NOVELFLEX

مالت الشمس نحو الغروب، ملقية بآخر ظلالها الأرجوانية والذهبية على قمم نخيل البساتين المحيطة بالقصر. كان الصمت قد عاد ليهيمن على الحصن الأبيض، صمت بطعم الأمان المؤقت الذي عاد ومعه غنائم الرحلة.

خذم · بقلم Fati F

9

مالت الشمس نحو الغروب، ملقية بآخر ظلالها الأرجوانية والذهبية على قمم نخيل البساتين المحيطة بالقصر. كان الصمت قد عاد ليهيمن على الحصن الأبيض، صمت بطعم الأمان المؤقت الذي عاد ومعه غنائم الرحلة.

توقفت المحركات، ونزل الجميع بآلية هادئة تشوبها مسحة من الإرهاق الشديد. تولى طارق ونبراس تنسيق تفريغ الحمولات مع حراس القصر، بينما توجهت مريم وزيد بالطفل مباشرة نحو الطابق العلوي، وتحديداً نحو الجناح السكني الدافئ بعيداً عن صخب الممرات الأرضية.

استلمت مريم الطفل الصغير من يد زيد عند عتبة الحمام الفاخر الملحق بغرفة الضيوف. كان الطفل لا يزال يترنح بين اليقظة والنوم، وعيناه البنيتان الواسعتان تنظران بذهول ناعس إلى صنابير المياه الذهبية والجدران الرخامية البيضاء.

ملأت مريم حوض الاستحمام الصغير بماء دافئ انبعثت منه أبخرة رقيقة ملأت جو الغرفة بالدفء. نزعت عنه قميصه الأصفر المتسخ بتراب المجمع التجاري، وأجلسته برفق وسط المياه الدافئة. بدأت تسكب الماء على كتفيه الصغيرتين مستعينة بقطعة قماش قطنية ناعمة، مسحت بها غبار الليلة الماضية، وعرق الركض، وكل أثر للمكان المظلم الذي جاء منه.

أخذ الطفل يتنفس بعمق، وبدأت ملامحه تسترخي تحت تأثير دفء الماء. انحنت مريم أمامه، وشعرها القصير يتدلى حول وجهها، وابتسمت له ابتسامة أمومية حانية، ثم سألته بصوت ناعم كترنيمة صباحية وهي تفرك شعره بالشامبو ذي الرائحة العطرة:

"أيها البطل الصغير... لقد أصبحت الآن فرداً من عائلتنا، ولا يمكننا أن ناديك بـ (البطل) طوال الوقت. أخبرني، ما هو اسمك الجميل؟"

نظر الطفل إليها، ورمش بعينيه اللامعتين اللتين غسلتهما الدموع، ثم قال بصوت طفولي ناعم وواضح:

"اسمي... كرم."

"كرم..." رددت مريم الاسم بابتسامة واسعة أشعت في الحمام المظلم. "يا له من اسم جميل وقوي يليق بصبي شجاع مثلك. حسناً يا كرم، سننتهي الآن لتذهب إلى سريرك الدافئ."

أكملت مريم تحميم كرم بسرعة وعناية، ثم لفته بمنشفة قطنية بيضاء كبيرة وجففت جسده الصغير. ألبسته واحدة من السترات القطنية الناعمة التي جلبتها له من المجمع التجاري، وحملته بين ذراعيها لتتوجه به نحو الفراش الوثير المجهز له في الغرفة المجاورة. ما إن وضعته فوق السرير المريح وفتحت عليه الغطاء الصوفي الثقيل، حتى أطلق كرم زفيراً طويلاً وناعماً، وأغلق جفنيه فوراً ليستسلم لنوم عميق ومستقر، مكملاً أحلامه البريئة بعيداً عن كوابيس عالم الخارج.

بعد أن اطمأنت مريم على نوم كرم، عادت إلى حمامها الخاص. كانت تشعر بأن جسدها يزن أطناناً من التعب العصبي والبدني؛ فمنذ أن خرجت حافية القدمين من القصر الرئيسي تحاول إيقاف سيارة نبراس، لم تذق طعم الراحة الحقيقية.

