NOVELFLEX

ما وراء الأرقام

حكاية بين يدي · بقلم @ma waraa.alhibr

مرّت ثلاثة أيام على اليوم المفتوح في المركز الثقافي، وعادت المدينة القديمة إلى إيقاعها المعتاد. فتحت المتاجر أبوابها في الصباح، وامتلأت الأزقة بأصوات الباعة والمارة، وعادت رائحة الخبز الساخن تتسلل من المخبز القريب إلى البيوت.

لكن شيئًا صغيرًا تغيّر في حياة سُهى.

لم تعد تستيقظ وهي تتساءل من أين تبدأ، بل أصبحت تفتح دفترها وتراجع المواعيد التي تنتظرها. كانت هناك أعمال كثيرة لا تزال في بدايتها، ودخل لا يكفي بعد لمنحها الطمأنينة التي تبحث عنها، لكنها لم تعد تشعر بأنها تقف أمام صفحة فارغة.

في صباح ذلك اليوم، كانت تجلس إلى الطاولة تراجع حسابات نجلاء عندما رن هاتفها.

ظهر رقم لم تحفظه.

أجابت:

— ألو، السلام عليكم.

جاءها صوت امرأة بدا عليها التردد.

— وعليكم السلام. هل أتحدث إلى السيدة سُهى؟

— نعم، تفضلي.

— اسمي فاطمة. التقيت بك في اليوم المفتوح بالمركز الثقافي، لكنني لم أتمكن من الحديث معك طويلًا. أخبرتني إحدى المشاركات أنك تساعدين أصحاب المشاريع على تنظيم حساباتهم.

وضعت سُهى القلم جانبًا.

— نعم، أتذكر اليوم المفتوح. أخبريني كيف يمكنني مساعدتك.

تنهدت المرأة قبل أن تجيب.

— أعمل في صناعة الحلويات المنزلية منذ سنوات. بدأت بطلبات صغيرة من الجيران، ثم أصبحت تصلني طلبات للمناسبات وأعياد الميلاد. لكنني في الفترة الأخيرة لم أعد أفهم ما يحدث لمالي. أعمل أكثر من السابق، ومع ذلك أشعر أنني لا أحقق شيئًا.

سألتها سُهى:

— هل تسجلين المصاريف والمبيعات؟

— أسجل بعض الأشياء. أحيانًا أكتب ثمن المواد التي أشتريها، وأحيانًا أنسى. أما الطلبات الكبيرة، فأعرف المبلغ الذي دفعه الزبون، لكنني لا أحسب دائمًا كل ما أنفقته عليها.

— وهل تميزين بين مال المشروع ومالك الشخصي؟

صمتت فاطمة قليلًا.

— بصراحة، لا. عندما أحتاج إلى شيء للبيت، آخذ من المال الموجود. ثم عندما أريد شراء المواد، أجد أن المبلغ لم يعد كافيًا.

ابتسمت سُهى برفق، رغم أن فاطمة لم تستطع رؤيتها.

— هذه مشكلة شائعة في المشاريع المنزلية. لا تعني بالضرورة أنك لا تربحين، لكننا نحتاج إلى تنظيم الحسابات حتى نعرف الحقيقة. يمكننا أن نبدأ بمراجعة شهر واحد، ثم نقرر ما تحتاجين إليه بعد ذلك.

اتفقا على موعد في اليوم التالي.

بعد إنهاء المكالمة، كتبت سُهى اسم فاطمة في دفترها، ثم وضعت بجواره علامة صغيرة.

كان ذلك العميل الجديد الثالث الذي يصل إليها منذ اليوم المفتوح.

لم تقفز من مكانها فرحًا، ولم تتخيل أن حياتها ستتغير خلال أسابيع قليلة. لكنها شعرت بالامتنان لأن جهدها بدأ يصل إلى أشخاص لم تكن تعرفهم من قبل.

دخلت أمها وهي تحمل سلة صغيرة من الملابس المطوية.

