استيقظت سُهى في صباح اليوم المفتوح قبل أن يرن المنبّه.
لم يكن ذلك بسبب قلة النوم وحدها، بل لأن أفكارها سبقتها إلى المركز الثقافي، وإلى الطاولات التي رتبتها بالأمس، وإلى الوجوه التي ستأتي وربما تمرّ دون أن تلتفت إلى ما أعدّه المشاركون.
وقفت أمام المرآة الصغيرة في غرفتها، رتبت حجابها، ثم عادت إلى الطاولة لتتفقد دفتر الحسابات للمرة الثالثة.
كانت أمها تراقبها من باب المطبخ وهي تعد الفطور.
قالت مبتسمة:
— لو كان القلق يدرّ المال، لكنتِ أغنى امرأة في المدينة.
ضحكت سُهى رغم توترها.
— أتمنى لو كان الأمر كذلك. عندها لن أحتاج إلى هذا الدفتر كله.
— بل ستحتاجين إليه أكثر، حتى تعرفي أين ذهب المال!
جلست سُهى إلى الطاولة، وبدأت تأكل قطعة من الخبز. كانت تحاول أن تبدو هادئة، لكن أمها تعرفها منذ طفولتها، وتعرف أن صمتها يزداد كلما ازدحمت أفكارها.
قالت الأم وهي تجلس قبالتها:
— ماذا تخشين تحديدًا؟
— أن يأتي الناس، ويتفرجوا، ثم يغادروا دون أن يشتروا شيئًا. أو أن يبيع المشاركون بعض المنتجات، لكننا نكتشف في النهاية أن المصاريف كانت أكبر من الفائدة. وأخشى أيضًا أن أكون قد وعدت الجميع بشيء لا أستطيع تحقيقه.
— هل وعدتهم بالنجاح؟
— لا.
— هل قلتِ إن اليوم سيحل مشكلاتهم؟
— لا.
— إذن، ماذا وعدتهم؟
فكرت سُهى قليلًا.
— بأن أساعدهم على تنظيم أعمالهم، وأن نمنح مشاريعهم فرصة ليعرفها الناس.
ابتسمت أمها.
— وهذا ما تستطيعين فعله. لا تحمّلي نفسك مسؤولية ما لا تملكينه.
سكتت سُهى، ثم أغلقت الدفتر ووضعته في حقيبتها.
كانت أمها محقة. لم تكن مسؤولة عن قرارات الزبائن، ولا عن أزمة المصنع، ولا عن الظروف الاقتصادية التي جعلت الناس أكثر حذرًا في الإنفاق. كانت مسؤولة عن أن تؤدي عملها بأمانة، وأن تتعلم من النتائج، وألا تخدع الآخرين بوعود لا تستطيع الوفاء بها.
دخلت مريم الغرفة وهي تحمل رسمها المؤطر.
— هل أنت مستعدة يا أمي؟
وقفت سُهى أمامها، وأصلحت طرف حجابها الصغير الذي كانت ترتديه في ذلك الصباح.
— أنا مستعدة تقريبًا. وأنت؟
نظرت مريم إلى رسمها، ثم إلى أمها.
— أنا متحمسة، لكنني أخشى أن يسألني أحد سؤالًا لا أعرف إجابته.
— يمكنك أن تقولي ببساطة إنك لا تعرفين. ليس عليك أن تعرفي كل شيء حتى تعرضي رسمك.
فكرت مريم في ذلك، ثم ابتسمت.
— إذن، أنا مستعدة.
غادرتا البيت بعد أن ودعتا الجدة، التي أوصتهما بألا تنسيا تناول الغداء مهما انشغلتا.
قالت سُهى وهي تغلق الباب:
— أمي تعتقد أن العالم كله يمكن أن ينتظر، إلا موعد الغداء.
أجابت مريم بجدية مصطنعة:
— لأنها تعرف أن الإنسان لا يستطيع التفكير جيدًا وهو جائع.
ضحكت سُهى، ومضتا في الطريق.
كان المركز الثقافي أكثر حركة مما توقعت سُهى.
عندما وصلتا، كانت ليلى قد فتحت النوافذ، وبدأ بعض الأطفال في تثبيت رسوماتهم بمساعدة أولياء أمورهم. ووقفت نجلاء قرب طاولتها تتأكد من ترتيب المنتجات، بينما كانت ريم تعيد وضع بطاقات الأسعار التي تحركت أثناء نقل الصناديق.
