NOVELFLEX

حين تتغيّر الحسابات

حكاية بين يدي · بقلم @ma waraa.alhibr

لم يكن الصباح مختلفًا في ظاهره عن بقية الصباحات.

استيقظت سُهى على صوت أمها وهي تفتح نافذة المطبخ، وعلى وقع خطوات مريم المتعجلة بحثًا عن حذائها المدرسي. أعدّت القهوة، وجهزت لمريم شطيرتها، ثم وقفت لحظة أمام النافذة تتأمل الشارع الذي بدأ يستيقظ ببطء.

كانت قد نامت وهي تفكر في قائمتها الجديدة: ما الذي يجب أن تحميه قبل أن تفكر في التوسع؟

لم تكن تعرف أن الإجابة ستأتيها أسرع مما توقعت، وأن بعض ما تحاول حمايته قد يصبح مهددًا في الوقت نفسه.

قالت أمها وهي تضع فنجان القهوة أمامها:

— تبدين شاردة منذ استيقظتِ.

أجابت سُهى:

— أفكر في حسابات الشهر المقبل. أريد أن أخصص مبلغًا للطوارئ، لكنني كلما حسبت المصاريف وجدت أن ما يتبقى قليل.

جلست أمها قبالتها.

— لا تحاولي أن تصنعي من القليل مبلغًا كبيرًا بمجرد إعادة الحساب.

ضحكت سُهى بخفة.

— أعرف، لكنني أبحث عن طريقة.

— ابحثي عن طريقة، نعم. لكن لا تجعلي نفسك مسؤولة عن إصلاح كل شيء في يوم واحد. أنت تعملين، وتساعدين الآخرين، وتربين ابنتك. حتى قدرتك على التحمل لها حدود.

لم تجب سُهى. أخذت فنجانها، ثم نظرت إلى الساعة.

كان عليها أن تمر بمتجر خالد قبل أن تبدأ مراجعة حسابات فاطمة، وأن تتصل بليلى لتعرف تفاصيل المعرض القادم. يوم آخر مليء بالمواعيد، لكنها كانت قد بدأت تتعلم كيف ترتب أولوياتها بدلًا من الركض خلف كل ما يطلبه الآخرون.

ودعت أمها، ورافقت مريم حتى مدخل المدرسة، ثم واصلت طريقها إلى المتجر.

ما إن دخلت حتى لاحظت أن خالدًا لم يفتح الباب الداخلي للمخزن كعادته، وأن بعض الصناديق كانت موضوعة قرب المكتب بدلًا من الرفوف.

كان يقف أمام هاتفه، يستمع إلى شخص يتحدث من الطرف الآخر. لم يلتفت إليها إلا بعد أن أنهى المكالمة.

قالت سُهى:

— صباح الخير. هل حدث شيء؟

أشار إلى الكرسي أمام المكتب.

— اجلسي قليلًا. وصلني اتصال من المورد هذا الصباح، والأمر ليس جيدًا.

أخرج ورقة من الملف الموضوع أمامه، ودفعها نحوها.

— يطلبون تسديد جزء أكبر من المستحقات قبل إرسال الشحنة القادمة. يقولون إنهم مضطرون إلى تشديد شروط الدفع بسبب اضطراب الإنتاج وتأخر تحصيل أموالهم من التجار.

أخذت سُهى الورقة وراجعت الأرقام.

— كم تحتاج إلى دفعه الآن؟

ذكر خالد المبلغ، فشعرت سُهى بأن المسألة أكثر تعقيدًا مما ظنت.

كان المبلغ كبيرًا بالنسبة إلى السيولة المتاحة في المتجر، وإذا دفعه كاملًا فلن يتبقى لديه ما يكفي لتغطية بعض المصاريف القريبة. أما إذا رفض، فقد تتأخر الشحنة، وربما يخسر زبائن اعتادوا الحصول على المنتجات من متجره.

قال خالد:

— لا أستطيع أن أدفع ما يطلبونه من دون أن أضع نفسي في مأزق آخر. وفي الوقت نفسه، لا أستطيع أن أترك المخزن ينفد.

