8
انتهى النفق الأخضر الممتد لبساتين النخيل، لتنكفئ الطرق الترابية الرطبة فجأة أمام مشهد الأسفلت الرمادي الميت لأطراف البلدة. توقفت دراجة زيد النارية وتلتها سيارة "البورشه" السوداء خلف ساتر من جدار طيني متهدم يطل على الساحة الرئيسية للمجمع التجاري الريفي.
زجاج المحلات التجارية الخارجية كان مهشماً بالكامل ومبعثراً على الأرصفة كقطع ألماس متسخة. سيارات متفحمة وأخرى تصادمت ببعضها البعض ركبت فوق الأرصفة، تتدلى من أبوابها المفتوحة بقع دماء جافة داكنة.
وفي وسط هذا الخراب، كانت هناك أجساد متباعدة تتحرك ببطء شديد. لم يكن أولئك بشرًا؛ كانت ثيابهم ممزقة، وعظامهم بارزة، يتحركون بخطوات متصلبة ومقززة، ورؤوسهم مائلة إلى الأسفل كأنهم يبحثون عن أثر لرائحة دم وسط التراب.
أطفأ نبراس محرك السيارة بسلاسة، والتفت نحو طارق ومريم:
"نزولنا من هنا سيكون بحذر مطلق. الأسلحة مجهزة ومؤمنة، ولا أحد يطلق النار إلا إذا فرضت الضرورة القصوى ذلك؛ فالصوت هنا قد يجلب لنا مئات المسوخ من الأحياء المجاورة. مريم، تذكري شرطي، يدك في يد زيد وخلف ظهري تماماً."
ترجل الجميع من المركبات بآلية صامتة. فتح طارق باب الراكب الأمامي، ممسكاً ببندقيته الآلية الثقيلة وعيناه تمسحان أسطح المباني، بينما نزل نبراس وسحب بندقية الصيد ذات الفوهة المزدوجة، وقفز زيد عن دراجته وسحب مسدسه من طراز "غلوك"، ممسكاً بيد مريم التي كانت ترتجف لكن عينيها العسليتين كانتا تعكسان تصميماً كبيراً على الصمود.
تحركت المجموعة الصغيرة كأشباح بين السيارات المحطمة، متجهة نحو المدخل الرئيسي للمجمع التجاري الذي كان عبارة عن أبواب زجاجية دوارة مهشمة جزئياً. كان الطقس دافئاً بالخارج، لكن بمجرد تخطيهم عتبة المجمع، لفحت وجوههم برودة رطبة، لزجة، تحمل رائحة العفن والموت واللحم المتحلل التي تزكم الأنوف وتثير الغثيان.
الداخل كان شبه مظلم؛ فالتيار الكهربائي مقطوع بالكامل، ولم يكن يضيء الردهة الواسعة سوى خيوط الشمس الضعيفة التي تتسلل من القبة الزجاجية العلوية المتسخة بالغبار وفضلات الطيور. ساروا بخطوات وئيدة، وكان صوت تحطم شظايا الزجاج الصغير تحت أحذيتهم الثقيلة يبدو في آذانهم.
"نبراس..." همس زيد "الوضع هنا يبدو... كمصيدة مطبقة. أشعر بالأنفاس تتحرك في الظل."
"اصمت وزد من تركيزك يا زيد،" أجاب نبراس بهمس حاد وعيناه تراقبان زوايا المحلات المظلمة. "طارق، سنتجه أولاً نحو متجر المستلزمات الطبية والملابس في الطابق الأرضي، ثم نعود لمحطة الوقود بالخارج."
وفجأة، وبدون أي مقدمات، سُمع صوت اصطدام معدني قوي من الطابق العلوي للمجمع، تلاه صوت حفيف متسارع لخطوات متصلبة تقترب من السلالم الكهربائية المعطلة.
انقبضت القلوب، وارتفع منسوب التوتر النفسي إلى ذروته. في غضون ثوانٍ، بدأت ظلال بشرية مشوهة تتدفق من الممرات المظلمة للمحلات. لم يكن واحداً أو اثنين؛ بل كانت مجموعة تتألف من خمسة عشر مسخاً على الأقل، قادهم صوت حركتهم نحو الممر الرئيسي. كانت عيونهم بيضاء فارغة، وأفواههم مفتوحة تسيل منها سوائل لزجة، ويصدرون فحيحاً جماعياً مرعباً يشبه حفيف الأفاعي الغاضبة.
