7
وقف زيد في ردهة القصر يراقب شقيقه الأكبر وهو يتفقد حزام الذخيرة الجلدي بعناية فائقة. كان زيد يهز رأسه ببطء، وفي عينيه نظرة تجمع بين الفهم العميق والتهكم الأخوي الخفيف. كان يعلم علم اليقين أن نبراس، ورغم كل ما يحمله في أعماق صدره من حنان أبوي دافئ وطيبة قلب نادرة تجعله يفتدي عائلته بروحه، إلا أنه أبعد ما يكون عن الكمال البشري. نبراس كان رجلاً سريع الاشتعال، حاد الطباع كحد شفرة عارية، وشديد الصرامة لدرجة تجعل النقاش معه في أوقات الأزمات أشبه بالسير في حقل ألغام ممتد. عيبه الأكبر هو تلك الحدة التي تجتاح ملامحه وتصرفاته عندما يمس الأمر أمن من يحب، حيث يتحول من ذلك الشاب الهادئ إلى إعصار من الأوامر القاطعة التي لا تقبل المراجعة.
"أراك تهز رأسك وكأنك تبني خطة سرية لتهريبي من شروط أخيك،" همست مريم التي كانت تقف بالقرب منه وهي تعدل وضعية حذائها الجديد.
التفت إليها زيد وابتسم ابتسامة جانبية خفيفة، ثم همس بصوت منخفض لئلا يسمعه شقيقه:
"أنا فقط أتأمل طبيعة هذا (الغوريلّا). إنه يظن أن العالم يُدار بالمساطر الحديدية والقوانين الصارمة. قلبه ذهب، هذا صحيح، لكنه يملك فتيلًا قصيراً للغاية إذا ما اشتعل، صبّ غضبه كالجمر. نصيحة لكِ يا مريم: عندما تلمحين تلك العقدة الصغيرة قد ارتسمت بين حاجبيه، التزمي الصمت تماماً ونفذي ما يريد، فالنقاش معه حينها ضرب من الانتحار."
تحرك نبراس فجأة، وربت على بندقيته المعلقة على كتفه، ثم التفت نحو المجموعة وقال بصوت جهوري حاسم:
"الأسلحة جاهزة، والحراس أخذوا مواقعهم على الأسوار. حان وقت الذهاب إلى المرآب الخارجي لتجهيز المركبات. اتبعوني."
خرج الجميع عبر الممر الجانبي المظلل بأشجار الياسمين الهندية، وتوجهوا نحو المرآب الخلفي الكبير لقصر البساتين؛ وهو عبارة عن حظيرة مسقوفة بهيكل حديدي متين ومحاطة بجدران إسمنتية، مصممة لحماية السيارات الفاخرة من أتربة المزارع وحرارة الشمس الحارقة.
عندما فتح رئيس الحراس البوابة الجرارة الكبيرة للمرآب، اندفعت أشعة الشمس لتكشف عن بضع سيارات تقبع في الداخل مغطاة بأغطية قماشية رمادية واقية. مشى نبراس بخطوات متسارعة، وتجاوز سيارة الـ "لاند كروزر" القديمة التي وصلا بها فجراً، وتوقف أمام غطاء قماشي معين يشي الهيكل القابع تحته بملامح رياضية حادة ومنخفضة.
امتدت يد نبراس، وبحركة واحدة سريعة، سحب الغطاء القماشي ورمى به أرضاً.
انكشف الوحش. كانت هناك سيارته الرياضية المفضلة، سيارة كوبيه ذات أربعة مقاعد من طراز "بورشه باناميرا" باللون الأسود الفاحم اللامع. كانت الهيكل الخارجي نظيفاً تماماً كأنه خرج للتو من صالة العرض، وتصميمه الانسيابي الهجومي يعكس القوة والفخامة التي يعشقها نبراس. عجلاتها الرياضية العريضة ومصابيحها الأمامية ذات تقنية الـ LED الحادة.
