3
في وسط القاعة التي تحولت من مصنع للأجساد الرياضية إلى ورشة بدائية لتصنيع أدوات القتل، كان دوي العمل لا ينقطع. طارق والرجال الآخرون انشغلوا بفك القضبان الحديدية، ونزع المقابض الفولاذية من أجهزة السحب، وتحويل الحبال السميكة المجدولة إلى أربطة متينة لتثبيت الأثقال المدببة. كانت رائحة الشحم والحديد البارد تختلط بعرق الخوف المتصبب من جباههم.
أما نبراس، فقد كان جسده يعمل بآلية منفصلة عن عقله. كان يمسك بقضيب حديدي متوسط الطول، يلف على مقبضه شريطاً مطاطياً لاصقاً من لفة وجدها في حقيبة الإسعافات الأولية، ليضمن ألّا ينزلق من كفه إذا ما تلطخ بالدماء. لكن عينيه لم تكونا تريان الجدران الإسمنتية للنادي، ولا النوافذ المهتزة تحت وطأة الحشد الخارجي؛ بل كانتا تغوصان في بئر عميقة من الذكريات التي أيقظتها هذه العزلة القاتلة.
أخوه. زيد.
الكلمة نفسها كانت تحمل في طياتها تزويرًا جميلاً تعاهد الاثنان على تصديقه حتى صار حقيقة لا تقبل الشك. الحقيقة العارية التي لطالما غلفاها بستائر النسيان هي أنهما لا يتشاركان بقطرة دم واحدة. لم تجمع بينهما رحم، بل جمعهما سقف متآكل لدار أيتام في أطراف المدينة، وجدران باردة شهدت على انكسار طفولتهما المبكرة.
انعكس بريق الضوء على القضيب الحديدي، ومعه انقشعت السنون، ليعود نبراس إلى ذكراه الأولى في هذا العالم. تلك الذكرى التي حُفرت في تلافيف دماغه كوشم بالنار، والشرارة التي شكلت كل قسوته وجديته الحالية.
كان في السابعة من عمره. يتذكر تماماً برودة كف أمه وهي تقوده عبر الممر الطويل ذي الرائحة الوخيمة—رائحة المنظفات الرخيصة الممزوجة بالرطوبة. يتذكر معطفها الصوفي الرمادي الذي كان يمسك بطرفه بخوف، وعيناها اللتان لم تنظرا إليه طوال الطريق. جلست معه على مقعد خشبي صلب، وانحنت لتصبح بمستوى طوله، ومسحت على وجنته بيد كاذبة الدفء وقالت له بنبرة مستعجلة:
"ابقَ هنا يا نبراس. سأذهب لأشتري لك الحلوى التي تحبها، وتلك الشطيرة الكبيرة. سأعود إليك بعد قليل... لا تتحرك من مكانك."
صدقها. كيف لا يصدق طفل في السابعة النبع الوحيد لأمانه؟ جلس مكانه لساعات، رافضاً التحرك، رافضاً اللعب مع الأطفال الآخرين الذين كانوا يصرخون في الفناء الخلفي للدار. تلاشت حمرة الشفق، وحل ظلام الليل، وبردت أطرافه الصغيره، وظل متشبثاً بالمقعد، يراقب الباب الخشبي الضخم بانتظار أن ينفتح وتطل منه بائعة الأوهام.
لم تعد. ولن تعود أبداً.
علم لاحقاً، أنه في نفس الدقيقة التي كانت تقنعه فيها بالانتظار، كان قلمها يوقع بخطوط سريعة على عقد التخلي القانوني التام. باعته للمجهول مقابل خلاصها من عبء تربيته، ووقعت ورقة تفيد بأنها لا تملك أي صلة بهذا الطفل بعد الآن، تاركة إياه لقمة سائغة للوحدة.
منذ ذلك اليوم، انغلق نبراس على نفسه. صار الطفل الصامت، الكتوم، الذي لا يبتسم ولا يطلب شيئاً من أحد. كان يعيش كظل في زوايا الميتم، يراقب العالم بعيني صقر صغير تعلم مبكراً أن يد البشر لا تمتد إلا لتأخذ، لا لتعطي.
حتى جاء ذلك اليوم، جلس كعادته على عتبة الدرج المؤدي إلى الباحة الترابية، يستمتع بقطعة حلوى "مصاصة" حمراء كان قد حصل عليها كمكافأة نادرة من إحدى المشرفات لتفوقه في دروسه.
وفجأة، ارتفع صوت بكاء مرير، نحيب طفلي يمزق الصمت الرتيب للميتم. التفت نبراس ببصره، فرأى طفلاً صغيراً في الخامسة من عمره، بجسد ضئيل وخصلات شعر شقراء مبعثرة، يجلس على التراب، ودموعه تسيل بغزارة على وجنتيه المحمرتين، مسببة خطوطاً طينية على وجهه الصغير.
كان الطفل—الذي علم لاحقاً أن اسمه زيد—ينظر بحسرة وفجيعة إلى الأرض بين قدميه. لقد سقطت مصاصته الصفراء الوحيدة على التراب، وتلوثت بالكامل وصارت غير صالحة للأكل. بالنسبة لفلذ كبد في الخامسة، تُرك وحيداً في هذا العالم القاسي، كانت تلك المصاصة المفقودة تمثل انهيار كونه الصغير بالكامل.
