NOVELFLEX

14

خذم · بقلم فاطمة الربيعي

14

كان الليل يمر ببطء. في غرفتها الهادئة، كانت مريم تستلقي على سريرها، وتحدق في السقف المظلم طار عنهما النوم تماماً. كانت عقارب الساعة تشير إلى الرابعة فجراً، وهو الوقت الذي يكون فيه الظلام في أقصى درجات حلكته قبل أن يمزقه خيط الفجر الأبيض. لم تكن برودة الجو هي ما يمنعها من النوم، بل ذلك القلق الذي نهش قلبها منذ أن استرقت السمع لحديث زيد وطارق في المكتبة. كانت تفكر في نبراس، القائد الصارم الذي ينام الآن في جناحه، غافلاً عن التمرد الذي يجري في الخفاء. وتفكر في زيد، الشاب المتهور ذو القلب الذهبي، الذي يرمي بنفسه في فم الموت ليحمي من يحب.

تقلب كرم بجوارها في السرير حيث انه اراد النوم بجوارها، وأصدر همهمة طفولية خافتة قبل أن يعود للغطس في نومه العميق. مسحت مريم على شعره الناعم، وتنهدت بحرارة. فجأة، التقطت أذناها صوتاً خافتاً جداً... صرير خفيف للألواح الخشبية في الممر السفلي، يتبعه وقع خطوات مكتومة لحذاء عسكري. لقد حان الوقت.

لم تتردد مريم. أزاحت الغطاء عنها بحذر شديد لكي لا توقظ كرم، وارتدت سترتها الصوفية فوق ملابس النوم، وخرجت من الغرفة بخطوات صامتة. انحدرت عبر السلم الخشبي، متتبعة الأصوات الخافتة التي قادتها نحو الباب الخلفي للقصر، والمؤدي إلى المرآب حيث تُحفظ سيارات الدفع الرباعي المجهزة.

في المرآب، كان زيد وطارق يضعان اللمسات الأخيرة على معداتهما. كانا يرتديان ملابس تكتيكية داكنة، ويحملان سكاكين قتالية ومسدسات بأطرافهما. كان طارق يتفحص حقيبة ظهر فارغة مخصصة لجمع الذخيرة، بينما كان زيد يغلق سحاب سترته الجلدية السوداء التي تبرز عرض منكبيه.

"زيد... طارق."

خرج صوت مريم المرتجف ليشق صمت المرآب. التفت الرجلان بسرعة، وظهرت علامات المفاجأة على وجهيهما.

تنهد زيد، وأرخى كتفيه، وتقدم نحوها بابتسامة دافئة تتناقض مع قسوة المهمة التي هو بصددها.:

"مريم... ماذا تفعلين هنا في هذا الوقت؟ ألم نتفق على أن تنامي وتنسي ما سمعتِه؟"

لم تستطع مريم أن تمنع الدموع من التجمع في عينيها. اقتربت منهما، وشعور بالفقد والخوف يعتصر قلبها. في هذا العالم، خروج أي شخص من الباب يعني احتمالاً كبيراً بأنه لن يعود أبداً. اندفعت مريم نحو زيد، ورمت بنفسها في حضنه، معانقة إياه بقوة، ودفنت وجهها في سترته الجلدية.

تفاجأ زيد للحظة، لكنه سرعان ما استجاب لهذا العناق الصادق. كان يعلم أن مريم فتاة رقيقة، رغم التدريبات القاسية التي تخضع لها. رفع يده الكبيرة، ومسد على شعرها البني القصير والمجعد بحنان بالغ. كان تأثره واضحاً، فقد كانت مريم تمثل لهم الأخت الصغرى التي لم يمتلكوها، والبراءة التي يحاولون الحفاظ عليها.

"سنكون بخير يا صغيرة، أعدك بذلك،" همس زيد بصوته العميق والدافئ، وهو يبعدها قليلاً لينظر في عينيها الدامعتين. "إنها مجرد رحلة قصيرة لمركز الشرطة. سندخل، نأخذ ما نحتاجه، ونعود قبل أن يستيقظ العالم. كل ما أريده منكِ الآن هو أن تعتني بأخي... ذلك الغوريلا العنيد يحتاج لمن يراقبه حتى لا يؤذي نفسه أكثر."

رغم الخوف والدموع، لم تستطع مريم إلا أن تضحك بخفوت على وصفه لنبراس بـ "الغوريلا". مسحت دموعها بظهر يدها، وابتسمت له.

تدخل طارق من الخلف، حاملاً بندقيته، وابتسم بمرح محاولاً تخفيف التوتر:

"يا إلهي يا مريم! تبكين وكأننا ذاهبون للموت المحتوم! نحن فقط سنقوم بجولة تسوق صغيرة في مركز الشرطة، ولن نتأخر. لا تقلقي، سأحمي هذا الأشقر المتهور."