في تلك الثواني المعدودات، تلاشت كل ملامح الصرامة والجهد عن وجه نبراس. انفرجت أساريره عن ابتسامة واسعة، حقيقية، وشعت عيناه بسعادة غامرة، طفولية تقريباً، لم يجد حرجاً في إظهارها أمام الجميع. امتدت أصابعه الطويلة لتمسح على مقدمة السيارة الفارهة برفق، وكأنه يستعيد جزءاً ثميناً من حياته الماضية التي ظن أنها تلاشت في زحام الموت. هذه السيارة لم تكن مجرد وسيلة نقل بالنسبة له، بل كانت رفيقة رحلاته السريعة والمساحة التي يفرغ فيها ضغوطه بعيداً عن مسؤوليات العالم.
"يا إلهي... إنها هنا، ولم يمسسها خدش واحد،" تمتم نبراس وصوته يفيض بالفرح الدفين.
تقدم زيد منه، ووقف بجانبه يضع يديه في جيوبه، وقال بنبرة مازحة:
"أرى أن وجهك الصارم قد ذاب تماماً أمام بضعة أطنان من الحديد الألماني الفاخر. كنت أعلم أن رؤيتها ستعيد إليك روحك."
التفت نبراس إليه، ولم تفارقه الابتسامة:
"هذه السيارة قادرة على قطع مسافة الخمسة عشر كيلومتراً في دقائق معدودة يا زيد، وهيكلها الثقيل ونظام دفعها الرباعي سيمنحنا ميزة السرعة والمناورة إن داهمنا أي خطر في أطراف البلدة."
وفي الجانب الآخر من المرآب، كان زيد يتوجه نحو دراجته النارية الثقيلة من طراز "هارلي ديفيدسون" السوداء، التي كان قد ركنها فور وصوله ليلاً. مسح مقعدها الجلدي، ونظر إلى نبراس بجدية وقال:
"أنا سأقود دراجتي النارية يا نبراس. لن أركب معكم في السيارة. الدراجة تمنحني حرية الحركة واستطلاع الطريق أمامكم، وإذا ما واجهنا أي زحام أو عائق في مدخل البلدة، يمكنني العثور على ممر فرعي وتنبيهكم قبل أن تورطوا السيارة في مأزق."
توقع زيد أن يرفض نبراس هذا الأمر فوراً ويعيد أسطوانة الحماية والصرامة، نظراً لطبيعة الدراجة المكشوفة. لكن نبراس، وتحت تأثير السعادة الغامرة التي منحتها إياه رؤية سيارته المحبوبة، ونظراً لأنه يعلم مدى مهارة شقيقه في قيادة هذه الدراجة الثقيلة ومدى صحة حُجته الأمنية، اكتفى بهز رأسه موافقاً.
"حسناً يا زيد،" قال نبراس ونبرته تحمل تحذيراً خفيفاً. "يمكنك قيادة الدراجة، لكن بشرط ألّا تغيب عن مدى رؤيتي، وأن تلتزم بمسار محدد أمامي مباشرة. لا أريد أي استعراض أو تهاون."
"علم وينفذ يا قائد!" أجاب زيد بنشاط وهو يقفز فوق مقعد الدراجة.
في هذه الأثناء، كان طارق يتحرك بآلية عملية هادئة في مؤخرة المرآب. لم يكن طارق يهتم بالسيارات الرياضية الفارهة ولا بالدراجات السريعة؛ فالحياة قد علمته أن الجمال ينتهي عندما تبدأ المعركة، وأن النجاة تعتمد على التجهيز الدقيق لأصغر التفاصيل.