"تراجعوا نحو الجدار!" صاح طارق بصوت منخفض قوي، ورفع سلاحه ليدق عنق أول مسخ اقترب منه بمؤخرة البندقية، لتتحطم جمجمته ويسقط أرضاً ككيس من الرمل.
تحولت الردهة الهادئة إلى ساحة معركة شرسة سادها ذعر نفسي خانق. اندفع نبراس ليوجه ضربة قوية بقدمه لامرأة متحولة كانت تحاول الانقضاض على مريم، بينما كان زيد يطلق رصاصات صامتة وموجهة من مسدسه نحو الرؤوس، فتسقط الأجساد واحداً تلو الآخر. لكن الأعداد كانت تتزايد، وضيق المساحة والممرات الضيقة جعل الحركة صعبة للغاية.
وفي وسط هذه الفوضى، حدث ما كان يخشاه الجميع.
تعثرت قدم زيد بقطعة من الحديد البارز على الأرض أثناء تراجعه لحماية مريم، ليسقط على ظهره بقوة هائلة أفقدته توازنه وطار المسدس من يده ليتدحرج بعيداً وسط الظلام. وقبل أن يتمكن من النهوض، اندفع نحو جسده مسخ ضخم، كان في حياته الماضية عامل بناء قوي البنية؛ إذ كانت ثيابه ممزقة وعضلاته مشدودة، واعتلى صدر زيد بالكامل، ضاغطاً بيديه المتعفنتين على كتفي الشاب، وفكّاه اللذان يحملان أسناناً حادة وملطخة بالدماء يقتربان من عنق زيد مليمترات قليلة.
"نبراااااس!" صرخ زيد صرخة رعب حقيقية، صرخة خرجت من أعماق روحه المهددة بالزوال.
التفت نبراس، وفي تلك اللحظة، تجمد الدم في عروقه. رأى شقيقه الصغير، روحه، ووصية والده، قاب قوسين أو أدنى من الموت المؤكد. كان المشهد يعرض أمامه بالحركة البطيئة: فك المسخ ينفتح، واللعاب الأسود يقطر على وجه زيد، والشاب يحاول دفع صدر المسخ بكل ما أوتي من قوة متبقية في ذراعيه المرتجفتين، لكن قوته كانت تخور، وكان من المؤكد والمحتوم في نظر أي مراقب أن زيد سيموت في هذه الثانية لا محالة، وأن أسناناً ملوثة ستمزق شرايين عنقه.
اجتاحت نبراس نوبة من الجنون والذعر النفسي الذي يفوق الوصف. لم يفكر في عواقب الصوت أو الخطر؛ ألقى ببندقيته الصيد جانباً، واندفع كفهد جريح نحو المسخ. وبحركة انتحارية، ألقى بجسده بالكامل فوق ظهر المسخ الضخم، وطوق عنقه بذراعه القوية، ساحباً إياه بكل عزم وجنون إلى الخلف بعيداً عن جسد شقيقه.
تحول المسخ نحو نبراس، وحاول عضه، لكن طارق كان قد وصل في ذات الأجزاء من الثانية؛ فرفع بندقيته الآلية ووجه الفوهة مباشرة نحو جبهة المسخ، ليضغط على الزناد وتخرج رصاصة واحدة دوت في أرجاء المجمع كالصاعقة، لتتفجر رأس المسخ ويتناثر دمه الأسود على ثياب نبراس، ويسقط الجسد الهامد أرضاً.
أمسك نبراس بيد زيد وسحبه بقوة ليقفا معاً، وجسداهما ينتفضان بعنف. نظر نبراس في عيني شقيقه ليتأكد من سلامته، وصاح بنبرة ممتلئة بالخوف :
"هل أنت بخير؟! هل عضك؟! أخبرني!"
"أنا... أنا بخير... لم يعضني... شكراً لك يا أخي،" قال زيد وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة، والدموع تكاد تفر من عينيه جراء النجاة الإعجازية من فم الموت.
استغل طارق الصمت المؤقت الذي أعقب دوي الرصاصة، وقاد المجموعة بسرعة عبر ممر فرعي يؤدي إلى منطقة المستودعات الخلفية للمجمع، وهي منطقة محاطة بأبواب حديدية ثقيلة يمكن إغلاقها لتوفير حماية مؤقتة. دخل الجميع، وأغلق نبراس وطارق الباب الحديدي السميك ووضعوا خلفه قفلاً حديدياً كبيراً، ليتنفسوا الصعداء وسط ظلمة الممر الضيق.