لم يكد طارق ينهي جملته حتى رفع زيد قبضته وضرب ذراع طارق القوية لكمة خفيفة مازحة، وقال:

"من سيحمي من أيها العجوز؟ فقط حاول أن تواكب سرعتي ولا تتعثر في طريقك."

توجهت مريم نحو طارق وعانقته أيضاً بسرعة، مودعة إياه. "كونا حذرين، أرجوكما. لا تتأخرا، وعودا سالمين."

"سنفعل،" قال زيد وهو يفتح باب المرآب ببطء شديد. "أغلقي الباب خلفنا، واذهبي للنوم. وعندما يسأل نبراس، تظاهري بالغباء."

ابتسمت مريم بمرارة، وشاهدتهما وهما ينسلان في الظلام كشبحين، قبل أن تغلق الباب الثقيل، وتعود إلى غرفتها بقلب ينبض بالدعاء.

أشرقت شمس الصباح، وبدأت الحركة تدب في أرجاء القصر. في المطبخ الواسع، كانت رائحة الخبز الساخن والبيض المقلي تملأ المكان. استيقظت مريم مبكراً، وساعدت الخادمات في إعداد طاولة الإفطار. كان كرم يجلس على كرسيه الصغير، يضرب بملعقته على طبقه بانتظار الطعام.

سمعت مريم وقع خطوات بطيئة وثقيلة تنزل على السلم الخشبي. كان نبراس.

دخل إلى غرفة الطعام، ويبدو عليه الإرهاق. كان شعره البني الفاحم غير مرتب تماماً، ويرتدي قميصاً أسود واسعاً، بينما ذراعه اليمنى لا تزال معلقة في الحمالة القماشية. ورغم إصابته، إلا أن هيبته ووسامته القاسية كانت تفرض سيطرتها على المكان بمجرد دخوله.

توقف نبراس عند رأس الطاولة، وألقى نظرة سريعة على الحاضرين. "صباح الخير."

"صباح الخير، عم نبراس!" هتف كرم بسعادة.

"صباح الخير،" ردت مريم بصوت حاولَت أن تجعله طبيعياً، لكنها كانت تتجنب النظر في عينيه مباشرة.

جلس نبراس، واستخدم يده اليسرى لصب بعض القهوة في فنجانه. نظر حوله مرة أخرى، وعقد حاجبيه باستغراب. "أين زيد وطارق؟ من عادتهما أن يلتهما الطعام قبل أن أصل إلى الطاولة."

شعرت مريم ببرودة تسري في عروقها. ابتلعت ريقها، وقالت بسرعة محاولة الابتسام:

"أوه... زيد... زيد أراد النوم قليلاً. لقد أخبرني أنه متعب، وطارق أيضاً."

تنهد نبراس بضيق، ووضع فنجان القهوة على الطاولة. "النوم؟ في هذا الوقت؟ لدينا جدول حراسة يجب مراجعته، وعمل لتأمين السور الغربي. لا وقت للكسل."

نهض نبراس من كرسيه، وقال بنبرة حازمة:

"سأذهب لأوقظهما. يجب أن يأكلا قبل أن نبدأ العمل."

"لا!" صرخت مريم فجأة، ثم أدركت ارتفاع صوتها، فخفضته بسرعة وحاولت إيقافه وهي تقف من مكانها:

"أقصد... دعهما يرتاحان يا نبراس. لقد كانا يعملان بجد في الأيام الماضية. أنت أيضاً يجب أن ترتاح."

رمقها نبراس بنظرة ثاقبة وباردة. كانت عيناه تقرآن لغة جسدها المتوترة بسهولة. "مريم، نحن لا نعيش في فندق. كل دقيقة نضيعها في النوم قد تكلفنا حياتنا. سأوقظهما الآن."

لم تستطع مريم منعه. سار نبراس بخطواته الثقيلة نحو الرواق المؤدي إلى غرف النوم في الطابق الأرضي. وقف أمام باب غرفة زيد، وطرقه بيده اليسرى.

"زيد! استيقظ، حان وقت الإفطار!"

لا إجابة.

طرق بقوة أكبر. "زيد! كفاك نوماً، افتح الباب."

عندما لم يتلق أي رد، أدار نبراس مقبض الباب وفتحه. كانت الغرفة فارغة. السرير مرتب تماماً، ولم يكن هناك أي أثر لزيد. عقد نبراس حاجبيه بشدة، وازداد شكه. التفت وسار نحو الغرفة المجاورة، غرفة طارق، وفتحها دون أن يطرق. كانت هي الأخرى فارغة ومرتبة.

عاد نبراس إلى غرفة الطعام، وكانت ملامحه قد تحولت إلى عاصفة قادمة. كانت عيناه تشتعلان بغضب مكبوت، وخطواته أسرع. وقف أمام مريم التي كانت ترتجف حرفياً من الخوف.

"أين هما؟" سأل نبراس بصوت منخفض، هادئ بشكل مرعب.

