2
كانت المكابح المغناطيسية لجهاز الركض الكهربائي تُصدر أزيزًا خفيضًا ومنتظمًا، يتماشى بدقة مع الإيقاع السريع لخطوات نبراس. جسده المكسو بقميص رياضي أسود ملتصق بجلده بفعل العرق، يتحرك بآلية مدروسة تنم عن سنوات من الانضباط الصارم. قطرات العرق المنحدرة من خصلات شعره الداكن كانت ترتسم مسارات لامعة على وجنتيه قبل أن تسقط وتتلاشى على الحزام المطاطي الدوار تحت قدميه.
في أذنيه، استقرت سماعات لاسلكية صغيرة، تعزل جزئيًا صخب قاعة التدريب الكبيرة، وتنقل إليه صوت شقيقه الأصغر، زيد، الذي كان يتدفق بنبرة تجمع بين الحماس والتردد.
"أقسم لك يا نبراس، الأمر لا يحتمل كل هذا التزمت منك. الفتاة هادئة تمامًا ولن تشعر بوجودها حتى."
خفف نبراس سرعة الجهاز تدريجيًا حتى تحولت ركضته إلى مشية وئيدة، ثم ضغط على زر الإيقاف المؤقت. التقط منشفة بيضاء كانت ملقاة على مقبض الجهاز، ومسح بها وجهه ورقبته قبل أن يجيب بنبرة هادئة، تحمل طابع الصرامة الأبوية التي اعتاد أن يعامل أخاه بها منذ وفاة والدهم:
"زيد، لقد تكلمنا في هذا الأمر الأسبوع الماضي. لدينا في القصر أربعة من طاقم الخدمة، بالإضافة إلى السائق والطباخ. المكان ليس فندقًا، ولا حاجة بنا إلى زيادة العدد دون مبرر. إدارة القصر تتطلب تنظيمًا، لا عاطفة."
جاء صوت زيد عبر أثير المكالمة متذمرًا، مصحوبًا بصوت حفيف ورق أو حركة ما في الجانب الآخر:
"أعلم، أعلم كل ما ستعيده على مسامعي عن النظام والنفقات والخصوصية. لكن الوضع مختلف هذه المرة. إنها ليست مجرد باحثة عن عمل لتضيفها إلى قائمة الرواتب. الفتاة مسكينة حقًا، بلا مأوى، ولا تملك مكانًا تذهب إليه في هذه الليلة الباردة. لقد طردها صاحب الشقة التي كانت تستأجرها لأنها عاجزة عن الدفع بعد وفاة والدتها. هل نتركها للشارع؟"
توقف نبراس عن تجفيف جسده. وضع يده على خصره، ونظر عبر النوافذ الزجاجية الضخمة للنادي الرياضي، حيث كانت أضواء المدينة البعيدة تتلألأ تحت غطاء من الغيوم الرمادية الكثيفة. كان يعلم أن قلب زيد الطيِّب هو نقطة ضعفه الأكبر، لكنه في الوقت ذاته كان يخشى على هذا القلب من استغلال الآخرين. تنهد تنهيدة عميقة، خرجت من صدره محملة بقلة الحيلة أمام إصرار أخيه.
"حسناً يا زيد،" قالها نبراس وهو يخطو مبتعدًا عن جهاز الركض متوجهًا نحو مقاعد الاستراحة، "حسناً. يمكنها البقاء في الجناح الملحق بالخدم مؤقتًا، وسأنظر في أمرها عندما أعود. لكن بشرط، لا أريد أن أراها تتجول في الطابق العلوي دون إذن."
تغيرت نبرة زيد فورًا إلى الفرح، وصاح بنبرة حماسية لم تفارقه رغم سنواته الثالثة والعشرين:
"أنت الأفضل دائماً! سأخبرها بذلك فورًا لتستقر في غرفتها. شكرًا لك."
-"لا تشكرني الآن، الحساب مؤجل " أجاب نبراس وهو يبتسم ابتسامة خفيفة لم يرها شقيقه.
تحرك نبراس نحو خزانته ليجلب زجاجة الماء، لكن شيئاً ما في أجواء القاعة الرياضية جعله يتوقف.