— هل كان اتصالًا جديدًا؟

رفعت سُهى رأسها.

— نعم. امرأة تصنع الحلويات في المنزل، وتريد تنظيم حساباتها.

— الحمد لله. وهل سيكون عملًا دائمًا؟

— لا أعرف بعد. سنبدأ بمراجعة حساباتها، ثم نرى إن كانت تحتاج إلى متابعة شهرية.

وضعت أمها السلة على الكرسي.

— المهم أن تتعلمي من كل تجربة، وألا تعتمدي على المال قبل أن يدخل فعلًا إلى يدك.

أومأت سُهى.

— لهذا بدأت أفصل بين الدخل المتوقع والدخل الذي حصلت عليه فعلًا. كنت أكتب في البداية كل ما أتوقع أن أكسبه، ثم أتصرف كأن المال أصبح موجودًا.

جلست أمها قبالتها.

— الإنسان حين يخاف من المستقبل، يبدأ أحيانًا بإنفاق المال الذي يتمنى أن يحصل عليه، قبل أن يحصل عليه فعلًا.

ضحكت سُهى.

— يبدو أنك تستطيعين كتابة كتاب عن الحسابات دون أن تفتحي دفترًا واحدًا.

— لا أحتاج إلى دفتر لأعرف أن المصاريف لا تنتظر أحدًا!

ضحكتا معًا، ثم عادت سُهى إلى عملها.

لم يكن الضحك كافيًا لإزالة قلقها، لكنه جعلها تشعر بأن الخوف لم يعد يملأ الغرفة كلها.

في متجر خالد، كان الوضع أقل هدوءًا.

وصلت سُهى في موعدها، فوجدت خالدًا يتحدث مع رجل يقف قرب الباب، ويحمل ورقة مطوية بين يديه. كان الرجل أحد الزبائن الذين اعتادوا الشراء بالدين، وقد جاء ليطلب تأجيل جزء من المبلغ المستحق عليه.

قال الرجل بصوت خافت:

— أعلم أنني تأخرت، لكنك تعرف أن عملي لم يعد كما كان. أستطيع أن أدفع جزءًا الآن، وأكمل الباقي عندما أحصل على مستحقاتي.

بدا خالد مترددًا. لم يكن يريد أن يخسر زبونًا قديمًا، لكنه كان قد اتفق مع سُهى على الحد من البيع بالدين حتى لا تتراكم المستحقات.

قال أخيرًا:

— سأقبل جزءًا اليوم، لكنني أحتاج إلى موعد واضح للباقي. لا أستطيع أن أترك الحساب مفتوحًا من دون اتفاق.

وافق الرجل، ودفع المبلغ الذي استطاع توفيره، ثم غادر بعد أن اتفقا على موعد جديد.

جلس خالد خلف مكتبه، وأخذ يفرك جبينه بيده.

— أشعر أحيانًا أنني أصبحت أقسو على الناس.

فتحت سُهى سجل الديون.

— هل طلبت منه أن يدفع المبلغ كله اليوم؟

— لا.

— وهل رفضت إعطاءه مهلة؟

— لا.

— إذن، أنت لم تقسو عليه. أنت طلبت منه اتفاقًا واضحًا، حتى لا تجد نفسك عاجزًا عن دفع مستحقاتك.

تنهد خالد.

— أعرف ذلك، لكنني أرى الناس يتأثرون بما يحدث، ولا أستطيع أن أفصل نفسي عن ظروفهم.

قالت سُهى:

— لا تحتاج إلى أن تفصل نفسك عن ظروفهم. تحتاج فقط إلى ألا تتحمل وحدك كل الخسائر. إذا استمررت في البيع بالدين لأنك تشفق على الزبائن، فقد يأتي يوم لا تستطيع فيه شراء البضاعة التي يحتاجون إليها أصلًا.

أخرجت سجلًا آخر من حقيبتها.

