزيد من تبريرات المرأة الباكية. التفت نحو زيد الذي كان يقف مذهولاً، وجهه شاحب من صدمة الموقف وتأرجحه بين الشفقة على الأم والغضب من خطورتها.
"زيد! اتبعني!" أمر نبراس.
ركض الشقيقان نحو الجانب الأيمن للحظيرة حيث يوجد سلم خشبي خارجي ضيق ومتهالك يؤدي إلى نافذة التهوية العلوية المفتوحة (العلية)، والتي تطل مباشرة على الساحة الداخلية للحظيرة. لم يرغبا في فتح الباب الرئيسي قبل تقييم الوضع ومعرفة مكان المسخ بالتحديد وتأمين المحيط.
صعد نبراس الدرجات الخشبية التي أخذت تئن وتطقطق تحت وزنه الثقيل، وتبعه زيد بخفة وسرعة. وصلا إلى الحافة العلوية، وأمسك نبراس بحافة النافذة، رافعاً جسده لينظر إلى الأسفل داخل ظلمة الحظيرة، وبجانبه أطل زيد برأسه، ووجها فوهات مسدساتهما نحو الأسفل.
تسللت حزم من ضوء القمر عبر الشقوق في السقف الخشبي، لتنير مسرحاً حقيقياً من مسارح الجحيم، مشهداً يعجز العقل البشري عن استيعابه دون أن يصاب بالغثيان والدوار.
في وسط الأرضية الترابية للحظيرة، كانت تقف ابنة المزارع. كانت في حياتها فتاة يافعة لا تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها، لكنها الآن لم تكن سوى مسخ مرعب. كان ثوبها القطني الوردي ممزقاً وملطخاً بالكامل بالدماء الطازجة والسوداء. كان شعرها ملتصقاً بوجهها الشاحب والميت، وعيناها بيضاوان خاليتان من أي روح أو شفقة، وفمها مفتوح يقطر منه لعاب لزج ممزوج بالدماء.
ولكن الرعب الحقيقي لم يكن في تحولها، بل في الكارثة التي أحدثتها داخل المكان.
يبدو أن الأم، في غمرة فزعها وجهلها بطبيعة الوحش الذي خلقته، قد حبست ابنتها في الحظيرة وترمي لها دجاج حي.
كانت أرضية الحظيرة مغطاة بالكامل ببحر من الريش الأبيض الملطخ باللون الأحمر القاني. عشرات من جثث الدجاج الممزقة، المقطعة الأوصال، ومفتوحة الأحشاء، كانت متناثرة في كل زاوية. كان المسخ قد قضى ساعاته المحبوسة في مطاردة وافتراس هذه الطيور الضعيفة، يمزقها بأسنانه وأظافره بحيوانية مفرطة، باحثاً عن أي مصدر للدم النيئ ليروي عطشه الشيطاني الذي لا ينضب.
كان المشهد مقززاً لدرجة لا توصف؛ كانت الفتاة المتحولة تجلس الآن القرفصاء فوق كومة من الريش واللحم الميت، ممسكة ببقايا دجاجة، تنهشها بأسنانها في مشهد بربري يثير الرعب في أقوى القلوب. وعندما شعرت بحركة الشقيقين عند النافذة العلوية، رفعت رأسها ببطء شديد نحوهما. التقت العيون الميتة بالعيون الحية. أسقطت ما في يدها، وأصدرت فحيحاً شيطانياً متواصلاً، يشبه صوت تمزق القماش، وبدأت تتخبط وترفع ذراعيها نحوهما في محاولة بائسة للوصول إلى اللحم البشري الطازج الذي يقف في الأعلى.
تسمر نبراس في مكانه. لم يكن الخوف هو ما شل حركته، بل الصدمة القاتلة. لقد فشل. لأول مرة منذ بداية الكارثة، أدرك أن أسواره العالية وكاميراته وبنادقه لم تحمِ القصر من الخطر الذي يولد من الداخل. كل جهوده في التعقيم، وكل تفاصيل النظافة التي أرهق بها نفسه والآخرين، دُمرت بسبب كذبة واحدة، وعاطفة أم غير مسؤولة.
