NOVELFLEX

17

خذم · بقلم فاطمة الربيعي

17

ثلاثة أسابيع كانت كفيلة بأن تُعيد ترتيب الأوراق داخل القصر بالنسبة لنبراس، كانت هذه الفترة اختباراً حقيقياً لصبره وعناده؛ إذ التزم ببروتوكول العلاج الطبيعي الصارم الذي فرضه عليه طارق، وبفضل بنيته العضلية ونظام التغذية الجيد، تعافى كتفه تماماً. استعادت ذراعه حركتها تدريجيا، ليعود القائد إلى سابق عهده

خلال هذه الأسابيع، لم تكن مريم مجرد فتاة ناجية تعيش في ظل الأخوين. لقد تغيرت كثيراً، صقل الخوف شخصيتها وحولها إلى جزء لا يتجزأ من منظومة الدفاع عن القصر. في هذا الصباح، لم تكن مريم لتخرج مع المجموعة؛ بل أوكل إليها نبراس مهمة ثقيلة تليق بالثقة المتزايدة فيها. كانت مسؤولة عن التحقق اليومي لأمان القصر، تتفحص الأسوار الحديدية، وتراجع نقاط الحراسة مع الخدم المسلحين، وتتأكد من عمل كاميرات المراقبة المحيطة بالأسوار الخلفية.

وقفت مريم عند بوابة القصر الداخلية، وهي ترتدي سترتها التكتيكية الخفيفة، ممسكة بمسدسها الأبيض العاجي الجديد الذي أهداه لها نبراس، والذي أصبح رفيقها الدائم. بجوارها، كان الطفل كرم يمسك بطرف ثوبها، وعيناه الواسعتان تتابعان تحركات الرجال الكبار وهم يجهزون سيارة الدفع الرباعي. انحنت مريم، ومسدت شعر كرم برفق، ثم نظرت إلى نبراس وزيد وطارق قائلة بنبرة حازمة:

"كل شيء آمن هنا. سأقوم بالجولة التفقدية للأسوار الآن، واحرصوا على العودة سريعاً."

أومأ نبراس لها برأسه مطمئناً، بينما غمز لها زيد بخفة وهو يصعد إلى مقعد القيادة. كانت الوجهة هذه المرة مختلفة وليست عسكرية؛ إذ أصيبت إحدى الأبقار الحلوب في مزرعة القصر بالتهاب شديد هدد حياتها، وكان القصر بحاجة ماسة للحفاظ على كل مصدر للغذاء الطبيعي. ولأنهم لا يمتلكون خبرة في الطب البيطري، أحضروا معهم "عم ناصر"، راعي الحيوانات العجوز الذي كان يعمل في المزرعة منذ أيام السيد سليم، ليكون مرشدهم في اختيار العلاجات والمضادات الحيوية المناسبة من عيادة بيطرية تقع على أطراف البلدة.

انطلقت السيارة الضخمة تشق الطريق الإسفلتي المتشقق، وكالعادة، كان زيد في الأمام يقود بسرعة وحذر، خصلات شعره الأشقر تتحرك مع حركة السيارة، وعيناه الخضراوان تراقبان جوانب الطريق الموحشة. بجانبه كان طارق، وضخامته المعتادة تملأ المقعد، بينما جلس نبراس في الخلف بجوار الراعي العجوز ناصر.

الجو داخل السيارة كان هادئاً، يتخلله صوت المحرك العنيف. تطلع طارق من النافذة، ونظر إلى نبراس عبر المرآة الداخلية قائلاً بمرح:

"يبدو أن كتفك أصبحت حديدية مجدداً يا قائد."

ابتسم نبراس ابتسامة خفيفة، وحرك كتفه اليمنى بحرية.:

"لقد انتهت فترة دلالي يا طارق. اليوم سنرى إن كنت ستستطيع مواكبتي في الحركة، أم أنك ستصرخ مجدداً كما فعلت في مركز الشرطة."

انفجر زيد بالضحك وهو يضغط على مكابح السيارة فجأة عند رؤية لافتة العيادة البيطرية المستهدفة:

"أوه، أرجوك يا نبراس لا تذكرني! لا زلت أسمع صدى صرخته الهستيرية في أذني كلما نمت."

