1
صوتُ أنفاسِ نبراس المتلاحقة يطغى على دويّ الرصاص المنبعث من فوهة بندقيته.
كان يركض بجنون، خطواته الثقيلة ترتطم بأسفلت الشوارع المتهالكة التي غسلها دماء الراحلين. الهواء في رئتيه تحوّل إلى جمر مستعر، والمدينة التي كانت يوماً تنبض بالحياة، غدت مسلخاً مفتوحاً يضجّ بعويل الموتى الأحياء. كلما التفت إلى الوراء، رأى تلك الظلال المشوهة، والأطراف المهترئة التي تتحرك بدافع جوعٍ أزلي لا ينتهي.
أطلق رصاصة أخرى اخترقت جمجمة مسخٍ. تطاير الرذاذ الأسود، ولم يتوقف؛ فالخوف كان الوقود الوحيد المتبقي في جسده المنهك. يمينًا، ثم يسارًا، انعطف بين الأزقة الضيقة مستجيرًا بجدرانها الإسمنتية الباردة، ببطارية تكاد تنفد، ومخزن ذخيرة لم يبقَ فيه سوى القليل.
تعثرت خطاه عندما ارتطم بجدار عالٍ. تراجع خطوة إلى الوراء، التفت حوله بذعر، ليدرك الحقيقة المُرّة: لقد دخل زقاقاً مسدوداً.
التفت نحو المدخل الوحيد، وكان الصدى المتسارع لجرّ الأقدام يرتفع. من بين ظلال المنعطف، بدأت تتدافع الأجساد الرمادية، عيونها الجاحظة والشاغرة تثبّتت عليه، وأفواهها المفتوحة تطلق فحيحاً جماعياً يقشعر له البدن. تلاحموا كأنه سيل من اللحم الفاسد، يسدون المخرج تماماً، ويقتربون منه.
رفع نبراس بندقيته، ثم ضغط على الزناد.
(تكة)
فارغة.
انخفضت يده ببطء، وظهره يستند إلى الجدار البارد المستحيل اختراقه. نظر إلى الحشد الذي يقترب، واللعاب الأسود يسيل من أشداقهم، وبدلاً من أن يصرخ ذعراً أو يتوسل لرحمة لن تأتي، انفرجت شفتاه الجافتان عن ابتسامة ساخرة، ومزق الصمت بشتيمة لاذعة صبّ فيها كل غيظه من هذا العالم الساقط.