— راجعت المبيعات خلال الأسابيع الماضية. هناك منتجات ما زالت تحقق حركة جيدة، وأخرى بقيت في المخزن مدة طويلة. أقترح أن نركز على المنتجات الأساسية التي يطلبها الناس باستمرار، وأن نؤجل شراء الأنواع الأقل طلبًا حتى تتضح حركة السوق.

نظر خالد إلى الأوراق.

— وهل يكفي ذلك؟

— لا أستطيع أن أضمن لك ذلك. لكنه يقلل المخاطرة. علينا أيضًا أن نراجع هامش الربح في كل منتج، وأن نعرف إن كانت الأسعار الجديدة من الموردين تسمح لنا بالاستمرار في بيعه.

أخذ خالد الأوراق وبدأ يراجعها.

بعد دقائق، قال:

— كنت أفكر في شراء كمية كبيرة من أحد المنتجات قبل أن يرتفع سعره أكثر. لكنني الآن لست متأكدًا.

— هل لديك طلبات مؤكدة تكفي لتبرير الشراء؟

— لا.

— وهل لديك سيولة تكفي لدفع ثمنها من دون التأثير في المستحقات الأخرى؟

سكت خالد.

ابتسمت سُهى ابتسامة خفيفة.

— إذن، ربما لا يكون الشراء الكبير أفضل قرار الآن.

أعاد خالد الورقة إلى الطاولة.

— حسنًا. لنشتري كمية محدودة، ونراجع الوضع بعد أسبوع.

كتبت سُهى القرار في سجل المتجر، ثم أضافت ملاحظة لمراجعة الأسعار الجديدة.

كانت تعرف أن الحسابات لا تمنع الأزمات، لكنها قد تمنع بعض القرارات المتسرعة من جعلها أسوأ.

في منتصف النهار، تلقت سُهى رسالة من سامي.

قرأتها مرتين قبل أن تتصل به.

— مرحبًا يا سامي، هل كل شيء بخير؟

جاءها صوته متعبًا.

— ليس تمامًا. أعلنوا اليوم تقليص ساعات العمل لبعض العمال. لم يخبرونا بعد إن كان القرار مؤقتًا، لكن اسمي موجود ضمن القائمة.

شعرت سُهى بانقباض في صدرها.

— هل تعرف كم سينخفض دخلك؟

— لم يعطونا الرقم النهائي بعد. قالوا إن الجدول الجديد سيصدر خلال يومين. سأعمل ساعات أقل، وهذا يعني أن أجري سينخفض.

سكت لحظة، ثم تابع:

— كنت أظن أنني سأتمكن من الاعتماد على المشروع الجانبي إذا حدث شيء كهذا، لكنني لم أبدأ فعليًا. لديّ موعدان للمعاينة، ولا أعرف إن كان أي منهما سيؤدي إلى عمل مدفوع.

لم تحاول سُهى أن تقول له إن كل شيء سيكون بخير.

قالت بدلًا من ذلك:

— هل تستطيع أن تأتي غدًا ومعك تفاصيل مصاريفك الأساسية؟ نراجع معًا ما الذي يجب دفعه أولًا، وما الذي يمكن تأجيله، ونرى كيف يمكن أن تبدأ أعمال الإصلاح من دون أن تنفق مبلغًا لا تملكه.

أجاب:

— أخشى أن أكتشف أنني لا أستطيع تغطية كل شيء.

— ربما تكتشف ذلك فعلًا. لكن معرفة المبلغ الذي ينقصك أفضل من أن تبقى تتوقع الأسوأ من دون أرقام. يمكننا أن نبحث عن حلول، لكنني لا أريد أن أعدك بأن المشروع سيعوض دخلك فورًا.

قال سامي:

— أفهم ذلك. سأحضر غدًا.

بعد انتهاء المكالمة، بقيت سُهى تنظر إلى هاتفها.