تمتم طارق ببعض الكلمات الغاضبة بمزاح، ونزل من السيارة فور توقفها بالكامل. كان المبنى صغيراً، يقع في منطقة شبه ريفية، جدرانه البيضاء مغطاة بالأتربة وبعض بقع الدماء الجافة القديمة. النوافذ الزجاجية كانت سليمة جزئياً، مما يوحي بأن المكان لم يتعرض لنهب كبير.

توقفت المجموعة أمام الباب الأمامي للعيادة. سحب نبراس مسدسه، وأشار لزيد بتغطية المدخل الخارجي، بينما تقدم طارق بصفته المستكشف الأول، ودخل إلى الردهة الداخلية للعيادة البيطرية ليتفحص المكان ويتأكد من خلوه من أي تهديد قبل دخول الراعي العجوز.

كانت الردهة ضيقة، تفوح منها رائحة الأدوية الكيميائية المختلطة برائحة الموت المألوفة. سار طارق بخطوات حذرة، حاملاً سلاحه بيده اليمنى، وعيناه تتفحصان المكاتب المقلوبة والأوراق المبعثرة. دخل خلف مكتب الاستقبال الرئيسي، متوجهاً نحو غرفة العمليات الصغيرة في الخلف حيث تُحفظ الأدوية.

وفجأة، ومن خلف الباب الموارب لغرفة الأشعة، اندفع جسد نحيل بسرعة جنونية لم يتوقعها طارق.

كانت طبيبة بيطرية تحولت إلى زومبي؛ ملابسها الطبية البيضاء ممزقة وملطخة بالدماء السوداء، ووجهها مشوه بالكامل وفكها يتحرك بحركات عشوائية مرعبة. لم يمتلك طارق الوقت الكافي لرفع سلاحه أو التراجع بسبب ضيق الممر خلف المكتب. اندفع الوحش فوقه، وبحركة خاطفة وعنيفة، أطبقت الطبيبة الزومبي بفكها المليء بالأسنان الحادة مباشرة على ساعد طارق الأيسر، مخترقة القميص الخفيف وممزقة الجلد واللحم بعمق.

"تباً!" صرخ طارق بصوت مكتوم، وهو يحاول دفع رأس الوحش بيده الأخرى.

في الأجزاء من الثانية التالية، اندفع زيد كالسهم عبر الممر بعد أن سمع صوت الارتطام. رأى المشهد، ولم يتردد؛ رفع سكينه القتالية الطويلة، وبحركة دقيقة وسريعة، غرس الشفرة الفولاذية في مؤخرة جمجمة الطبيبة الزومبي، لتتحرك عينيا الوحش بحركة عشوائية قبل أن يسقط جسدها هامداً وفكها ينفك عن ذراع طارق، لتسيل الدماء الحمراء الحارة بغزارة.

سقط طارق مستنداً على الحائط، ووجهه الضخم قد تراجع منه الدم تماماً ليصبح شاحباً كالموت. كان يتنفس بسرعة ولهث، ويده اليمنى تحاول الإمساك بساعده الأيسر بقوة، محاولاً تغطية الجرح النازف ومنع الأخوين من رؤية الحقيقة المرعبة.

دخل نبراس إلى الغرفة بخطوات سريعة، وعيناه تتنقلان بين جثة الزومبي وطارق الملقى على الأرض. كان قلبه يدق بعنف، لكن ملامحه تجمدت فوراً:

"طارق... أرني ذراعك،"

"أنا بخير... مجرد خدش بسيط من حافة الطاولة أثناء السقوط..." تمتم طارق بصوت مرتعش، وهو يحاول النهوض وتجنب نظرات نبراس.

لم ينتظر نبراس تبريراته. تقدم خطوة واسعة، وبحركة قوية وحاسمة، سحب يد طارق اليمنى بعيداً، ورفع كم قميصه الأيسر الممزق.

هناك، في منتصف الساعد، كانت علامات العضة واضحة تماماً؛ جرح غائر على شكل فك بشري، الدماء الحمراء تتدفق منه، وحواف الجرح بدأت تكتسي بلون أزرق داكن مائل للسواد بفعل السم الخبيث الذي بدأ يتسلل إلى مجرى الدم.