الصخب المعتاد لأصوات الحديد الارتطامي والموسيقى الحماسية التي تبثها سماعات النادي كان قد خمد فجأة. حل محله وجوم غريب، وهمهمات مكتومة بدأت تتصاعد من زاوية القاعة الشمالية. التفت نبراس ببصره، فلمح مجموعة من الرجال، يتجاوز عددهم الخمسة عشر لاعبًا ومدربًا، قد تركوا آلاتهم وتجمعوا في حلقة نصف دائرية أمام شاشة التلفاز الكبيرة المعلقة على الجدار الرئيسي.
كانت وجوههم شاحبة، مشدودة، تلمع تحت إضاءة النيون البيضاء. بعضهم كان يضع يده على فمه، والبعض الآخر يتهامس بكلمات غير مفهومة.
كان زيد لا يزال على الخط، يتحدث عن تفاصيل أخرى تخص القصر، لكن نبراس لم يعد يستمع إليه تمامًا. ركّز بصره على الشاشة. كانت تعرض بثًا حيًا من أحد الشوارع الرئيسية في وسط العاصمة. الكاميرا كانت تهتز بعنف، تظهر سيارات متوقفة في عرض الطريق، أبوابها مفتوحة، ولسان من اللهب يرتفع من سيارة أجرة مقلوبة.
"زيد، انتظر لحظة..." قال نبراس بنبرة منخفضة، حذرة.
"ما الأمر؟ هل غيرت رأيك بشأن الفتاة؟" سأل زيد مستغربًا.
"لا، ابقَ معي على الخط فقط."
تقدم نبراس خطوات نحو التجمع. كلما اقترب، كان صوت مذيع الأخبار يرتفع عبر مكبرات الصوت الخاصة بالشاشة. كان المذيع شابًا يرتدي حلة رسمية مرتبكة، يمسك بملفات في يده، وكان يبتسم ابتسامة غريبة، ابتسامة لا تتناسب أبدًا مع مناظر الدمار التي تُعرض خلفه على الشاشة المجزأة.
قال المذيع، وصوته يتهدج بضحكة مكتومة حاول جاهدًا إخفاءها وراء قناع المهنية:
"نعم... كما تشاهدون في هذه اللقطات التي تردنا الآن من حي الأمل، تشهد المنطقة ما يشبه... همم، حالة من الجنون الجماعي. التقارير الأولية التي وصلت إلى غرفة الأخبار من شهود عيان، تشير إلى أن هناك أشخاصاً يهاجمون المارة في الشوارع... وليس برمي الحجارة أو الأسلحة، بل... بالعض!"
تفشت ضحكة ساخرة من المذيع لم يستطع كبحها هذه المرة، وتابع وهو يهز رأسه:
"المعذر منكم أعزائي المشاهدين، ولكن يبدو أن مخرجي السينما قد نقلوا مواقع التصوير إلى شوارعنا دون إذن. الشهود يصرون على أن هؤلاء المهاجمين لا يستجيبون للألم، ويتحركون بطريقة غريبة... كأنهم... زومبي! نعم، زومبي كما في أفلام هوليوود. الشرطة تحاول الآن السيطرة على الموقف، ونحن بانتظار بيان رسمي ينفي هذه الخرافات الطريفة..."
انطلقت صيحة حادة من أحد المدربين الواقفين أمام الشاشة:
"خرافات؟! انظر إلى أسفل الشاشة أيها الغبي! هذا بث مباشر!"
اقترب نبراس حتى أصبح خلف الرجال تماماً، واتسعت عيناه ذهولاً. الكاميرا التي كانت تبث مباشرة انتقلت فجأة لتركز على زاوية مظلمة بجانب محطة وقود. كان هناك رجل يرتدي سترة ممزقة، يطارد امرأة تصرخ برعب. تعثرت المرأة وسقطت، وفي ثوانٍ، ارتمى الرجل فوقها. لم يكن يضربها، بل انحنى برأسه نحو عنقها بحركة حيوانية شرسة. تدفق الدم بغزارة على الرصيف، واهتزت الكاميرا بعنف أكبر قبل أن ينقطع البث فجأة وتظهر لافتة "عطل فني في المصدر".
في قاعة الرياضة، ساد صمت مطبق، قطعته أنفاس الرجال المضطربة.