أما زيد، الذي كان يقف بجانبه، فقد اتسعت عيناه بصدمة مروعة. لقد تحول المشهد أمامه من محاولة نبيلة للدفاع عن امرأة مظلومة، إلى كابوس دموي يهدد عائلته، ويهدد مريم، ويهدد ذلك الطفل الصغير "كرم" الذي أقسموا على حمايته. رأى الدماء، ورأى الريش، ورأى الوحش الذي كان ينام بالقرب منهم بينما هم غافلون.
غلي الدم في عروق زيد، وتحول تعاطفه إلى حنق بركاني أعمى. شد قبضته على مسدسه حتى ابيضت مفاصل أصابعه، واصطكت أسنانه بقوة، ولم يستطع احتواء هذا البركان من المشاعر المتضاربة والخذلان والغضب، فخرجت من أعماق صدره صرخة مدوية، مزقت صمت الليل المتبقي، وشتم بأقذع الألفاظ التي عرفها قاموسه:
"تباً... تباً لهذا القرف! لعن الله الساعة التي وثقنا فيها بهؤلاء الأغبياء!"
كانت الكلمات القاسية لا تزال تتردد في فضاء الليل البارد، تنساب من شفتي زيد المرتجفتين غضباً وحنقاً، بينما عيناه مسمرتان على المشهد الدموي المقزز في الأسفل. كان تركيز الشقيقين منصباً بالكامل على تلك البؤرة المتعفنة، حيث تجلس الفتاة المتحولة وسط بحر من الدماء والريش الأبيض. في تلك اللحظات الفاصلة التي يتجمد فيها الزمن، غاب عن ذهنيهما أن الخطر الأكبر لا يقبع دائماً في الأسفل، بل قد يتسلل من الخلف، متخفياً برداء الأمومة العمياء واليأس المدمر.
لم يسمع نبراس وزيد صوت الخطوات المرتجفة التي صعدت السلم الخشبي خلفهما. كانت أقدام المرأة الحافية لا تكاد تُحدث صوتاً يُذكر مقارنة بضجيج نبضات قلبيهما المتسارعة وطقطقة الخشب القديم. كانت الأم قد صعدت خلفهما، تقودها غريزة أمومة مشوهة، وحالة من الجنون المطبق بعد أن أدركت أن هذين الرجلين جاءا لإنهاء "حياة" ابنتها المسخ.
وفجأة، ومن وسط الظلام البارد خلف ظهريهما، انبعث همس مكسور، هستيري، وممتلئ بالجنون:
"أنا آسفة... لا تقتلوها... أرجوكم سامحوني!"
قبل أن يتمكن نبراس من الالتفات أو استيعاب ما يحدث، اندفعت المرأة بكل ما أوتيت من قوة يأس، وضربت بكفيها النحيلتين المرتجفتين منتصف ظهر نبراس. لم تكن دفعة قوية بمعايير القوة البدنية، لكنها كانت مفاجئة، غادرة، وجاءت في لحظة كان فيها نبراس يميل بجسده الضخم للأمام فوق حافة النافذة الخشبية المتهالكة لتقييم الوضع في الأسفل.
اختل توازن نبراس بالكامل. انزلقت قدماه عن الحافة الخشبية الزلقة بفعل ندى الليل، وشعر بأن الجاذبية تبتلعه فجأة. انفتح فمه ليلتقط أنفاسه، لكن الهواء بدا وكأنه قد هرب من رئتيه.
"نبراس!" صرخ زيد وبحركة غريزية خاطفة، اندفع بجسده ليمسك بشقيقه. تمكنت أصابع زيد القوية من التشبث بطرف سترة نبراس الجلدية، محاولاً سحبه إلى الخلف بكل ما أوتي من قوة. لكن الوزن المزدوج للرجلين الضخمين، مضافاً إليه قوة الدفعة المفاجئة وهشاشة الإطار الخشبي للنافذة القديمة، كان أكبر من أن يتحمله المكان.