كان طارق يمسك بأربع حقائب ظهر عسكرية صغيرة، مصنوعة من قماش برزنتي مقاوم للماء والتمزيق. بدأ يوزع بداخلها حصصاً تموينية مصغرة ومدروسة بدقة: بضع علب من التونة واللحم المجفف، زجاجتان صغيرتان من المياه العذبة، حزمة من الضمادات الطبية والمطهرات، وعلبة من الكبريت المقاوم للرطوبة، بالإضافة إلى كشاف يدوي صغير وبطاريات إضافية.
تقدم طارق نحو السيارة، وفتح الباب الخلفي ليضع ثلاث حقائب على المقاعد، وتوجه نحو زيد ليثبت الحقيبة الرابعة على ظهره مستعيناً بالأحزمة المتقاطعة.
نظر نبراس إليه مستغرباً:
"طارق، نحن ذاهبون في رحلة قصيرة لجلب المؤن وسنعود قبل المساء، لماذا كل هذه الحقائب والحصص التموينية؟"
التفت طارق إليه، وكانت ملامحه الخشنة خالية من أي تعبير عاطفي، وأجاب بصوته الجاف القوي:
"هذه أرقام وحسابات حرب يا نبراس، وليست نزهة ريفية. في هذا العالم الجديد، القاعدة الأولى هي أن تضع في حسبانك أن الرحلة التي تستغرق ساعة قد تمتد لأيام، وأن الطريق الذي خرجت منه قد يُغلق وراءك في ثوانٍ. إذا حدث أي شيء طارئ—إذا تعطلت السيارة، أو حوصرنا في مبنى، أو اضطررنا للانفصال والهرب مشياً على الأقدام—فإن هذه الحقائب الصغيرة ستكون هي الفارق الوحيد بين الحياة والموت لكل واحد منا. ستحملون هذه الحقائب معكم أينما تحركتم."
انصاع الجميع لكلام طارق بيقين تام؛ فحكمته العسكرية كانت بمثابة صمام الأمان للمجموعة بأكملها. ركبت مريم في المقعد الخلفي للسيارة الرياضية، ممسكة بحقيبتها الصغيرة ومطوقة جسدها بحزام الأمان، بينما صعد طارق إلى مقعد الراكب الأمامي حاملاً سلاحه الحديدي الثقيل، وانزلق نبراس خلف عجلة القيادة ليعشق ناقل الحركة ويضغط على زر التشغيل.
زأر محرك البورشه ذو الثماني أسطوانات بقوة وهدير رياضي مرعب ملأ أرجاء المرآب، وتزامن ذلك مع صوت انطلاق محرك دراجة زيد الذي أصدر هديراً عميقاً ومتقطعاً. انفتحت البوابات الخارجية، وانطلقت القافلة الصغيرة تشق طريق البساتين نحو المجهول.
كانت القافلة تتحرك بانسجام في البداية؛ يقود زيد دراجته النارية في المقدمة، وخلفه بمسافة عشرة أمتار تسير سيارة البورشه السوداء بسلاسة مذهلة فوق الطريق الترابي الذي بدأ يتسع تدريجياً.
ولكن، مع مرور الوقت وبُعد المسافة عن القصر، بدأت غريزة العبث والاندفاع تستيقظ في نفس زيد .كان زيد شاباً ممتلئاً بالنشاط، يكره القيود والخطوط المستقيمة، ورغم أهوال ليلة الأمس، إلا أن شعوره بالأمان لوجود شقيقه الأكبر خلفه ومعه طارق، جعله يتناسى خطورة الموقف ويبحث عن طريقة للتفريغ عن توتره المتراكم.
بدأ زيد يقود دراجته الثقيلة بتهور ملحوظ ومفاجئ. كان يضغط على مقبض الوقود لتنطلق الدراجة بسرعة جنونية لثوانٍ، ثم يضغط على المكابح فجأة ليميل بجسده والدراجة يميناً ويساراً في حركات أفعوانية خطرة (متعرجة) فوق التراب، مسبباً تطاير الغبار والحصى الصغير الذي كان يرتطم بمقدمة سيارة نبراس الفارهة.