أغلقت الباب بإحكام، وسمحت للمياه الدافئة والمنعشة أن تنساب فوق رأسها وجسدها. كانت المياه تنزل كبلسم يداوي جراح روحها، ويغسل عنها خوف المجمع التجاري ورؤية المسوخ المتحولة. وقفت تحت المجرى مغمضة العينين، تستمع إلى صوت ارتطام القطرات بالرخام، وشعرت لأول مرة منذ ساعات طويلة بأنها ولدت من جديد، وأن وجودها بين هؤلاء الرجال الثلاثة—نبراس وزيد وطارق—هو درع أمان حقيقي لا يمكن اختراقه.

خرجت مريم بعد فترة وجيزة، وارتدت ثياباً شتوية مريحة من التي اختارتها بنفسها؛ بنطالاً قطنياً عريضاً وسترة صوفية ناعمة بلون وردي خفيف أعاد لوجهها نضارته ونعومته. توجهت مباشرة نحو سريرها في الغرفة المجاورة لغرفة كرم، وارتمت فوقه لتغط في نوم عميق وصافٍ، بينما كان خيط المغرب يذوب بالكامل في جوف الليل المظلم.

في صباح اليوم التالي، شقت أشعة الشمس الذهبية طريقها بقوة عبر النوافذ العالية لقصر البساتين، معلنة عن يوم هادئ ومستقر. استيقظ نبراس مبكراً كعادته، ونزل إلى الطابق الأرضي حيث يقع باب المخزن القديم أو (السرداب) أسفل الدرج الخلفي للقصر. كان هذا المخزن عبارة عن غرفة واسعة باردة، تُحفظ فيها الأغراض والمقتنيات القديمة للعائلة، وصناديق الذكريات التي تركتها سنوات الطفولة والشباب قبل الانتقال العيش في العاصمة.

أضاء نبراس المصباح اليدوي المعلق في السقف، ليتناثر الضوء الرمادي فوق صناديق كرتونية وخشبية متراصة بعناية يعلوها غبار خفيف. بدأ يتحرك بين الممرات الضيقة للمخزن، باحثاً بتركيز وعناية بين الصناديق التي تحمل ملصقات قديمة بخط يد والده الراحل.

وفي تلك الأثناء، سُمع صوت خطوات ثقيلة ومنتظمة تقترب من سلم المخزن. التفت نبراس ليرى شقيقه الأصغر زيد ينزل درجات السلم ببطء، واضعاً يديه في جيوب بنطاله الأسود، وعيناه تتفحصان المكان بشغف فضولي.

"نبراس؟" سأل زيد وصوته يتردد في أرجاء المخزن البارد. "ما الذي يفعله الغوريلّا هنا في هذا الوقت المبكر من الصباح وسط الغبار؟ ظننتك تتفقد الحراس أو تنظف البنادق مع طارق."

ابتسم نبراس ابتسامة خفيفة، ولم يتوقف عن فتح أحد الصناديق الخشبية الكبيرة، وأجاب بصوته الرخيم:

"طارق يتكفل بالأسوار والحراس، لا تقلق بشأن ذلك. أما أنا، فقد نزلت إلى هنا لأمر آخر. كنت أفكر في كرم... الطفل الصغير. لقد مر بظروف مرعبة وعاش كابوساً لا ينبغي لطفل في سنه أن يراه. عندما يستيقظ اليوم، سيبدأ بإدراك غياب أمه، وسيشعر بوحشة المكان وغربته. أردت البحث عن صناديق ألعابنا القديمة التي كنا نلعب بها هنا في طفولتنا؛ بضع سيارات معدنية صغيرة، أو قطار خشبي، أي شيء يمكن أن يقدمه له ليرسم ابتسامة على وجهه الصغير ويشغله عن التفكير في الفظائع التي تركناها وراءنا."