أما سامي، فكان يحاول تثبيت لوحته الصغيرة على حامل خشبي لم يكن ثابتًا كما ينبغي.
ما إن رأتهم ليلى حتى اقتربت منهما.
— أخيرًا وصلتما! ظننت أن مريم ستقرر الاحتفاظ برسمها في البيت.
رفعت مريم الرسم أمامها.
— لن أحتفظ به. لكنني سأراقبه طوال اليوم حتى لا يسقط.
قالت ليلى ضاحكة:
— اتفقنا. سنضعه في مكان آمن.
ساعدت سُهى في تثبيت الرسم قرب نافذة جانبية، حيث يصل الضوء إلى الجدار دون أن ينعكس بقوة على الورق. ثم وضعت بجواره البطاقة التي كتبتها مريم.
«ما تكشفه الخطوة الأولى»
وتحت العنوان، الجملة التي اختارتها:
«لا يضيء المصباح الطريق كله، لكنه يساعدنا على ألا نبقى في مكاننا.»
وقفت مريم أمام الرسم طويلًا، ثم ابتعدت خطوة لتراه من مسافة أبعد.
قالت بهدوء:
— هكذا أفضل.
كانت تلك اللحظة صغيرة، لكنها مهمة بالنسبة إليها. للمرة الأولى، لم يكن الرسم مجرد ورقة تحملها إلى البيت أو تضعها في ملف المدرسة؛ كان شيئًا ستراه عيون أخرى، وربما يثير في شخص غريب شعورًا لم تتوقعه.
اقتربت منها طفلة تحمل رسمة لحديقة مليئة بالزهور.
— هل أنت التي رسمتِ هذا؟
أومأت مريم.
— نعم.
— لماذا يحمل الطفل مصباحًا إذا كانت هناك بيوت مضيئة؟
نظرت مريم إلى رسمها، ثم أجابت بعد تفكير:
— لأن الضوء في البيوت بعيد عنه. وهو يحتاج إلى ضوء قريب حتى يعرف أين يضع قدمه.
تأملت الطفلة الرسم، ثم قالت:
— أحببت المصباح.
ابتسمت مريم.
لم تكن بحاجة إلى أن يشتري أحد رسمها أو يصفق لها. كان يكفي أن ترى شخصًا آخر يتوقف أمامه ويسأل عن معناه.
راقبتها سُهى من بعيد، وشعرت بشيء من الراحة. لقد كانت تخشى أن يؤدي الانتقال إلى المدينة القديمة إلى إغلاق أبواب كثيرة أمام ابنتها، لكنها بدأت ترى أن بعض الأبواب يمكن أن تُفتح من أماكن لم تكن تتوقعها.
عند العاشرة صباحًا، بدأ الزوار يصلون.
جاءت عائلات برفقة أطفالها، وبعض سكان الحي الذين عرفوا بالفعالية من خلال إعلان المركز الثقافي. ودخلت نساء يسألن عن المنتجات اليدوية، بينما توقف آخرون أمام رسومات الأطفال.
لم يكن المكان مزدحمًا، لكنه لم يكن فارغًا أيضًا.
بدأت نجلاء تستقبل الزوار بابتسامة مترددة في البداية، ثم أخذت تشرح لهم كيف تصنع منتجاتها، وما المواد التي تستخدمها، وكم من الوقت تحتاج إليه لإنجاز بعضها.
توقفت امرأة أمام حقيبة قماشية صغيرة.
— هل لديك منها لون آخر؟
أجابت نجلاء:
— يمكنني صنعها بلون آخر حسب الطلب، لكنني أحتاج إلى بضعة أيام.
— وكم سيكون سعرها؟
ذكرت نجلاء السعر، ثم سكتت تنتظر الرد.
فكرت المرأة قليلًا، ثم طلبت واحدة بلون أزرق داكن.
سجلت نجلاء الطلب في دفترها، وكتبت اسم الزبونة ورقم هاتفها وموعد التسليم المتفق عليه.
وحين ابتعدت المرأة، التفتت إلى سُهى التي كانت تمر بجانب الطاولة.
— لقد طلبت واحدة!
ابتسمت سُهى.