وفي وسط هذا الصمت المطبق الذي تلا المعركة، سُمع صوت غريب ونشاز لا ينتمي إلى أصوات الفحيح أو الموت.
كان ذلك صوت بكاء بشري، ناعم وضئيل للغاية. تبادل نبراس وطارق النظرات، ورفعوا كشافاتهم اليدوية ليوجهوا حزم الضوء الأبيض نحو نهاية الممر المظلم حيث تقبع زاوية المستودع الصغيرة المستترة خلف صناديق الكرتون الممزقة.
توسط الضوء مشهداً أبكى القلوب قبل العيون.
في الزاوية الضيقة، كان يجلس طفل صغير، لا يبدو أنه تجاوز الخامسة من عمره. كان يرتدي قميصاً أصفر متسخاً بالتراب، ويضم ركبتيه الصغيرتين إلى صدره، وجسده الضئيل يرتعد بخوف ورعب يفوق قدرة طفل في سنه على التحمل. كانت عيناه البنيتان الواسعتان غارقتين في بحر من الدموع الشاخصة، ونظراته مثبتة على مجسم قابع أمامه مباشرة.
أمام الطفل بمسافة مترين فقط، كانت تقف امرأة متحولة. كانت ثيابها المنزلية ممزقة، ووجهها يحمل ملامح شاحبة ميتة، وعيناها بيضاوان فارغتان من أي شعور بشري. كانت تصدر فحيحاً متواصلاً، وتحاول بكل جوارحها واندفاعها التقدم نحو الطفل الصغير والانقضاض عليه لتمزيقه، لكن شيئاً ما كان يمنعها.
عندما اقترب نبراس وحرك الضوء بدقة، تبينت الحقيقة المذهلة التي جعلت التوتر النفسي يتحول إلى غصة حزن خانقة في حلق كل من حضر.
كانت يدا المرأة المتحولة مربوطتين إلى الخلف برباط سميك ومحكم للغاية، صُنع من أحزمة جلدية وحبال متينة، ومثبتة بقوة إلى عمود حديدي ضخم يدعم سقف المستودع. كانت العقد مربطة بطريقة احترافية وقاسية، تظهر أن من ربطها كان يعلم تماماً ما يفعله، وكان يقاوم الوقت والألم ليربط نفسه بهذه المنعة.
فهم نبراس الحقيقة فوراً، وشعر بجسده يقشعر. لم تكن هذه المرأة سوى أم هذا الطفل الصغير. لقد تعرضت للعض في الخارج، وعلمت أن العدوى ستسلبها عقلها وآدميتها وتحولها إلى مسخ متعطش للدماء، وعلمت أن أول ضحاياها سيكون طفلها الصغير الذي لا يملك من أمره شيئاً. ولذلك، وفي آخر دقائق وعيها البشرية، قادت صغيرها إلى هذا المستودع الآمن، وجلسته في الزاوية، ثم أحكمت ربط يديها وجسدها إلى هذا العمود الحديدي لكي لا تتمكن من الوصول إليه عندما تتحول، مفضلة أن تموت عطشاً وجوعاً وتتحول إلى مسخ سجين، على أن تمس شعرة واحدة من جسد ابنها.
تقدم زيد وانحنى أمام الطفل الصغير برفق شديد، واضعاً يده على كتفه الضئيل، وجذب جسده المرتجف نحو صدره ليحتضنه ويهدئ من روعه:
"اهدأ يا صغيري... اهدأ... أنت بأمان الآن. نحن هنا لحمايتك."
تعلّق الطفل الصغير بثياب زيد كالمجنون، ودفن وجهه في عنقه وهو يشهق بالبكاء، ثم التفت برأسه الصغير ونظر بعينين بريئتين نحو نبراس وطارق اللذين كانا يقفان مذهولين، وسألهم بصوت طفولي مكسور ومتحشرج حمل لغزاً مؤلماً:
"عمي... أرجوكم... ماذا عن أمي؟ لماذا لا تتحرك بشكل جيد؟ ولماذا تصرخ في وجهي هكذا منذ ليلة أمس؟ لقد قالت لي إنها تلعب معي لعبة الحبل وعليّ ألّا أقترب منها حتى يأتي رجال طيبون... هل أنتم الرجال الطيبون؟ هل ستفكون قيد أمي ؟.."