نظر زيد إلى شقيقه بنظرة تفيض بالاحترام والدفء الدفين. تقدم نحوه، وحرك كتفيه الضخمين وقال بنبرة ممتلئة بالنشاط:

"هذا تفكير نبيل جداً يا أخي، ويسعدني أن أشاركك هذه الرحلة الاستكشافية وسط غبار الزمن. سأبحث معك."

انحنى زيد بجسده الضخم بجانب صندوق آخر، وبدأ يفتحه بحماس. لكن بينما كان نبراس يركز بحثه على الألعاب اليدوية والسيارات الصغيرة والكرات، كان زيد يتجاوز تلك الأشياء ويبحث في الصناديق التي تحتوي على الدفاتر والكتب القديمة. كان يفتش عن كتب قصص الأطفال المصورة، والقصص الخيالية الملونة التي طالما أحب قراءتها في صغره.

"ماذا تفعل بالكتب والقصص يا زيد؟" سأله نبراس وهو يرفع سيارة إطفاء حمراء صغيرة مصنوعة من الحديد النقي ويمسح عنها الغبار بابتسامة. "الطفل في الخامسة من عمره، لا أظنه يجيد القراءة بعد."

التفت زيد إليه، وحمل بين يديه كتاباً كبيراً غلافه ملون يحمل صورة تنين طائر وفارس شجاع، وأجاب وعيناه تلمعان بالذكاء:

"هو لا يجيد القراءة، هذا صحيح، لكنه يجيد الاستماع والذهاب في رحلات خيالية من خلال الصور. في المساء، عندما يحل الظلام وتعود المخاوف لتهاجم عقله الصغير، سأجلس بجانبه وأقرأ له هذه القصص بصوت عالٍ، وأريه هذه الصور الملونة. القصص يا نبراس تملك سحراً خاصاً؛ إنها قادرة على بناء جدران غير مرئية تحمي عقول الأطفال من وحوش الواقع المحيط بهم."

-"فكرة ممتازة يا زيد... أنت دائماً تملك هذا الجانب الفلسفي والناعم في التعامل مع العقول،" قال نبراس معبراً عن فخره بأخيه الأصغر.

استمر الشقيقان في البحث معاً لأكثر من ساعة، وتحول المخزن البارد إلى مساحة دافئة استعادا فيها سنوات طفولتهما وشبابهما التي قضياها في هذا القصر الصيفي رفقة والدهما الراحل، السيد سليم. كانا يرفعان غرضاً قديماً، فيتذكران قصة مضحكة حدثت معهما، وتتعالى ضحكاتهما الرجولية الصافية لتردد صداها بين جدران السرداب الرطبة، متناسين تماماً أن العالم في الخارج يتداعى ويسقط في جوف الموت.

"انظر إلى هذا!" صاح زيد وهو يسحب مضرب تنس قديم مكسور الأوتار. "هل تتذكر هذا المضرب يا نبراس؟ هذا هو المضرب الذي ضربتني به على رأسي عندما هزمتك في المباراة الصيفية قبل سبع سنوات، وظللت تصرخ بأنني غششت في احتساب النقاط!"

انفجر نبراس بالضحك، وهز رأسه رافضاً الاتهام:

"أنا لم أضربك به بل رميته في الهواء وسقط فوق رأسك! وأنت بالفعل غششت في تلك المباراة، لقد رأيت الكرة تخرج بمسافة شبر كامل عن الخط الأبيض ولكنك استغلت ضعف إضاءة الملعب!"

-"أنت لا تعترف بالهزيمة أبداً، جينات الغوريلّا تمنعك من ذلك،" تمتم زيد وهو يضحك ويضع المضرب جانباً ليعود للبحث في صندوق الكتب.