— ممتاز. سجلي الطلب كما اتفقنا، وتأكدي من حساب تكلفة المواد قبل تحديد الربح.
نظرت نجلاء إلى الدفتر، ثم ضحكت.
— حتى في يوم الاحتفال، لن تتركيني أنسى الحسابات.
— لأنني أريدك أن تفرحي بالبيع اليوم، وأن تعرفي أيضًا ما الذي بقي لك منه غدًا.
بعد قليل، باعت نجلاء قطعتين أخريين، لكنها لم تحقق المبيعات التي تخيلتها كلها. ومع ذلك، حصلت على طلبين جديدين، وتحدثت مع امرأة تعمل في متجر للهدايا، أبدت اهتمامًا بمعرفة إمكانية طلب كمية صغيرة من منتجاتها لاحقًا.
أما ريم، فقد وجدت أن الزوار ينجذبون أكثر إلى القطع الصغيرة ذات الأسعار المناسبة، بينما يتوقفون طويلًا أمام قطع التطريز الأكثر تفصيلًا، ثم يترددون عندما يسمعون أسعارها.
قالت لسُهى في استراحة قصيرة:
— يبدو أن القطع الصغيرة أسهل في البيع.
— ربما. لكن لا تتسرعي في الاستنتاج من يوم واحد. سجلي ما بيع، وما سأل عنه الناس، وما طلبوا معرفة تفاصيله. قد تحتاجين إلى تعديل طريقة العرض أو تخصيص بعض القطع حسب الطلب.
— سأفعل.
أشارت ريم إلى إحدى القطع المطرزة.
— هذه استغرقت مني ثلاثة أيام. كنت أظن أن الناس سيشترونها لأنها أكثر جمالًا، لكنهم يسألون عن السعر ثم يبتعدون.
تأملت سُهى القطعة.
— قد تكون قيمتها مرتفعة بالنسبة إلى زوار اليوم المفتوح، لكنها ليست بلا قيمة. ربما يكون الأنسب أن تعرضيها ضمن طلبات خاصة، أو أن تصنعي منها نماذج أصغر تحتفظ بروح التصميم نفسه.
بدت ريم أكثر ارتياحًا.
— لم أفكر في ذلك. كنت أظن أن عليّ إما أن أخفض السعر، وإما أن أتوقف عن صنعها.
— ليس كل منتج مناسبًا لكل زبون. المهم أن تعرفي لمن تبيعين، وكم يكلفك ما تصنعين، وما الذي يمكنك الاستمرار فيه دون أن تخسري وقتك ومالك.
كانت سُهى تكرر أفكارًا بسيطة، لكنها رأت أثرها في طريقة نظر النساء إلى أعمالهن. لم تعد المسألة مجرد بيع وشراء، بل محاولة لفهم ما يفعلن، ولماذا ينجح بعضه ويتعثر بعضه الآخر.
قرب المدخل، وقف سامي يتحدث مع رجل في منتصف العمر عن إصلاح جهاز منزلي.
شرح سامي أنه يستطيع معاينة العطل أولًا، ثم تحديد التكلفة قبل شراء أي قطعة. لم يعد الرجل بشيء مبالغ فيه، لكنه اتفق معه على موعد للمعاينة.
عندما انتهى الحديث، بدا سامي مرتاحًا.
قال لسُهى:
— هذا أول شخص يتفق معي على موعد منذ أن بدأت أفكر في المشروع.
— وهل سجلت بياناته؟
رفع الدفتر الذي يحمله.
— الاسم، ورقم الهاتف، ونوع الجهاز، وموعد المعاينة.
— جيد. وبعد المعاينة، سجل تكلفة القطع ووقت العمل وما دفعه الزبون. حتى لو كان العمل بسيطًا، نحتاج إلى معرفة إن كان يستحق الوقت والجهد.
ابتسم سامي.
— أعتقد أنني سأحتاج إلى جلسة أخرى معك.
— عندما تجمع بعض المعلومات عن أول أعمالك، سنراجعها معًا.
ثم أضافت بجدية:
— لكن لا تترك عملك في المصنع الآن، ولا تشترِ معدات باهظة لمجرد أنك حصلت على طلب واحد. اختبر الفكرة أولًا.
تغيرت ملامح سامي قليلًا عند ذكر المصنع.