أدار نبراس وجهه في البداية، محاولاً تجاهل الأمر. فالقاعدة الأولى للنجاة في الميتم هي ألّا تتدخل في شؤون الآخرين. لكن استمرار بكاء زيد، تلك الشهقات المكتومة التي كانت تخرج من صدره الصغير كأنه يختنق، حركت شيئاً مدفوناً في أعماق نبراس. رأى في زيد نفسه رأى فيه ذلك الخذلان، وتلك الحاجة ليد تمتد لتنقذ.
وقف نبراس، ومشى بخطوات وئيدة نحو الطفل الباكي. انحنى أمامه، ونظر إلى المصاصة المتسخة، ثم نظر إلى زيد. دون أن ينطق بكلمة، مد يده وحمل المصاصة الحمراء الخاصة به—التي لم يكن قد تذوق منها سوى القليل—ووضعها برفق في كف زيد الصغيرة المرتجفة.
توقف زيد عن البكاء فجأة. شهق شهقة أخيرة، ونظر إلى الحلوى الحمراء النظيفة في يده، ثم رفع عينيه الواسعتين اللامعتين بالدموع نحو نبراس. في تلك اللحظة، ولد ذلك الرابط المقدس. مسح زيد وجهه بظاهر كفه، وانفرجت شفتاه عن ابتسامة صغيرة ممتنة، ومنذ تلك الثواني، أصبح نبراس هو كوكب الأرض بالنسبة لزيد؛ يدور في فلكه ولا يفارقه خطوة واحدة.
تذكر نبراس كيف كان زيد يتبعه في كل مكان؛ ينام بجانبه في السرير الضيق، ويمسك بطرف قميصه أثناء تناول الطعام، ويحتمي بخلف ظهره الصغير إذا ما حاول الأطفال الأكبر سناً مضايقته. كان نبراس يكبره بسنتين فقط، لكنه كان يشعر أنه مسؤول عن هذا الكائن الضعيف مسؤولية أب عن ابنه.
شد نبراس الشريط المطاطي على مقبض الحديد بعنف، وتنهد تنهيدة حرّى وهو يتذكر المنعطف الأكبر في حياتهما.
كان ذلك بعد مرور اربع سنوات على لقائهما. كان نبراس في الحادية عشرة، وزيد في التاسعة. ورغم خشونة الحياة في دار الأيتام وسوء التغذية، إلا أن الطبيعة كانت قد حبت هذين الصبيين بجمال نادر، جمال كان يلفت أنظار كل من يزور الدار من المتبرعين والباحثين عن التبني.
كان نبراس يملك ملامح حادة بعينين داكنتين كأنهما قطعتا ليل، ابيض البشرة وشعر أسود فاحم كجناح غراب. أما زيد، فقد كان نقيضاً ساحراً؛ ملامحه ناعمة، أرستقراطية، بعينين عسليتين واسعتين تشعان براءة ونقاء، وبشرة بيضاء صافية رغم شحوب الميتم. كانا يبدوان معاً كلوحة فنية مرسومة بعناية، أو كما كان يهمس البعض:
"كأنهما ملاكان هبطا إلى هذا المكان الملعون بالخطأ".
وفي أحد أيام الخريف الباردة، زار الدار رجل ثري، يدعى "السيد سليم". كان رجلاً في الخمسة والثلاثين من عمره، يرتدي معطفاً فاخراً، عيناه تحملان حزناً عميقاً لفقدان زوجته وعقمه الذي حرمه من الذرية. كان يبحث عن طفل يتبناه ليكون وريثاً لاسم عائلته العريقة.
وعندما كان يسير في الممر الرئيسي برفقة مدير الدار، لمح نبراس وزيد يجلسان معاً في زاوية الضوء المنبعث من النافذة، يقرآن من كتاب ممزق واحد. فتوقف الرجل في مكانه، وشلت حركته تماماً وكأنه رأى معجزة.
تذكر نبراس كيف اقترب منهما الرجل بخطوات بطيئة، حذرة، كأنه يخشى أن يطير هذان الطائران الجميلين. جثا السيد سليم على ركبتيه على الأرض المتسخة، غير آبه ببنطاله الثمين، ومد يده المرتعشة ومسح برفق شديد على رأس نبراس أولاً، ثم على خصلات شعر زيد.
تذكر نبراس تمتمات الرجل الحزينة، صوته المخنوق بالدموع وهو ينظر إلى تفاصيل وجهيهما البديعة:
"يا إلهي... سبحان الخالق. كيف؟ كيف طاوعت قلوب عائلاتكم أن تترك أطفالاً بهذا الجمال الشديد؟ أي قسوة هذه التي تقذف ملائكة مثلكم في هذه الممرات المظلمة؟"
التقط الرجل يديهما الصغيرتين، وضمهما إلى صدره، وقال بعهد قاطع:
"منذ اليوم، لن تكونا هنا. سآخذكما معاً لن أفصل بينكما أبداً."
وهكذا انتقلا إلى القصر الكبير، ونشآ في رغد من العيش، ونالا أفضل تعليم. ومع مرور السنوات، لم يندثر ذلك الجمال الطفولي، بل ازداد نضوجاً وبهاءً. تحول نبراس إلى شاب مفتول العضلات، حاد الملامح، ذي جاذبية طاغية تمزج بين الغموض والقوة والوسامة الأرستقراطية، بينما أصبح زيد شاباً يافعاً، يفيض وسامة وبهاءً، بنظراته العذبة وحضوره الآسر الذي يجذب القلوب تلقائياً.
"نبراس! خذ هذا، قد تحتاجه."