جاء صوت زيد عبر السماعة، وكان يحمل الآن نبرة من القلق بعد أن سمع بعض الأصوات المرتفعة من جهة أخيه.
"نبراس؟ هل أنت معي؟ ما الذي يحدث عندك؟"
استدار نبراس فورًا، متجاهلاً الهمهمات التي تحولت إلى صراخ وذعر داخل النادي. بدأ يسير بخطوات واسعة وسريعة نحو الغرفة الخاصة بتبديل الملابس، وضغط بأصبعه على السماعة ليرفع الصوت:
"زيد! استمع إليّ بدقة ونفذ ما أقوله فورًا دون نقاش."
-"نبراس، لقد أخفتني، ما الذي جرى؟"
"الأمر ليس دعابة، المدينة تشتعل في الخارج. هناك أعمال شغب أو شيء أسوأ بكثير ينتشر الآن. أريدك أن تتوجه فوراً إلى البوابة الرئيسية للقصر. أغلقها بالأقفال الحديدية السميكة. تأكد من إغلاق جميع النوافذ الخشبية والحديدية في الطابق الأرضي. لا تسمح لأي شخص بالدخول، هل تفهمني؟ ولا حتى للخدم إن كانوا في الخارج."
صمت زيد لثانيتين، ثم قال :
"ماذا تقول؟ أعمال شغب؟ ولكن الأجواء هنا هادئة تمامًا... القصر في منطقة معزولة كما تعلم..."
"لا يهم إن كانت معزولة أو لا!" صرخ نبراس وهو يفتح خزانته بحدة، لدرجة أن الباب المعدني ارتطم بالخزانة المجاورة محدثًا رنينًا قويًا. سحب قميصه الخارجي ومفاتيحه، وتابع:
"الأمر ينتشر بسرعة جنونية. أنا قادم إليك الآن. سأستقل سيارتي وأكون عندك خلال عشرين دقيقة. فقط ابقَ في الداخل ولا تخرج خلف عتبة الباب، هل هذا واضح؟"
"واضح... واضح، سأفعل ذلك الآن، لكن..."
انقطع حديث زيد فجأة.
تجمد نبراس في مكانه، ويده معلقة في الهواء وهي تمسك بمفاتيح السيارة.
عبر السماعة، لم يعد هناك صوت لزيد، بل حل مكانه صوت غريب... صوت تحطم زجاج بعيد، تبعه دوي ارتطام قوي كأن باباً قد كُسر.
"زيد؟ زيد! أجبني!" هتف نبراس والذعر ينهش أحشاءه.
وفجأة، اخترقت السماعة صرخة حادة، ممزقة، أنثوية. لم تكن صرخة خوف عادي، بل كانت صرخة رعب وجودي خالص، صرخة شخص يرى حتفه رأي العين. كانت تلك بلا شك صرخة الفتاة الجديدة التي تحدث عنها زيد منذ قليل.
"نبراس! هناك شيء ما في الفناء الخلفي! الفتاة... الفتاة تصرخ!" جاء صوت زيد مجددًا، لكنه كان يلهث برعب شديد، وصوته يرتجف لدرجة يصعب معها تمييز الكلمات.
"زيد! لا تتحرك! أغلق باب غرفتك عليك! لا تذهب لاستطلاع الأمر!" صرخ نبراس وهو يركض خارجًا من غرفة الملابس، مجتازًا صالة النادي التي بدأت تدب فيها الفوضى مع هروب اللاعبين نحو المخارج.
"لا يمكنني تركها يا نبراس! إنها تصرخ في الممر السفلي... سأذهب لأرى ما يحدث وأحضرها إلى الأعلى... سأتحقق من الأمر فقط..."
"زيد! إياك أن تفعل! زيد! اسمعني—"
لكن كلمات نبراس ذهبت أدراج الرياح. كل ما سمعه بعد ذلك كان صوت ارتطام عنيف، متبوعًا بخشخشة حادة في الإشارة، ثم ساد صمت لاسلكي مطبق. لقد انقطع الخط تماماً.