كانت أزمة المصنع تقترب أكثر من حياة الناس. لم تعد مجرد حديث عن تأخر البضائع أو ارتفاع الأسعار. صارت ساعات عمل تُحذف من جداول العمال، ودخلًا ينقص، وأسرًا ستضطر إلى إعادة ترتيب أولوياتها.

وفكرت في نفسها.

لم يكن دخلها ثابتًا تمامًا، ولم يكن مشروعها الجديد قد أثبت قدرته على إعالتها وابنتها. كانت تستطيع أن تساعد الآخرين على تنظيم حساباتهم، لكنها لم تكن تملك ضمانًا بأن أعمالها ستستمر.

أخرجت دفترها وراجعت مصاريفها الخاصة مرة أخرى.

كان عليها أن تكون أكثر حذرًا، لا أقل.

في المساء، جاءت مريم من المدرسة وهي تحمل ورقة مطوية.

دخلت غرفة أمها ووضعتها على الطاولة.

— أمي، هذه من المعلمة ليلى.

فتحت سُهى الورقة، فوجدت دعوة للمشاركة في معرض صغير سيُنظم بعد أسابيع، بمشاركة عدد من الأطفال الذين اختيرت أعمالهم من الورشة الفنية.

كانت مريم من بينهم.

رفعت سُهى رأسها مبتسمة.

— هذا رائع يا مريم! لقد اختارت المعلمة رسمك للمشاركة في المعرض.

لم تبتسم مريم بالقدر الذي توقعته.

— نعم، لكن هناك مشكلة.

— ما المشكلة؟

جلست مريم على الكرسي، وبدأت تعبث بطرف كمها.

— المعرض سيقام في مركز ثقافي آخر، بعيد قليلًا عن المدرسة. قالت المعلمة إننا سنحتاج إلى الذهاب في يوم محدد، وربما يكون هناك تدريب قبل العرض.

— وهل يتعارض ذلك مع شيء آخر؟

ترددت مريم.

— بعض الأطفال سيذهبون مع عائلاتهم. وأنا لا أعرف إن كنت تستطيعين مرافقتي، لأنك تعملين الآن أكثر من السابق.

فهمت سُهى ما تقصده.

كانت مريم سعيدة باختيار رسمها، لكنها بدأت تخشى أن تتحول الفرصة إلى شيء لا تستطيع عائلتها المشاركة فيه، أو أن تكون سببًا في ضغط جديد على أمها.

أمسكت سُهى بيدها.

— سنراجع الموعد مع المعلمة، ونرى كيف يمكننا تنظيم يومنا. لا أستطيع أن أعدك الآن بأن كل شيء سيكون سهلًا، لكنني لن أرفض الفرصة قبل أن أعرف تفاصيلها.

رفعت مريم عينيها.

— هل ستأتين معي؟

نظرت سُهى إليها بحنان.

— سأحاول أن أكون معك. وإذا تعارض الموعد مع العمل، فسأبحث عن حل مناسب. لكنني أريدك أن تعرفي شيئًا: ليس عليك أن تتخلي عن الرسم لأنني أعمل، كما أنني لن أطلب منك أن تتحملي مسؤولية تنظيم وقتي. هذه أمور علينا أن نرتبها معًا، وأنا المسؤولة عن القرار النهائي.

بدت مريم أكثر ارتياحًا.

— سأخبر المعلمة أنني أحتاج إلى معرفة المواعيد مبكرًا.

— أحسنتِ. هذا طلب منطقي.

ثم أخذت سُهى الدعوة ووضعتها في مكان واضح قرب دفترها.

لم تكن تريد أن يصبح الطموح ترفًا مؤجلًا في حياتهما، لكنها كانت تعرف أيضًا أن الوقت والمال محدودان. لم يكن الحل أن تتجاهل القيود، بل أن تتعلم كيف تفسح مساحة لما يستحق الاهتمام.

في اليوم التالي، جاء سامي إلى بيت سُهى بعد انتهاء عمله.

