10
عاد نبراس إلى غرفة الطعام حاملاً الصندوق الخشبي الصغير الذي تفوح منه رائحة المعقمات الطبية النظيفة. ما إن وضعه على الطاولة وفتحه، حتى اتسعت عينا كرم البنيتان، ولمع فيهما بريق ساطع من الفرح البريء الذي غاب عنه طويلاً. رأى الصغير سيارة الإطفاء الحمراء اللامعة، والقطار الخشبي، والكرات المطاطية الملونة، فنسي تماماً أمر الشطيرة التي أنهاها للتو، وانطلق بحماس طفولي جارف لاحتضان ألعابه الجديدة.
حمل كرم سيارة الإطفاء والقطار بين يديه الصغيرتين، واستدار بسرعة ليجلس على الأرضية الرخامية الواسعة لكي يبدأ اللعب وبناء مساراته التخيلية.
ولكن، وفي اللحظة التي كادت فيها ركبتا الطفل تلامسان الأرض، انقض نبراس بسرعة خاطفة، وامتدت كفاه القويتان لتقبضا على خصر كرم الصغير. رفعه نبراس قليلاً في الهواء، ليبقى الطفل معلقاً، وقدماه تتأرجحان بخفة فوق السطح الرخامي.
"انتظر لحظة يا صغيري،" قال نبراس بنبرة جادة، ثم التفت برأسه نحو الممر ونادى بصوته الصارم الذي يتردد صداه في أرجاء القصر:
"أين الخادمة المسؤولة عن هذا الجناح؟"
جاءت إحدى الخادمات تركض بخطوات مرتبكة، ووقفت أمامه مطرقة الرأس باحترام:
"نعم يا سيد نبراس، أنا تحت أمرك."
عقد نبراس حاجبيه، ونظر إلى الأرضية ثم إلى الخادمة بعينين دقيقتين كعيني صقر، وسألها:
"هل تم تعقيم هذه الأرضية تحديداً؟ لا أريد أي غبار أو ميكروبات تلامس يدي هذا الطفل أو ملابسه أثناء لعبه."
أجابت الخادمة بسرعة، محاولة طمأنته:
"أقسم لك يا سيدي أن القصر بأكمله قد تم تنظيفه وتعقيمه بالمواد المطهرة منذ ساعات الصباح الأولى، الأرضيات، وحتى مقابض الأبواب، كلها معقمة تماماً وتلمع من النظافة."
تنفس نبراس بعمق، وبدت ملامحه ترتخي قليلاً، ثم أنزل كرم برفق شديد ليجلس على الأرضية، وابتسم له قائلاً:
"الآن يمكنك اللعب كما تشاء يا بطل."
كانت هذه الحادثة البسيطة تكشف عن إحدى أبرز السلبيات في شخصية نبراس؛ لقد كان رجلاً يدقق كثيراً. كان هوسه بالنظافة، والترتيب، والسيطرة على أدق التفاصيل يصل أحياناً إلى حد الإرهاق لمن حوله. لم يكن نبراس يقبل بأنصاف الحلول، وفي عالم أصبح فيه الموت والعدوى يتربصان في كل زاوية، تضاعف هذا الهوس لديه ليصبح درعاً نفسياً يحاول من خلاله فرض النظام على فوضى العالم الخارجي، حتى لو كان ذلك على حساب عفويته ومرونته.
مرت الساعات، وانتصف النهار ليحمل معه جدول أعمال جديد لسكان الحصن. في الشرفة الخلفية الواسعة المظللة، جلس نبراس وطارق حول طاولة خشبية طويلة، وقد فرشا عليها قطعاً من القماش السميك. كانت رائحة زيت الأسلحة والبارود المحترق تملأ الهواء.
كان الاثنان منهمكين في تفكيك بنادق الصيد والأسلحة الآلية، لتنظيفها من آثار المعركة القصيرة في المجمع التجاري. كان نبراس يمسح أجزاء السلاح المعدنية بقطعة قماش مبللة بالزيت بتركيز شديد، بينما كان طارق يفحص مخازن الذخيرة ويعيد تعبئتها بحركات ميكانيكية خبيرة. لم يكن هناك مجال للحديث الكثير؛ فالأسلحة في هذا الزمن هي شريان الحياة، وأي عطل صغير قد يكلفهم أرواحهم.
