15
تجمعت خيوط شمس الصباح الدافئة لتخترق النوافذ الطويلة لغرفة المكتبة الأرضية، ملقيةً بظلال هندسية طويلة على الطاولة الخشبية الضخمة التي تتربع في المنتصف. كانت الطاولة، التي اعتادت سابقاً أن تحمل كتب التاريخ النادرة والوثائق القانونية للسيد الراحل سليم، مغطاة الآن بثلاث حقائب رياضية سوداء كبيرة ومفتوحة على مصراعيها. من جوف هذه الحقائب، انبعثت رائحة قوية مألوفة لكل من عاش في هذا العصر الجديد: رائحة حديد الأسلحة البارد، وزيت التنظيف اللزج، والبارود الجاف.
كانت أصابع نبراس الطويلة تتلمس الأجزاء المعدنية للبنادق الآلية من طراز M16، يتحقق من سلامة مخازن الذخيرة، ويفحص نوابض الإطلاق، ويرفع المسدسات ليختبر وزنها وتوازنها بيده اليسرى. بجانبه، كانت مريم تقف وعيناها العسليتان تتابع حركاته بفضول ممتزج بالاحترام. كان شعرها البني القصير والمجعد يتحرك بخفة مع كل التفاتة منها، وحبات النمش الدقيقة على وجنتيها الورديتين تمنحانها مظهراً ناعماً يتناقض تماماً مع بيئة السلاح والموت المحيطة بهم. أما كرم الصغير، فقد كان يجلس في زاوية الغرفة على السجادة، مشغولاً بمحاولة تركيب مكعبين خشبيين، غافلاً تماماً عن ترسانة الأسلحة التي تفصل بينه وبين الكبار.
وسط أكوام الأسلحة السوداء والرمادية الداكنة ذات المظهر العسكري الخشن، وقعت عين نبراس على صندوق بلاستيكي صغير صلب، منفصل عن بقية العتاد. سحبه بيده اليسرى وفتح أقفاله بحركة سريعة من إبهامه. بمجرد أن انفتح الغطاء، التمعت عيناه ببريق من الإعجاب الخالص.
داخل الصندوق، ومستقراً فوق بطانة من الإسفنج المخملي الأسود، كان يقبع مسدس فريد من نوعه. لم يكن مسدساً عادياً؛ بل كان تحفة فنية نادرة، مسدس تكتيكي من طراز رفيع، مطلي بالكامل بلون أبيض عاجي مصقول ومقاوم للخدوش، وتتداخل فيه أجزاء من الكروم الفضي اللامع حول الزناد والمطرقة. كان واضحاً من نظافته وتصميمه الانسيابي أنه سلاح مخصص ومصنوع بعناية ليكون قطعة غالية الثمن، رغب في اقتنائها أحد كبار الضباط قبل سقوط العالم.
أخرج نبراس المسدس الأبيض بيده، وقلبه ببراعة ليتحقق من وزنه الخفيف للغاية، وتأكد من خلوه من الرصاص بحركة سريعة من الترباس أصدرت صوتاً معدنياً نقياً. التفت نبراس نحو مريم، وارتخت ملامح وجهه الصارمة قليلاً لتظهر مسحة من الحنان.
"مريم، اقتربي،" قال نبراس بصوته الهادئ والعميق.
تقدمت مريم خطوة إلى الأمام، وعيناها مثبتتان على السلاح الأبيض الجميل. مد نبراس يده اليسرى، مقدماً مقبض المسدس نحوها بعناية.
"هذا السلاح لكِ،" تابع نبراس وهو يراقب علامات الدهشة التي ارتسمت على وجهها الجميل.:
"إنه مسدس مخصص، عياره خفيف ونسبة ارتداده تكاد تكون معدومة مقارنة بالمسدسات العسكرية الضخمة. وزنه مثالي لقبضة يدكِ، ومصنوع من مواد لا تسمح بانزلاقه حتى لو كانت يداكِ تتطرقان عرقاً أثناء القتال. في هذا العالم، التدريب البدني لا يكفي... يجب أن تمتلكي مخلباً يحميكِ."
امتدت يد مريم قليلاً لتأخذ المسدس من يده. بمجرد أن استقر المقبض العاجي في كفها، شعرت بملامسته الباردة والمريحة. كان يناسب حجم يدها تماماً، وكأنه صُنع خصيصاً لها. رفعت المسدس ببطء، ووجهت فوهته نحو الأرض محترمةً قواعد السلامة التي تعلمتها، والتمعت عيناها العسليتان ببريق من الفرح والامتنان.
"إنه... إنه جميل جداً يا نبراس،" همست مريم وهي تتلمس السطح الأبيض المصقول للمسدس، وشعرت بمسؤولية جديدة تضاف إلى عاتقها. "شكراً لك. سأحرص على ألا أستخدمه إلا لحمايتكم وحماية كرم."
أومأ نبراس برأسه موافقاً، ثم التفت ببطء نحو الجانب الآخر من الطاولة، حيث كان زيد وطارق يقفان متكئين على الجدار البارد. وبمجرد أن وقعت عيناه عليهما، اختفت مسحة الحنان فوراً، وعادت ملامحه الجليدية الصارمة لتحتل وجهه الوسيم.
عقد نبراس ذراعه اليسرى فوق صدره، ونظر إلى شقيقه الأشقر زيد وإلى صديقه المدرب الضخم طارق. كان طارق يحاول تصفح هاتفه الخالي من الشبكة متظاهراً بالانشغال، بينما كان زيد يحاول الابتسام ببلاهة لتلطيف الأجواء.
"الآن، بعد أن انتهينا من فحص غنائمكما وتأكدنا من أنكما لم تجلبا لنا خردة غير صالحة للاستعمال،" قال نبراس بنبرة صوت منخفضة وحادة:
"أريد أن أسمع التفاصيل الكاملة عن هذه المغامرة الغبية. كيف دخلتما إلى ذلك المخفر؟ وما الذي حدث هناك بالضبط حتى تأخرتما عن موعدكما الافتراضي بنصف ساعة؟ أريد تقريراً مفصلاً من البداية."
تنحنح طارق، ونظر إلى زيد وكأنه يلقي بكرة اللهب في حجره، مفضلاً الصمت لتجنب تجديد غضب نبراس. أما زيد، بطبيعته الحماسية وشخصيته التي لا تمل من الحديث وإظهار البطولات، فقد تقدم خطوة نحو الطاولة، واعتدلت وقفته، وتلاشت ملامح قلقه ليحل محلها ذلك البريق القصصي المشوق في عينيه الخضراوين.
"أوه، يا أخي العزيز،" بدأ زيد وهو يلوح بيده بحركات دراماتيكية واضحة.:
"إذا كنت تظن أن الأمر كان مجرد نزهة تسوق، فأنت مخطئ تماماً. لقد كانت ملحمة! دعني أخبرك كيف بدأت الأمور منذ أن تركنا بوابات القصر في تلك العتمة الباردة..."