— لا أعرف إن كنت سأستطيع الاستمرار في عملي كما هو. تحدثنا هذا الصباح، وأخبرونا أن تقليص الساعات قد يبدأ خلال أيام.
سكتت سُهى.
— هل حددوا من سيتأثر؟
— ليس بعد. يقولون إنهم يراجعون الإنتاج والطلبات، وإن القرار سيتضح لاحقًا.
كان سامي يحاول أن يبدو متماسكًا، لكن القلق ظهر في صوته.
قالت سُهى:
— أعرف أن الانتظار صعب. على الأقل، لديك الآن فكرة بدأت تختبرها، لكننا لا نعرف بعد إن كانت ستعوض أي نقص في دخلك. حاول أن تجمع المعلومات بهدوء، ولا تبنِ قرارًا كبيرًا على خبر لم تتضح تفاصيله.
أومأ سامي، ثم عاد إلى لوحته.
لم يكن أمام سُهى ما تقوله أكثر من ذلك. فقد بدأت تدرك أن بعض الأزمات لا تحتاج إلى كلمات مطمئنة بقدر ما تحتاج إلى الصراحة، وإلى مساعدة عملية حين تصبح متاحة.
في منتصف النهار، دعت ليلى الأطفال إلى الوقوف أمام رسوماتهم ليشرحوا للزوار أفكارهم.
وقفت مريم بجوار رسمها، وشبكت يديها أمامها. كانت قد تدربت في البيت على ما ستقوله، لكنها عندما رأت مجموعة من الأشخاص يتجهون نحوها، نسيت أول جملة تمامًا.
بحثت بعينيها عن أمها.
كانت سُهى تقف على بعد خطوات، تتحدث مع امرأة سألتها عن خدمات تنظيم الحسابات. وحين لاحظت نظرة ابنتها، توقفت عن الحديث للحظة، وابتسمت لها مشجعة.
أخذت مريم نفسًا عميقًا.
— اسمي مريم، وهذا رسمي اسمه «ما تكشفه الخطوة الأولى».
بدأ صوتها خافتًا، ثم صار أكثر وضوحًا.
— رسمت طفلًا يمشي في طريق مظلم، ويحمل مصباحًا صغيرًا. لم أجعل الطريق ينتهي عند بيت مضيء، لأن الطفل لا يعرف ما الذي سيجده في النهاية. لكنه يستطيع أن يرى المكان الذي يضع قدمه فيه.
رفع رجل يقف أمامها رأسه عن الرسم.
— ولماذا لم تجعلي شخصًا آخر يحمل مصباحًا معه؟
فكرت مريم قليلًا.
— ربما لأن عليه أن يتعلم كيف يمشي بنفسه. لكن هذا لا يعني أن الآخرين لا يستطيعون مساعدته.
ابتسمت ليلى من الخلف.
سألها شخص آخر:
— وهل الطفل خائف؟
أجابت مريم:
— نعم، أعتقد أنه خائف. لكنه ليس متوقفًا.
ساد صمت قصير، ثم شكرها الزوار وانتقلوا إلى الرسومات الأخرى.
اقتربت سُهى منها فورًا.
— كنتِ رائعة.
خفضت مريم رأسها بخجل.
— نسيت أول جملة.
— لكنك وجدتِ كلماتك بنفسك.
— كنت أريد أن أقول كلامًا أطول.
— لم يكن عليك ذلك. لقد شرحتِ ما شعرتِ به فعلًا.
نظرت مريم إلى الرسم، ثم قالت:
— عندما كنت أتحدث، شعرت أن الطفل في الرسم يشبهني قليلًا.
سألتها سُهى برفق:
— من أي ناحية؟
— عندما انتقلنا إلى هنا، كنت أظن أنني يجب أن أعرف كيف أتصرف، وأن أتوقف عن الحزن على بيتنا القديم. لكنني لم أكن أعرف الطريق الجديد. الآن أعرف أنني أستطيع أن أتعلم خطوة بعد خطوة.
احتضنتها سُهى.
— وهذا يكفي يا مريم. لا تحتاجين إلى أن تكوني قوية طوال الوقت.
بعد الظهر، جاءت إلى طاولة سُهى امرأة في الأربعينات من عمرها، تحمل حقيبة قماشية كبيرة.
قالت بتردد:
— أخبرتني نجلاء أنك تساعدين أصحاب المشاريع في الحسابات.