قطع صوت طارق الخشن حبل ذكريات نبراس، ليعيده بعنف إلى الواقع المرير داخل النادي الرياضي. التفت نبراس ليجد طارق يقف أمامه، ماداً يده بقضيب حديدي طويل، مأخوذ من جهاز رفع الأثقال الأولمبي، بعد أن قام الرجال ببرد طرفه باستخدام آلة سن حديدية صغيرة كانت في ورشة الصيانة الخلفية للنادي، ليصبح الطرف مدبباً وحاداً كالحربة.
"شكراً،" قال نبراس وهو يستبدل القضيب الصغير الذي كان بيده بهذا السلاح الجديد الأطول والأكثر فتكاً. اختبر وزنه في يده، فوجده ممتازاً ويمنحه ميزة المسافة ضد أي مسخ يحاول الاقتراب لعضه.
التفت نبراس حوله ليرى ما صنعه الرجال الآخرون. لقد تحولت قاعة الرياضة إلى مستودع أسلحة مبتكرة من أدوات الجيم:
سامر، الشاب الذي كان يراقب النافذة بذعر، اختار لنفسه قضيبين قصيرين وثقيلين من الحديد المصمت (دمبلز بعد تفكيك أوزانها)، وثبت في نهايتهما صفائح حديدية دائرية ذات حواف حادة، لتبدو كالمطارق الحربية الثقيلة. رغم ارتعاش يديه، إلا أن السلاح كان كفيلاً بتهشيم أي جمجمة بضربة واحدة.
الرجلان الآخران، أحدهما يدعى خالد، قام بقطع حبل السحب السميك المصنوع من النايلون المقوى، وربط في نهايته وزناً حديدياً بوزن 5 كيلوغرامات، ليصنع منه ما يشبه "المهدّ الفلاذي" أو السوط الثقيل الذي يمكنه تحطيم العظام من مسافة آمنة. والآخر ثبت خنجراً صغيراً كان في حقيبته بنهاية مقبض خشبي طويل مأخوذ من ممسحة التنظيف، ليصنع رمحاً بدائياً.
وقف طارق في وسطهم، وكان قد تسلح بقضيب حديدي ضخم ومربع الشكل، نزعه من هيكل أحد الأجهزة الرئيسية، وهو سلاح يحتاج إلى قوة بدنية هائلة مثل قوته لتحريكه بفعالية.
"استمعوا إليّ جميعاً،" قال طارق وصوته يتردد بقوة بين الجدران الصامتة. "الأسلحة جاهزة. الباب الخشبي الخلفي للنادي يؤدي إلى الممر الضيق المؤدي للموقف الخلفي، وهو أقل ازدحاماً من الشارع الرئيسي الواقفي أمامه الآن. سنخرج من هناك كمجموعة واحدة، متماسكين، لا ينفصل أحدنا عن الآخر. هدفنا ليس القتال، بل الوصول إلى سيارة خالد التي ركنها في الخلف ولم تتضرر. هل هذا واضح؟"
أومأ الجميع برؤوسهم، وعيونهم تلمع بمزيج من الخوف المستعر والرغبة القاتلة في النجاة.
نظر نبراس إلى سلاحه الجديد، وثبّت قبضتيه عليه حتى ابيضت مفاصله. صور الماضي وصورة زيد الباكي تلاشت، وحلت محلها صورة واحدة: وجه شقيقه وهو ينتظره في ذلك القصر المعزول. كل ما كان يهمه في هذه اللحظة هو أن يتحول هذا الحديد الذي بيده إلى آلة حاصدة للأرواح الميتة، تفتح له طريقاً عبر جحيم المدينة ليصل إلى أخيه... أو يموت دون ذلك.
"أنا جاهز،" قال نبراس بنبرة جافة، وتحرك ليكون في مقدمة المجموعة خلف طارق، مستعداً لفتح أبواب الجحيم.
تحركت المجموعة في ممر الخدمة الخلفي للنادي الرياضي، وكان طارق في المقدمة، يحتضن قضيبه الحديدي المربع بصدره العريض، يليه نبراس الذي تحولت ملامحه إلى قناع من الحجر الصلد، وعيناه تترصدان أدنى حركة في العتمة، بينما تراجع سامر وخالد وبقية الرجال في الخلف، وأنفاسهم المتلاحقة تصنع إيقاعاً خانقاً في الممر الضيق المعتم.
فتح طارق الباب الحديدي الخلفي ببطء شديد، حريصاً على ألا يصدر المفصل الصدئ أي صرير قد ينبه تلك الكائنات. في الخارج، كان الموقف الخلفي غارقاً في ظلال رمادية، يضاء فقط بوميض متقطع من مصباح الشارع البعيد. الرائحة هنا كانت أكثر نفاذاً؛ خليط من العفن، والوقود المسكوب، وبرودة الليل الندية.
"خالد، سيارتك هناك، أليس كذلك؟" همس طارق وهو يشير بذقنه نحو سيارة ميني فان رمادية تقبع تحت مظلة معدنية في زاوية الموقف.
أومأ خالد برأسه، وعيناه تلمعان بالدموع:
"نعم... نعم، إنها سليمة. سأركب ومعي سامر والبقية. يجب أن نصل إلى عائلاتنا قبل أن يُغلق وسط المدينة بالكامل."
في تلك الأثناء، جالت عينا نبراس في أرجاء الموقف، فلمح سيارة دفع رباعي قديمة من طراز "تويوتا لاند كروزر" متوقفة في الجانب الآخر، زجاجها مغبر ولكن هيكلها صلب وقوي، ولم تظهر عليها أي آثار لارتطام أو تهشم. كانت تقف كوحش معدني نائم ينتظر من يوقظه.