وضعت سُهى الورقة على الطاولة.

— لا نتخذ القرار قبل أن نعرف ما الذي سنحتاج إليه خلال الأسابيع المقبلة. علينا أن نفصل بين البضائع التي نحتاج إلى تجديدها فعلًا، والبضائع التي نرغب في وجودها فقط.

فتح خالد سجل المبيعات.

— أعرف أن بعض المنتجات بطيئة الحركة، لكنني أخشى أن ينخفض الإقبال أكثر إذا لم يجد الناس ما يريدونه.

قالت سُهى:

— يمكننا أن نراجع المنتجات الأكثر مبيعًا خلال الأشهر الماضية، ونقارنها بما تبقى في المخزن. ثم نحسب المصاريف المستحقة قبل موعد الدفع، لا بعده. إذا تبين أن شراء الشحنة كاملة سيجعلنا عاجزين عن تغطية الالتزامات الأخرى، فعلينا أن نطلب كمية أصغر أو نفاوض على شروط مختلفة.

تنهد خالد.

— تحدثت معهم عن ذلك، لكنهم قالوا إنهم لا يستطيعون تقديم تسهيلات كبيرة في الوقت الحالي.

— هل طلبت منهم تقسيم الشحنة إلى دفعتين؟

— لم أطلب ذلك بالتحديد.

— إذن، لنحاول. يمكننا أيضًا أن نقترح دفع جزء من المبلغ الآن، مع تحديد موعد واضح للجزء الثاني. لا أضمن أنهم سيوافقون، لكننا نحتاج إلى تقديم اقتراح مبني على أرقام واقعية.

جلسا إلى المكتب، وبدأت سُهى تراجع سجل المبيعات. صنفت المنتجات بحسب سرعة دورانها، ثم وضعت قائمة قصيرة بما يحتاج المتجر إلى تجديده أولًا.

وبعد ساعة من العمل، أصبح أمامهما تصور أوضح.

لم يكن الحل سهلًا، لكنهما اكتشفا أن شراء كمية محدودة من المنتجات الأساسية سيكلف أقل بكثير من شراء الشحنة كاملة. كما تبيّن أن بعض المنتجات المتوفرة في المخزن تكفي لعدة أسابيع إذا أُحسن تنظيم عرضها.

قال خالد وهو يتأمل القائمة:

— لو اتبعنا هذا الاقتراح، فقد نستطيع الحفاظ على المتجر مفتوحًا حتى لو تأخرت الشحنة.

أجابته سُهى:

— قد نستطيع، بشرط أن نتابع المبيعات والسيولة باستمرار. هذه ليست خطة مضمونة، لكنها تمنحنا مجالًا أكبر للتحرك.

رفع خالد هاتفه واتصل بالمورد. شرح له اقتراحه، وحدد المنتجات التي يحتاج إليها في المرحلة الأولى، وطلب تقسيم الدفع على مرحلتين.

استمع طويلًا، ثم دوّن بعض الملاحظات.

وعندما أنهى المكالمة، بدا وجهه أقل توترًا.

— وافقوا على كمية أصغر، لكنهم يريدون تسديد جزء من المستحقات قبل تجهيزها، وسيتعين عليّ دفع الباقي خلال فترة أقصر مما كنت أتمنى.

قالت سُهى:

— هذا أفضل من شراء كمية كبيرة لا نعرف إن كنا سنبيعها في الوقت المناسب. لكن علينا أن نلتزم بالخطة، وألا نستخدم المال المخصص للمورد في مصاريف أخرى.

أومأ خالد.

ثم قال، بعد لحظة صمت:

— أتعلمين؟ لو حدث هذا قبل شهر، لكنت دفعت المبلغ الذي يطلبونه، ثم بدأت أفكر في كيفية تدبير بقية المصاريف.

ابتسمت سُهى.

— وأنت الآن بدأت تفكر قبل الدفع.