جلس إلى الطاولة، وأخرج مجموعة من الأوراق التي كتب فيها مصاريفه الشهرية. كانت القائمة غير مكتملة، لكنه حاول أن يذكر كل ما يستطيع.

بدأت سُهى تسأله عن المبالغ الأساسية: السكن، والطعام، والتنقل، وفواتير الخدمات، والالتزامات التي لا يستطيع تأجيلها.

ثم انتقلا إلى المصاريف التي يمكن تقليلها مؤقتًا.

قال سامي وهو ينظر إلى الورقة:

— لم أكن أتصور أنني أنفق هذا المبلغ على التنقل والطعام أثناء العمل.

أجابته سُهى:

— أحيانًا لا ننتبه إلى المصاريف الصغيرة لأنها تحدث كل يوم. لكننا لا نستطيع إلغاءها كلها، ولا ينبغي أن نفترض أنك ستتمكن من تقليلها إلى النصف. علينا أن نحدد ما يمكن تغييره فعلًا.

أشارت إلى المبلغ الذي يتوقع أن يخسره بسبب تقليص ساعات العمل.

— عندما يصلك الجدول النهائي، سنعيد الحساب. أما الآن، فلنعتبر هذا تقديرًا مؤقتًا، لا رقمًا نهائيًا.

قال سامي:

— وإذا لم أستطع تغطية كل المصاريف؟

— سنحدد مقدار العجز أولًا. بعد ذلك، يمكننا أن نبحث عن زيادة الدخل، أو تقليل بعض النفقات، أو التفاوض على تأجيل التزام يمكن تأجيله. وإذا كانت هناك مستحقات أو مساعدات متاحة لك، فستحتاج إلى معرفة شروطها من الجهات المعنية.

أومأ سامي.

ثم أخرج ورقة أخرى.

— أجريت معاينة أولى أمس. كان العطل بسيطًا، لكن الزبون طلب مني أن أشتري قطعة غيار قبل أن يدفع.

نظرت سُهى إليه.

— هل اشتريت القطعة؟

— لا. تذكرت ما قلته لي، فاتصلت به وشرحت أنني أحتاج إلى تأكيد الطلب وتغطية ثمن القطعة قبل شرائها. لكنه قال إنه سيبحث عن شخص آخر.

لم يبدُ عليه الارتياح.

قالت سُهى:

— أعلم أن خسارة الطلب مزعجة، لكنك لم تخسر مالًا لم تكن تملكه. لا يمكنك تمويل إصلاحات الزبائن من دخلك الذي أصبح أقل.

— لكنني أحتاج إلى عملاء.

— نعم، وستحتاج إلى أن تتعلم كيف تتفق معهم على شروط واضحة. ربما ستخسر بعض الطلبات بسبب ذلك، لكنك ستقلل احتمال أن تنفق مالك ثم لا تسترده.

جلس سامي صامتًا قليلًا، ثم قال:

— لم أعد أعرف إن كنت أبحث عن مشروع، أم أحاول فقط أن أهرب من الخوف.

أجابت سُهى بهدوء:

— قد يكون الأمران موجودين معًا. لكن المهم أن تجعل المشروع قرارًا مدروسًا، لا رد فعل على ما يحدث في المصنع. أنت تحتاج إلى دخل إضافي، وهذا مفهوم. لكنك تحتاج أيضًا إلى أن تحمي ما بقي لديك من مال.

راجع الاثنان الأرقام مرة أخرى، ثم اتفقا على أن يبدأ سامي بإصلاحات لا تتطلب شراء قطع غيار مكلفة، وأن يخصص جزءًا من كل دخل جانبي لصندوق صغير لشراء الأدوات الأساسية.

لم تكن الخطة كافية لتعويض كل ما قد يخسره من أجره، لكنها كانت بداية عملية.

وقبل أن يغادر، قال:

— أشكرك يا سُهى. لا أعرف إن كنت سأتمكن من حل مشكلتي، لكنني على الأقل أصبحت أعرف حجمها.

ابتسمت.