جلس زيد على صندوق خشبي مقلوب، ووضع كتاب القصص في حِجره، وتلاقت عيناه بعيني نبراس اللتين استقرتا على صورة قديمة لوالدهما الراحل، السيد سليم، كانت موضوعة في إطار فضي داخل أحد الصناديق. ساد صمت هادئ ومقدس لثوانٍ، قبل أن يتحدث زيد بنبرة حملت الكثير من الشجن:

"نبراس... تذكرتُ الآن شيئاً حدث هنا في هذا القصر بالذات، في صيف عام 2021، عندما كنا نقضي العطلة السنوية رفقة والدنا الراحل. هل تتذكر ذلك اليوم الذي جاء فيه صديقه القديم، التاجر الثري (أبو منصور)، وجلس مع والدي في صالة الاستقبال الكبرى لساعات طويلة؟"

أرجع نبراس ظهره إلى الخلف مستنداً إلى الجدار، وعادت ملامحه لتصبح هادئة ووقورة، وأومأ براسه قائلاً:

"نعم يا زيد، أتذكر ذلك اليوم جيداً. كنت أنا في الحادية والعشرين من عمري، وأنت في التاسعة عشرة. كان الجو حاراً جداً، وكان والدي يبدو متكدراً بعد رحيل الرجل. ما الذي ذكرك بهذا الآن؟"

ابتسم زيد ابتسامة تحمل الكثير من الفخر والاعتزاز بذكرى والدهم، وتابع كلامه:

"لقد عرفتُ الحقيقة كاملة من والدي في ليلتها بعد أن أصررتُ عليه بالأسئلة. في ذلك الوقت، كان والدي يمر بأزمة مالية خانقة ومؤقتة في بعض شركاته بسبب تدهور الأسواق وتأخر بعض العقود الحكومية، وكان بحاجة إلى سيولة مالية ضخمة لإنقاذ الموقف ومنع توقف المشاريع. وجاء (أبو منصور) وعرض عليه صفقة غريبة وصادمة؛ عرض أن يقدم لوالدنا قرضاً مالياً ضخماً وبدون فوائد، بل وبمثابة هبة، في مقابل شيء واحد... في مقابل أن يوافق والدي على تزويجك أنت، ابنه الأكبر نبراس، من ابنته الوحيدة (رنا)، بحجة أن هذا الزواج سيجمع العائلتين ويوحد الأعمال التجارية في المستقبل."

تغيرت نظرة نبراس، وبدت على وجهه ملامح الدهشة الفضولية:

"تزويجي أنا؟ والدي لم يخبرني بهذا التفصيل أبداً! كان دائماً يقول لي إن الأزمة انفرجت بفضل بعض التسهيلات البنكية وبيعه لبعض الأراضي غير المستغلة."

"بالتأكيد لم يخبرك، لأنه كان يحميك ويحمي كبرياءك،" قال زيد بنبرة ممتلئة بالعاطفة. "عندما عرض عليه أبو منصور ذلك العرض، واضعاً المال في كفة وراحتك وقلبك في كفة أخرى، لم يتردد والدنا لثانية واحدة. وقف في وجه صديقه بكل شموخ وقوة، ورفض العرض رفضاً قاطعاً، وقال له كلمات ما زلتُ أحفظها في قلبي كدستور للحياة."

"ماذا قال له؟" سأل نبراس وصوته يشوبه خشوع حقيقي أمام ذكرى الرجل الذي تبناهما ومنحهما اسمه وحياته.

أخذ زيد نفساً عميقاً، وقلد نبرة والدهما القوية والوقورة:

"قال له: استمع إليّ جيداً يا أبا منصور. أنا عندما ذهبتُ إلى دار الأيتام وتبنيتُ نبراس وزيد، لم أتبنّهما لكي أجعلهما أدوات لإنقاذ تجارتي أو بضائع أساوم بها في سوق المال والأعمال. هذان الولدان هما روحي، وراحتهما وسعادتهما وحريتهما في اختيار حياتهما تفوق عندي كل ثروات الأرض وعقاراتها. أنا أملك من المال والأصول البديلة ما يكفي لإدارة أزمتي والوقوف على قدمي مجدداً دون الحاجة لأموالك، ولن أجبر أولادي على شيء لا تهواه قلوبهم أبداً لأجل حفنة من الدنانير. خذ أموالك وابنتك واخرج من بيتي."

