16
كان الضباب يلف شوارع المدينة المهجورة، بينما تحركت سيارة الدفع الرباعي التي يقودها زيد بأضواء مطفأة تماماً، معتمدة فقط على نظام الرؤية الليلية الخافت وكشافات الضباب الصغيرة. الصمت في الخارج كان مرعباً، لا يقطعه سوى صوت محرك السيارة الذي كان يدوي في أذن زيد وطارق.
توقفت السيارة في زقاق خلفي مظلم يبعد حوالي مئة متر عن المبنى الخرساني الضخم لمركز شرطة الضواحي. ترجل زيد وطارق بسرعة، وهما يرتديان معدات الحماية الكاملة: خوذات الرأس الصلبة ذات الواقيات الزجاجية الشفافة، والسترات الجلدية التكتيكية المبطنة، والقفازات السميكة المقاومة للتمزق والخدش. كانا يدركان أن الخطأ الواحد في هذا المكان يعني النهاية.
تسللا بخطوات سريعة نحو الباب الخلفي للمخفر، والذي كان مخصصاً لدخول سيارات الدوريات والموقوفين. كان الباب الحديدي الكبير شبه مفتوح، ويتدلى من إحدى مفصلاته المكسورة بعد أن تعرض لاقتحام قديم خلال الأيام الأولى للكارثة.
"طارق، غطِّ ظهري،" همس زيد وهو يسحب مسدسه المزود بكاتم صوت.
أومأ طارق، الذي كان يمسك ببندقية رشاشة ببراعة، وتقدم خلف زيد مباشرة. دخلا إلى الممر الداخلي للمخفر، وكانت الرائحة هناك لا تطاق؛ رائحة رطوبة العفن، والدماء الجافة، والأجساد المتحللة. كانت الممرات غارقة في ظلام دامس، لا يكسره سوى شعاع المصابيح التكتيكية المثبتة فوق أسلحتهما، والتي كانت تقطع العتمة لتكشف عن جدران ملطخة بالدماء، وأوراق مبعثرة، وبقايا أثاث مكتبي محطم.
لم يمشيا سوى بضع خطوات حتى رصدا أولى البشارات. من نهاية الممر المظلم، ظهرت ثلاثة ظلال بشرية تتحرك بحركات متمايلة وغير متزنة. وبمجرد أن سُلطت أضواء المصابيح اليدوية عليها، بدأت تلك الظلال تصدر أصواتاً خشنة، أصوات حشرجة جائعة ومخيفة. كانت وحوش زومبي عادية، يرتدي بعضها ملابس مدنية ممزقة، والبعض الآخر يرتدي ملابس حراس أمن مهترئة.
"اقتلهم بهدوء" همس طارق.
لم يضيع زيد الوقت. رفع مسدسه، وثبت نقطة الليزر الحمراء على جبهة الزومبي الأول... انطلقت رصاصة مكتومة لتخترق الجمجمة العفنة، ليسقط الوحش فوراً على الأرض ككيس من البطاطس. التفت طارق نحو الزومبي الثاني الذي كان يتقدم بسرعة أكبر، وأطلق رصاصة دقيقة استقرت بين عينيه ليسقط بجوار صاحبه. أما الثالث، فقد تقدم زيد خطوتين وغرس سكينه القتالية الطويلة في أسفل فكه بحركة صاعدة سريعة، لينهي حركته تماماً ويسقطه أرضاً دون إحداث أي ضجة.
"الأمر يبدو سهلاً لدرجة مقلقة،" قال زيد وهو يمسح شفرة سكينه بملابس الجثة الميتة.
"لا تحسد نفسك يا عبقري، نحن لم نصل إلى مستودع الأسلحة بعد،" حذر طارق وهو يتلفت حوله بحذر.