نظر نبراس إلى شاشة هاتفه التي أظهرت عبارة "فشل الاتصال". وضعه في جيبه بسرعة، واعتصر قبضته حول مفاتيح سيارته حتى غارت في لحمه. لم يعد هناك وقت للتفكير، ولا وقت للخوف. دفع الباب الزجاجي الخارجي للنادي الرياضي بكتفه، واندفع نحو الشارع، حيث كانت أنوار المدينة تصطبغ بلون أحمر غريب، وبداية الكابوس الذي شهدنا فصوله الأخيرة في الأزقة المظلمة قد بدأت لتوها.
لم تكن خطوة نبراس الأولى خارج عتبة النادي الرياضي سوى وثبة نحو لُجّة كابوس لم تحسب له البشرية حسابًا. الهواء الخارجي الذي كان من المفترض أن ينعش رئتيه المشتعلتين بفعل الركض والتوتر، كان ثقيلاً، لزجاً، ومحملًا برائحة مطاط محترق ونسمات باردة تحمل في طياتها نذير الموت. ركض نحو رصيف المواقف حيث تقبع سيارته الدفع الرباعي السوداء، يمسك بهاتفه بكفٍّ يرتجف، محاولاً إعادة الاتصال بزيد، لكن الشاشة لم تكن تمنحه سوى ذلك الخط الرمادي البارد الذي يشير إلى عدم وجود تغطية.
وفي تلك الثواني المعدودات التي تداخلت فيها دقات قلبه مع هدير محركات السيارات المسرعة في الشارع الرئيسي، دَوَى صوت تمزيق معدني مروع زلزل أرجاء المكان.
سيارة سيدان بيضاء، كانت تسير بسرعة جنونية وبدون مصابيح أمامية، انحرفت عن مسارها بشكل أفعواني، لترتطم بمؤخرة سيارة نبراس الواقفة بضربة قاضية. قوة الارتداد جعلت مؤخرة سيارته ترتفع عن الأرض لثانية قبل أن تهبط بعنف، بينما تهشم مقدم السيارة البيضاء تماماً، وانبعث من محركها سيل كثيف من البخار الأبيض .
تراجع نبراس خطوتين إلى الوراء، يغطي وجهه بساعده لتفادي الشظايا المتطايرة. صدمة الحادث جمدت أفكاره لبرهة؛ فالسيارة التي كانت تذكرته الوحيدة لإنقاذ شقيقه تحولت في لمحة بصر إلى حطام ملتف. لكن الواجب الإنساني، الغريزة التي لم تتلوث بعد بضراوة القادم، تحركت في داخله عندما رأى جسد السائق بداخل السيارة البيضاء ينكفئ على عجلة القيادة، والدم يسيل من جبينه بغزارة على الوسادة الهوائية التي لم تفتح بالكامل.
"يا إلهي! هل هناك أحد بالداخل؟"
ارتفع هذا الصوت من خلفه. التفت نبراس ليجد ثلاثة من رجال النادي—كانوا قد خرجوا لتوهم لاستطلاع الأمر—يركضون بنوايا إنقاذ واضحة نحو السيارة المحطمة. دون تفكير، انضم إليهم نبراس، متناسيًا للحظات مكالمة زيد المنقطعة، مدفوعاً بآدمية تأبى ترك مصاب يحترق داخل قفصه المعدني.
"الباب عالق! المعدن التوى على القفل!" صاح أحد الرجال وهو يجذب مقبض باب السائق بقوة هائلة دون جدوى.
"تراجعوا!" هتف نبراس بصوت جهوري. التفت حوله، فالتقط قطعة حديدية ثقيلة، كانت جزءاً من سياج تالف على الرصيف، وضرب بها النافذة الجانبية للسائق بكل ما أوتي من عزم.
برنين حاد، تفتت الزجاج إلى آلاف الشظايا الصغيرة التي تناثرت داخل المقصورة وعلى جسد السائق الغائب عن الوعي. ألقى نبراس بالحديدة جانبًا، ومد يده اليمنى بحذر وبسرعة عبر النافذة المهشمة، يتحسس ذراع التحكم الداخلي لفتح الباب من الداخل، بينما كان الرجال الآخرون يحاولون إسناد هيكل السيارة الذي بدأ يسرب وقودًا على الأسفلت.
لكن السائق لم يكن غائباً عن الوعي..