بصوت تشقق رهيب، تحطم إطار النافذة الخشبي بالكامل، وانهار السور الصغير الذي كان يسندهما. تبددت محاولة زيد للإنقاذ، وتحولت إلى سقوط مأساوي مشترك. هوى الشقيقان معاً نحو هاوية الحظيرة المظلمة.
كان السقوط بطيئاً في عقولهما، لكنه في الواقع لم يستغرق سوى أجزاء من الثانية. المسافة لم تكن شاهقة جداً، ربما أربعة أمتار، لكن السقوط في مكان مظلم ومليء بالعوائق الخشبية والحديدية القديمة جعل من هذه الأمتار الأربعة قفزة نحو الموت.
ارتطم جسد نبراس بالأرضية الترابية الصلبة للحظيرة بعنف لا يصدق. ونظراً لأنه سقط أولاً وبطريقة غير متوازنة، فقد تلقى الصدمة الأكبر. هبط بجسده الثقيل مباشرة على كتفه وذراعه اليمنى فوق حافة معلف خشبي صلب البنية.
سُمع صوت طقطقة عظام مروعة، صوت مكتوم لكنه كافٍ لإرسال موجة من الرعب في الأرجاء. لم يعرف نبراس في تلك اللحظة المجنونة ما إذا كان العظم قد كُسر وتفتت، أم أن المفصل قد خُلع من مكانه، لكن ما عرفه يقيناً هو أن الألم الذي اجتاح جسده لم يكن له مثيل. انطلق من كتفه الأيمن لينفجر في دماغه كقنبلة ضوئية. غامت الرؤية في عينيه، وخرجت من أعماق صدره صرخة ألم مكتومة تحولت إلى أنين خشن وهو يتلوى في بركة الدماء والريش.
بجانبه، سقط زيد سقوطاً أقل وطأة بفضل ارتطامه بكومة من قش بالي قبل أن يتدحرج على الأرضية اللزجة. انقطع تنفس زيد لثوانٍ معدودة بفعل الصدمة، لكن جسده امتص الضربة بسرعة.
إلا أن الكارثة الحقيقية لم تكن في السقوط بحد ذاته، بل في عواقبه. فنتيجة للارتطام العنيف والتخبط في الهواء، طارت المسدسات من أيدي الشقيقين. انزلق مسدس نبراس ليختفي في زاوية مظلمة ومغمورة بروث الحيوانات والدماء، بينما ارتد مسدس زيد ليصطدم بجدار الحظيرة الخشبي ويسقط خلف مجموعة من البراميل الصدئة. لقد سقط الجبابرة في عرين الوحش، وجُردوا من أنيابهم في أسوأ لحظة ممكنة.
"نبراس..." سعل زيد وهو يحاول النهوض، وعيناه تبحثان بلهفة عن شقيقه في العتمة الكثيفة التي لا يقطعها سوى خيوط باهتة من ضوء القمر المتسلل من النافذة المحطمة. "نبراس! هل أنت بخير؟"
حاول نبراس الرد، لكن الكلمات علقت في حلقه. حاول الاستناد على ذراعه اليمنى لينهض، لكنه سقط مجدداً على وجهه وسط أحشاء الدجاج الميت. كانت ذراعه اليمنى تتدلى كقطعة لحم ميتة، لا تستجيب لأي إشارة عصبية، وكل محاولة بسيطة لتحريكها كانت ترسل نبضات من العذاب الخالص الذي يكاد يفقده الوعي. القائد الصلب، العقل المدبر، والدرع الحامي لهذه العائلة، وجد نفسه فجأة مشلولاً، ملقى في الوحل، عاجزاً حتى عن سحب سكين.