شعر نبراس بغصة دافئة في حلقه، ولمعت عيناه بدموع كبرياء وحزن على فراق ذلك الأب العظيم، بل ومنحهما من الحب والمنعة ما جعلهما الرجال الذين هم عليهما الآن.

"لقد كان رجلاً عظيماً بكل ما تحمله الكلمة من معنى،" تمتم نبراس بصوت خفيض وهو ينظر إلى الصورة الفضية. "لم يعاملنا يوماً كأيتام أو كغرباء... بل غمرنا بعزّ وجعلنا نرفع رؤوسنا في كل مكان."

"بالتأكيد،" أومأ زيد برأسه وهو ينهض ويحمل حقيبة صغيرة وضع فيها كتب القصص والألعاب التي جمعاها لكرم. "ولذلك يا نبراس، نحن اليوم نحمل جيناته وأخلاقه؛ وعندما أنقذنا مريم، وعندما جلبنا كرم معنا بالأمس ورفضنا تركه للموت، كنا نطبق ما تعلمناه في مدرسة السيد سليم... مدرسة الرحمة والقوة."

ابتسم نبراس، ووقف بجسده الضخم بجانب شقيقه، وربت على كتفه بقوة:

"أنت على حق يا زيد. والآن، لنتحرك نحو الأعلى؛ فالشمس قد ارتفعت، وحان وقت رؤية الصغير كرم ومريم، لنبدأ معاً يومنا الأول في بناء خطوط دفاعنا بهذا الحصن الذي تركه لنا والدنا ليكون ملجأنا الأخير."

تحرك الشقيقان معاً نحو السلم، صاعدين من عتمة السرداب نحو ضوء الطابق العلوي، حاملين بين أيديهم ألعاباً قديمة وقصصاً ملونة، ومسلحين بذكريات عظيمة منحت أرواحهم القوة اللازمة لمواجهة نهاية العالم بقلوب ثابتة لا تعرف الانكسار.

صعد الشقيقان من عتمة السرداب البارد، يحملان بين أيديهما غنائم من نوع آخر؛ توجه نبراس مباشرة نحو المطبخ الرئيسي الواسع للقصر، ووضع الصندوق الخشبي الصغير فوق الطاولة الرخامية. لم يكن ليسمح بأن يلمس الطفل كرم أي شيء يحمل غبار الماضي المجهول في هذا العالم الموبوء.

فتح نبراس صنبور المياه الدافئة، وبدأ يغسل الألعاب بعناية. أخذ سيارة الإطفاء الحديدية الحمراء، والقطار الخشبي الصغير، وبضع كرات مطاطية ملونة، وفركها جيداً بالصابون السائل ليزيل عنها طبقات الغبار المتراكم منذ سنوات. وبعد أن شطفها، جففها بمنشفة نظيفة، ثم أخرج زجاجة من المعقم الطبي الذي جلبوه بالأمس، وبدأ يمسح كل قطعة، حتى أصبحت الألعاب تلمع وكأنها خرجت للتو من غلاف المصنع، جاهزة لترسم البسمة على وجه بطلهم الصغير.

بحلول وقت متأخر من الصباح، اجتمع الجميع في غرفة الطعام المشرقة التي تطل نوافذها الواسعة على بساتين النخيل الهادئة. كانت الأجواء مختلفة تماماً عن اليوم السابق؛ فقد حلت سكينة مؤقتة محل التوتر الخانق، وبدا أن الجدران البيضاء للقصر قد نجحت أخيراً في عزلهم عن كوابيس الخارج.

كان كرم يجلس على مقعد مرتفع قليلاً، وقد استعاد وجهه الصغير بعضاً من لونه الطبيعي بعد ليلة من النوم العميق والحمام الدافئ. وقفت مريم بجانبه، وقد أعدت له شطيرة بيض مقلي دافئة، تفوح منها رائحة شهية، وقطعتها إلى أنصاف صغيرة لتناسب يده الضئيلة. وضعت الطبق أمامه مع كوب صغير من الحليب الدافئ، وجلست في المقعد المجاور تراقبه وهو يبدأ بتناول طعامه بهدوء.