تابعا تقدمهما عبر الممرات المتعرجة نحو السلالم المؤدية إلى القبو السفلي، حيث تقع زنازين الحجز المؤقت ومستودع الأسلحة الرئيسي للمخفر. كانت الأبواب هناك مصنوعة من الفولاذ المقوى، مما يعطي شعوراً بالأمان، ولكنه يعطي أيضاً شعوراً بالحبس.
بمجرد أن وصلا إلى ساحة القبو السفلي، تلاشت كل آمالهما في رحلة سهلة.
أمام باب مستودع الأسلحة مباشرة كانت هناك ثلاثة وحوش زومبي، ولكنهم كانوا من نوع مختلف تماماً: كانوا جنوداً من قوات مكافحة الشغب وقوات النخبة التابعة للشرطة، تحولوا إلى مسوخ وهم يرتدون عتادهم العسكري الكامل!
كان كل واحد منهم يرتدي سترة واقية من الرصاص من الفئة الرابعة، ودروعاً بلاستيكية صلبة تغطي الذراعين والساقين، والأخطر من ذلك، كانوا يرتدون خوذات عسكرية ثقيلة مصنوعة من مادة الكيفلار، تغطي الرأس بالكامل مع واقيات وجه زجاجية مضادة للرصاص والكسر ومغلقة بالكامل لحماية وجوههم.
"تباً..." تمتم طارق وهو يتراجع خطوة. "هؤلاء ليسوا زومبي، هؤلاء دبابات بشرية متحركة."
لم يكد طارق ينهي كلمته حتى التفتت الوحوش المدرعة الثلاثة نحو مصدر الضوء. أصدرت حشرجات عميقة، مدوية، وبدأت بالاندفاع نحوهما بخطوات ثقيلة وسريعة، وصوت دروعهم المعدنية والبلاستيكية يرتطم بالجدران الخرسانية محدثاً جلبة مرعبة.
"صوب على الأرجل! أو تحت الخوذة!" صرخ زيد وهو يتراجع ويرفع بندقيته.
بدأت معركة حقيقية وصعبة. أطلق طارق وابلًا من الرصاص نحو الزومبي المدرع الأول، لكن معظم الرصاصات كانت ترتد عن السترة الواقية والخوذة الثقيلة محدثةً شرارات نارية في الظلام دون أن تبطئ من حركته. اضطر طارق لتوجيه فوهة سلاحه نحو الركبة، وأطلق دفعة رصاصات مزقت أربطة المفصل، مما جعل الجندي المدرع يسقط على ركبتيه، لكنه استمر في الزحف نحوهم ويديه الميتتان تحاولان الإمساك بأقدامهم.
أما زيد، فقد كان يتعامل مع المدرع الثاني. حاول إطلاق النار على عنق الوحش، وهي المنطقة الوحيدة المكشوفة بين الخوذة والسترة، لكن حركة الزومبي العشوائية جعلت الرصاصة تخطئ هدفها لتضرب الخوذة الكيفلار وترتد عنها. اقترب الوحش المدرع منه بسرعة ولم يترك له مجالاً لإعادة التصويب. وبحركة عنيفة وثقيلة، اندفع الزومبي بكامل وزنه وعتاده ليصطدم بزيد، دافعاً إياه نحو الجدار الخرساني للقبو.
ارتطم ظهر زيد بالجدار بقوة، وسقطت بندقيته من يده على الأرض. وقبل أن يستعيد توازنه، كان الزومبي المدرع الضخم قد أطبق عليه، وحاصره بين جسده الثقيل والجدار.
كان المشهد يبدو مرعباً لأي مراقب خارجي؛ وحش جائع متعفن، مغطى بالدروع، يثبت شاباً في مقتبل العمر ويحاول التهام وجهه. بدأ الزومبي يفتح فكه المليء بالأسنان الصفراء المكسورة، ويضرب برأسه نحو وجه زيد محاولاً عضه، ويحرك أصابعه ذات الأظافر الحادة ليخدش صدره وعنقه.
ولكن... هنا تجلى الفارق الذي صنعه التخطيط ومعدات الحماية.