لم يمنحهم المكان وقتاً لاستيعاب الألم. فجأة، توقف فحيح المسخ.
استدارت الفتاة المتحولة، التي كانت تراقب السقوط بتبلد، نحو مصدر الضجيج واللحم الطازج الذي هبط للتو في مائدتها. تركت جثة الدجاجة الممزقة من يدها، ونهضت ببطء مرعب. في ضوء القمر الشاحب، بدا وجهها كلوحة من الجحيم؛ عيناها البيضاوان تحدقان في الفراغ، وفمها ملطخ بالدماء السوداء، وأصابعها معقوفة كالمخالب. أطلقت صرخة حادة، مزقت صمت الحظيرة.
اندفعت الفتاة المسخ بسرعة غير متوقعة، متجاوزة جثث الطيور، ومتجهة مباشرة نحو أقرب فريسة لها: نبراس الملقى على الأرض والعاجز عن الحركة.
رأى زيد المشهد يتشكل أمامه ككابوس بطيء. شقيقه الأكبر، سنده في هذه الحياة، ملقى بلا حيلة، والوحش يكاد ينقض على عنقه. نسي زيد ألم السقوط، واشتعلت في عروقه نار الغضب والأخوة التي تفوق غريزة البقاء.
"لا!" زأر زيد بصوت هز أرجاء الحظيرة.
اندفع زيد كالثور الهائج، وتجاوز المسافة الفاصلة بينه وبين الفتاة بخطوتين واسعتين. وقبل أن تلتصق أنياب المسخ بكتف نبراس، ألقى زيد بجسده الضخم بالكامل نحوها، موجهاً ضربة قوية بكتفه لكتفها. طار جسد الفتاة النحيل في الهواء بفعل قوة الارتطام، وتدحرجت بعيداً عن نبراس نحو الجانب المظلم والمليء بالعوائق الخشبية من الحظيرة.
لكن زيد لم يتوقف؛ كان يعلم أن إبعادها لثوانٍ لا يكفي. نهض بسرعة، ولحق بها نحو العتمة ليجذب انتباهها بالكامل إليه، صارخاً نحو شقيقه بصوت أجش ومتقطع:
"السلاح! ابحث عن السلاح يا نبراس!أنا سأشغلها!"
تفرقت مسارات الشقيقين في هذه اللحظة المصيرية. زيد اختفى في الجزء المظلم من الحظيرة ليخوض صراعاً جسدياً أعزل مع الموت، ونبراس بقي في بقعة الضوء الشاحبة، يواجه معركة من نوع آخر: معركة ضد شلله، وألمه، والوقت الذي ينفد بسرعة مرعبة.
في الزاوية المعتمة، نهضت الفتاة المسخ بسرعة خارقة لا تتناسب مع هشاشة جسدها. لم تكن تشعر بألم الارتطام الذي وجهه لها زيد. التفتت نحوه، وأطلقت ذلك الفحيح الشيطاني، وانقضت عليه كوحش كاسر.
لم يكن زيد يملك رفاهية التفكير. استخدم ذراعيه الضخمتين كدرع لصد هجومها. اصطدمت به، وبدأت تحاول ان تخدش وتضرب بعشوائية مجنونة. كانت رائحتها وحدها كفيلة بإفقاد الوعي؛ مزيج من اللحم المتعفن، والدم الفاسد، والأوساخ. تراجع زيد خطوة إلى الوراء، وحاول دفعها بعيداً بضربة قوية من قدمه إلى بطنها، لكنها تراجعت بالكاد وعادت لتنقض عليه بشراسة أكبر.
في هذا العالم، أنت لا تقاتل بشراً يمكنك إخضاعهم بالألم أو الخوف. أنت تقاتل آلة مبرمجة على العض والتمزيق. كان زيد يدرك تماماً أن أي خدش صغير من أظافرها الملوثة، أو عضة بسيطة من أسنانها التي تقطر لعاباً أسود، تعني نهايته المحتومة، تعني تحوله إلى مسخ مثلها. هذا الرعب النفسي كان يثقل كاهله أكثر من وزن المعركة البدنية.