رحبت بها سُهى، ودعتها إلى الجلوس.
— نعم. أخبرتني نجلاء أنك تصنعين المخبوزات في المنزل.
— صحيح. أبيعها للجيران، وأحيانًا تصلني طلبات للمناسبات. لكنني لا أعرف إن كنت أربح فعلًا. أحيانًا أجد المال في يدي، ثم أحتاج إلى شراء الدقيق والزبدة والبيض من جديد، فأشعر أنني لم أكسب شيئًا.
أخرجت المرأة دفترًا صغيرًا، وقد امتلأت صفحاته بأرقام متفرقة وملاحظات سريعة.
— هذه بعض مصاريفي. كتبتها عندما تذكرتها.
تصفحت سُهى الدفتر، ولم تحاول أن تحكم على طريقة التسجيل.
— يمكننا أن نبدأ من هنا. لكنني سأحتاج إلى معرفة تكلفة المواد التي تستخدمينها، وعدد القطع التي تنتجينها في كل مرة، والأسعار التي تبيعين بها، وأي مصاريف أخرى مثل التغليف والكهرباء والتوصيل.
قالت المرأة:
— هل تستطيعين مساعدتي على معرفة كم يجب أن أبيع؟
— أستطيع أن أساعدك على حساب التكلفة وتقدير سعر مناسب، لكن علينا أيضًا أن نعرف ما الذي يقبله الزبائن، وما الذي يمكنك إنتاجه دون أن ترهقي نفسك.
— وكم يكلفني ذلك؟
شرحت سُهى لها طريقة العمل والأجر المقترح لمراجعة الحسابات وإعداد سجل بسيط للمبيعات والمصاريف.
بدت المرأة مترددة.
— لم أدفع من قبل لشخص كي ينظم لي حساباتي. كنت أظن أنني أستطيع فعل ذلك بنفسي.
لم تشعر سُهى بالانزعاج. فقد كانت تعرف أن بعض أصحاب المشاريع المنزلية لا يملكون ميزانية لخدمات إضافية، وأن إقناعهم بقيمتها يحتاج إلى وقت.
قالت:
— يمكنك أن تفعلي ذلك بنفسك إذا تعلمتِ الطريقة والتزمتِ بتسجيل كل شيء. دوري هو أن أساعدك على البدء، وأن أرتب معك الحسابات، ثم نرى إن كنت تحتاجين إلى متابعة شهرية. لا أريدك أن تدفعي مقابل خدمة لا تناسب احتياجاتك.
بدت المرأة أكثر اطمئنانًا.
— هل يمكن أن نلتقي الأسبوع القادم؟ سأحضر قائمة المواد التي أشتريها، وأحاول أن أسجل ما أبيع خلال الأيام القادمة.
ابتسمت سُهى.
— بالتأكيد. هذا سيكون أفضل من أن نحاول حساب كل شيء من الذاكرة.
كتبت المرأة رقم هاتفها وموعد اللقاء، ثم غادرت.
نظرت سُهى إلى دفترها. لم تكن قد حصلت على أجر بعد، ولم يكن الاتفاق ضمانًا لعميل دائم. لكنه كان موعدًا جديدًا، وفرصة أخرى لبناء عملها.
وعندما اقتربت ليلى منها، سألتها:
— كيف تسير الأمور؟
أجابت سُهى:
— أفضل مما توقعت، لكنني لا أريد أن أبالغ في التفاؤل. بعض الناس يسألون فقط، وبعضهم يحتاج إلى وقت ليتخذ قرارًا.
قالت ليلى:
— هذا طبيعي. المهم أن يعرفوا أنك موجودة، وأنك تستطيعين مساعدتهم.
نظرت سُهى حولها. كانت النساء يتبادلن أرقام الهواتف، والأطفال يشرحون رسوماتهم، وبعض الزوار يشترون منتجات صغيرة أو يسألون عن طلبات مستقبلية.
لم يكن اليوم المفتوح حدثًا كبيرًا، ولم يغير الوضع الاقتصادي للحي. لكنه خلق مساحة للتعارف، ومنح بعض أصحاب المشاريع فرصة لم يكونوا ليحصلوا عليها بسهولة لولا اجتماعهم.