نزلت دمعة حارة من عين نبراس، ومسحها بسرعة بظهر كفه، ونظر إلى المرأة المتحولة التي كانت لا تزال تفح وتضرب بجسدها ضد العمود الحديدي، غير مدركة أن صغيرها على بعد خطوات منها. التفت نبراس نحو مريم التي كانت تبكي بصمت خلفه، ثم نظر إلى طارق وأومأ برأسه حزناً.
"نعم يا صغيري،" قال نبراس بنبرة دافئة، حزينة وصادقة وهو يقترب ويمسح على شعر الطفل. "نحن الرجال الطيبون الذين أخبرتكِ عنهم والدتك. أمك... أمك بطلة عظيمة، وقد أتمت لعبتها بنجاح. والآن، حان وقت ذهابك معنا لترتاح وتأكل، وسنهتم بكل شيء هنا."
حمل زيد الطفل بين يديه بحنان كبير، وتحركت المجموعة عائدة نحو الممرات بحذر، حاملين معهم روحاً بريئة أخرى أنقذتها تضحية أمومة أسطورية من جوف الهلاك والدمار.
تحركت المجموعة بسرعة داخل الممرات الداخلية للمجمع التجاري بعد أن أودعوا روح الأم سلامها الأخير في عتمة المستودع. كان التوتر لا يزال عالقاً في الأجواء كغبار ثقيل، لكن الواجب فرض عليهم المضي قدماً؛ فالوقت في هذا العالم الجديد لا ينتظر أحداً، والدقائق التي تمر دون تأمين مقومات البقاء هي دقائق تُقتطع من عمر نجاتهم.
انفصلت المجموعة إلى فريقين بحسب الخطة الموضوعة؛ بقي زيد داخل المركز التجاري لتأمين مريم والطفل وجلب الملابس والمؤن الخفيفة، بينما توجه نبراس وطارق نحو محطة الوقود والمخازن الخارجية لتأمين العصب الحركي لقصر البساتين.
في الطابق الأرضي للمجمع، حيث واجهات محلات الملابس الجاهزة دخل زيد ومعه مريم والطفل الصغير إلى أحد أكبر المتاجر المخصصة للملابس الرياضية والشتوية. كانت خطوط الضوء تتسلل بوهن من السقف، كاشفة عن رفوف مبعثرة وفساتين معلقة تحركها نسمات الهواء الباردة المنبعثة من النوافذ المحطمة.
كان زيد يقف عند مدخل المتجر كالسد المنيع. أن من ينظر إلى بنيته الجسدية يدرك على الفور أنه رجل مكتمل الرجولة والقوة. لم يكن زيد فتى غريراً أو حلقة ضعيفة في هذه المجموعة؛ بل كان يمتلك ذات الجينات القوية التي يمتلكها شقيقه الأكبر نبراس. كان ضخماً، عريض المنكبين، مفتول العضلات بفعل سنوات من التدريب الشاق والرياضة المستمرة، وجسده يملأ المكان هيبة ومنعة. كان يقف واضعاً يده اليمنى على مقبض مسدسه الـ "غلوك" المؤمَّن، وعيناه الحادتان الحاذقتان تمسحان الممرات المظلمة للمتجر بتركيز مرعب، مستعداً لسحق أي تهديد قد يظهر من بين الرفوف.
بيده اليسرى الضخمة، كان زيد يمسك بكف الطفل الصغير برفق شديد، كف دافئة تحيط بأصابع الصغير المرتجفة لتمنحه ذلك الأمان الذي فقده في عتمة المستودع.
كان الطفل يجلس على صندوق خشبي صغير جلبه له زيد بجانب رفوف الملابس. وفي يده الصغيرة، كان يمسك بشطيرة جبن صُنعت بعناية؛ إذ كان زيد قد أخرج قطع الخبز الريفي من حقيبته الطارئة، وأعدها له بسرعة لكي يسد جوعه الذي استمر لساعات طويلة. كان الصغير يأكل بنهم طفولي، لكن فمه الصغير كان يتحرك بصعوبة؛ حيث كانت تصدر منه بين اللقمة والأخرى تلك الشهقات الناعمة، القصيرة، والمتقطعة التي تلي نوبات البكاء الطويلة والمريرة. كانت كل شهقة تخرج من صدره الصغير تهتز معها كتفاه الضئيلتان، لتعبر عن حجم الصدمة النفسية التي استقرت في روحه البريئة.