تعثرت قدم زيد بقطعة خشبية مكسورة على الأرضية اللزجة. كاد أن يسقط، لكنه استعاد توازنه بصعوبة، والتقط القطعة الخشبية—التي كانت جزءاً من يد مجرفة قديمة—واستخدمها كعصا. عندما اندفعت نحوه الفتاة مفاغرة فاها، أدخل زيد العصا الخشبية بالعرض بين فكيها، دافعاً إياها بقوة نحو الخلف.
كانت تضغط بأسنانها على الخشب بقوة هائلة، محاولة كسرها للوصول إلى وجهه. كان زيد يدفعها، وعضلات ذراعيه تبرز وتنتفض من الجهد، وعرق بارد يتصبب من جبهته ليختلط بالغبار والدم المتناثر.
"ابتعدي عني أيتها الملعونة!" كان زيد يهمس من بين أسنانه المصطكة، وهو يصارع قوة غاشمة لا تعترف بالإنهاك. لكن الأرضية الزلقة كانت تلعب ضده، وقوته بدأت تستنزف في هذا الصراع الميت، بينما المسخ لا يتعب أبداً.
على الجانب الآخر، وفي بقعة الضوء الباهتة، كان نبراس يعيش أسوأ كابوس مر عليه في حياته. كان يسمع أصوات العراك، وصوت أنفاس أخيه المتقطعة، وصوت طقطقة الخشب، والفحيح المرعب. كل ثانية تمر كانت تعني أن حياة شقيقه تقترب من حافة الهاوية.
"تباً... تباً... تباً..." كان نبراس يهمس لنفسه والدموع تتجمع في عينيه، ليس من الألم الجسدي فحسب، بل من قهر العجز. هو القائد، هو من تعهد بحمايتهم، وها هو الآن يزحف كدودة عاجزة على أرضية مغطاة بالقذارة.
بصعوبة بالغة، وباستخدام ذراعه اليسرى السليمة وقدميه، بدأ نبراس يزحف على بطنه. كانت ذراعه اليمنى تُسحب خلفه كعائق ميت، وكل حركة بسيطة ترسل موجات من الكهرباء المؤلمة إلى عموده الفقري. كان يتصبب عرقاً، وأنفاسه تحرق صدره.
كان يمسح الأرضية بيده اليسرى وسط الظلام، يتلمس الأشياء المقززة. لمست أصابعه جثث الدجاج الباردة، وأحشاءها اللزجة، والخشب المتعفن، والحديد الصدئ. كان يبحث عن ذلك الملمس المعدني البارد، ملمس مسدسه الـ "غلوك".
كانت أفكاره تتسابق في رأسه كعاصفة مجنونة. ماذا لو لم أجده؟ ماذا لو سقط خارج الحظيرة؟ ماذا لو قتلت زيد قبل أن أصل إليه؟ مريم... كرم... من سيحميهما إذا متنا هنا بسبب غلطة غبية؟ كان هذا التوتر النفسي يمزق أعصابه أكثر من تمزق أربطة كتفه.
غرس نبراس أسنانه في شفته السفلية حتى تذوق طعم دمه الدافئ، محاولاً إجبار عقله على البقاء يقظاً وتجاهل الألم الذي يدعوه للاستسلام والإغماء. زحف متراً آخر، ودفع برميلاً بلاستيكياً فارغاً بكتفه السليم.
وفجأة، لمحت عيناه الحادتان وميضاً خافتاً. شعاع رفيع جداً من ضوء القمر انعكس على سطح معدني أسود لامع، استقر تحت معلف خشبي محطم في الزاوية.
"السلاح..." همس نبراس بصوت متحشرج.