كان الجميع يتناولون إفطارهم بصمت مريح، يتبادلون نظرات الاطمئنان. التفت نبراس نحو كرم، ولاحظ أن الصغير يأكل ببطء شديد، وكأن خياله لا يزال شارداً في أحداث الأمس. وضع نبراس كوبه على الطاولة، وانحنى بجسده العريض نحو الأمام، وارتسمت على وجهه الصارم ابتسامة في غاية الرقة والدفء.

"عليك أن تأكل جيداً يا كرم، وتنهي شطيرتك بالكامل،" قال نبراس بصوته الرخيم الحنون. "الأبطال الشجعان يحتاجون إلى طعام قوي لتكبر عضلاتهم. وعندما تنتهي من طبقك، لدي هدية مميزة ومفاجأة جميلة تنتظرك... شيء سيعجبك جداً."

اتسعت عينا كرم البنيتان، ولمع فيهما بريق من الفضول الطفولي البريء. نظر إلى نبراس، ثم إلى شطيرته، وبدأ يأكل بحماس أكبر وبسرعة ملحوظة، مما أثار ضحكات خفيفة ومكتومة من زيد ومريم، بينما اكتفى نبراس بتوسيع ابتسامته وهو يرى خطته تنجح بامتياز.

في هذه الأثناء، وضع طارق قطعة الخبز من يده، ومسح فمه بمنديل ورقي، ثم اعتدل في جلسته ليلقي تقريره الصباحي المعتاد. كان طارق بمثابة وزير الدفاع في هذا الحصن، وعيناه لا تغفلان عن أدق التفاصيل.

"أخبار جيدة يا رفاق،" قال طارق بصوته الخشن والواثق. "لقد قمت بجولة تفقدية كاملة فجر اليوم. المزرعة في حالة ممتازة، والحيوانات والمواشي تتمتع بصحة جيدة ولم يقترب منها أي خطر، مما يضمن لنا مورداً غذائياً مستداماً. الأسوار الخلفية متينة، ونظام المراقبة يعمل بكفاءة على مولدات الديزل."

توقف طارق لثانية، ونظر نحو زيد ونبراس متابعاً:

"والأمر الأهم، أن الخدم قد استعادوا وعيهم بالمسؤولية أخيراً بعد التوبيخ الذي تلقوه. لقد قاموا بتنظيف بقية الغرف في الجناح الغربي والطابق الأرضي بالكامل؛ غسلوا الستائر، وبدلوا الأغطية، وعقموا الأرضيات. القصر الآن جاهز ومستعد للإقامة الطويلة براحة تامة."

ما إن سمع زيد هذه الكلمات، حتى تهللت أساريره ورمى الشوكة من يده بمسرحية واضحة، وأطلق تنهيدة عميقة ومبالغاً فيها تحمل ارتياحاً كبيراً، ورفع يديه إلى الأعلى قائلاً بصوت عالٍ مازح:

"الحمد لله رب العالمين! لقد هرمنا من أجل هذه اللحظة! أخيراً سأحظى بغرفة نظيفة وسرير خاص بي، ولن أضطر للنوم بجانب (غوريلّا) متوحش يرفسني على ظهري ويسقطني على الأرض في منتصف الليل من أجل غطاء صوفي!"

انفجر نبراس بالضحك، ولم يستطع كبح جماح مرحه أمام تمثيل شقيقه، فأمسك بملعقة الجبن ورماها بدقة نحو وجه زيد قائلاً:

"أنت من استعمر سريري أيها اللص! اذهب ونم في غرفتك الجديدة، وأتمنى ألا تبكي في الليل من الوحدة وتعود لتطرق بابي!"

ضجت مائدة الطعام بضحك الجميع، حتى كرم الصغير الذي لم يفهم القصة بالكامل، وجد نفسه يضحك لضحكات زيد ونبراس المتبادلة، لتشهد تلك الغرفة أول لحظة فرح حقيقية وصافية منذ بداية الكارثة.