— يبدو أن عملك معي بدأ يؤتي ثماره.

— لا تتسرع في الاحتفال. علينا أن نرى النتائج أولًا.

ضحك خالد، وكانت تلك أول مرة منذ أيام تراه فيها يضحك دون أن يبدو منشغلًا بما سيحدث بعد دقائق.

لكن ارتياحه لم يدم طويلًا.

قرب الظهر، اتصل سامي بسُهى.

كان صوته مختلفًا عن المرة السابقة، أكثر هدوءًا، لكنه يحمل تعبًا واضحًا.

— وصلنا جدول الساعات الجديد.

توقفت سُهى عن ترتيب الأوراق.

— وهل عرفت كم سينخفض أجرك؟

— نعم. لن أفقد عملي، لكن ساعاتي ستنخفض بما يؤثر في دخلي الشهري. لا أعرف إلى متى سيستمر هذا الوضع.

سألته:

— وهل أبلغوكم بأن التخفيض مؤقت؟

— قالوا إنهم سيعيدون تقييم الإنتاج بعد فترة. لكنهم لم يقدموا وعدًا بموعد محدد للعودة إلى الساعات السابقة.

شعرت سُهى بالأسف من أجله، لكنها تذكرت أن عليهما الآن التعامل مع الأرقام الجديدة، لا الاكتفاء بالقلق.

— هل تستطيع أن تمر بي بعد انتهاء عملك؟ نراجع ميزانيتك على أساس الأجر الجديد.

— سأفعل. وهناك أمر آخر أريد أن أخبرك به. تحدث معي زميل في المصنع، وقال إن بعض العمال يفكرون في البحث عن أعمال جانبية أيضًا. هل تعتقدين أنني أستطيع أن أقدم خدمات الإصلاح بالتعاون مع أحدهم؟

فكرت سُهى قليلًا.

— ربما، إذا كانت مهاراتكما متكاملة وكان كل واحد يعرف مسؤولياته. لكن لا أنصحك بالدخول في شراكة مالية قبل أن تختبر العمل معه. ابدآ بطلب أو طلبين واضحين، واتفقا مسبقًا على توزيع الأجر والتكاليف، وسجلا كل شيء.

— سأفكر في الأمر.

— والأهم ألا تشتري معدات إضافية الآن. نريد أن نعرف أولًا إن كانت الطلبات ستتكرر.

قال سامي:

— أفهم ذلك. سأراك مساءً.

أنهت سُهى المكالمة، ثم بقيت لحظة تنظر إلى سجل خالد المفتوح أمامها.

كان كل شيء مترابطًا على نحو لم تكن تتصوره من قبل. تأخر إنتاج المصنع يؤثر في المورد، وتأخر المورد يؤثر في متجر خالد، وتقليص ساعات العمال يؤثر في قدرتهم على الشراء، وتراجع الشراء يضغط على المتاجر والمشاريع الصغيرة.

لم تعد الأزمة سلسلة أخبار متفرقة، بل شبكة من العلاقات التي يستطيع أي خلل فيها أن يصل إلى أشخاص بعيدين عن مصدر المشكلة.

وللمرة الأولى، شعرت سُهى أن عملها الصغير قد يكون أكثر أهمية مما كانت تظن، لكنه في الوقت نفسه أكثر هشاشة مما تحب الاعتراف به.

عادت سُهى إلى البيت في فترة الظهيرة لتتناول الغداء مع أمها، ثم وجدت مريم جالسة قرب النافذة ترسم في دفتر جديد.

كانت قد وضعت رسمها السابق على الطاولة، وإلى جانبه ورقة أخرى تحمل خطوطًا أولية لطريق طويل.

جلست سُهى قربها.

— ماذا ترسمين اليوم؟

رفعت مريم دفترها.

— أريد أن أرسم الطريق نفسه، لكن بعد أن يكبر الطفل قليلًا.

— ولماذا؟

— لأنني أريد أن أعرف ماذا سيحدث بعد أن يتعلم المشي بالمصباح.