في اللحظة التي لامست فيها أصابع نبراس المقبض الداخلي، انتفض الجسد المنكفئ فجأة بحركة فجائية، مرعبة، تفتقر إلى أي مرونة بشرية. ارتفع الرأس بسرعة غريبة، وتلاقت عينا السائق بعيني نبراس. لم تكن هناك نظرة امتنان، ولا حتى نظرة ألم من أثر الحادث؛ كانت العينان بيضاوين تمامًا، متسعتين بجحوظ حيواني، والشرايين الحمراء متفجرة حول القرنية.
وقبل أن يستوعب عقل نبراس المشهد، انفرج فك السائق عن آخره بصوت أشبه بصرير خشب جاف ينكسر، واندفع برأسه نحو يد نبراس الممدودة، يغلق أسنانه بقوة مرعبة كانت ستقتطع لحم ساعده بالكامل لولا رد فعل نبراس الغريزي السريع. سحب نبراس يده في أجزاء من الثانية، لدرجة أن حواف الزجاج المتبقية جرحت معصمه جرحاً طفيفاً، بينما ارتطمت أسنان السائق ببعضها البعض محدثة صوتاً جافاً ومقززاً.
تعثر نبراس إلى الوراء، وسقط على قفاه على الأسفلت البارد، وهو ينظر بذعر إلى الرجل داخل السيارة الذي بدأ الآن يضرب رأسه بجنون وبدون إحساس بالألم ضد إطار النافذة المكسورة، محاولاً الخروج لافتراسه، واللعاب الممزوج بالدم يتدفق من فمه.
انفجرت من بين شفتي نبراس شتيمة لاذعة، مدوية، حملت كل صدمته وقرفه من هذا التحول المسخي، وهو يزحف إلى الوراء مبتعداً عن العربة الملعونة.
لم يكد نبراس يستجمع شتات نفسه لينهض، حتى انفتحت أبواب الجحيم على مصراعيها في الشارع الرئيسي.
الأمر لم يعد يقتصر على شاشة تلفاز أو سيارة محطمة؛ لقد تحول الشارع في ثوانٍ إلى مسرح لمذبحة جماعية منظمة تفتقر إلى العقل. ارتفعت الضجة لتصبح صخباً يصم الآذان: صراخ نساء يمزق الليل، عويل أطفال، دوي ارتطام سيارات تنحرف هرباً من شيء ما، وأصوات إطلاق نار متفرقة وبلا جدوى تصدر من بعض حراس المباني.
على بعد أمتار قليلة من مواقف النادي، سقط رجل يرتدي بدلة عمل أنيقة أرضاً بعد أن تعثر بقدمه. وقبل أن يتمكن من الوقوف، انقضت عليه امرأتان... إحداهما كانت ترتدي ثياباً منزلية ممزقة والأخرى بلا حذاء. لقد غرزتا أصابعهما في كتفيه، وانحنيتا بأفواههما لتنهشا لحم عنقه وصدره. صرخ الرجل صرخة بلغت عنان السماء، صرخة تلاشت تدريجياً لتتحول إلى غرغرة دموية بينما كانتا تأكلانه حياً، والدم يتدفق كالشلال على الرصيف الرمادي.
"ما هذا؟! يا إلهي، ما هذا الذي يحدث ؟!" صرخ أحد الرجال الثلاثة الذين كانوا مع نبراس، وتراجع إلى الوراء والتقيؤ يغلبه من هول المشهد.
تحول الشارع إلى سيل من البشر الذين يركضون في كل اتجاه، يلاحقهم سيل آخر من الأجساد التي تتحرك بطريقة متصلبة ولكنها سريعة ومصممة، أجساد لا تملك في عيونها سوى بريق الجوع الأزلي، تهاجم كل ما هو حي، وتمزق اللحم البشري بأنياب وأظافر عارية.
نهض نبراس، وكانت عيناه تدوران في محجريهما بحثاً عن أي وسيلة للتحرك. فكر في الركض فالقصر يبعد مسافة طويلة، لكن شقيقه زيد هناك، معزولاً، وقد انقطع صوته بعد صرخة استغاثة. تملكته رغبة انتحارية في الاندفاع وسط هذه المعمعة، متسلحاً بقبضتيه فقط، للوصول إلى أخيه.
خطا خطوة نحو الشارع، لكن يداً فولاذية امتدت من الخلف وقبضت على ياقة قميصه الرياضي بعنف، وجرته إلى الوراء.