تلعثمت مريم، وحاولت اختلاق كذبة أخرى. "ربما... ربما هما في الحديقة الخلفية، أو يتفقدان المزرعة..."

"مريم، أنتِ لستِ بارعة بالكذب،" قاطعها نبراس بصرامة، واقترب منها خطوة. "الأسلحة التكتيكية غير موجودة في خزائنها، والسرير مرتب كأنه لم يُنم فيه. أين أخي وصديقي؟"

لم تعد مريم قادرة على تحمل الضغط. نظرت إلى عينيه الغاضبتين، وانهارت دفاعاتها. أخذت نفساً عميقاً، وقالت بصوت مكسور:

"لقد... لقد خرجا فجراً. ذهبا إلى مركز الشرطة في المدينة لجلب الذخيرة والأسلحة."

ساد صمت مميت في غرفة الطعام. كان بوسع مريم أن تسمع دقات قلبها. أغمض نبراس عينيه للحظة، وبرزت عروق رقبته وجبهته بشكل مخيف. جن جنونه. الفكرة بحد ذاتها أن يذهب زيد وطارق وحدهما إلى منطقة مكتظة بالمسوخ، دون إخباره، ودون خطة دعم، كانت كفيلة بجعله ينفجر.

شد نبراس قبضة يده اليسرى حتى ابيضت مفاصله. "إلى مركز الشرطة... وحدهما..." همس لنفسه، وكان صوته يحمل مزيجاً من الغضب العارم والرعب الحقيقي على حياة أخيه.

نظرت مريم إليه بخوف، متوقعة أن يصرخ في وجهها أو يوبخها بعنف لأنها أخفت الأمر. لكن نبراس، ورغم البركان الذي يغلي بداخله، فتح عينيه ونظر إليها. رأى الخوف والدموع في عينيها العسليتين. كان يعلم أنها لم تكن تملك من الأمر شيئاً، وأن زيد هو من أقنعها بالصمت. لم يكن يريد إخافتها، ولم يكن يريد جرح مشاعرها، فهي بالنهاية مجرد فتاة شابة تحاول النجاة معهم.

تنهد نبراس تنهيدة طويلة ومحملة بالهموم، وأرخى قبضته. "متى خرجا؟" سأل بصوت أكثر هدوءاً، رغم التوتر الواضح فيه.

"حوالي الرابعة فجراً،" أجابت مريم بسرعة، ممتنة لأنه لم يصرخ بها. "قالا إنهما لن يتأخرا، وأنهما فعلا ذلك لأنك... لأن إصابتك تمنعك من الذهاب، ولن تسمح لهما بالذهاب وحدكما."

أشاح نبراس بوجهه. "أغبياء... متهورون حمقى!"

التفت فوراً دون أن يضيف كلمة، واتجه بخطوات سريعة نحو غرفة الاتصالات الصغيرة التي أعدوها في القصر. كانت الغرفة تحتوي على أجهزة راديو ولاسلكي ذات مدى متوسط.

دخل نبراس الغرفة وأغلق الباب خلفه. أمسك بجهاز اللاسلكي بيده اليسرى، وضبط التردد المتفق عليه بينهم للطوارئ. ضغط على زر الإرسال، وقال بصوت حاد يحمل كل غضب الدنيا:

"زيد... طارق... أينما أنتما، أجيبا حالاً."

انتظر لثوانٍ بدت كأنها ساعات. لم يسمع سوى صوت التشويش اللاسلكي المزعج.

ضغط مرة أخرى، وهذه المرة كان صوته أعلى:

"زيد! أجب أيها المعتوه! إذا لم تجبني الآن، سأخرج للبحث عنكما، وأقسم أن المسوخ ستكون أرحم بكما مني!"

مرت ثانية... ثانيتان... ثم انقطع صوت التشويش، وجاء صوت خشن ومتقطع عبر الراديو، يتبعه صوت إطلاق نار بعيد، ثم صوت ضحكة لاهثة.

-"صباح الخير يا غوريلا... أقصد، يا أخي العزيز!"

كان هذا صوت زيد. ورغم أنه كان يلهث، إلا أن نبرة المرح واللامبالاة كانت واضحة في صوته.

أغمض نبراس عينيه للحظة، وشعر بمزيج غريب من الراحة العميقة والغضب الذي تضاعف. إنهم أحياء.

"صباح الخير؟" زأر نبراس في اللاسلكي. "هل فقدت عقلك تماماً يا زيد؟ كيف تخرج من القصر دون أمري؟ كيف تذهب لمركز الشرطة دون دعم؟ هل تظن نفسك في لعبة فيديو؟"

ضحك زيد عبر اللاسلكي مجدداً.:

"إهدأ يا نبراس، نحن في طريق العودة الآن. لقد حصلنا على الكنز. المركز كان مليئاً بالهدايا، وواجهنا بعض المتعفنين، لكن طارق أبلى حسناً. سنكون عند البوابات خلال عشر دقائق. جهزوا لنا إفطاراً ضخماً، أنا أتضور جوعاً!"