وربما كان هذا أول ما تحتاج إليه سُهى: أن تكتشف أن العمل الذي تريد بناءه لا يبدأ من مكتب مستقل أو لوحة كبيرة تحمل اسمها، بل من أشخاص يثقون بها بما يكفي ليطلبوا مساعدتها.
في نهاية اليوم، جلس المشاركون حول طاولة طويلة لمراجعة ما حدث.
كانت نجلاء قد باعت عدة قطع، وحصلت على طلبات جديدة، لكنها لم تصل إلى المبيعات التي كانت تأملها. أما ريم، فباعت بعض القطع الصغيرة، وجمعت أسماء أشخاص مهتمين بالتصاميم الأكبر. واستطاع سامي أن يتفق على معاينتين لجهازين منزليين.
أما مريم، فقد تلقت تعليقًا مكتوبًا من إحدى زائرات المعرض، قالت فيه إنها شعرت أن الرسم يذكرها بابنها الذي يخاف من الذهاب إلى المدرسة وحده.
احتفظت مريم بالورقة داخل ملفها، وكأنها كنز صغير.
بدأت سُهى تجمع الأرقام.
— علينا أن نسجل المصاريف المشتركة، ثم نراجعها معًا. لا أريد أن نخرج بانطباع عام فقط، بل أن نعرف ما الذي نجح وما الذي يمكن تحسينه.
أحضرت ليلى دفتر الميزانية، وبدأتا بمقارنة المبلغ المخصص للتنظيم بما أُنفق فعلًا. كان هناك فرق بسيط لصالح الميزانية، لكنه لم يكن كبيرًا.
قالت نجلاء:
— كنت أتمنى أن أبيع أكثر.
أجابت سُهى:
— من حقك أن تتمني ذلك. لكن لا ننسى أنك حصلتِ على طلبات جديدة، وتعرفتِ إلى أشخاص قد يشترون منك لاحقًا. سنحتاج إلى متابعة هذه الطلبات حتى نعرف قيمتها الحقيقية.
قالت ريم:
— وأنا اكتشفت أن بعض القطع لا يناسب عرضها في مثل هذا اليوم. ربما سأصنع مجموعة صغيرة بأسعار متنوعة.
وأضاف سامي:
— أما أنا، فسأبدأ بالمعاينتين قبل أن أشتري أي أدوات إضافية.
ابتسمت ليلى وهي تنظر إليهم.
— يبدو أن اليوم أعطى كل واحد منا شيئًا مختلفًا.
ثم التفتت إلى سُهى.
— وأنتِ؟ ماذا أعطاك اليوم؟
لم تجب سُهى فورًا.
كانت متعبة، وقد شعرت بآلام في قدميها من كثرة الوقوف. لكنها لم تكن نادمة على الساعات التي قضتها في التنظيم.
قالت أخيرًا:
— أعطاني دليلًا صغيرًا على أنني أستطيع أن أبدأ. ليس دليلًا على أنني سأنجح بالتأكيد، بل على أن هناك من يحتاج إلى ما أستطيع تقديمه.
ابتسمت ليلى.
— أحيانًا يكون هذا كافيًا للخطوة التالية.
جمعت سُهى أوراقها، ثم ودعت المشاركين. وقبل أن تغادر، عادت إلى الجدار الذي عُلقت عليه رسومات الأطفال.
كانت مريم تقف أمام رسمها، تنظر إليه للمرة الأخيرة.
اقتربت سُهى منها.
— هل تريدين أن نأخذه الآن؟
أومأت مريم، ثم نزعت الرسم بحذر.
— نعم. لكنني لا أريد أن أضعه في الدرج عندما نعود إلى البيت.
— أين تريدين وضعه؟
فكرت مريم قليلًا.
— قرب الأورغ. حتى أتذكر أنني أستطيع أن أتعلم أشياء جديدة، حتى لو كنت خائفة.
ابتسمت سُهى.
— سنضعه هناك.
في طريق العودة، كانت مريم تمسك بالرسم داخل ملفها، بينما تحمل سُهى حقيبتها التي امتلأت بالأوراق والأرقام وأسماء أشخاص جدد.
قالت مريم:
— أمي، هل ستستمرين في هذا العمل؟
— سأحاول. اليوم كان بداية جيدة، لكنه ليس كافيًا وحده.
— وهل ستذهبين إلى العاصمة إذا لم ينجح؟
نظرت سُهى إلى الطريق أمامها.