عندما ضرب الزومبي برأسه نحو وجه زيد، اصطدم فكه مباشرة بالواقي الزجاجي البلاستيكي الصلب والسميك لخوذة الحماية التي كان يرتديها زيد. صدر صوت صرير مضحك وقوي نتيجة احتكاك الأسنان بالبلاستيك الصلب: لم يستطع الزومبي اختراق الزجاج، وظل يفتح ويغلق فمه بغباء فوق خوذة زيد، وكأنه يحاول التهام نافذة زجاجية.
أما يديه، فقد كانتا تحاولان خدش ذراعي زيد وعنقه، لكن مخالبه كانت تنزلق وتتحطم فوق الجلد السميك والدروع البلاستيكية المبطنة للسترة والقفازات التكتيكية التي يرتديها زيد. لم يكن هناك أي تلامس مباشر مع الجلد، ولم يكن هناك أي خطر حقيقي للاختراق.
في هذه الأثناء، كان طارق قد أنهى القضاء على الزومبي المدرع الثالث بعد أن غرس سكيناً في عينه المكشوفة من خلف الواقي. التفت طارق بسرعة ليبحث عن صديقه، فوقع نظره على المشهد: زيد محاصر تماماً تحت جسد الزومبي المدرع الثاني الضخم، ورأس الوحش يتحرك بعنف فوق وجه زيد.
في تلك اللحظة، فقد طارق هدوءه العسكري تماماً. غلبت عليه عاطفة الخوف على صديق عمره، وظن أن زيد يمر بلحظات حياته الأخيرة وأنه يُؤكل حياً.
أغمض طارق عينيه بقوة، كأنه يرفض رؤية المشهد الدموي المرعب، واهتز جسده الضخم، وفتح فمه ليطلق صرخة هستيرية، عالية، ومذعورة هزت أركان القبو السفلي، صرخة لا تتناسب أبداً مع بنيته الوحشية:
"زيييد! لااا! تمسك يا صاحبي! أنا قادم لإنقاذك! لا تمت وتتركني وحدي مع أخيك الغوريلا! اصرخ! قاومه!"
كانت صرخة طارق تملأ المكان بالدراما والدموع المفترضة، وكأنه في مشهد سينمائي حزين.
وعلى الجانب الآخر... كيف كان وضع زيد؟
كان زيد مستلقياً بكل راحة. عندما رأى أن الزومبي لا يمكنه اختراق خوذته وقفازاته، توقف عن المقاومة أصلاً. وبدلاً من أن يحاول دفع الوحش الثقيل عنه، استرخى جسده تماماً. مد ذراعه اليسرى السليمة ذات القفاز السميك، ووضع كوعه بهدوء وبرود شديد على الارض. وسند رأسه على كفه، في وضعية تشبه وضعية شخص مستلقٍ على شاطئ البحر يتأمل الغروب!
كان الزومبي لا يزال فوقه، يبذل مجهوداً جباراً ويصدر أصوات حشرجة لاهثة ويسيل لعابه على زجاج الخوذة، محاولاً العض دون جدوى، بينما زيد ينظر إليه بملل شديد من خلف الزجاج.
فتح طارق عين واحدة ببطء، وهو لا يزال يرتجف، متوقعاً رؤية أشلاء ودماء. لكنه صُدم عندما رأى وضعية زيد المسترخية والباردة.
نظر زيد نحو طارق بعينين شبه مغلقتين من الملل، وتحدث بصوت مرتفع قليلاً ليسمعه طارق من خلف الخوذة:
"طارق... أرجوك، توقف عن الصراخ والنوح وكأننا في مأتم والدتك. افتح عينيك وانظر جيداً. هذا الزومبي المدرع... غير مؤذي على الإطلاق. إنه يمتلك عزم وإصرار هائلين، أنا أحترم طموحه بصراحة، لكن قدراته التنفيذية صفراً على الشمال. إنه حالياً يعطي خوذتي جلسة مساج وتنظيف مجانية، والشيء الوحيد الذي يقتلتني هنا هو رائحة فمه التعفنة التي تتسرب عبر فلاتر الهواء. لذا، بدلاً من الصراخ كفتيات المدارس، تعال واسحب هذا الثقيل عني لأن دروعه تضغط على بطني وأريد الذهاب للمرحاض."