"سأجهز لك مشنقة أيها الغبي!" رد نبراس بحدة، قبل أن يغلق الاتصال بقوة.

تنفس نبراس بعمق، وخرج من الغرفة. رغم غضبه من تمرد زيد، إلا أن صخرة ثقيلة انزاحت عن صدره. لقد نجحا. عادا بالأسلحة وهم أحياء.

بعد أقل من ربع ساعة، سمع سكان القصر صوت محرك سيارة الدفع الرباعي يقترب من البوابات الحديدية. أعطى نبراس الأمر للحراس بفتح البوابة، ودخلت السيارة بسرعة لتتوقف في الساحة الأمامية.

كانت السيارة تحمل خدوشاً جديدة وبعض الدماء السوداء على المصد الأمامي. فُتحت الأبواب، ونزل زيد وطارق. كانا مغطيين بالغبار والعرق، وبعض بقع الدماء الفاسدة تلطخ ملابسهما، لكنهما كانا يبتسمان بانتصار.

فتحا الصندوق الخلفي للسيارة، وبدأا بإنزال ثلاث حقائب رياضية سوداء كبيرة وثقيلة، تصدر أصواتاً معدنية عند تحريكها. بنادق آلية، مسدسات، وصناديق ذخيرة. لقد كانت غنيمة لا تقدر بثمن في هذا العالم.

خرجت مريم للساحة، ومعها كرم الذي كان يمسك بيدها. ركض كرم فوراً نحوهم وهو يضحك.:

"عمي زيد! عمي طارق! لقد عدتما!"

في نفس اللحظة، ظهر نبراس عند مدخل القصر. كان يقف هناك كالتمثال، صامتاً، وجهه خالٍ من أي تعبير يقرأ، وعيناه مثبتتان على زيد وطارق بنظرة جليدية تخترق العظام.

لاحظ طارق وقوف نبراس، وشعر برعشة تسري في عموده الفقري. كان يعرف هذه النظرة جيداً.

بحركة ذكية وسريعة، وقبل أن يفتح نبراس فمه بكلمة، انحنى طارق والتقط كرم من الأرض، ورفعه عالياً في الهواء وسط ضحكات الطفل.:

"أوه! انظروا من هنا! بطلنا الصغير كرم! هل تريد أن تلعب بالطائرة؟ هيا بنا!"

استدار طارق بسرعة، وتجاهل نبراس تماماً، وركض حاملاً كرم نحو الحديقة الجانبية، هارباً من التوبيخ المحتوم، ومستخدماً الطفل كدرع بشري لتجنب غضب صديقه.

بقي زيد وحده في الساحة، يحمل إحدى الحقائب الثقيلة. نظر إلى طارق الهارب، ثم نظر إلى نبراس الذي لا يزال يقف مكانه كالصخرة. ابتلع زيد ريقه، وتلاشت ابتسامة الانتصار من وجهه.

حاول زيد أن يتصرف بطبيعية. تنحنح، وحمل الحقيبة بيده، واستدار ليمشي باتجاه باب المرآب الجانبي، محاولاً التسلل والهروب من المواجهة المباشرة، متظاهراً بأنه مشغول بنقل الأسلحة.

"أنا فقط... سأضع هذه في المخزن وأستحم، ثم نتحدث..." تمتم زيد وهو يمشي مبتعداً، دون أن ينظر لنبراس.

لكن خطته لم تنجح.

"زيد."

كلمة واحدة فقط. خرجت من فم نبراس بصوت هادئ، وغاضب لدرجة تجعل الدم يتجمد في العروق. لم يصرخ، ولم يرفع صوته، لكن نبرة القيادة والتهديد في تلك الكلمة كانت كافية لإيقاف الزمن.

توقف زيد في مكانه فوراً. تجمدت قدماه على الأرض، وشعر بثقل الحقيبة في يده يتضاعف. أغمض عينيه، وأدرك أن الهروب مستحيل. لقد عاد من بين المسوخ حياً، لكنه الآن يجب أن يواجه الوحش الأكبر... أخاه الغاضب. استدار زيد ببطء شديد لمواجهة نبراس، رفع عينيه ليلتقي بنظرات نبراس، وتمنى للحظة لو أن الأرض تنشق وتبتلعه، أو لو أنه لا يزال محاصراً بين المتعفنين في مركز الشرطة، فهذا أهون بكثير من مواجهة الغضب الأعمى المتأجج في عيني شقيقه الأكبر.

لم يمنحه نبراس فرصة لتبرير موقفه. تخلى القائد عن بروده الجليدي في لحظة واحدة، وانفجر البركان الذي كان يغلي في صدره. بخطوات واسعة وسريعة، رغم إصابته، قطع نبراس المسافة التي تفصله عن زيد في الساحة، ووقف أمامه كبرج من الغضب العارم.