— وهذه خطوة مهمة. معرفة المشكلة لا تحلها وحدها، لكنها تمنعنا من اتخاذ قرارات عمياء.

بعد مغادرته، عادت سُهى إلى دفترها. أدركت أن عملها الجديد لا يقتصر على جمع الأرقام في جداول، بل يتطلب منها أن تساعد أصحاب المشاريع على فهم ما تعنيه هذه الأرقام في حياتهم اليومية.

وكان ذلك يمنح عملها معنى لم تكن تتوقعه.

بعد أيام، وصلتها رسالة من فاطمة، المرأة التي اتصلت بها بعد اليوم المفتوح.

كتبت أنها جمعت فواتير المشتريات وبعض سجلات الطلبات، وأنها مستعدة للقاء.

استقبلتها سُهى في موعدهما المتفق عليه، وجلستا أمام الطاولة التي رتبت عليها الأوراق.

كانت فاطمة قد أحضرت حقيبة صغيرة مليئة بالفواتير، وبعض الأوراق التي كتبت عليها طلبات المناسبات.

بدأت سُهى بتقسيم المستندات إلى مجموعات: المواد الخام، والتغليف، ومصاريف التوصيل، والمبيعات.

ثم سألتها:

— عندما تصنعين دفعة من الحلويات، هل تسجلين عدد القطع التي تنتجينها؟

— ليس دائمًا.

— وهل تعرفين كم قطعة تُباع، وكم قطعة تبقى أو تُهدى أو تتلف؟

نظرت فاطمة إليها بدهشة.

— لا، لم أفكر في ذلك بهذه الطريقة.

— إذن، قد نكون نحسب تكلفة المواد فقط، لكننا لا نعرف تكلفة كل قطعة فعلية، ولا مقدار ما يذهب إلى الاستخدام الشخصي أو الهدايا أو التلف.

أخذت سُهى ورقة بيضاء، ورسمت جدولًا بسيطًا يتضمن تاريخ الإنتاج، والمواد المستخدمة، وعدد القطع، والمبيعات، والقطع المتبقية.

شرحت لفاطمة كيف يمكنها تسجيل البيانات بعد كل دفعة، دون أن تحتاج إلى برنامج معقد أو حاسوب.

قالت فاطمة وهي تنظر إلى الجدول:

— كنت أظن أن تنظيم الحسابات يحتاج إلى شيء صعب، وربما إلى برامج لا أفهمها.

— يمكننا البدء بدفتر واضح. وإذا كبر العمل وأصبحت البيانات كثيرة، نفكر في طريقة أخرى. المهم أن تسجلي المعلومات بانتظام.

وبعد مراجعة أولية لبعض الفواتير، ظهرت مشكلة لم تكن فاطمة تتوقعها. كانت بعض الطلبات الكبيرة تبدو مربحة لأنها تجلب مبلغًا جيدًا دفعة واحدة، لكنها تتطلب تغليفًا خاصًا وتوصيلًا ووقتًا أطول في التحضير. وعندما تجمع هذه التكاليف، يصبح الربح أقل بكثير مما ظنت.

وضعت فاطمة يدها على فمها.

— كنت أفرح عندما أحصل على طلب كبير، وأظن أنني سأتمكن أخيرًا من ادخار بعض المال.

قالت سُهى:

— الطلب الكبير قد يكون فرصة جيدة، لكنه ليس مربحًا بالضرورة. علينا أن نحسب كل طلب قبل تحديد السعر، خاصة إذا كان يتطلب مواد مختلفة أو تغليفًا خاصًا.

— وهل يعني ذلك أنني يجب أن أرفع أسعاري؟

— ربما في بعض المنتجات، لكن ليس قبل أن نعرف التكلفة الحقيقية، ونقارنها بالأسعار التي يقبلها الزبائن. قد نكتشف أيضًا أن بعض المنتجات يمكن تعديلها لتقليل الهدر، أو أن هناك طلبات لا تستحق قبولها بالسعر الحالي.