كان ذلك هو "كابتن طارق"، مدرب بناء الأجسام في النادي. رجل في أواخر الثلاثينيات، ذو بنية ضخمة، ولحية كثة خطها الشيب، وعينين رغم رعب الكارثة كانتا تلمعان ببريق العقل والسيطرة على النفس.
"نبراس! إلى الداخل فوراً! الشارع انتهى!" صرخ طارق بصوت جهوري وهو يحاول سحب نبراس نحو الباب الزجاجي السميك للنادي.
"أفلتني يا طارق!" قاوم نبراس بكل ما يملك من قوة، والتفت ليواجه المدرب، محاولاً دفع صدره الضخم بعيداً. "أخي بالداخل! زيد في القصر بمفرده، والخط انقطع معه بعد أن دخل شيء ما إليهم! يجب أن أذهب إليه، هل تفهم؟! يجب أن أصل إلى أخي!"
أمسك طارق بكتفي نبراس بكلتا يديه، وهزه بعنف لدرجة أن أسنان نبراس اصطكت ببعضها، وصرخ في وجهه مباشرة، واللعاب يتطاير من فمه بفعل الانفعال:
"استمع إليّ أيها الأحمق! إن خرجت إلى هذا الشارع الآن فلن تصل إلى شقيقك، ولن تصل حتى إلى نهاية الرصيف! انظر حولك! إنهم يأكلون الناس أحياء! ستموت في غضون دقيقتين وتصبح واحداً منهم! أتريد لزيد أن يفقدك أيضاً؟ لندخل في النادي، سنحتمي بالداخل حتى نفهم ما يجري، وبعدها نضع خطة! الآن... إلى الداخل!"
كلمات طارق، رغم قسوتها، كانت كصفعة ماء بارد على وجه رجل يحترق. نظر نبراس إلى الشارع مجدداً، فرأى حشداً من تلك المسوخ البشرية قد انتبه لأصوات صراخهم وبدأ يتجه نحو مواقف النادي بأقدام متثاقلة ولكنها متسارعة. الخطر اقترب لدرجة لم يعد معها مجال للمناورة.
انصاع نبراس على مضض، والغل ينبض في عروقه. تراجع مع طارق والرجال الآخرين إلى خلف الأبواب الزجاجية الضخمة للنادي. وما إن أصبحوا في الداخل، حتى دفع طارق والرجال الأبواب الثقيلة لغلقها، وثبتوا المزاليج الحديدية العلوية والسفلية، ثم سحبوا قفل الأمان الإلكتروني الذي أصدر رنيناً رقمياً يعلن إغلاق الحصن مؤقتاً. ولم يكتفوا بذلك، بل جلبوا عدة مقاعد حديدية مخصصة للأوزان الثقيلة ووضعوها خلف الأبواب لتدعيمها ضد أي هجوم خارجي.
ساد الهدوء النسبي داخل قاعة الرياضة، لكنه كان هدوءاً مشحوناً بالرعب. الأنوار البيضاء لا تزال تضيء المكان، والموسيقى الحماسية كانت قد أُطفئت، ليحل محلها صدى الضربات الخفيفة التي بدأت ترتطم بالزجاج الخارجي من الداخل.
جلس نبراس على الأرض، ظهره مستند إلى عمود إسمنتي، وهاتفه في يده. جرح معصمه الصغير كان ينزف قطرات قليلة، فمسحه بقميصه دون اهتمام. بدأ يضغط على أرقام الطوارئ بسرعة.
كانت هناك اشارة ضعيفة قر استغلالها قبل الاختفاء مجددا.
911... اتصال.
وضع الهاتف على أذنه، وقلبه يخفق بعنف يسمعه هو شخصياً. كان يأمل أن يسمع صوت ضابط شرطة، أو غُرفة عمليات توجه القوات، أو أي مظهر من مظاهر الدولة التي تضمن له أن هناك من ينقذ أخاه.