"هل فقدت عقلك تماماً؟!" زأر نبراس بصوت هز أرجاء الساحة، وجعل الخدم الذين كانوا يراقبون من النوافذ يتراجعون برعب. "أجبني يا زيد! هل تظن أننا في نزهة؟ هل تظن أن حياتك رخيصة إلى هذا الحد لترمي بها في التهلكة من أجل بعض البنادق؟!"

تراجع زيد خطوة إلى الوراء متفاجئاً من شدة الانفجار، وحاول الدفاع عن نفسه وصوته يرتفع أيضاً:

"لم أرمِ بحياتي في التهلكة! نحن نحتاج إلى هذه الأسلحة يا نبراس! انظر إلى ما جلبناه! لقد قمنا بتأمين المؤن التي تكفينا لأشهر! القصر واسع والذخيرة تنفد، ماذا كنت تتوقع مني أن أفعل؟ أن أجلس بجوارك وأنتظر حتى تقتحم المسوخ أسوارنا؟"

"كنت أتوقع منك أن تلتزم بالأوامر!" قاطعه نبراس بصرخة أشد، رافعاً يده اليسرى السليمة في الهواء كمن يوشك على ضرب شيء ما. "أنا القائد هنا! أنا من يقرر متى نخرج وكيف نخرج! خروجك أنت وطارق وحدكما دون غطاء، وفي منطقة مكتظة بالمتعفنين، هو قمة الغباء والتهور! ماذا لو حوصرتم؟ ماذا لو لم تعودوا؟ من سيحمي هذا المكان؟"

بدأت الدماء تغلي في عروق زيد. كان لا يزال يعيش تحت تأثير الأدرينالين من المعركة التي خاضها للتو في مركز الشرطة. كان يشعر بأنه بطل، بأنه أنجز مهمة شبه مستحيلة وعاد غانماً، وبدلاً من أن يُستقبل كمنتصر، ها هو يُوبخ وكأنه طفل في الخامسة من عمره كسر زجاج نافذة.

"أنا لست جندياً في جيشك لتصدر لي الأوامر!" صرخ زيد، وقد فقد السيطرة على أعصابه تماماً، وألقى الحقيبة الثقيلة على الأرض لتصدر صوتاً معدنياً مدوياً. "أنا أخوك! أنا شريكك في هذا الجحيم! لقد نجحنا، نحن أحياء، والأسلحة هنا! لماذا لا يمكنك أن ترى الجانب الإيجابي ولو لمرة واحدة في حياتك البائسة؟!"

اقترب نبراس أكثر حتى كادت أنفاسه الغاضبة تلفح وجه زيد. "الجانب الإيجابي؟ الجانب الإيجابي هو أنني لم أضطر للبحث عن جثتك الممزقة هذا الصباح! أنت لا تفكر يا زيد! أنت تتصرف بطيش، وتضع عواطفك وحماسك قبل عقلك! لو سقطت هناك، لو تعرضت للخدش... هل فكرت في ذلك؟"

"لقد فكرت في كل شيء!" رد زيد بعناد، وعيناه تشتعلان بالتحدي. "لكنك لا تثق بي! أنت لا تثق بأحد غير نفسك! ذراعك مخلوعة، وأنت بالكاد تستطيع رفع كوب من الماء، ومع ذلك تريد أن تتحكم في كل نفس نتنفسه!"

كانت الكلمات تخرج من فم زيد كسهام مسمومة، لا يلقي لها بالاً في فورة غضبه. وفي الجانب الآخر من الحديقة، توقف طارق عن اللعب مع كرم، ووقف يراقب الشجار بخوف وقلق، بينما كانت مريم تقف خلف زجاج نافذة المطبخ، تضع يدها على فمها ودموعها تتجمع في عينيها وهي ترى الأخوين اللذين نجوا من نهاية العالم، يمزقان بعضهما البعض بالكلمات.

"أنا أتحكم لكي نبقى أحياء!" صرخ نبراس، وقد برزت عروق رقبته. "لكي لا نتحول إلى وجبة لتلك الوحوش!"

"لا! أنت تتحكم لأنك مهووس بالسيطرة!" صرخ زيد بأعلى صوته، وفقد آخر ذرة من الحكمة في عقله. رفع إصبعه ووجهه نحو صدر أخيه الأكبر، وأطلق الرصاصة الأخيرة، الكلمات التي لم يكن يجب أن تُقال أبداً:

"أنت متحكم! أنت مزعج لدرجة لا تُطاق! أنت تخنقني بقوانينك وأوامرك... وبصراحة يا نبراس، لقد بدأت أكرهك!"

بمجرد أن خرجت الكلمات من فم زيد، توقف الزمن.

سكنت الرياح، وخيم على الساحة الواسعة صمت ثقيل، خانق، ومميت. الصدى الوحيد الذي تردد في المكان كان صدى كلمة "أكرهك" التي ضربت جدران القصر وعادت لتطعن قلب زيد قبل قلب نبراس.