أما في الساحة الترابية المعزولة خلف أسوار القصر، فقد كانت أجواء أخرى من التحدي تتشكل. وقف زيد، بجسده الضخم العريض، خلف مريم، يوجهها لتعلم فنون البقاء. كان قد ثبّت بعض الأهداف الخشبية على مسافة قريبة، وبدأ بتعليمها أساسيات استخدام مسدس الـ "غلوك" عيار 9 ملم.
"أبعدي قدميكِ قليلاً عن بعضهما، لتكتسبي توازناً أكبر،" قال زيد بصوت هادئ وموجه. "اقبضي على المسدس بكلتا يديكِ، ولا تغمضي عينيكِ عند الضغط على الزناد. توقّعي الارتداد، لكن لا تخافي منه."
أخذت مريم نفساً عميقاً، وثبتت قدميها كما أمرها، ثم ضغطت على الزناد. انطلقت رصاصة مكتومة الصوت، لتصيب طرف الهدف الخشبي.
"هكذا أفضل بكثير، لقد تحسنتِ عن المحاولة السابقة،" ابتسم زيد مشجعاً.
تنهدت مريم بارتياح، وأنزلت السلاح قليلاً، ثم التفتت إليه وقالت باحترام عميق:
"شكراً لك، سيدي. سأتدرب أكثر حتى أصيب المنتصف."
تنهد زيد، ومسح جبهته بيده، وقال بنبرة يتخللها عتاب أخوي ودود:
"مريم، كم مرة يجب أن أخبركِ؟ لا تناديني (سيدي). نحن هنا عائلة واحدة نكافح من أجل النجاة. اسمي زيد، ناديني به."
أحنت مريم رأسها قليلاً، ووردت وجنتاها بخجل، لكنها أجابت بصوت خفيض وعنيد في احترامه:
"أعتذر، سيدي زيد... لكنني لا أستطيع تجاوز ما قدمتموه لي، وهذا أقل ما يمكنني فعله لاحترامكم."
تجاوز زيد الأمر بابتسامة خفيفة، وأدرك أن الألقاب لن تسقط بين ليلة وضحاها. سحب خنجراً عسكرياً أسود اللون من حزامه، وتقدم خطوة نحوها لتغيير مجرى التدريب.
"حسناً، دعي المسدس الآن، لنتعلم ما هو أهم عند نفاذ الذخيرة،" قال زيد وهو يقلب الخنجر ببراعة في يده لتصبح شفرته نحو الأسفل. "المسافة القريبة هي الأخطر مع تلك المسوخ. طعن الصدر أو البطن لن يوقفهم؛ يجب أن تكون الضربة حاسمة نحو الدماغ أو قاعدة العنق. أمسكي الخنجر هكذا، واجعلي ذراعك مرنة لامتصاص الصدمة."
كانت مريم تتابع حركات زيد بتركيز تام، عاقدة العزم على استيعاب كل معلومة. كانت تدرك أن هذا التدريب هو جسرها الوحيد نحو الاستقلالية والثقة بالنفس.
وبينما كانت أصوات التدريب ورائحة الزيت تملأ الأرجاء، كان كرم في الجناح الداخلي للقصر يعيش عالمه الخاص. كان يجلس على السجاد الوثير، يمرر سيارة الإطفاء فوق خطوط السجادة الحمراء وكأنها طرقات مدينة.
ولم يكن وحيداً؛ فبأمر مباشر وصارم من نبراس، كان هناك خادم شاب يجلس على مسافة قريبة جداً منه. كانت مهمة هذا الخادم الوحيدة في هذا اليوم هي مراقبة كرم، لضمان سلامته، والتأكد من عدم اقترابه من أي زوايا حادة أو محاولته الصعود عبر الدرج بمفرده.