"طارق، انظر هناك،" أشار نبراس بسلاحه المدبب نحو السيارة القديمة. "تلك السيارة ستتحمل وعورة الطريق نحو القصر أكثر من أي سيارة أخرى. "
"اتبعني،" قال طارق باقتضاب.
انقسمت المجموعة بحذر. توجه خالد وسامر والبقية نحو السيارة الميني فان، بينما اندفع طارق ونبراس بخطوات خفيفة وسريعة نحو الـ "لاند كروزر". انحنى نبراس وجرب المقبض، ليرد الباب بفتحة خفيفة؛ كانت السيارة غير مقفلة، لكن تجويف المفتاح كان فارغاً تماماً.
انزلق طارق بسرعة إلى مقعد السائق، وجسده الضخم يملأ المساحة، وبسرعة لا تتناسب مع ضخامة عضلاته، انحنى برأسه تحت عجلة القيادة. امتدت يداه الخشنتان لتمزقا الغطاء البلاستيكي الواقي لمجموعة الأسلاك الكهربائية أسفل المقود، وبدأ يفرز بين الخطوط الملونة؛ الأحمر، والأزرق، والأسود.
وقف نبراس في الخارج، مستنداً بظهره إلى باب السيارة، وعيناه تمسحان الموقف الخلفي والزوايا المظلمة، ممسكاً بحربته الحديدية المستحدثة. رغم ثقل الموقف والرعب المحيط بهما، ورغم نبرة الموت الصادرة من الشارع الرئيسي، إلا أن مشهد هذا المدرب الضخم وهو يفرز الأسلاك بمهارة أثارت في نفس نبراس سخرية دفينة، ربما كانت آلية دفاعية نفسية لئلا يجن عقله.
انفرجت شفتا نبراس عن ابتسامة ساخرة خفيفة، وأطلق ضحكة خافتة مكتومة التفت بعدها نحو طارق وقال:
"من يراك الآن يا كابتن وأنت تفك الأسلاك بهذه السرعة والدقة، سيقسم أنك لست مدرب بناء أجسام، بل سارق سيارات محترف ومطلوب للعدالة!"
رفع طارق رأسه قليلاً، وعرقه يتصبب على جبهته، والتقت عيناه بعيني نبراس وعبر ملامحه ظل لابتسامة قاسية:
"في حياتي السابقة قبل الجيم والحديد، يا نبراس، تعلمت أن أسلاك السيارات هي أسهل ما يمكن ترويضه عندما يجد الجد. امسك سلاحك جيداً ولا تدع أحداً يباغتنا."
انحنى طارق مجدداً، وقام بتقشير طرفي سلكين بأسنانه، ثم ضربهما ببعضهما البعض. انطلقت شرارة كهربائية صغيرة زرقاء، ومعها تذمر المحرك القديم العتيق، ثم زأر بقوة معلناً عودة الحياة إلى المركبة الثقيلة. في نفس الوقت، كان صوت محرك سيارة خالد قد ارتفع في الجانب الآخر، وتحركت الميني فان بسرعة، ملوحة بضوئها الخلفي الأحمر كوداع أخير قبل أن تختفي في عتمة الممرات الفرعية، متوجهة نحو العائلات المنتظرة.
قفر نبراس إلى مقعد الراكب بجانب طارق، وأغلق الباب بقوة. التفت نحو صديقه وقال والجدية تعود لتكتسح وجهه:
"طارق... لماذا لم تذهب مع خالد والبقية؟ ربما كان ذلك أميناً لك."
عشق طارق ناقل الحركة بقوة، وانطلقت السيارة بقوة مخرجة صريراً من عجلاتها، وأجاب وهو يوجه المقود نحو المخرج الفرعي:
"عائلتي ماتت منذ سنوات يا نبراس. ليس لدي أحد في هذا العالم الصاخب سوى هؤلاء الفتية في النادي... وأنت وزيد. نحن أصدقاء منذ سنوات، ولن أتركك تذهب إلى ذلك القصر بمفردك لتواجه المجهول. إن كان هناك موت، فليكن ونحن نقاتل معاً."
شعر نبراس بغصة في حلقه، لكنه لم ينطق بكلمة. اكتفى بوضع يده على كتف طارق الضخم، وضغط عليها بقوة، معبراً عن امتنان تعجز الحروف الطويلة عن صياغته.
انطلقت الـ "لاند كروزر" في شوارع المدينة التي تحولت إلى لوحة سريالية من الخراب المستعجل. كان طارق يتفادي الطرق السريعة والرئيسية التي تكدست فيها السيارات المحترقة والمصطدمة ببعضها، مستخدماً طرقاً ترابية وفرعية يعرفها جيداً. من نوافذ السيارة، كانا يريان ظلالاً بشرية تركض بلا هدى، وأخرى تتحرك ببطء مقزز، تنحني فوق أجساد لا تتحرك، وتصدر أصوات قضم وتمزيق تصل صدماتها إلى مسامعهما رغم إغلاق النوافذ.
كان الوقت يمر كأنه دهر، ونبراس يراقب الساعة الرقمية في تابلوه السيارة وهي تقترب من منتصف الليل. كل ثانية تمر كانت كخنجر يغرس في صدره. هل وصل ذلك الوباء إلى القصر؟ هل استطاع زيد إغلاق البوابات؟
بعد نحو ثلث ساعة من القيادة الخطرة والمنعطفات القاسية، انحرفت السيارة نحو الطريق الشجري الطويل المؤدي إلى منطقة القصور المعزولة. هنا، كان الهدوء الخارجي مخيفاً، لا توجد سيارات محطمة، ولا حشود تركض. الأشجار الكبيرة كانت تتأرجح تحت وطأة نسمات الرياح الباردة، مصنعة ظلالاً متحركة على الزجاج الأمامي.