كان تأثير هذه الكلمات على نبراس أشد فتكاً من عضة مسخ متعفن. للحظة، وقف نبراس ثابتاً، وعيناه متسعتان بصدمة خالصة. لم يرمش، لكن شيئاً ما انكسر بداخله.

تلاشت كل ملامح الغضب من وجه نبراس في جزء من الثانية. العروق النافرة في رقبته هدأت، والنار التي كانت تشتعل في عينيه انطفأت تماماً، ليحل محلها فراغ بارد ومخيف. جمدت ملامحه، وتحول وجهه إلى قناع خالٍ من أي تعبير بشري. لم يعد يبدو كقائد غاضب، بل بدا كرجل مجوف، رُفض من قبل الشخص الوحيد الذي يعيش من أجله.

شعر زيد في تلك اللحظة بانقباضة مرعبة في معدته. أدرك فداحة ما قاله، وأراد أن يتراجع، أن يبتلع كلماته، لكن الأوان كان قد فات.

تراجعت يد زيد التي كان يشير بها ببطء، وفتح فمه ليقول شيئاً، ليعتذر، لكن صوت نبراس سبقه.

لم يصرخ نبراس. لم يعاتبه. بل تحدث بصوت هادئ جداً، خافت، ومسطح، يخلو من أي مشاعر، وهو ما كان أكثر إرعاباً من صراخه السابق:

"حسناً يا أخي..."

قالها نبراس بهدوء، ثم أدار ظهره لزيد. لم يقل كلمة أخرى. لم ينظر إلى طارق الذي كان يقف مذهولاً، ولم يلقِ نظرة على الحقائب المليئة بالأسلحة. سار بخطوات بطيئة، منتظمة، وثقيلة نحو باب القصر. دخل إلى الرواق، وبدأ بصعود السلم الخشبي المتجه نحو غرفته في الطابق العلوي. كان صوت خطواته على الدرج يتردد في أذن زيد كدقات مطرقة قاضٍ تصدر حكم الإعدام.

أغلق نبراس باب غرفته بهدوء، دون أن يصفقه، تاركاً خلفه أخاه الأصغر يغرق في بحر من الندم الموحش.

وقف زيد في منتصف الساحة كتمثال من الحجر. اختفى الأدرينالين، وتلاشى الغضب، وحل محله شعور قذر بالغثيان والذنب. نظر إلى الحقيبة السوداء الملقاة عند قدميه، والتي كان يظن أنها إنجاز عظيم، فرآها الآن مجرد كومة من الحديد الخردة التي لا تساوي شيئاً أمام الحزن الذي زرعه في عيني أخيه.

اقترب طارق ببطء، وهو يمسك بيد كرم الذي كان خائفاً من الصراخ. وقف طارق بجوار زيد، وتنهد بحزن عميق.:

"لقد تجاوزت الحدود يا زيد. لقد قسوت عليه كثيراً... أنت تعرف أنه لا يفعل هذا إلا ليحمينا، ليحميك أنت بالذات."

وضع زيد يديه على رأسه، وتخللت أصابعه خصلات شعره الأشقر، وشدها بقوة وكأنه يعاقب نفسه. "أنا غبي أحمق!" همس زيد بصوت مختنق، والدموع تحرق عينيه.:

"كيف تفوهت بذلك؟ أنا لا أكرهه يا طارق! أقسم لك أنني لا أكرهه أبداً! أنا أحبه أكثر من نفسي. هو كل ما أملك في هذا العالم الملعون."

خرجت مريم من باب المطبخ مسرعة، واقتربت منهم. كانت ملامحها تعكس الحزن الشديد. وضعت يدها الناعمة على ذراع زيد المتوترة، وقالت بصوت هادئ ومواسي:

"زيد، هو يعرف ذلك. في أعماقه، هو يعرف أنك غاضب فقط. لكن كلماتك جرحته بشدة. نبراس قوي جداً في مواجهة الموت، لكنه هش جداً عندما يتعلق الأمر بك."

كلمات مريم فتحت صندوق الذكريات في عقل زيد. تذكر كيف بدأت قصتهما. لم يكونا مجرد أخوين، بل كانا رفيقي يتم وجوع. تذكر الملجأ البارد الذي عاشا فيه طفولتهما المبكرة قبل أن يتبناهما السيد "سليم" تذكر كيف كان نبراس، رغم صغر سنه، يقف كدرع بشري ليتلقى الضربات بدلاً عنه من الأطفال الأكبر سناً. تذكر كيف كان نبراس يخبئ له نصف حصته من الخبز لكي لا ينام زيد جائعاً.

تذكر يوم وفاة والدهما بالتبني السيد سليم، وكيف تحطمت الدنيا من حولهما، وكيف وقف نبراس في العزاء، يبلغ من العمر حينها عشرين عاماً فقط، لكنه مسك بيد زيد وقال له بثبات:

"لا تخف، طالما أتنفس، لن يمسك سوء، سأكون لك الأب والأخ وكل شيء."