تراجع زيد خطوة إلى الوراء، واتسعت عيناه الخضراوان بصدمة مطلقة. شعر بأن الأرض تهتز تحت قدميه، ووضع يده على رأسه وهو يهمس بغير تصديق:

"لا... لا، أرجوك يا إلهي، ليس طارق... ليس الآن."

أما الراعي العجوز ناصر، فقد تراجع نحو أبعد زاوية في الغرفة، وتجمد جسده بالكامل من الرعب، وعيناه تتطلعان إلى الجرح وكأنه يرى حكم الإعدام الصادر بحقهم جميعاً.

لم يضع نبراس ثانية واحدة في البكاء أو الندم. كان يعلم من خلال قراءاته وتجاربه السابقة أن الفيروس ينتشر في مجرى الدم خلال دقائق، وأن الطريقة الوحيدة لإنقاذ حياة المصاب قبل تفشي السائل الخبيث في كامل الجسد هي البتر الفوري.

التفت نبراس، وتوجه نحو زاوية الرواق حيث كانت تعلق أدوات الطوارئ والحريق. عثر على فأس حريق ضخمة وثقيلة، ذات شفرة فولاذية حادة ومقبض خشبي طويل. أمسك بها بيده اليمنى التي تعافت للتو، وشعر بثقلها.

عاد نبراس إلى الغرفة حيث يرقد طارق، ودخل وأغلق الباب الخشبي الثقيل خلفه جيداً، وأنزلق المزلاج الحديدي ليوصد الباب تماماً، عازلاً إياهم عن العالم الخارجي.

عندما رأى طارق الفأس في يد نبراس، اتسعت عيناه برعب حقيقي. تراجع بجسده الضخم ضد الحائط، وصاح بنبرة مليئة بالخوف والاعتراض:

"نبراس! ماذا ستفعل؟ لا... أرجوك لا تفعل هذا!"

اندفع زيد فوراً ليقف بجسده كحاجز بين نبراس وطارق، وهو يتنفس بسرعة ويحاول تهدئة شقيقه الأكبر:

"نبراس، انتظر! فكر قليلاً! هل أنت متأكد من هذا؟ قد تقتله الصدمة! قد ينزف حتى الموت قبل أن نصل إلى القصر! دعنا نجد حلاً آخر، أرجوك!"

نظر نبراس إلى زيد بعينين تشتعلان بتركيز حاد ومؤلم، وقال:

"زيد، ابتعد من أمامي حالاً! ليس لدينا وقت للتفكير أو النقاش! الفيروس يتحرك في عروقه الآن. إذا أردنا لطارق أن يعيش، إذا أردنا أن نراه يتنفس غداً، يجب أن نقطع ذراعه فوراً! هذا هو خياره الوحيد، وإلا سأضطر لتوجيه رصاصة إلى رأسه بعد ساعات عندما يتحول!"

من الزاوية المظلمة، خرج صوت الراعي العجوز ناصر المرتعش والمليء بالذعر:

"يجب... يجب قتله الآن! من نجا من عضة هؤلاء المسوخ؟ ليس من المؤكد أبداً أنه سيعيش لو قطعتم يده! قد يتحول في السيارة ويمزقنا جميعاً! أطلقوا النار عليه وانهوا الأمر!"

التفت نبراس نحو الراعي بنظرة مرعبة جعلت العجوز يتنفس بصعوبة. رفع نبراس يده اليسرى وأشار بها نحو ناصر، وقال بصوت يقطر غضباً ووعيداً:

"إذا لم تصمت وتغلق فمك اللعين الآن، أقسم لك بأني سأمسك سكيناً أعمى غير حاد وأقطع لسانك به قبل أن أنهي عملي هنا! طارق لن يموت، ولن يتنفس أحد هنا بكلمة قتل!"

ساد الصمت الغرفة مجدداً، ولم يُسمع سوى أنفاس طارق اللاهثة.