تأملت سُهى الخطوط.

— وهل قررتِ ماذا سيجد في نهاية الطريق؟

هزت مريم رأسها.

— لا. فكرت في أن أجعله يصل إلى بيت كبير، ثم غيرت رأيي. ربما لا يصل إلى بيت. ربما يصل إلى مكان يستطيع فيه أن يختار الطريق الذي يريده.

ابتسمت سُهى.

— يبدو أنك أصبحتِ أكثر اهتمامًا بالاختيارات من النهايات.

قالت مريم:

— لأن النهايات لا تحدث بسرعة. المعلمة ليلى تقول إن بعض القصص تكون أجمل عندما لا نعرف كل شيء منذ البداية.

ثم رفعت رأسها فجأة.

— أمي، هل ستستطيعين مرافقتي إلى المعرض؟

لم تنسَ سُهى السؤال الذي ظل معلقًا بينهما منذ وصول الدعوة.

أخرجت الورقة من حقيبتها، وراجعت الموعد مرة أخرى.

— المعرض سيكون في يوم يمكنني فيه ترتيب عملي، لكننا نحتاج إلى معرفة تكلفة التنقل ووقت الوصول والعودة. سأطلب من ليلى التفاصيل كاملة، ثم نضع خطة.

سألت مريم:

— وإذا كانت التكلفة مرتفعة؟

أجابت سُهى بصراحة:

— سنرى إن كان هناك نقل جماعي مع المركز أو إمكانية مشاركة المصاريف مع عائلة أخرى. وإذا لم نجد حلًا مناسبًا، فسنتحدث عن الخيارات المتاحة. لكنني لن أقرر من الآن أن الأمر مستحيل.

بدت مريم راضية عن الإجابة، ثم عادت إلى الرسم.

وبعد دقائق، قالت دون أن ترفع رأسها:

— أمي، هل تشعرين أحيانًا أنك تعملين كثيرًا، لكن الطريق لا يتحرك؟

توقفت سُهى عن ترتيب الأوراق.

كان السؤال أكبر من عمر مريم قليلًا، لكنها لم تكن تريد أن تتجاهل ما تشعر به ابنتها.

— نعم، أشعر بذلك أحيانًا. خاصة عندما أعمل على شيء، ثم تظهر مشكلة جديدة تحتاج إلى وقت وجهد.

رفعت مريم عينيها.

— وماذا تفعلين؟

فكرت سُهى قبل أن تجيب.

— أحاول أن أميز بين الأشياء التي لم تتغير، والأشياء التي تغيرت فعلًا. ربما لا أكون قد وصلت إلى المكان الذي أريده، لكنني أستطيع أن أرى أنني تعلمت أشياء جديدة، وأنني أصبحت أعرف كيف أتعامل مع بعض المشكلات أفضل من السابق.

نظرت مريم إلى رسمها.

— مثل الطفل الذي أصبح يعرف كيف يحمل المصباح؟

ابتسمت سُهى.

— تمامًا.

ثم أضافت:

— لكنني أحتاج أحيانًا إلى أن أتوقف قليلًا، وأرتاح، حتى أستطيع مواصلة الطريق.

أغلقت مريم دفترها، ووضعت رأسها على ذراع أمها.

— إذن، سنعزف الليلة، لأنك تحتاجين إلى الراحة.

ضحكت سُهى.

— يبدو أنك أصبحتِ مديرة وقتي.

— لا، أنا فقط أذكرك بما اتفقنا عليه.

لم تشأ سُهى أن تخبرها كم أسعدها هذا التذكير. فقد كانت تخشى أن تصبح حياتهما سلسلة من الواجبات التي لا تنتهي، وأن تنسى ابنتها أن لها الحق في الفرح، وأن تنسى هي نفسها ذلك أيضًا.

في المساء، جاء سامي إلى البيت ومعه ورقة جديدة.

جلس أمام سُهى، وبدأ يشرح لها ما تغير في دخله، والمبلغ الذي أصبح يحتاج إليه لتغطية مصاريفه الأساسية.