لكن وسط هذه الأجواء المرحة، كانت مريم تفكر في أمر مختلف تماماً. كانت الابتسامة لا تزال على شفتيها، لكن عينيها العسليتين كانتا تحملان تصميماً وعزماً يتجاوز عمرها. تذكرت لحظات الرعب في المجمع التجاري، وتذكرت كيف كانت تقف عاجزة خلف زيد تنتظر من يحميها ويحمي الطفل. لقد أقسمت في سرها ألا تكون نقطة ضعف بعد اليوم.

وضعت مريم كوب الشاي من يدها، واعتدلت في جلستها لتواجه الرجال الثلاثة. خيم على ملامحها هدوء جاد، وقالت بصوت ثابت وواضح، خالٍ من أي تردد:

"سيد نبراس، كابتن طارق، وسيد زيد... أنا ممتنة جداً لكل ما فعلتموه من أجلي ومن أجل كرم. لولاكم لكنا في عداد الموتى. ولكن... لا أريد أن أبقى مجرد حمل إضافي عليكم في المستقبل."

تبادل الرجال النظرات بانتباه، وتابع نبراس الاستماع باهتمام، بينما واصلت مريم حديثها:

"أنا أطلب منكم أن تعلموني كيفية استخدام السلاح. أريد أن أتعلم كيف أطلق النار، وكيف أدافع عن نفسي وعن هذا الطفل إذا ما تعرضنا لأي هجوم مباغت وكنتم أنتم مشغولين بالقتال في جهة أخرى. لا أريد أن أقف مكتوفة الأيدي مجدداً."

ساد صمت قصير على المائدة. كان نبراس ينظر إليها مقيماً هذا الطلب؛ فهو يعلم أن السلاح ليس لعبة، وأن ارتداد البندقية قد يؤذي كتفها الضعيف إن لم تكن مستعدة. لكن قبل أن ينطق نبراس بكلمة، انبرى زيد، الذي كان يراقب مريم بإعجاب خفي بصلابتها المتنامية، وأجابها بحماس وتأييد مطلق:

"أنتِ محقة تماماً يا مريم، وهذا التفكير هو عين العقل. في هذا العالم الذي نعيش فيه الآن، الجهل باستخدام السلاح هو تذكرة مجانية للموت. لا بأس عليكِ، أنا سأتولى هذه المهمة."

التفت زيد نحو نبراس وطارق ليؤكد قراره:

"سأعلمها الرماية وأساسيات استخدام المسدس. سأبدأ معها بمسدس الـ (غلوك) عيار 9 ملم، ارتداده خفيف ومناسب لتدريب المبتدئين. سأصنع لها هدفاً تدريبياً في الساحة الخلفية المعزولة عن البساتين لكي لا يجذب الصوت الانتباه. هذا أمر ضروري لنا جميعاً."

هز نبراس رأسه ببطء، موافقاً على كلام شقيقه، فقد أدرك أن مريم لم تعد تلك الخادمة الخائفة التي ركضت حافية القدمين من القصر الرئيسي؛ بل أصبحت زهرة برية تتعلم كيف تنبت لها أشواك لتعيش وسط هذه الغابة الموحشة.

"حسناً يا زيد،" قال نبراس بنبرة حازمة ولكنها مشجعة. "التدريب يبدأ عصر اليوم. طارق سيشرف على تأمين المحيط بينما تقوم أنت بتعليمها. ولكن تذكر... الأمان أولاً."

ابتسمت مريم ابتسامة واسعة ممتلئة بالامتنان والثقة، ونظرت إلى زيد بعينين تفيضان بالشكر. وفي تلك الأثناء، رفع كرم كوبه الفارغ وصاح ببراءة منتصراً:

"لقد أنهيت طعامي كله! أين هي هديتي؟" ليعيد للغرفة ضحكاتها، ويقوم نبراس لإحضار صندوق الألعاب الذي سيفتح أبواب عالم جديد ومشرق لهذا الصغير، وسط استعداد الجميع لبدء فصل جديد من المقاومة والحياة.