وعندما حل وباء الزومبي واجتاح العالم، كان نبراس هو من أنقذه من براثن الموت، هو من حول هذا القصر إلى حصن منيع، هو من كاد أن يفقد ذراعه بالكامل في الحظيرة قبل أيام فقط لكي يضمن ألا يقترب وحش واحد من زيد.

"أنا وحش..." قال زيد لنفسه، والدموع تسيل على خديه. لم يعد يهتم لوسامته أو لهيبته كشاب مفتول العضلات؛ كان يبكي كطفل صغير أضاع أثمن ما يملك. "لقد كسرت قلبه."

مسح زيد دموعه بظهر يده بعنف، ونظر إلى طارق ومريم بعينين مليئتين بالتصميم.:

"يجب أن أصلح هذا. يجب أن أعتذر له الآن."

لم ينتظر زيد ثانية أخرى. ترك الأسلحة في الساحة ليقوم طارق بإدخالها، وركض باتجاه باب القصر. صعد السلم الخشبي قفزاً، متجاوزاً درجتين في كل خطوة، حتى وصل إلى الرواق العلوي المؤدي إلى جناح نبراس.

وقف أمام الباب الخشبي المغلق. كان قلبه يدق بعنف، ليس خوفاً من غضب نبراس، بل خوفاً من بروده. رفع يده المرتجفة، وطرق الباب طرقات خفيفة ومترددة.

"نبراس... أخي..." نادى زيد بصوت خافت ومكسور.

لم يسمع أي إجابة.

"نبراس، أرجوك... دعني أدخل. أنا آسف."

ظل الصمت سيد الموقف. أخذ زيد نفساً عميقاً، وأدار مقبض الباب ببطء. لم يكن الباب مقفلاً. دفعه بخفة وخطا إلى داخل الغرفة.

كانت الغرفة مظلمة جزئياً، حيث أُسدلت الستائر الثقيلة لتحجب ضوء الصباح. في زاوية الغرفة، كان نبراس يجلس على حافة سريره الكبير. كان قد خلع قميصه، بينما ذراعه اليمنى لا تزال معلقة في الحمالة، تبدو هزيلة مقارنة ببنيته العضلية الضخمة. كان يجلس منحنياً للأمام، ويسند جبهته على يده اليسرى السليمة، متأملاً أرضية الغرفة بشرود تام.

بدا نبراس في تلك اللحظة منهكاً. كان إنهاك الروح الذي يثقل كاهل من يحمل هموم الجميع ولا يجد من يحمل همه.

اقترب زيد ببطء شديد، وقف أمام نبراس، لكن شقيقه الأكبر لم يرفع رأسه، ولم يتحرك قيد أنملة.

لم يجد زيد كلمات كافية في قواميس اللغة لتعبر عن ندمه. لذا، فعل الشيء الوحيد الذي يتقنه. نزل زيد على ركبتيه أمام نبراس، متخلياً عن كل كبريائه وعناده. نظر إلى وجه أخيه المليء بالتعب، وانحنى للأمام.

وضع زيد يديه الكبيرتين برفق شديد على ركبتي نبراس.

"أنا آسف..." همس زيد، وصوته يرتجف بالبكاء المكتوم "أنا آسف يا أخي... أنا أسوأ أخ في التاريخ. أقسم لك بكل ما هو مقدس، أنا لم أقصد حرفاً واحداً مما قلته في الخارج. كنت غاضباً، وكنت غبياً... الكلمات خرجت من فمي كالسم لم أستطع إيقافه."

رفع زيد رأسه، والتقطت عيناه الخضراوان الدامعتان نظرات نبراس التي رفعت ببطء لتقابله.

تابع زيد والكلمات تتدفق منه بشغف ويأس:

"أنت لست مزعجاً ولست متحكماً. أنت حامي ضهري، أنت أبي وأخي وأنت أعظم شيء في حياتي. أقسم لك يا نبراس، أنا لا أكرهك... أنا أحبك أكثر من أي شيء آخر. لو خيروني بين حياتي وحياتك في هذا العالم، لاخترت أن أموت ألف مرة لتعيش أنت. أرجوك... لا تنظر إلي بهذا البرود. اصرخ في وجهي، اضربني، اطردني من القصر، لكن لا تعاملني وكأنني غريب."

ظل نبراس ينظر إلى أخيه الراكع أمامه لعدة ثوانٍ طويلة. كانت عينا نبراس تحملان حزناً عميقاً، لكن البرودة بدأت تذوب تدريجياً أمام حرارة دموع زيد وصدق اعتذاره.

تنهد نبراس تنهيدة طويلة، بدا وكأنها أخرجت كل التوتر من جسده المعضل. رفع يده اليسرى السليمة، ومسح بها على شعره البني الفاحم، ثم نظر إلى زيد بنظرة تجمع بين العتاب القاسي والحنان الأخوي اللامحدود.