كانت الفجوة بين دخله الجديد ومصاريفه أكبر مما كان يتوقع.

قال وهو يمرر يده على وجهه:

— أستطيع أن أخفض بعض المصاريف، لكنني لا أريد أن أبدأ بإلغاء كل شيء تحتاج إليه أسرتي. هناك أشياء لا يمكن الاستغناء عنها.

أومأت سُهى.

— لا ينبغي أن نضع خطة تعتمد على حرمان الأسرة من كل شيء. سنبدأ بالمصاريف الأساسية، ثم نراجع ما يمكن تعديله دون أن يسبب ضررًا أكبر.

قسما المصاريف إلى ثلاث مجموعات: ما يجب دفعه، وما يمكن تخفيضه مؤقتًا، وما يمكن تأجيله إذا وافق الطرف الآخر.

ثم انتقلا إلى الدخل الإضافي المحتمل.

أخرج سامي ورقة أخرى، وكتب عليها المواعيد التي حصل عليها لمعاينة الأجهزة.

قال:

— لديّ الآن ثلاثة أشخاص تواصلوا معي. اثنان منهم يريدان معاينة جهاز منزلي، والثالث يسأل عن إصلاح مقبض باب وبعض القطع الصغيرة.

— هل حددت معهم موعدًا؟

— نعم، لكنني لم أحدد السعر النهائي.

— جيد. لا تعطِ سعرًا نهائيًا قبل أن تعرف حجم العمل والتكلفة. ويمكنك أن تحدد رسمًا للمعاينة إذا كان ذلك مناسبًا لطبيعة الخدمة، على أن توضحه للزبون مسبقًا.

سكت سامي قليلًا، ثم قال:

— بدأت أشعر أن هذا المشروع قد ينجح، لكنني أخشى أن أفرح مبكرًا.

أجابته سُهى:

— لا تحتاج إلى أن تمنع نفسك من الفرح، لكن اجعل توقعاتك مرتبطة بما يحدث فعلًا. عندما تحصل على طلب، سجله. عندما تنجزه وتتلقى أجره، احسب ما بقي بعد التكاليف. وعندما تتكرر الطلبات، نبدأ بالتفكير في توسيع العمل.

ابتسم سامي.

— يبدو أنك لا تسمحين لأحد بأن يحلم دون جدول حسابات.

ضحكت سُهى.

— الأحلام لا تحتاج إلى إذن مني. لكنني أريدها أن تجد طريقًا يمكنها السير فيه.

قبل أن يغادر، اتفقا على لقاء جديد بعد أسبوع لمراجعة أول الأعمال التي سينفذها.

وحين أغلقت الباب خلفه، عادت سُهى إلى الطاولة، حيث كانت تنتظرها أوراقها الخاصة.

راجعت دخلها المتوقع، ثم كتبت مصاريف الشهر المقبل. لم تكن النتائج مريحة، لكنها لم تكن كارثية أيضًا. كان عليها أن تواصل البحث عن عملاء، وأن تحافظ على الاتفاق مع خالد، وأن تتجنب الإنفاق على أمور يمكن تأجيلها.

وفي الوقت نفسه، لم ترد أن تحوّل كل ساعة من يومها إلى عمل مدفوع.

كانت تحتاج إلى وقت لمريم، ووقت لأمها، ووقت لنفسها.

أغلقت الدفتر، ثم نادت ابنتها.

— هل أنت مستعدة للعزف؟

جاءت مريم مسرعة، تحمل دفتر النغمات.

— كنت أنتظر أن تنتهي!

جلستا أمام الأورغ، وبدأتا تعزفان اللحن الذي تتدربان عليه. كانت مريم تخطئ أحيانًا، وتضحك أحيانًا أخرى، فيما تحاول سُهى أن تحافظ على الإيقاع.

وعندما انتهتا، بقيت أصابع سُهى فوق المفاتيح لحظة أطول.