وفي نهاية الطريق، ظهرت البوابة الحديدية الضخمة للقصر.
كانت البوابة مفتوحة على مصراعيها... أحد دفتيها الحديديتين كان ملتوياً إلى الخارج كأن سيارة أو جسماً ثقيلاً قد ارتطم به بقوة هائلة.
انقبض قلب نبراس، وقبل أن تتوقف السيارة تماماً، فتح الباب وقفز منها وحربته الحديدية في يده. ركض بكل ما أوتي من قوة عبر الفناء الأمامي الواسع المكسو بالعشب الأخضر الذي طالما اعتنى به زيد.
"زيد! زيد!" صرخ نبراس بصوت متحشرج، صراخ مزق سكون القصر البارد.
دخل عبر الباب الرئيسي الذي كان موارباً. الداخل كان غارقاً في عتمة دامسة، والأثاث المرتب بدا كما هو، لكن كان هناك عطر مألوف يختلط برائحة غريبة، رائحة تشبه النحاس... رائحة دم طازج.
بدأ نبراس يبحث بجنون. ركض نحو الصالون الرئيسي، ثم صعد الدرج الرخامي المؤدي إلى الطابق العلوي بثلاث خطوات في القفزة الواحدة. اقتحم غرفة زيد، كانت مرتبة، وسريره مغطى، لكن خزانة ملابسه كانت مفتوحة، وبعض الثياب ملقاة على الأرض كأن أحدهم كان يجمع أمتعته على عجل.
"زيد! أين أنت؟! لا تمزح معي يا زيد!" كان صوت نبراس يرتجف، والدموع التي حبسها لسنوات بدأت تترقرق في عينيه، تملكه رعب خالص من أن يجد جثة أخيه الصغير ممزقة في إحدى الزوايا.
اقتحم الجناح الملحق بالخدم، وجد أبواب الغرف مشرعة. وفي الممر السفلي الموصل للمطبخ، رأى بقعاً من الدماء الجافة على الجدار الخشبي، وآثار أقدام متسقة بالطين، لكن لا وجود لأي جسد، حياً كان أم ميتاً.
وفيما كان نبراس على وشك الانهيار والبدء في تحطيم الأثاث من فرط العجز والإحباط، جاءه صوت طارق الجهوري القوي من الفناء الخلفي، مخترقاً النوافذ المفتوحة:
"نبراس! انزل إلى هنا فوراً! تعال إلى الحديقة الخلفية!"
هبط نبراس الدرج كالسهم، وخرج عبر الباب الخلفي المؤدي إلى الحديقة الكبيرة والمسبح. وجد طارق واقفاً بجانب الممر الإسمنتي المخصص للمرآب الصغير الملحق بالقصر، ممسكاً بكشافه اليدوي الذي جلبه من السيارة، ويسلط ضوءه الأبيض على الأرض.
"ماذا وجدت يا طارق؟ هل هو بخير؟" سأل نبراس وهو يلهث، والذعر يملأ نبرته.
التفت طارق إليه، وكان وجهه يحمل ملامح ارتياح نسبي وسط هذه الكارثة، وأشار بيده نحو المكان المخصص لركن الدراجة النارية:
"اهدأ يا نبراس، واجمع شتات نفسك. انظر هنا... المرآب فارغ. دراجة زيد النارية الثقيلة ليست موجودة. الخوذة التي كان يضعها دائماً على الرف هنا مفقودة أيضاً. هناك آثار عجلات واضحة على العشب، تدل على أنه انطلق بسرعة كبيرة نحو البوابة الخارجية."
توقف نبراس، ونظر إلى المكان الفارغ. نعم، دراجة زيد الهارلي السوداء التي كان يحبها ويهتم بها لم تكن هناك.
تابع طارق وهو يمسح بكشافه الأرض:
"من الواضح تماماً ما حدث هنا. القصر تعرض للهجوم، ربما من الخدم الذين تحولوا أو من كائنات تسللت من الخارج. زيد لم يكن غبياً، عندما رأى أن المكان لم يعد آمناً، اتخذ القرار الصحيح؛ ركب دراجته النارية وسلك الطرق الضيقة ليهرب. الدراجة تمنحه سرعة ومناورة لا تملكها أي سيارة وسط الزحام. أخوك حي يا نبراس، ولقد هرب قبل وصولنا بوقت قصير."
تنهد نبراس تنهيدة عميقة، شعر وكأن جبلاً كان جاثماً على صدره قد أُزيح قليلاً. "إنه حي... زيد هرب..." تمتم بها كأنه يستوعب الفكرة ويقنع نفسه بها.
ولكن، في هذا العالم الجديد، لا يدوم الارتياح لأكثر من ثوانٍ معدودة.
بينما كان نبراس يستند بجسده المنهك إلى جدار المرآب الخشبي، وظهره مكشوف تماماً للحديقة الخلفية المظلمة، وتحت تأثير الارتياح المؤقت، تراجعت غريزته الحذرة لبرهة.
من بين ظلال شجيرات الورد الكثيفة التي كان زيد قد زرعها، تحرك ظل ببطء وصمت مرعب. لم يكن هناك صوت لأنفاس، ولا حفيف للأوراق. كان هذا الظل يرتدي ثياب الخادمة الرسمية للقصر—ثوباً أزرق داكناً ومئزراً أبيض، لكنه كان ممزقاً وملطخاً ببقع سوداء داكنة.