تجاوز نبراس شقيقه زيد، وتقدم حتى وقف مباشرة فوق طارق الراكع على الأرض. انخفض نبراس بجسده ليكون في مستوى نظر صديقه المقرب. اختفت الصرامة من عيني نبراس للحظة، وحل محلها حزن عميق، حزن أخ يوشك على تعذيب أخيه لإنقاذه.

تجمعت الدموع في عيني نبراس، ونظر مباشرة في عيني طارق وقال بنبرة مكسورة، تحمل كل معاني الرجاء:

"طارق... أرجوك. ثق بي. دعني أفعل هذا... لا خيار آخر لدي."

نظر طارق إلى وجه نبراس، ورأى الدموع في عيني الرجل الذي لم يره يبكي قط. تحولت ملامح طارق من الرعب إلى استسلام مطلق ومؤلم. كان يظن في أعماقه أنه بكلا الحالتين سوف يموت؛ إما من الفيروس أو من نزيف البتر، لكنه قرر أن يمنح صديقه المحاولة الأخيرة.

أومأ طارق برأسه ببطء، وأرخى ذراعه المصابة، وقال بصوت خافت ومتعب:

"افعلها يا نبراس... افعلها قبل أن أفقد شجاعتي."

التفت نبراس نحو زيد والراعي، وقال:

"زيد! امسك به بقوة! ناصر، تقدم وساعده حالاً! ثبتوا كتفه وجسده بالكامل على الأرض، يجب ألا يتحرك مليمترًا واحداً عندما أنزل الفأس، وإلا ستخطئ الشفرة هدفها وتحدث كارثة أكبر!"

تقدم زيد، والدموع تسيل على خديه. جثا على ركبتيه خلف طارق، ولف ذراعيه الضخمتين حول صدر طارق وكتفه السليمة، مثبتًا إياه بكل قوته العضلية ضد الحائط والأرض. تقدم الراعي ناصر بجسد مرتجف، وأمسك بأقدام طارق وساقيه، محاولاً الضغط بكامل وزنه لمنع أي حركة عشوائية.

كان التثبيت بغاية الصعوبة؛ فطارق كان مدرباً رياضياً، يمتلك بنية جسدية ضخمة وعضلات فولاذية قوية للغاية. ومع اقتراب اللحظة الحاسمة، بدأ جسده يتفاعل غريزياً مع الخوف والألم المتوقع، وبدأ يرتجف ويقاوم بشكل غير إرادي، مما تطلب من زيد أن يضغط بكل قوته، حتى كادت عروق يديه تنفجر من شدة المجهود.

مد نبراس ساعد طارق الأيسر المصاب فوق لوح خشبي سميك كان ملقى على الأرض، وثبته بيده اليسرى من عند المعصم، متجنباً منطقة العضة تماماً.

وقف نبراس بكامل قامته. رفع الفأس الثقيلة بكلتا يديه فوق رأسه. تجمعت الدموع في عينيه البنيتين الفاحمتين حتى حجبت الرؤية جزئياً، لكنه مسحها بحركة سريعة من كتفه. كان يعلم أن أي تردد، أي ضعف، أو أي ضربة خفيفة سيعني عذاباً مضاعفاً لصديقه. يجب أن تكون الضربة قوية، حاسمة، ونهائية.

"سامحني يا صديقي..." قال نبراس في سره.

وانزل نبراس الفأس بقوة هائلة، مستخدماً كل طاقة عضلات ظهره وكتفيه.

أصدرت الشفرة الفولاذية صوتاً مرعباً وهي تخترق الجلد واللحم وتتحطم فوق عظام الساعد. انطلقت من حنجرة طارق صرخة ألم مرعبة تمزق الجدران والقلوب. اهتز جسده الضخم بعنف خارق، كاد معه أن يرفع زيد والراعي عن الأرض.

لكن العظام لم تنقطع بالكامل من الضربة الأولى بسبب ضخامة بنية طارق.

لم يتردد نبراس، ورغم أن قلبه كان يتمزق مع كل صرخة، إلا أنه رفع الفأس مجدداً دون تأخير، وانزلها بقوة متكررة في نفس المكان لكيلا يؤلم صديقه مراراً وتكراراً بضربات عشوائية.

الضربة الثانية.