شعرت بأنها تستعيد شيئًا من ذاتها، لا لأنها عادت إلى الموسيقى كما كانت في الماضي، بل لأنها بدأت تمنحها مكانًا في حياتها الحالية.

قالت مريم:

— عندما أصبح أكبر، أريد أن أتعلم العزف على آلة أخرى أيضًا.

— أي آلة؟

— لا أعرف بعد. ربما الكمان.

— إذن، سنضيف الكمان إلى قائمة أحلامك.

ابتسمت مريم.

— هل لديك قائمة أحلام أيضًا يا أمي؟

نظرت سُهى إليها، ثم إلى الأورغ القديم.

— نعم. لكنني أتعلم الآن ألا أضعها كلها في يوم واحد.

في اليوم التالي، ذهبت سُهى إلى متجر خالد لمراجعة تنفيذ الاتفاق مع المورد. كانت الشحنة الصغيرة قد جُهزت، لكن موعد وصولها لم يكن مؤكدًا بعد.

وفي أثناء ترتيب المستندات، دخل رجل يحمل حقيبة أوراق، وطلب مقابلة خالد.

كان الرجل مسؤولًا عن المبيعات لدى إحدى الشركات التي تتعامل مع عدد من المتاجر في المنطقة. استقبله خالد، ودعاه إلى المكتب، ثم استمع إلى عرضه.

كانت الشركة تبحث عن متاجر مستعدة لتجربة نظام جديد لتوزيع بعض المنتجات، بكميات محدودة في البداية، مقابل التزام المتجر بتقديم بيانات دورية عن المبيعات والمخزون.

لم يبدُ خالد متحمسًا.

قال الرجل:

— نحن نريد أن نعمل مع متاجر تعرف حركة السوق في أحيائها، وتستطيع تقديم معلومات دقيقة عن المنتجات الأكثر طلبًا. التجربة لن تشمل كل الأصناف، لكننا نريد البدء مع عدد محدود من المتاجر.

سأل خالد:

— وما المطلوب منا بالتحديد؟

شرح الرجل شروط التجربة، ومنها الالتزام بتسجيل المبيعات والمخزون وإرسال تقارير منتظمة، مع شروط دفع تختلف بحسب المنتجات المتفق عليها.

استمعت سُهى باهتمام. كان العرض قد يمنح خالد فرصة للحصول على بعض المنتجات دون الحاجة إلى شراء كميات كبيرة، لكنه يتطلب دقة في التسجيل والالتزام بالمواعيد.

بعد أن غادر الرجل، التفت خالد إلى سُهى.

— ما رأيك؟

لم تجب مباشرة.

— أريد أن أراجع الشروط المكتوبة أولًا. علينا أن نعرف هل هناك رسوم إضافية، وما الذي يحدث إذا لم تُبع الكمية المتفق عليها، ومتى يجب تسديد المستحقات. لا أريد أن نقبل عرضًا يبدو مناسبًا في البداية، ثم نكتشف أنه يضيف التزامات لا نستطيع تحملها.

أخرج خالد الأوراق من الحقيبة.

— هذا ما أعطاني إياه.

بدأت سُهى تقرأ التفاصيل، وتضع علامات بجوار البنود التي تحتاج إلى توضيح.

كان العرض مختلفًا عن الخيارات السابقة. لم يكن قرضًا، ولم يكن وعدًا بربح مضمون، لكنه كان فرصة محتملة لتقليل بعض مشكلات التوريد إذا كانت شروطه مناسبة.

قال خالد بعد أن انتهت من القراءة الأولية:

— لو نجحت التجربة، فقد تساعدنا على الاستمرار في بيع المنتجات التي يطلبها الناس.

أجابت سُهى:

— ربما. لكننا لن نقرر بناءً على ما نتمنى أن يحدث. سنحسب ما سيحدث إذا باعت المنتجات بسرعة، وما سيحدث إذا بقي نصفها في المخزن.

ابتسم خالد.

— كنت أعرف أنك ستطلبين سيناريوهين على الأقل.

— بل ثلاثة، إذا لزم الأمر.