ظلت فاطمة تنظر إلى الأرقام طويلًا.

ثم قالت:

— أشعر أنني كنت أعمل كثيرًا دون أن أعرف إلى أين يذهب جهدي.

أجابتها سُهى:

— ليس معنى ذلك أن كل ما فعلته كان خطأ. لقد بنيتِ علاقات مع زبائن، واكتسبتِ خبرة، وتعلمتِ صنع منتجات يحبها الناس. الآن نحتاج إلى أن نجعل هذا الجهد أوضح وأكثر فائدة لك.

في نهاية اللقاء، اتفقتا على متابعة الحسابات لمدة شهر، بأجر محدد ومهام واضحة. وستسجل فاطمة كل المبيعات والمصاريف خلال الفترة المقبلة، حتى تتمكنا من مراجعة النتائج بصورة أدق.

بعد أن غادرت، جلست سُهى تنظر إلى الطاولة التي كانت قبل قليل مغطاة بالفواتير.

لم يكن عملها قد جلب لها دخلًا كبيرًا بعد، لكنه بدأ يمنحها شيئًا آخر: شعورًا بأنها تستخدم خبرتها في أمر له أثر حقيقي.

في مساء ذلك اليوم، عادت مريم إلى المنزل وهي تحمل رسالة من ليلى.

كان المركز الثقافي قد تلقى دعوة للمشاركة في معرض فني للأطفال تنظمه مؤسسة ثقافية في مدينة أخرى. وأُدرج رسم مريم ضمن الأعمال المرشحة للعرض، لكن المشاركة تحتاج إلى تأكيد خلال أسبوع، مع الالتزام بموعد تسليم العمل وحضور الطفل في اليوم المخصص للأنشطة.

قرأت سُهى التفاصيل، ثم نظرت إلى مريم.

— يبدو أن أمامنا بعض الترتيبات.

قالت مريم بحماس:

— هل سنذهب؟

— أريد أن أعرف الموعد بالتحديد، وكيف سنصل إلى المكان، وهل توجد مصاريف إضافية. ثم سنقرر.

تراجع حماس مريم قليلًا.

— أخشى أن تقولي إننا لا نستطيع الذهاب.

جلست سُهى بجوارها.

— أفهم ذلك. لكنني لا أريد أن أعدك بشيء قبل أن أعرف تفاصيله. أحيانًا يمكننا إيجاد حل، وأحيانًا نحتاج إلى اختيار ما نستطيع تحمله. سأبذل جهدي كي نمنحك هذه الفرصة، لكنني لن أجعل الأمر وعدًا لا أعرف إن كنت أستطيع الوفاء به.

نظرت مريم إلى الدعوة.

— هل تعتقدين أن رسمي يستحق أن يذهب إلى هناك؟

ابتسمت سُهى.

— أعتقد أن رسمك يستحق أن يُرى. أما المشاركة نفسها، فعلينا أن نعرف كيف ننظمها.

حملت مريم الدعوة ووضعتها قرب رسمها، ثم قالت:

— سأبدأ في مراجعة الألوان، حتى يكون جاهزًا إذا ذهبنا.

— فكرة جيدة. لكن لا تعيدي رسمه كله لمجرد أنك تريدين أن يكون مثاليًا.

ضحكت مريم.

— لن أفعل. سأصلح فقط بعض التفاصيل.

بعد أن بدأت مريم العمل، جلست سُهى إلى الطاولة لتراجع حساباتها. كان عليها أن تحسب دخلها المتوقع للشهر المقبل، وأن تضع مبلغًا جانبًا للمصاريف غير المتوقعة، وأن تعرف إن كانت تستطيع تحمل تكاليف المشاركة في المعرض دون أن تضطر إلى الاقتراض.

كتبت الأرقام، ثم توقفت.

لم يكن لديها بعد ما يكفي من الدخل لتشعر بالراحة. فعميل جديد قد يتوقف عن العمل معها، ومبيعات خالد قد تتراجع، ومصاريف البيت لا تنتظر تحسن الظروف.