تردد صوت الرنين مرتين، ثم فُتح الخط. انقبض صدر نبراس بأمل :
"مرحباً! أسمعني، أنا في حي—"
لكنه صمت عندما جاءه الصوت. كان صوتاً مسجلاً، بنبرة نسائية آلية، باردة، تفتقر إلى أي مشاعر، تتكرر بانتظام مأساوي:
"عذراً... جميع الخطوط مشغول الآن بسبب ضغط الاتصالات غير المعتاد. يرجى البقاء على الخط، أو محاولة الاتصال في وقت لاحق. إذا كانت حالتك طارئة وتتعلق بأعمال الشغب الحالية، يرجى البقاء في منازلكم، إغلاق الأبواب بإحكام، وعدم فتحها لأي شخص مهما كانت الظروف حتى وصول قوات الدعم العسكري... عذراً... جميع الخطوط مشغولة الآن..."
"سحقاً لكم! سحقاً لكم جميعاً!" صرخ نبراس وهو يقذف الهاتف على الأرض الإسفلتية المكسوة بالمطاط. لم ينكسر الهاتف، بل ظل يعيد بث الصوت الآلي: "...يرجى البقاء في منازلكم..." كأنه سخرية سوداء من عالم يتهاوى.
أدرك نبراس في تلك اللحظة الحقيقة العارية: ليس هناك شرطة، ليس هناك جيش قادم لإنقاذ فرد بمفرده، الدولة بكامل ترسانتها تتداعى تحت وطأة هذا الوباء المفاجئ. هو بمفرده الآن، وزيد بمفرده في ذلك القصر البعيد.
في هذه الأثناء، كان أحد الرجال الواقفين معه وهو شاب يُدعى سامر، يقف بقلق شديد على بعد خطوات من الباب الزجاجي المعتم جزئياً، يراقب ما يحدث في الخارج عبر شق صغير بين ملصقات النادي الدعائية المعلقة على النوافذ.
كان جسد سامر يرتعش بشكل ملحوظ، ويداه تتشبثان بحافة النافذة الخشبية حتى ابيضت مفاصله. كان يلتفت بين الحين والأخر نحو نبراس وطارق، وعيناه متسعتان من الهلع، يتنفس بصعوبة كمن يختنق.
"إنهم... إنهم يتكاثرون..." قال سامر بصوت مخنوق، شبه هامس، كأنه يخشى أن تسمعه المسوخ في الخارج عبر الزجاج السميك. "الناس الذين سقطوا قبل قليل... أولئك الذين أُكلوا... إنهم ينهضون مجدداً!"
تحرك طارق نحو سامر بخطوات حذرة، ووضع يده على كتفه لتهدئته:
"سامر، اهدأ. تراجع عن النافذة، لا تجعلهم يلمحون حركتك بالداخل."
"لا تفهم يا كابتن!" صرخ سامر بصوت متهدج، وهو يشير بإصبع يرتجف نحو الشارع. "الرجل صاحب البدلة الأنيقة... الذي مزقوا عنقه منذ دقائق... لقد نهض! إنه يقف الآن على قدميه، ورأسه يميل إلى الجانب، وعيناه... عيناه أصبحت مثل عيونهم! إنه يحاول الآن مهاجمة شخص آخر كاد يهرب بسيارته! هذه لعنة!"
انقبضت قاعة النادي مجدداً على هذا التصريح المرعب. نظر نبراس إلى الهاتف الملقى على الأرض، ثم إلى معصمه المجروح جرحاً طفيفاً من زجاج السيارة، ثم إلى الباب المغلق. الصور بدأت تترابط في عقله كلوحة جهنمية: العض ينقل العدوى، والموتى لا يموتون بل ينضمون إلى الجيش الجائع. وزيد... زيد قال إن شيئاً في الفناء الخلفي، وأن الفتاة تصرخ.
نهض نبراس ببطء، وعيناه قد تحولتا من الذعر إلى نظرة باردة، قاسية، كالحجر. لم يعد هناك مكان للخوف؛ فالخوف ترف لا يملكه من لديه شقيق ينتظر الموت. نظر إلى طارق، ثم إلى الأوزان الحديدية والقضبان الملقاة في القاعة.
"طارق،" قال نبراس بنبرة منخفضة ولكنها حاسمة كحد السيف. "لن نبقى هنا طويلاً. هذه الأبواب الزجاجية لن تصمد إن تجمعوا بالعشرات. نحتاج إلى سلاح... ونحتاج إلى طريقة للخروج من هنا والوصول إلى القصر. سواء جئت معي أم لا، أنا خارج من هنا قبل الفجر."