ضحك، ثم قال:

— حسنًا. خذي نسخة من الشروط وراجعيها بالتفصيل. سنحدد موعدًا مع الشركة بعد أن نعرف الأسئلة التي نحتاج إلى طرحها.

أخذت سُهى النسخة، وشعرت أن عملها بدأ يدخل مرحلة جديدة. لم يعد دورها مقتصرًا على ترتيب ما حدث بالفعل؛ أصبحت تشارك في تقييم قرارات قد تؤثر في مستقبل المتجر.

لكنها لم تسمح لنفسها بالانجراف وراء الحماس.

كانت تعرف أن أي فرصة جديدة تحمل معها التزامات، وأن قدرتها على المساعدة لا تعني أنها تستطيع تحمل مسؤولية النتائج وحدها.

في طريق العودة إلى البيت، تلقت سُهى رسالة من ليلى تؤكد موعد المعرض الفني، وتوضح أن المركز الثقافي قد ينظم نقلًا جماعيًا للأطفال المشاركين إذا اكتمل العدد.

شعرت سُهى بالارتياح.

لم تكن المشكلة قد حُلّت نهائيًا، لكن أحد الخيارات التي فكرت فيها أصبح ممكنًا.

اتصلت بليلى، وأكدت رغبتها في تسجيل مريم للمشاركة، على أن تتأكد من تفاصيل النقل والتكاليف قبل تثبيت كل شيء.

وحين وصلت إلى البيت، أخبرت ابنتها بالخبر.

قفزت مريم من مكانها.

— حقًا؟ سأشارك في المعرض؟

— نعم، سنسجل اسمك، ثم نكمل الترتيبات عندما تصلنا التفاصيل النهائية.

عانقت مريم أمها بقوة.

— شكرًا يا أمي!

بادلتها سُهى العناق، لكنها شعرت بشيء آخر يتسلل إلى قلبها.

كانت سعيدة من أجل مريم، لكنها أدركت أيضًا أن كل قرار صغير أصبح يحتاج إلى حساب دقيق. لم تعد تستطيع تجاهل المال، ولا أن تتصرف كما لو أن كل الفرص متاحة دون تكلفة.

ومع ذلك، لم ترد أن تعيش ابنتها وهي تشعر أن كل حلم يحتاج إلى الاعتذار.

قالت سُهى:

— سنستعد للمعرض، لكننا سننظم وقتنا ومصاريفنا جيدًا. لا أريدك أن تقلقي بشأن المال. هذه مسؤوليتي، وأريدك أن تستمتعي بالرسم وتبذلي جهدك.

أومأت مريم، ثم ذهبت إلى غرفتها لتراجع رسمها.

أما سُهى، فجلست إلى الطاولة وفتحت دفتر الحسابات.

كتبت عنوانًا جديدًا:

«فرص يجب أن أدرسها قبل أن أقبلها.»

ثم أضافت تحته ثلاثة بنود:

* تجربة التوريد الجديدة مع خالد.

* توسيع خدمات الحسابات للمشاريع المنزلية.

* تنظيم الوقت والمصاريف للمشاركة في معرض مريم.

تأملت القائمة، ثم وضعت خطًا تحت كلمة «أدرسها».

لقد تعلمت من السنوات الماضية أن قبول كل فرصة لا يعني التقدم، وأن رفض كل ما يخيفها لا يعني الحماية. كانت تحتاج إلى أن تعرف ما الذي تستطيع تحمله، وما الذي يستحق أن تخاطر من أجله، وما الذي يجب أن تتركه لوقت آخر.

وفي الغرفة المجاورة، كانت مريم تضيف تفاصيل صغيرة إلى رسمها الجديد. رسمت الطفل وهو يمشي في طريق متعرج، يحمل مصباحه بيد، ويشير باليد الأخرى إلى نافذة مضاءة.

لم يكن الطريق مستقيمًا، ولم تكن نهايته ظاهرة.

لكن الطفل لم يعد يقف عند بدايته.