تجمد طارق في مكانه، وفتح عينيه على وسعهما، وفمه سقط لأسفل بذهول. تبددت كل مشاعره الدرامية في ثانية واحدة، وتحول وجهه المحمر من الخوف إلى لون أحمر من الإحراج والغيظ الشديد. تقدم بخطوات ثقيلة وعصبية، وأمسك بالزومبي المدرع من قفاه ودرعه الخلفي بيده الواحدة القوية، وسحبه بعنف ليطرحه أرضاً، ثم رفع قدمه العسكرية الضخمة وهشم بها رأس الوحش تحت حذائه بضربة واحدة أفرغ فيها كل غيظه من برود زيد.
"أنت... أنت فتى مستفز ومريض!" قالها طارق وهو يلهث بغيظ، بينما كان زيد ينهض ببطء، وينفض الغبار عن دروعه ويضحك بخفوت.
كان زيد يمثل المشهد الأخير في وسط الغرفة ببراعة كبيرة؛ إذ وضع كوعه على كتف طارق الضخم مستنداً عليه، وقلد صوته المذعور والصرخة الهستيرية بطريقة ساخرة للغاية، بينما كان طارق يقف بجانبه وقد تحول وجهه بالكامل إلى اللون الأحمر الداكن من شدة الإحراج، ويحاول دفع زيد بعيداً عنه وهو يتمتم:
"هذا كذب... أنا لم أصرخ بهذه النبرة العالية... ولقد كانت عيناي مفتوحتين!"
في الجهة المقابلة، كان تأثير القصة عظيماً وصاعقاً.
لم تستطع مريم السيطرة على نفسها بعد الآن. انطلقت من حنجرتها ضحكة رنانة، صافية، وجميلة ملأت أرجاء الغرفة الواسعة. وضعت يدها الناعمة على فمها محاولة كتم ضحكاتها، لكن المشهد الكوميدي الذي رسمه زيد لطارق الضخم وهو يصرخ خائفاً بينما زيد يستند على الارض يتأمل الزومبي، كان فوق طاقتها على التحمل. اهتز جسدها بالكامل، ودمعت عيناها العسليتان من شدة الضحك، وراحت تنظر إلى طارق الممتعض بأسف مضحك.
حتى كرم الصغير، الذي لم يفهم تفاصيل القصة المعقدة للبالغين، ترك مكعباته الخشبية عندما سمع ضحك مريم، وبدأ يضحك ببراءة ويقلد حركات زيد بيديه الصغيرة وهو يقفز على السجادة.
أما المفاجأة الأكبر في تلك الغرفة، فقد كانت نبراس.
كان نبراس يستمع للقصة وهو يضع يده اليسرى على ذقنه. ومع وصول زيد إلى ذروة التقليد الساخر لصرخة طارق ووضعية الاسترخاء، بدأت ملامحه الجليدية القاسية تتفكك وتنهار. ارتفعت زوايا فمه لتظهر ابتسامة حقيقية، ثم تحولت الابتسامة إلى خفقة صدرية، وقبل أن يدرك نفسه، انطلقت من صدر نبراس ضحكة عميقة، رجولية، وصادقة.
كانت ضحكة نبراس حدثاً نادراً جداً في القصر، ضحكة هزت كتفيه العريضين وجعلت عينيه البنيتين تلمعان بدفء غاب عنهما منذ أشهر طويلة. ضحك نبراس من قلبه ليمتزج صوته الخشن بضحكات مريم الرقيقة وقهقهات كرم الطفولية.