داخل السيارة، بدأت تلك العقدة الصغيرة التي تحدث عنها زيد تتشكل بين حاجبي نبراس. بدأت قبصتاه تشتدان حول عجلة القيادة، وعيناه تشتعلان غضباً وهو يرى شقيقه الأصغر يستعرض بدراجته فوق طريق غير آمن.
"انظر إلى هذا المعتوه..." تمتم نبراس بغيظ وهو يضغط على زامور السيارة لتنبيه شقيقه، لكن زيد لم يعر الأمر اهتماماً، بل ظن أن أخاه يشجعه.
وفي لحظة جنون عابرة، بلغت ذروة التهور عند زيد؛ فبينما كانت الدراجة تسير بسرعة متوسطة على مسار مستقيم، قام زيد بترك مقود الدراجة بالكامل بكلتا يديه، ورفعهما في الهواء، ثم وقف بقدميه على مساند الدراجة الحديدية، وانحنى بجسده إلى الأمام قليلاً، وبدأ يميل مع حركات الدراجة التخيلية ويطلق صيحات حماسية لم تصل إلى داخل السيارة بسبب صوت المحركات.
هنا، بلغ غضب نبراس ذروته. غاب تماماً قناع الهدوء، واستحالت ملامحه الملائكية إلى كتلة من الصرامة والوعيد. وبحركة سريعة ومتهورة منه هو الآخر، خفض زجاج نافذته الجانبية بالكامل، وأخرج نصف جسده العلوي من النافذة بينما كانت يده اليسرى لا تزال تتشبث بعجلة القيادة، وصاح بأعلى صوته، مستخدماً نبرته المرعبة التي طالما خشاها زيد منذ الصغر، صوتاً شق سكون البساتين:
"زيييييد! أعد يديك إلى المقود فوراً أيها الأحمق المعتوه! هل فقدت عقلك بالكامل؟! أقسم لك إن لم تجلس وتتصرف بشكل جيد وتقود كشخص عاقل الآن، فسأنزل من هذه السيارة وأحطم هذه الدراجة فوق رأسك الطائش! نحن لسنا في نزهة، والعالم يموت حولنا، وأنت تلعب كالأطفال! اتزن فوراً!"
سمع زيد صرخة أخيه رغم هدير المحركات، والتفت برأسه ليرى نصف جسد نبراس خارجاً من النافذة وعيناه تتطاير منهما الشرار. أدرك الشاب على الفور أنه تجاوز الخطوط الحمراء وأن فتيل نبراس قد احترق بالكامل. وبسرعة وخوف حقيقي هذه المرة، قفز عائداً إلى مقعده، وقبض على المقود بكلتا يديه، وأعاد الدراجة إلى مسار مستقيم ومنتظم، وهو ينظر في مرآته الجانبية بملامح يعلوها الندم والخوف من عقاب أخيه القادم فور توقفهم.
انزلق نبراس عائداً إلى داخل المقصورة، وأغلق النافذة وهو يتنفس بسرعة وعروق عنقه بارزة من شدة الانفعال. التفت نحو طارق ومريم، وقال بصوت حاد محاولاً استعادة هدوئه:
"إنه لا يتغير أبداً... يظن أن الموت يمزح في الخارج. يحتاج دائماً إلى صدمة ليعود إلى عقله."
اكتفى طارق بابتسامة خفيفة صامتة، بينما كانت مريم تراقب الموقف من الخلف بذهول؛ فقد أدركت الآن المعنى الحقيقي لكلمات زيد عن شقيقه، وعلمت أن خلف هذه الوسامة الأرستقراطية يقبع قائد صارم لا يتردد في حرق الأخضر واليابس لحماية من يحب. وعادت القافلة لتسير بانتظام وصمت، ممتدة عبر طرق البساتين الطويلة التي بدأت ملامح البلدة المستهدفة تلوح في نهايتها.