"أنت لا تفهم يا زيد، أليس كذلك؟" قال نبراس بصوته العميق، الذي عاد ليحمل نبرة العاطفة رغم خشونته. "أنت تظن أنني أصرخ لأنني أحب السيطرة. تظن أنني أمنعك من الخروج لأنني لا أثق بقدراتك."

هز زيد رأسه نفياً بسرعة وهو يستمع.

أكمل نبراس، ومرارة الخوف تتسلل إلى نبرته:

"عندما فتحت باب غرفتك هذا الصباح ووجدتها فارغة... هل تعرف ما هو الشعور الذي ضرب صدري؟ لم يكن غضباً على كسر القوانين... كان رعباً يا زيد. رعباً خالصاً يشل الأوصال. لقد تخيلتك محاصراً في أزقة المدينة، تخيلت تلك المسوخ القذرة تمزق جسدك وأنا لست هناك لأحميك. تخيلت أنني سأضطر للعيش في هذا العالم الميت بدونك."

انحنى نبراس قليلاً نحو زيد، وأمسك بكتف أخيه الأصغر بقوة.:

"أنا لا أخاف من الزومبي، ولا أخاف من الموت، ولا أهتم إذا سقط هذا القصر فوق رؤوسنا. أنا أخاف عليك أنت! أنت العائلة الوحيدة التي تبقت لي من رائحة الحياة القديمة. إذا فقدتك، فلا معنى لبقائي. أنا أقسو عليك لأن العالم في الخارج لا يرحم الضعفاء أو المتهورين."

أومأ زيد برأسه بقوة.:

"أنا أعلم... أنا أعلم يا أخي. كنت غبياً وأنانياً. لم أفكر في شعورك، فكرت فقط في إثبات نفسي. أعدك... أقسم لك بشرفي، لن أخرج من بوابة هذا القصر مجدداً دون إذنك، ولن أتفوه بكلمة تغضبك ما حييت. فقط سامحني."

ابتسم نبراس ابتسامة صغيرة، خفية، بالكاد تُرى، لكنها كانت كافية لتضيء عتمة الغرفة في عيني زيد. لم يكن نبراس رجلاً يحمل الأحقاد، خصوصاً تجاه قطعة من روحه.

مد نبراس يده اليسرى، وبدلاً من أن يربت على كتف أخيه، امتدت أصابعه القوية نحو ذراع زيد المفتولة، وقام بقرص العضلة بقوة مفاجئة ومؤلمة.

"آآخ!" صرخ زيد بألم مفاجئ، وجفل للخلف وهو يفرك ذراعه، ناظراً إلى شقيقه بصدمة مضحكة.

ضحك نبراس بخفوت وقال بمزاح يحمل طابعاً ذكورياً قاسياً لتلطيف الأجواء:

"هذا عقاب مبدئي على طول لسانك أيها الشقي. والمهم في كل هذا الهراء... هو أن أخي الغبي المتهور قد عاد بخير وبقطعة واحدة."

نظر زيد إلى أخيه، واختلطت دموعه بابتسامة واسعة، مشرقة، أعادت لوسامته رونقها. لقد شعر براحة هائلة، كأن جبلاً قد أُزيح عن صدره. لقد سامحه. لقد عادت المياه إلى مجاريها، وعاد صمام الأمان لحياته.

"بالمناسبة،" أضاف نبراس وهو ينهض ببطء من السرير، محاولاً تعديل وقفته لكي لا يضغط على كتفه المصابة، "لقد أخبرتني عبر اللاسلكي أنك جلبت هدايا من مركز الشرطة. أين هي؟ أم أنك رميتها في الخارج عندما كنت تبكي كالأطفال قبل قليل؟"

ضحك زيد بصوت عالٍ، ومسح وجهه بقميصه، ووقف بسرعة بحماس متجدد.:

"لا! طارق يتولى إدخالها. لقد جلبنا بنادق M16، ومسدسات تكتيكية، وكمية من الذخيرة تكفي لفتح جبهة حرب كاملة. تعال لتراها، ستعجبك جداً."

"سأرى،" قال نبراس وهو يسير بجوار زيد نحو الباب. "لكن صدقني، إذا وجدت سلاحاً واحداً به صدأ، سأجعلك تقوم بتنظيفه بفرشاة أسنان طوال الليل."

"كما تأمر يا سيدي القائد!" رد زيد بمرح وهو يفتح الباب لأخيه.

خرجا معاً إلى الرواق، كتفاً بكتف. الأخ الأكبر بحكمته وقسوته الحنونة، والأخ الأصغر بولائه وشجاعته المتهورة. لم تكن نهاية العالم لتكسر رابطتهما، بل يبدو أن الصدامات والمخاطر كانت تزيد من صلابة هذا الرباط، في عالم لم يتبقَ فيه سوى الحب العنيف كسلاح أخير للبقاء.