مد يده اليسرى، متمططاً بكل ما تبقى فيه من طاقة، وتجاهل الصرخة المدوية التي أطلقها جسده عندما تحرك كتفه المخلوع. لفت أصابعه حول المقبض الخشن للمسدس. كان المعدن بارداً، ولكنه في تلك اللحظة كان يحمل دفء الحياة بأكملها. سحب المسدس نحوه، وتأكد بأصابعه المرتجفة من أن الأمان مرفوع وأن هناك رصاصة في بيت النار.
لكن المشكلة الكبرى ظهرت الآن: نبراس أيمن. يده اليمنى مشلولة تماماً. يجب عليه أن يصوب ويطلق النار بيده اليسرى، في ظلام دامس، وعلى هدف يتحرك بسرعة وبشكل فوضوي، وملاصق تماماً لجسد شقيقه. خطأ بمليمتر واحد، وقد يضع الرصاصة في رأس زيد بدلاً من المسخ.
في تلك الأثناء، وصل صراع زيد إلى مراحله النهائية. كانت العصا الخشبية التي يحملها بين فكي المسخ قد بدأت تتشقق تحت ضغط أسنانها الخارقة. الأرضية الزلقة بالدماء خذلته أخيراً. انزلقت قدمه اليمنى، واختل توازنه.
استغلت الفتاة المتحولة هذه الثغرة. انقضت عليه بوزنها، ليسقط زيد على ظهره بقوة فوق الأرضية القذرة، وتسقط هي فوقه مباشرة. انكسرت العصا الخشبية إلى نصفين، وتحررت فكاها.
أصبحت الفتاة الآن تعتلي صدر زيد بالكامل. كان زيد يمسك بكتفيها بكلتا يديه، دافعاً إياها للأعلى بكل ما تبقى فيه من قوة يائسة، بينما كانت هي تدفع برأسها للأسفل، فمها المفتوح يقترب مليمترات قليلة من وجهه وعنقه. كان لعابها اللزج الممزوج بالدم الأسود يتساقط على وجنتيه وعينيه، ورائحة الموت المنبعثة من جوفها تخنقه.
"نبراس!" صرخ زيد صرخة أخيرة، صرخة من أيقن أن الموت قد أطبق فكيه عليه. كانت عضلات ذراعيه تحترق، وقوته تتلاشى. لم يعد قادراً على صدها لأكثر من ثانيتين. أغمض زيد عينيه، متوقعاً الإحساس الحارق للأسنان وهي تمزق لحمه.
سمع نبراس صرخة أخيه التي جمدت الدم في عروقه. تحول الألم في جسده إلى شحنة من الأدرينالين الصافي. نهض بجذعه العلوي مستنداً على ركبتيه، ورفع ذراعه اليسرى التي تحمل المسدس.
كان يرى المشهد أمامه كظلال تتصارع في العتمة. زيد على ظهره، والمسخ فوقه، رأساها يندمجان في كتلة واحدة من الحركة الفوضوية.
ركز يا نبراس... ركز... لا تتنفس... لا تفكر في الألم... خاطب نفسه في أجزاء من الثانية.
أغمض عينه اليمنى، وفتح عينه اليسرى محاولاً التأقلم مع الظلام. استخدم كل تدريباته السابقة، وكل خبرته في قنص الأهداف المتحركة، لكن هذه المرة بيده الضعيفة. كان قلبه يدق كطبول الحرب، والمسدس يرتجف قليلاً في يده.
رأى حركة رأس المسخ وهي تستعد للهبوط بعضة قاضية نحو عنق زيد. انفتحت زاوية صغيرة جداً، فجوة لا تتجاوز بضعة سنتيمترات بين رأس الفتاة ورأس شقيقه.
لم يكن هناك وقت للتردد. إذا انتظر، سيموت زيد. وإذا أخطأ، سيقتل زيد.
أخذ نبراس نفساً عميقاً وحبسه في صدره، جاعلاً جسده صلباً كتمثال من رخام. وضع إصبعه على الزناد، وضغط.