لكنها لم تعد تنظر إلى ذلك بوصفه دليلًا على فشلها.

لقد اختارت طريقًا يحتاج إلى وقت، وعليها الآن أن تمنحه فرصة عادلة، دون أن تتجاهل مخاطره.

في وقت متأخر من الليل، وصلتها رسالة من خالد.

أخبرها أن المورد أبلغه بتأجيل شحنة جديدة، وأن الأسعار قد ترتفع مجددًا إذا استمرت اضطرابات الإنتاج. كما أخبرها أن بعض الزبائن بدأوا يقللون مشترياتهم، وأنه يخشى أن تصبح الأشهر القادمة أصعب من المتوقع.

قرأت سُهى الرسالة، ثم كتبت له أنها ستراجع معه المخزون والمستحقات في الصباح.

وضعت الهاتف جانبًا، وأغمضت عينيها للحظات.

كانت تتمنى أن تنعم ببضعة أيام هادئة، وأن تتمكن من التركيز على بناء عملها دون أن تظهر مشكلة جديدة كلما بدأت في ترتيب مشكلة سابقة.

لكن الحياة لم تمنحها هذا الترتيب.

كانت أزمة المصنع تتوسع، وسامي بدأ يخسر جزءًا من دخله، وخالد يحاول حماية متجره، والنساء اللواتي يساعدهن سُهى يكتشفن أن العمل الجيد لا يكفي دائمًا إذا كانت التكاليف أعلى من قدرة الزبائن على الدفع.

أما هي، فقد أصبحت بين حاجتين لا تستطيع إحداهما إلغاء الأخرى: حاجتها إلى دخل مستقر، وحاجتها إلى بناء حياة لا تضطر فيها إلى التضحية بكل شيء من أجل الاستقرار.

وقفت قرب النافذة. كانت المدينة هادئة، وبعض الأضواء ما تزال مضاءة في البيوت المقابلة.

تذكرت رسم مريم، والطفل الذي يحمل مصباحًا صغيرًا.

ربما لم يكن المطلوب أن ترى الطريق كله، ولا أن تعرف كيف ستنتهي الأزمة. ربما كان عليها أن تتعلم كيف تحمي ما بنته، وكيف تتراجع حين يكون التراجع حكمة، وكيف تتقدم عندما يصبح التقدم ممكنًا.

عادت إلى الطاولة، وفتحت دفترها.

كتبت في أعلى صفحة جديدة:

«ما الذي يجب أن أحميه قبل أن أفكر في التوسع؟»

ثم بدأت تكتب:

وقتي.

صحة أمي.

طفولة مريم.

سمعتي المهنية.

المال الذي أحتاج إليه لتغطية المصاريف الأساسية.

والقدرة على التوقف عندما تصبح المخاطرة أكبر من قدرتي على تحملها.

تأملت القائمة طويلًا.

كانت هذه أول مرة لا تكتب فيها ما تريد أن تحققه فحسب، بل ما لا تريد أن تخسره في أثناء سعيها إليه.

أغلقت الدفتر، وأطفأت المصباح.

لم تكن تعرف أن صباح الغد سيحمل خبرًا سيجعلها تعيد حساباتها مرة أخرى، وأن خالدًا لن يكون وحده أمام خطر قد يهدد استمرار عمله، بل إن الأزمة ستصل إلى نقطة يصبح فيها الصمت عن الحقيقة أكثر ضررًا من مواجهتها.

ومع ذلك، نامت تلك الليلة وهي تشعر أنها بدأت تفهم معنى الاستقلال بصورة مختلفة.

لم يكن الاستقلال أن تستطيع فعل كل شيء وحدها.

بل أن تعرف ما تستطيع فعله، وما تحتاج فيه إلى المساعدة، وما يجب ألا تسمح للخوف أن يدفعها إلى التضحية به.