كانت "أمينة"، إحدى الخادمات القديمات في القصر، المرأة الطيبة التي طالما أعدت لهما القهوة في الصباح. لكن أمينة الحالية لم تكن تملك من طيبتها شيئاً. كانت عيناها بيضاوين بالكامل، وفكها السفلي متدلياً بخلع جزئي، والدم يتسرب من جرح غائر في كتفها. تحركت بغريزة جوع أعمى نحو ظهر نبراس المكشوف، ورفعت يديها ذات الأظافر المكسورة، وانحنت برأسها لتغرز أسنانها الميتة في عنقه من الخلف.
"نبراس! احذر!" صرخ طارق وهو يندفع كالثور الهائج، مسلطاً كشافه على وجه المسخ المتقدم.
التفت نبراس بغريزة البقاء في الجزء الأخير من الثانية. رأى وجه أمينة المشوه يقترب منه بمسافة إنشات قليلة، وفحيحها المقزز لفح بشرته. دون تفكير، وبتأثير الصدمة والرعب، لم يستخدم سلاحه، بل دفعها بكلتا يديه في صدرها بكل قوته. تراجعت الخادمة المسخ وسقطت على العشب، وهي تطلق صوتاً أشبه بزئير حيواني مكتوم، وتحاول النهوض فوراً لإعادة الكرة.
"تباً! تباً لهذا العالم!" صرخ نبراس، وتملكه غضب عارم تداخل مع خوفه على أخيه. التفت نحو طارق وقال بصوت مرتجف ولكن حازم:
"طارق، السيارة! لنركب السيارة ونلحق به! يجب أن نمشط الطرق المؤدية إلى المدينة، ربما تعطلت دراجته أو حوصر في مكان ما! هيا!"
استدار نبراس بسرعة وركض نحو الـ "لاند كروزر" المتوقفة في الفناء الأمامي، وهو يظن أن طارق يتبعه. فتح الباب وكاد يقفز إلى مقعد الراكب، مستعجلاً اللحظات.
لكن طارق لم يركب. وقف بجانب باب السائق المفتوح، ووضع يده الضخمة على سقف السيارة، ونظر إلى نبراس بعينين حادتين تشعان صرامة وعقلاً، ولم يتحرك إنشاً واحداً.
"انزل من السيارة يا نبراس،" قال طارق بنبرة منخفضة، قاطعة، تحمل طابع الأمر الصارم الذي لا يقبل الجدل.
"ماذا تقول يا طارق؟! أجننت؟! أخبرتك أن أخي في الخارج بمفرده وسط تلك الوحوش! كل دقيقة نضيعها هنا قد تعني موته! لننطلق الآن!" صرخ نبراس وعيناه تتفجران غضباً، ويده تتشبث بعجلة القيادة كأنه يريد قيادتها بنفسه.
ضرب طارق سقف السيارة بقبضته ضربة أحدثت دويّاً هائلاً جعل نبراس يصمت مذهولاً. انحنى طارق بجسده داخل المقصورة، وصاح بوجه نبراس مباشرة، والجدية المطلقة ترتسم على كل خط من خطوط وجهه:
"متى سوف تعقل أيها الروائي الأرعن؟! متى ستفهم أن العالم الذي كنا نعرفه قد انتهى قبل ساعتين؟! انظر إلى نفسك! تريد أن تنطلق بسيارة بنصف خزان وقود، وبدون قطرة ماء واحدة، وبدون كسر خبز، نحو مجهول لا تعرف أوله من آخره! أين ستذهب؟ الشوارع مغلقة، والمدن تنهار، وإن نفد منا الوقود في وسط الطريق سنصبح وجبة عشاء لتلك المسوخ!"
توقف نبراس، وكلمات طارق تخترق عقله كالمسامير.
تابع طارق بنبرة أكثر هدوءاً ولكنها تحمل حكمة النجاة:
"زيد هرب بالدراجة، وهذا يعطيه أفضلية. الآن، واجبنا الأساسي ليس الركض خلفه كالمجانين ونحن لا نملك شيئاً، بل تحويل هذه السيارة إلى حصن متنقل. يجب أن نأخذ من هذا القصر كل ما يمكنه إبقاؤنا على قيد الحياة لأطول فترة ممكنة. الطعام، الماء، والأسلحة. النجاة تتطلب عقلاً، لا عاطفة عمياء يا صديقي."
تراجع نبراس إلى الخلف، وأسند رأسه إلى مسند المقعد. كان طارق على حق، حقاً مطلقاً وقاسياً. الركض نحو المجهول دون استعداد هو انتحار محتم. تنفس بعمق، ومسح وجهه بيده، ثم التفت نحو طارق وقال بصوت خفيض:
"أنت على حق... اعتذر. تملكتني الفكرة. لنفعل ذلك بسرعة."
هبط الاثنان من السيارة مجدداً، ودخلا القصر، ولكن هذه المرة بخطة واضحة وهدف محدد.
توجه طارق مباشرة نحو المطبخ والمخزن الرئيسي للقصر، وبدأ يجمع في حقائب قماشية كبيرة كل ما وقعت عليه عيناه من معلبات ذات صلاحية طويلة؛ فول، تونة، لحوم مجففة، وزجاجات مياه معدنية بكميات كبيرة، بالإضافة إلى بعض الأدوية والمطهرات من خزانة الإسعافات الطبية.