دوى صوت الانفجار داخل الحظيرة المغلقة كقنبلة رعدية. أضاء وميض فوهة المسدس المكان للحظة خاطفة، كاشفاً عن بشاعة المسرح، قبل أن يعود الظلام ليلف كل شيء، مخلفاً وراءه صدىً يتردد في الآذان وطنيناً يصم الأسماع.
تجمد كل شيء في الحظيرة بعد انطلاق الرصاصة. توقف الفحيح، وتوقفت الحركة الفوضوية.
كانت الرصاصة قد انطلقت من فوهة مسدس نبراس. اخترقت الطلقة عيار 9 ملم صدغ الفتاة المسخ من الجانب الأيمن، وخرجت من الجانب الأيسر، محطمة الدماغ الفاسد بالكامل في أجزاء من الثانية.
ارتخى جسد الفتاة المتحولة فجأة، وتحول من آلة قتل مرعبة إلى مجرد كيس ثقيل من اللحم الميت والعظام. سقطت جثتها الهامدة بكامل وزنها فوق صدر زيد، وانغرس وجهها الملطخ بالدماء في كتفه، بلا حراك، وبلا أنفاس.
بقي زيد على حاله لثوانٍ طويلة، مغمض العينين، يلهث بشدة، غير مدرك لما حدث. كان ينتظر الألم، ينتظر العضة، لكن كل ما شعر به هو ثقل جسد ميت يضغط على صدره، وسخونة الدماء السوداء التي تناثرت على وجهه من جراء الطلقة التي مرت بمحاذاة أذنه.
فتح زيد عينيه ببطء، والتقط أنفاسه بصعوبة بالغة. دفع الجثة الثقيلة والمقززة من فوق صدره باشمئزاز ورعب، وتدحرج بعيداً عنها، مستنداً على يديه وركبتيه.
"نبراس..." همس زيد بصوت أجش، متقطع، وهو ينظر نحو بقعة الضوء.
على الجانب الآخر، وفي ذات اللحظة التي تأكد فيها نبراس من سقوط المسخ، انهارت آخر قلاعه الدفاعية. سقط المسدس من يده اليسرى ليرتطم بالأرض بصوت باهت. تهاوى جسده الضخم مجدداً على الأرضية القذرة، ولم يعد قادراً على كبح جماح الألم الذي عاد ليهاجمه بشراسة مضاعفة بعد زوال الأدرينالين.
أغمض نبراس عينيه، ودفن وجهه السليم في الأرضية الباردة، وبدأ يتنفس ببطء شديد محاولاً عدم فقدان الوعي. كان جسده ينتفض، وذراعه اليمنى تشتعل بنار لا تنطفئ، لكن رغم كل هذا العذاب الجسدي، ورغم قذارة المكان التي طالما كان يشمئز منها، انسابت من عينيه دمعة واحدة صامتة، دمعة راحة خالصة، لأنه نجح. لقد تحدى الشلل، والظلام، والألم، وأنقذ حياة شقيقه من فم العدم.
"أنا بخير يا زيد..." كذب نبراس بصوت متعب ومتحشرج لا يكاد يُسمع، وهو يحكم إغلاق جفنيه هرباً من الدوار. "أنا بخير... فقط... لا تدع هذه المرأة تقترب مني مجدداً... أبداً."
ظل الشقيقان في مكانهما لعدة دقائق، يشاركان بعضهما البعض صمتاً ثقيلاً ومقدساً في قلب هذه الحظيرة الملعونة، محاطين بجثث الطيور وبقايا المسخ، وتحت ضوء قمر شاهد على واحدة من أقسى معارك البقاء التي خاضاها على الإطلاق. لقد كُتب لهما عمر جديد هذه الليلة، لكنهما أدركا يقيناً أن هذا العالم الجديد لا يرحم غفلة، وأن أسوأ الوحوش ليست تلك التي تعوي في الخارج، بل تلك التي نفتح لها الأبواب بأيدينا.