نظر زيد إليه لأسفل، وتراجعت قساوة ملامحه الرجولية لتحل محلها نظرة عطف عميقة. انحنى قليلاً، وربت على رأس الطفل بخفة وقال بصوت دافئ ومنخفض:
"كُل على مهلك يا بطل... لا أحد سيأخذ طعامك، وأنت الآن في حماية رجال لا يفرطون فيمن يستجير بهم. امضغ جيداً."
ابتلع الطفل لقمته، وأطلق شهقة ناعمة أخرى، ثم أومأ براسه الصغير دون أن يتكلم، متمسكاً بقميص زيد القطني كأنه حبل النجاة الوحيد في هذا الكون.
وفي الممرات القريبة، كانت مريم تتحرك بحذر وسرعة بين الرفوف الخشبية تختار ما يناسبها من ملابس. كانت تحرص على جلب الملابس العملية والثقيلة؛ فاختارت سُترات شتوية مبطنة بالصوف، وسراويل قطنية سميكة قادرة على تحمل وعثاء الركض والحركة وسط الأحراش، بالإضافة إلى بضعة أحذية رياضية متينة. ورغم انشغالها، إلا أنها كانت تلتفت بين الحين والآخر نحو زيد؛ حيث كانت رؤية جسده الضخم والمستقر عند المدخل تمنحها شعوراً بالطمأنينة لم تعهده منذ أن بدأت هذه الفوضى. علمت مريم في تلك اللحظات أن هذا الشاب هو في الحقيقة جدار فولاذي لا يقل منعة عن شقيقه نبراس، وأن عائلة سليم تملك من القوة والرجولة ما يكفي لتحدي الموت نفسه.
وضعت مريم الملابس في حقيبة ظهر كبيرة وجدتها في المتجر، وتوجهت أيضاً نحو قسم الأطفال لتجلب سريعاً بعض الملابس الشتوية والسترات الصغيرة للطفل الصغير، مع علمها التام أن هذا الطفل أصبح الآن فرداً جديداً في عائلتهم الصغيرة بقصر البساتين.
على الجانب الآخر، وفي الساحة الخارجية للمجمع التجاري، كانت الشمس قد بدأت تميل عن كبد السماء، لتلقي بظلال طويلة وباردة فوق محطة الوقود المهجورة. كانت الأجواء هناك أكثر خطورة؛ فالساحة مكشوفة بالكامل لأي خطر قد يأتي من الشوارع المحيطة.
كان نبراس وطارق يعملان. تراجع نبراس بسيارة الـ "بورشه" السوداء ليضع خلفيتها قريبة من مخازن المحطة، بينما قام طارق بفتح صندوق سيارة قريبة، وبدأ يسحب منها الأوعية البلاستيكية الكبيرة (الغالونات) المخصصة لحفظ الوقود.
امتدت يد نبراس القوية ليمسك بخرطوم الضخ الرئيسي لأحد الخزانات الاحتياطية للمحطة. لحسن الحظ، كانت المحطة تحتوي على مضخة يدوية ميكانيكية تعمل بدون كهرباء، مصممة لحالات الطوارئ. بدأ نبراس يضغط على الرافعة الحديدية الثقيلة لأسفل وأعلى بحركات قوية ومنتظمة، وعضلات ساعديه المشدودة تبرز تحت قميصه الرمادي مع كل دفعة. كان صوت تدفق وقود الديزل والبنزين داخل الغالونات البلاستيكية هو الصوت الوحيد الذي يكسر صمت الساحة.
كان طارق يقف على بعد خطوتين، وبندقيته الآلية معلقة بيده، وعيناه تمسحان الأفق كأنه رادار بشري. لم يكن يفوت حركة ورقة شجر في الريح، ونبرته الخشنة جاءت محذرة:
"أسرع يا نبراس. الضخ اليدوي يستغرق وقتاً، والصوت بالداخل قد يكون جذب انتباه بعض المجموعات المتباعدة في الأحياء السكنية القريبة. أرى تحركات غير مريحة عند نهاية الشارع الشمالي."
مسح نبراس عرق جبينه بساعده، دون أن يتوقف عن الضخ، وأجاب وعيناه مثبتتان على فوهة الغالون:
"هذا هو الغالون الرابع يا طارق. نحتاج إلى غالونين آخرين من البنزين النقي لأجل دراجة زيد ولأجل مولدات الطوارئ الصغيرة. لن نتحرك من هنا ونحن نملك نصف كفاية. قصر البساتين يجب أن يصبح حصناً مكتفياً ذاتياً بالكامل."