أما نبراس، فقد توجه بخطوات مصممة نحو الطابق العلوي، وتحديداً نحو المكتب الخاص بوالدهما الراحل، "السيد سليم". كان يعلم أن والده كان يهوى جمع الأسلحة والصيد، ولديه خزانة حديدية سرية خلف اللوحة الزيتية الكبيرة في المكتب.
دخل المكتب، وأزاح اللوحة بيده ليتجلى له باب الخزانة الرقمي. لحسن الحظ، كان نبراس يعرف الرمز السري الذي طالما ذكره والده لهما كأمان للعائلة. ضغط على الأرقام: (4... 8... 2... 1).
بصوت ميكانيكي خفيف، انفتح الباب الحديدي السميك.
نظر نبراس إلى الداخل، وحدث شيء جعله يشعر بخليط من الراحة والفخر. الخزانة لم تكن ممتلئة كما كانت دائماً. كان والده يملك بندقيتي صيد من طراز "بريتا"، ومسدسين من طراز "غلوك 19"، وكميات وافرة من الذخيرة المرتبة في صناديق معدنية خضراء.
الآن، كانت إحدى بندقيات الصيد مفقودة، ومسدس واحد مفقود بالإضافة إلى ثلاثة صناديق ذخيرة كانت ملقاة أغطيتها على الأرض. ومن الواضح جداً أن زيد، قبل أن يركب دراجته النارية ويفر، قد اقتحم المكتب وفتح الخزانة، وأخذ نصف الترسانة ليحمي بها نفسه في رحلته. ولم ينسَ أخاه؛ فقد ترك البندقية الأخرى والمسدس الثاني مع ما تبقى من الذخيرة مرتبة في مكانها، كأنه ترك له حصته من الموت والنجاة.
ابتسم نبراس ابتسامة حقيقية لأول مرة منذ بدء الكابوس. شعر بالراحة تسري في أوصاله؛ فزيد لم يعد ذلك الطفل الباكي الذي يحتاج لمصاصة حمراء ليصمت، لقد كبر، وأصبح رجلاً يعرف كيف يتسلح ويواجه الموت بمفرده.
أخذ نبراس بندقية الصيد، وعلق حزامها الجلدي على كتفه، ثم أخذ مسدس الـ "غلوك" ووضعه في حزامه، وحمل صناديق الذخيرة المتبقية بكلتا يديه، وهبط الدرج نحو الفناء حيث كان طارق قد انتهى من تحميل صناديق المؤن في صندوق الـ "لاند كروزر" الخلفي.
وضع نبراس الأسلحة والذخيرة في المقعد الخلفي للسيارة، ونظر إلى طارق الذي كان يغلق باب الصندوق بإحكام.
"زيد مسلح،" قال نبراس ونبرته تحمل فخراً دفيناً. "لقد أخذ نصف الأسلحة وترك لنا النصف الآخر."
أومأ طارق برأسه وابتسم:
"قلت لك إن شقيقك كبر. الآن، السيارة جاهزة، والمؤن كافية لأيام، ونحن مسلحون بشكل جيد. انظر إلى الأفق يا نبراس... الفجر يوشك أن يلوح، والمدينة في الأسفل تحترق بالكامل. حان الوقت لنبدأ رحلة البحث الحقيقية."
ركب الاثنان السيارة، وانطلقت الـ "لاند كروزر" خارجة من بوابات القصر المحطمة، تاركة خلفها ذكريات الطفولة الآمنة، متجهة نحو قلب العاصمة المستعرة، حيث ينتظرهما الموت والأمل في آن واحد.
كانت عجلات الـ "لاند كروزر" الثقيلة قد تحركت بالفعل، وبدأت حصى الممر الإسمنتي تطير تحت وطأة اندفاعها الأولي نحو البوابة الخارجية للقصر. غير أن طارق ضغط فجأة وبقوة على المكابح، لتصدر السيارة صريراً حاداً هزَّ هيكلها القديم، وينكفئ جسد نبراس إلى الأمام بفعل القصور الذاتي.
"ما الأمر يا طارق؟ لماذا توقفت؟" سأل نبراس وعيناه تتفحصان عتمة الزجاج الأمامي بذعر مستجد.
لم يجب طارق، بل اكتفى بالإشارة بإصبعه الغليظ نحو مرآة الرؤية الجانبية. التفت نبراس برأسه إلى الوراء، ومن خلال الزجاج الخلفي المضبب ببرودة الفجر، لمح خيالاً بشرياً يركض بجنون من جهة الأبواب الخشبية الكبيرة للقصر، متجهاً نحو السيارة.
لم يكن الخيال يتحرك بتلك الخطوات المتصلبة والمقززة التي تميز الموتى الأحياء؛ كانت خطواته سريعة، مرنة، وفيها انكسار ولهفة بشرية لا تخطئها عين. ومع اقتراب الجسد من أضواء السيارة الخلفية الحمراء، تبيّنت ملامحه بالكامل.
كانت فتاة في مقتبل العمر، لا يبدو أنها تجاوزت الثامنة عشرة من ربيعها. كانت تركض وهي حافية القدمين، ترتدي ثوباً قطنياً بسيطاً يميل إلى اللون الرمادي، تضمه حول جسدها كأنها تحتمي به من صقيع الليل. تميزت بشعر أسود قصير، يلتف حول وجهها الدقيق في خصلات عشوائية مبعثرة بفعل الركض، وعينين عسليتين واسعتين غرقتا في بحر من الدموع التي كانت تعكس ضوء السيارة كمصابيح صغيرة منهارة. كانت ترفع يديها الصغيرتين في الهواء، وتحاول الصراخ لإيقافهم، لكن صوتها كان يخرج متحشرجاً، مخنوقاً بالخوف الشديد.