— إذا لم ينجح كما أريد، فسأراجع الخطة وأبحث عن حلول أخرى. ربما أحتاج إلى عمل إضافي، أو إلى فرصة مختلفة. لا أريد أن أعتبر أي قرار نهاية الطريق.
سكتت مريم قليلًا، ثم سألت:
— وهل يمكن أن يكون الطريق طويلًا جدًا؟
ابتسمت سُهى.
— نعم، أحيانًا.
— وهل يمكن أن نتعب؟
— بالتأكيد.
نظرت مريم إلى أمها، ثم إلى الرسم.
— إذن، سنحتاج إلى مصباح كبير.
ضحكت سُهى.
— وربما إلى أكثر من مصباح. لكننا سنتعلم كيف نستخدم ما لدينا.
عندما وصلتا إلى البيت، استقبلتهما الجدة وسألتهما عن اليوم. جلست مريم على الأرض وبدأت تحكي لها عن الطفلة التي سألتها عن المصباح، وعن المرأة التي أعجبت برسمها، وعن الزوار الذين توقفوا أمام اللوحات.
أما سُهى، فجلست إلى الطاولة وأخرجت دفترها.
كتبت أسماء الأشخاص الذين تواصلوا معها، ووضعت بجوار كل اسم الخطوة التالية: اتصال، لقاء، مراجعة حسابات، أو انتظار رد.
لم يكن عددهم كبيرًا، لكنه كان بداية يمكن البناء عليها.
ثم فتحت صفحة جديدة وكتبت:
«نتائج اليوم المفتوح»
وتحت العنوان، سجلت ما نجح، وما لم ينجح، وما يجب تغييره في المرة القادمة.
عندما انتهت، رفعت رأسها فرأت مريم تثبت رسمها قرب الأورغ، ثم تبتعد لتتأكد من مكانه.
اقتربت منها.
— هل أعجبك المكان؟
قالت مريم:
— نعم. يبدو أن الطفل في الرسم أصبح لديه بيت الآن.
نظرت سُهى إلى الرسم، ثم إلى ابنتها.
— لكنه ما يزال في الطريق.
— أعرف. لكنه لم يعد يمشي وحده تمامًا. هناك أشخاص يضيئون نوافذهم حوله.
لم تستطع سُهى أن تجيب فورًا.
كانت ابنتها ترى في الرسم ما لم تستطع هي التعبير عنه: أن الاستقلال لا يعني أن يسير الإنسان وحده، وأن قبول المساعدة لا ينتقص من قدرته على بناء حياته.
في تلك الليلة، عزفتا اللحن الذي بدأتا تعلمه معًا. أخطأت مريم في بعض النغمات، وأعادت سُهى المقطع أكثر من مرة. ثم ضحكتا عندما خرج اللحن مختلفًا تمامًا عما أرادتا.
وبعد أن ذهبت مريم إلى النوم، عادت سُهى إلى دفتر الحسابات.
كان لديها الآن ثلاثة مواعيد محتملة لعملاء جدد، واتفاق ثابت مع خالد، وعميلتان تحتاجان إلى متابعة حساباتهما، وخطة مالية ما تزال في بدايتها. وكان عليها أن تتأكد من أن هذه الأعمال ستغطي احتياجاتها الأساسية، لا أن تعتمد على يوم واحد مليء بالوعود.
كتبت في أسفل الصفحة:
«الخطوة الأولى لا تصنع الطريق، لكنها تكشف إن كان من الممكن أن نمشي فيه.»
ثم أغلقت الدفتر.
لم تكن تعرف أن الأيام القادمة ستضعها أمام اختبار أصعب، وأن أزمة المصنع ستخرج من حدود المتاجر لتصل إلى بيوت لم تكن مستعدة لها. ولم تكن تعرف أن أحد الأشخاص الذين قابلتهم في اليوم المفتوح سيعود إليها بطلب يفتح أمامها بابًا مهنيًا مختلفًا عما خططت له.
لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا: لم يعد مشروعها مجرد فكرة تدافع بها عن نفسها أمام الخوف. لقد صار عملًا صغيرًا له أسماء ومواعيد وأرقام، وله أشخاص ينتظرون منها أن تفي بما اتفقت عليه معهم.
وفي عالم تتغير فيه الظروف بسرعة، كانت هذه بداية تستحق أن تحميها.