الضربة الثالثة.

تطايرت الدماء الحمراء الغزيرة في كل مكان، لتلطخ وجه نبراس وصدره، وتغطي ملابس زيد والأرضية بالكامل. استمر نبراس في الضرب بسرعة وعنف، حتى قطعت الشفرة الساعد بالكامل، وصولاً إلى منطقة الكوع، لينفصل الجزء المصاب من الذراع ويسقط بعيداً على الأرض.

مع اكتمال القطع، بلغت صرخة طارق ذروتها، صرخة خارقة للأذن تحمل كل عذاب الكون، ثم فجأة... انقطع الصوت تماماً. ارتخى جسد طارق الضخم بالكامل، وسقط رأسه للخلف في حضن زيد، بعد أن فقد الوعي تماماً وغاب عن الوجود بفعل الصدمة العصبية والألم الفوق بشري.

تنفس نبراس بصعوبة، وهبط بالفأس على الأرض مستنداً عليها، وصدره يعلو ويهبط بسرعة. كان وجهه مغطى بدماء صديقه، والدموع تصنع مسارات نظيفة وسط الغبار والدم الملتصق بوجنتيه. كان يرتجف بالكامل، وهي المرة الأولى التي يرتجف فيها نبراس منذ بداية نهاية العالم.

صرخ الراعي العجوز ناصر برعب، وهو يتراجع للخلف ويسقط على مؤخرته:

"لقد مات! لقد مات وتحول! انظروا إليه، لقد انقطع نفسه! سيقوم الآن لينهش عظامنا! اقتلوه قبل أن يستيقظ!"

التفت زيد نحو الراعي، وعيناه الخضراوان مليئتان بالدموع والغضب الأعمى، وصاح به بصوت مبحوح:

"اخرس! اخرس أيها العجوز الملعون وإلا سأقتلك أنا بيدي هاتين!"

أما نبراس، فقد وضع يده اليسرى على عنق طارق، وتحسس النبض. كان النبض سريعاً وضعيفاً، لكنه كان موجوداً.

"إنه لم يتحول، ولم يمت،" قال نبراس بصوت منخفض ومجهد، وهو يحاول السيطرة على أنفاسه. "لقد أغمي عليه من شدة الألم. الصدمة جعلت عقله ينفصل عن الواقع، وهذا أفضل له الآن لكيلا يشعر بما سنفعله بعد قليل."

التفت نبراس نحو الجرح النازف. كانت الدماء تتدفق كالشلال من الشرايين المفتوحة عند منطقة الكوع المبتور. إذا لم يتوقف النزيف خلال دقيقتين، سيموت طارق فعلياً قبل أن يتحركوا خطوة واحدة.

بدون أي تردد، وضع نبراس الفأس جانباً، وأمسك بأطراف قميصه الأسود الواسع الذي كان يرتديه. وبحركة واحدة قوية بيده اليسرى واليمنى، مزق القميص بالكامل ليخلعه عن جسده، تاركاً صدره عارياً. بدأ بتمزيق القميص إلى شرائط قماشية طويلة وعريضة.

نظر زيد إلى أخيه، وفهم الخطة فوراً. لم ينتظر؛ أمسك بقميصه هو الآخر، ومزقه بعنف ليخلعه عن جسده، لتصبح عضلات صدره مكشوفة ايضا. انضم إلى نبراس في تمزيق القماش لصناعة ضمادات مكثفة وسميكة.

"زيد، إجلب كل زجاجات المطهر والمضادات الحيوية والمراهم من الخزائن فوراً!" أمر نبراس وهو يضغط بكلتا يديه العاريتين على موضع القطع عند كوع طارق لمحاولة كبح النزيف الرهيب.

ركض زيد نحو الخزائن المقلوبة، وبدأ يسحب زجاجات السبيرتو الطبي (الكحول)، واليود المطهّر، وعلب الشاش المعقم إن وجدت. عاد سريعاً وجثا بجوار نبراس.

فتح نبراس زجاجة مطهر كحولي كبيرة. "ثبته مجدداً يا زيد، حتى وهو غائب عن الوعي، قد يتفاعل جسده مع حروق المطهر."