"حسناً، لكن ضع في حسبانك أن النجاة لا تعتمد على المخزون بقدر ما تعتمد على سرعة البديهة،" قال طارق وهو يتقدم ليحمل أحد الغالونات الثقيلة الممتلئة ويضعه في صندوق السيارة بحركة سريعة لا تظهر وزنه الحقيقي الذي يتجاوز الثلاثين كيلوغراماً.
وفجأة، تجمعت الغيوم في الأفق وتوقفت حركة الرياح، ليحل ذلك السكون المريب الذي يسبق العواصف. سُمع صوت ارتطام قوي من جهة الممر الغربي للمحطة، وتبعه ظهور ثلاثة من المسوخ كانوا يرتدون ثياباً عسكرية ممزقة، يبدو أنهم كانوا من أفراد نقطة تفتيش قريبة وتحولوا بالكامل. كانت حركاتهم أسرع من حركات المسوخ العاديين، وعيونهم الحمراء الميتة ثبتت على جسد نبراس وطارق.
لم يتردد طارق لثانية واحدة. تقدم خطوة إلى الأمام، وبحركة خاطفة تبرز خبرته الطويلة، لم يستخدم الرصاص؛ بل رفع كعقب بندقيته الحديدي وهبط به بكل قوته على جبهة المسخ الأول ليحطمها في أجزاء من الثانية. وفي ذات الوقت، كان نبراس قد ترك رافعة الضخ، وسحب سكيناً قتالياً عريضاً من حزامه، ليرتد نحو المسخ الثاني ويدس النصل ببراعة في أسفل ذقنه متجهاً للأعلى نحو الدماغ، ليسقط المسخ جثة هامدة دون أن يصدر أي صوت. أما المسخ الثالث فقد تكفل به طارق بضربة جانبية كسرت عنقه بالكامل.
"تنظيف نظيف وسريع،" تمتم طارق وهو يعيد سلاحه لوضع الاستعداد. "هذا ما أعنيه بالبديهة. اغلق الغالونات يا نبراس، حان وقت جمع الفريق والمغادرة فوراً."
أغلق نبراس الغالون الأخير بإحكام، وحملهما معاً ليدعهما في الصندوق، ثم ركض نحو المدخل الزجاجي للمجمع التجاري ليطلق صفيرًا متفقاً عليه مع شقيقه.
في الداخل، سمع زيد الصفير، فالتفت فوراً نحو مريم وقال بحزم:
"انتهى الوقت يا مريم، الحقيبة جاهزة والطفل شبع. لنتحرك نحو السيارات فوراً."
حمل زيد الطفل الصغير بين ذراعيه الضخمتين، حيث وضع رأس الصغير على كتفه العريض، بينما حملت مريم حقيبة الملابس الثقيلة وركضت بجانبه. خرجوا إلى الساحة الخارجية ليجدوا نبراس وطارق بانتظارهم والمحرك يعمل بالفعل لتوفر لهما سرعة الانطلاق.
ركبت مريم في المقعد الخلفي للبورشه مجدداً، وجلس بجانبها الطفل الصغير الذي كان قد بدأ يستسلم للنعاس بعد أن ملأت الشطيرة بطنه الخاوية وتلاشت شهقاته تدريجياً تحت تأثير التعب. صعد طارق في الأمام، وانطلق نبراس بالسيارة متبعاً ذات المسار، بينما قفز زيد فوق دراجته النارية ليتخذ موقعه في المؤخرة هذه المرة لحماية ظهر السيارة بعد أن تلقى تقريعاً كافياً من أخيه في طريق الذهاب.
انطلقت القافلة الصغيرة عائدة نحو البساتين، تاركة وراءها أنقاض المجمع التجاري وبلدته الميتة. ومع حركة العجلات فوق الأسفلت ثم التراب، كان نبراس يراقب عبر المرآة وجه الطفل النائم في الخلف بجانب مريم، وشعر بغصة دافئة في قلبه؛ لقد خرجوا للبحث عن الوقود والملابس، لكنهم عادوا بـروح جديدة، روح ستذكرهم دائماً بأن معركتهم في هذا العالم ليست فقط لأجل البقاء على قيد الحياة، بل لأجل الحفاظ على ما يجعلهم بشراً: الرحمة، والتضحية، وحماية الطفولة وسط الرماد.