"إنها الخادمة الجديدة..." تمتم نبراس، وتذكر على الفور كلمات زيد الأخيرة عبر الهاتف قبل أن ينقطع الخط
"أنزل سلاحك يا نبراس، إنها حية،" قال طارق وهو يطفئ المحرك ويفتح باب السيارة.
ترجل الاثنان بسرعة ونزلا نحوها على الأرض العشبية الرطبة. ما إن رأت الفتاة نبراس وطارق يتقدمان نحوها، حتى تباطأت خطواتها، وانهارت قواها تماماً، لتسقط على ركبتيها على العشب الأخضر، وهي تجهش بالبكاء، وتضع وجهها بين كفيها، وجسدها كله ينتفض كعصفور بلله المطر في ليلة عاصفة.
انحنى نبراس أمامها برفق، واضعاً بندقية الصيد جانباً على العشب لكي لا يثير رعبها أكثر. كانت ملامحه الحادة قد تراجعت لتحل محلها تلك المسحة الدافئة التي طالما تعامل بها مع الضعفاء منذ أيام طفولته. مد يده ووضعها على كتفها المهتز، وقال بنبرة هادئة، عميقة، تحاول بث الطمأنينة في روحها الممزقة:
"اهدئي... اهدئي يا فتاة. أنتِ بأمان الآن. لن يؤذيكِ أحد هنا. استجمعي شتات نفسكِ وانظري إليّ."
رفعت الفتاة رأسها ببطء، وتلاقت عيناها العسليتان المليئتان بالدموع بعيني نبراس الداكنتين. مسحت وجهها بساعدها بخوف، وحاولت التقاط أنفاسها المتلاحقة.
نظر نبراس في عينيها مباشرة، وتابع بنبرة جادة، حذرة ولكنها خالية من القسوة:
"استمعي إليّ جيداً، وأجيبيني بصدق. هل تعرضتِ لأي هجوم؟ هل هناك من خدشكِ أو عضكِ في الداخل؟ ركزي معي... هل تمّ عضكِ؟"
هزت الفتاة رأسها بنفي قاطع ومستعجل، والذعر يلوح في نبرتها وهي تحاول الكلام:
"لا... لا، أقسم لك... أنا بخير. لم يمسسني أحد. لقد... لقد اختبأتُ في خزانة المؤن الصغيرة أسفل الدرج منذ أن بدأت الفوضى. رأيتُ تلك المرأة الطيبة... أمينة... رأيتها تتغير، وأصبحت عيناها بيضاوين وحاولت مهاجمتي، لكني ركضت وأغلقت الباب على نفسي... أنا سليمة تماماً، صدقني."
تنهد نبراس بارتياح، ونظر إلى طارق الذي كان يقف خلفه كالجدار، ممسكاً بسلاحه ويراقب محيط الحديقة تحسباً لظهور أي مسخ آخر. أومأ طارق برأسه لنبراس، إشارة منه إلى أن الفتاة تقول الحقيقة وأن علامات العدوى لا تظهر عليها.
"ما اسمكِ يا فتاة؟" سألها نبراس وهو يمد يده ليساعدها على النهوض من الأرض الباردة.
أمسكت بيده بكفها الصغير البارد، ووقفت ببطء وهي ترتجف:
"مريم... اسمي مريم."
"حسناً يا مريم،" قال نبراس وهو يسير معها نحو السيارة، مطوقاً كتفها بذراعه ليمنحها الدفء والأمان. "أنا نبراس اخ زيد الذي وضفك هنا، وهذا كابتن طارق. زيد... شقيقي الذي تحدثتِ معه، ليس هنا الآن. لقد استطاع الهروب بدراجته النارية قبل أن نصل، ونحن في طريقنا للبحث عنه في المدينة. المكان هنا لم يعد آمناً، والخدم تحولوا بالكامل. لن نترككِ هنا بمفردكِ لقمة سائغة للموت. ستأتين معنا."
لم تنطق مريم بكلمة، بل اكتفت بالإيماء برأسها والدموع لا تزال تنساب على وجنتيها، لكن نظرة الخوف الوجودي في عينيها بدأت تتراجع قليلاً، وحل محلها بريق ضئيل من الأمل وهي تنظر إلى هذين الرجلين اللذين ظهرا كإنقاذ إلهي في ليلتها المظلمة.
فتح نبراس باب السيارة الخلفي، وساعد مريم على الصعود لتقبع بين صناديق المؤن والذخيرة المرتبة، ثم جلب غطاءً صوفياً ثقيلًا كان في المقعد الخلفي ووضعه على كتفيها. أغلق الباب بإحكام، وعاد ليركب في مقعد الراكب الأمامي بجانب طارق.
"الآن... حان وقت الانطلاق فعلياً،" قال طارق وهو يضرب الأسلاك ببعضها مجدداً ليزأر المحرك من جديد.
التفت نبراس نحو الخلف، ونظر إلى مريم التي التفت بالغطاء وصارت تراقب الطريق من النافذة بصمت، ثم نظر إلى الأمام حيث كانت أضواء الفجر الأولى تشق ثوب الليل الرمادي، كاشفة عن ملامح الطريق نحو المدينة التي غدت وادياً للجنون والموت. ومع حركة السيارة السريعة خارج بوابات القصر، شعر نبراس أن مسؤوليته قد تضاعفت؛ لم يعد الأمر يقتصر على إنقاذ زيد، بل أصبح عليه حماية هذه الروح البريئة التي قذفتها الأقدار في طريقه، في عالم لم يعد يرحم أحداً.