أمسك زيد بجسد طارق مجدداً. سكب نبراس السائل المطهّر مباشرة فوق اللحم الحي والعظام المكشوفة للجرح المبتور. ورغم غيبوبة طارق، إلا أن جسده انتفض بقوة واهتزت عضلاته بعنف، وأصدر أنيناً خافتاً وموجعاً من بين شفتيه المغلقتين.

بدأ نبراس وزيد بوضع قطع القماش السميكة الناتجة عن قمصانهم فوق الجرح. لفوا الأقمشة بقوة وإحكام شديدين حول الكوع، صانعين ضاغطاً قماشياً ضخماً (تورنيكه) لمنع تدفق الدم من الشرايين الرئيسية. كانت يدا نبراس وزيد تتحركان بسرعة وتنسيق غريب، ورغم الألم النفسي والجسدي الذي كانا يمران به، إلا أن رغبتهما في إنقاذ صديقهما كانت الدافع الوحيد للاستمرار.

بعد دقائق من العمل الشاق والمستمر، استقر النزيف جزئياً، وتحول الشلال الدافق إلى بقع دماء تتسرب ببطء عبر الأقمشة المربوطة بإحكام.

جلس نبراس على الأرض بجوار طارق، وسند ظهره العاري على الجدار الخرساني البارد. رفع رأسه للأعلى وأغمض عينيه. كان يشعر بإنهاك لم يشعر به قط طوال حياته. تذكر كيف كان طارق يمازحه قبل دقائق فقط في السيارة، تذكر ضحكته الجسورة وبنيته التي كان يظن أنها لا تقهر. والآن، ها هو صديقه يرقد بجواره، فاقداً لنصف ذراعه، يصارع الموت بسبب قرار اتخذه نبراس بنفسه وحمله على عاتقه.

كانت صور نزول الفأس وتطاير العظام تعاد في مخيلة نبراس ككابوس مستمر، وشعر بثقل المسؤولية كقائد يضغط على صدره حتى كاد يخنقه. كان عليه أن يكون قادراً على القتل، وقادراً على التشويه، وقادراً على اتخاذ أقسى القرارات لكي يضمن بقاء المجموعة، لكن الثمن النفسي كان باهظاً جداً.

أما زيد، فقد انهار تماماً في زاوية الغرفة. جثا على ركبتيه، ووضع وجهه بين كفيه الملطختين بالدماء، وبدأ يبكي بصوت مسموع ومحبط. كانت عضلات ظهره العاري تهتز مع كل شهقة بكاء. لم يكن زيد قادراً على تحمل هذا الكم من الواقعية القذرة؛ فرؤية صديق عمره يقطع بهذه الطريقة البشعة كانت فوق طاقته الاستيعابية كشاب في الثالثة والعشرين من عمره.

"لماذا يحدث هذا لنا يا نبراس؟" سأل زيد بصوت مكسور ومبحوح وسط دموعه. "لماذا يجب أن نمزق بعضنا لكي نعيش؟"

لم يفتح نبراس عينيه، ولم يغير وضعيته، لكنه أجاب بصوت هادئ، متعب، ويحمل عمق الجحيم الذي يعيشونه:

"لأن العالم القديم قد مات يا زيد... وفي هذا العالم الجديد، الوجع هو الثمن الوحيد لشراء يوم آخر من الحياة. ارفع رأسك، وامسح دموعك. يجب أن نحمل طارق إلى السيارة الآن. مريم تنتظرنا في القصر، والمعركة الحقيقية للحفاظ على حياته من الالتهاب تبدأ عندما نعود."

مسح زيد وجهه بعنف، ونفض الغبار والدموع عن عينيه. وقف على قدميه، ونظر إلى أخيه الأكبر بنظرة تحمل كل معاني الاحترام والولاء.

انحنيا معاً، نبراس وزيد، بجسديهما، وحملا الجسد الضخم لطارق الغائب عن الوعي بعناية بالغة، وتوجها به نحو السيارة تحت نظرات الراعي العجوز الذي كان يتبعهم بخطوات مرتجفة، تاركين خلفهم في تلك العيادة الملعونة قطعة من لحم صديقهم.