لم تنم سُهى إلا قليلًا تلك الليلة.
كان دفترها مفتوحًا على الطاولة، والورقة التي قسمت فيها خياراتها إلى عمودين ما تزال أمامها. في العمود الأول كتبت مزايا الوظيفة في العاصمة: راتب أفضل، ضمان اجتماعي، استقرار مهني، وفرصة للعودة إلى مجال عملها القديم. وفي العمود الثاني كتبت ما تخشاه: ساعات العمل الطويلة، غيابها عن مريم، اضطرارها إلى ترك بيت أمها، واحتمال أن تجد نفسها بعد أشهر في المكان نفسه الذي هربت منه، منهكةً ولا تملك وقتًا لحياتها.
لكنها أدركت أن المشكلة لم تكن في الورقة، بل في أنها كانت تنتظر من الأرقام أن تمنحها إجابة لا تحمل أي ألم.
جلست أمها إلى جانبها، وقد وضعت فنجانين من الشاي على الطاولة.
قالت وهي تنظر إلى الدفتر:
— هل وجدتِ جوابك؟
ابتسمت سُهى ابتسامة متعبة.
— وجدت أسبابًا كثيرة للقبول، وأسبابًا أخرى للرفض. لكنني لم أجد طريقة تجعلني مطمئنة تمامًا.
— وهل كنتِ مطمئنة حين غادرتِ العاصمة؟
سكتت سُهى قليلًا، ثم هزت رأسها نافية.
— لا.
— وهل كنتِ تعرفين أن العودة ستكون سهلة؟
— لا.
رفعت أمها فنجانها، ثم قالت بهدوء:
— إذن، أنت تعرفين شيئًا واحدًا على الأقل: الحياة لا تنتظر حتى نطمئن تمامًا. لكن هذا لا يعني أن نرمي أنفسنا في أي طريق. اختاري الطريق الذي تستطيعين السير فيه، حتى عندما تتعبين.
نظرت سُهى إلى صورة مريم المعلقة قرب النافذة. كانت ابنتها قد رسمت نفسها وأمها في بيت صغير، وبينهما نافذة مفتوحة على شجرة.
قالت:
— أخشى أن أرفض الوظيفة، ثم أندم حين لا أستطيع دفع مصاريفنا.
أجابتها أمها دون أن تحاول تخفيف الحقيقة:
— هذا احتمال. وهناك احتمال آخر، أن تقبليها ثم تكتشفي أن كلفة الغياب أكبر مما توقعتِ. لا أحد يستطيع أن يضمن لك النتيجة. ما تستطيعين فعله هو أن تضعي خطة، لا أن تعتمدي على الأمل وحده.
كانت تلك الجملة أقرب إلى ما تحتاج إليه سُهى من أي نصيحة أخرى.
أغلقت الدفتر، ونهضت إلى المطبخ. أعدت لنفسها كوبًا من القهوة، ثم جلست لتراجع حساباتها مرة أخيرة.
كان دخلها من متجر خالد محدودًا، لكنه منتظم. وكانت نجلاء قد وافقت على دفع أجر شهري مقابل متابعة حسابات مشروعها، كما وعدتها ريم بأن تتصل بها بعد ترتيب طلباتها. أما سامي، فلم يبدأ مشروعه بعد، لكنه يحتاج إلى مساعدة في وضع ميزانية أولية.
لم تكن هذه الأعمال كافية لتضمن لها مستقبلًا مريحًا، لكنها لم تعد مجرد أفكار معلقة في الهواء.
كتبت في صفحة جديدة:
«ثلاثة أشهر للتجربة، لا ثلاثة أشهر للانتظار.»
وضعت خطة واضحة: الاحتفاظ بعملها لدى خالد خلال الفترة الأولى، وتنظيم مواعيد ثابتة لعملائها، والبحث عن عميلين إضافيين على الأقل، مع تخصيص جزء من كل دخل للطوارئ. وإذا لم تحقق بعد ثلاثة أشهر الحد الأدنى الذي تحتاج إليه، فستعيد تقييم قرارها وتبحث عن وظيفة أخرى، في العاصمة أو في مكان أقرب.
لم تكن الخطة مثالية، لكنها كانت قابلة للقياس.
وفي السابعة والنصف صباحًا، فتحت هاتفها وكتبت رسالة إلى مسؤول التوظيف.
قرأت الرسالة مرتين قبل أن تضغط على زر الإرسال.
كانت ترفض الوظيفة.
لم ترفضها لأنها لا تستحقها، ولا لأنها تخاف من العاصمة، بل لأنها لم تجد في شروطها الحالية ما يسمح لها ببناء حياة تستطيع الاستمرار فيها. وشكرت الشركة على ثقتها، وأبدت استعدادها للتقدم مستقبلًا إلى فرص أخرى تتناسب مع ظروفها المهنية.
بعد الإرسال، بقيت تنظر إلى الشاشة.
لم يحدث شيء استثنائي. لم تتغير حياتها فجأة، ولم تشعر بالراحة الكاملة التي تخيلتها. بل أحست بوخزة خوف حادة، كأنها أغلقت بابًا كان يمكن أن يحميها من المجهول.
دخلت مريم المطبخ وهي تحمل حقيبتها المدرسية.
— أمي، هل ستذهبين اليوم إلى العاصمة؟
التفتت سُهى إليها.
— لا يا حبيبتي. لن أذهب إلى تلك الوظيفة.
توقفت مريم عن ترتيب أقلامها.
— لأنك لا تريدينها؟
جلست سُهى أمامها حتى أصبح وجهها في مستوى وجه ابنتها.
— لأنها لا تناسب حياتنا الآن، كما هي معروضة. هذا لا يعني أنني لن أعمل في مكان آخر، ولا أنني لن أبحث عن فرص أفضل. سأحاول أن أبني عملي هنا، لكنني سأحتاج إلى وقت وجهد، وقد نضطر إلى تقليل بعض المصاريف.
بدت مريم وكأنها تفكر في شيء مهم.
— هل أنت حزينة؟
لم تجب سُهى بسرعة.
— قليلًا. لأنني كنت أتمنى أن يكون الأمر أسهل. لكنني لست نادمة على أنني فكرت جيدًا قبل أن أقرر.
اقتربت مريم وعانقتها.
— أتمنى أن تنجحي يا أمي.
أغمضت سُهى عينيها للحظة.
— وأنا أيضًا يا صغيرتي.
ثم أضافت، وهي تبتعد قليلًا لتبتسم لها:
— لكن نجاحي ليس مسؤوليتك. أنت مسؤولة عن دراستك ورسمك وأن تستمتعي بطفولتك. أما العمل والحسابات والقرارات الصعبة، فهي مسؤوليتي أنا.
هزت مريم رأسها، ثم رفعت حقيبتها.
— حسنًا. لكنني سأرسم لك شيئًا جميلًا عندما أعود.
ضحكت سُهى.
— اتفقنا.
في متجر خالد، لم يكن الصباح هادئًا كما اعتادت سُهى أن تجده.
وقف خالد أمام رفوف شبه فارغة، يقارن قائمة البضائع المطلوبة بما بقي في المخزن. كانت بعض الأدوات المنزلية التي يبيعها بكثرة قد نفدت، وأخبره المورد أن الشحنة الجديدة ستتأخر بسبب اضطراب الإنتاج والنقل.
قال وهو يشير إلى القائمة:
— الزبائن لا يسألونني لماذا تأخرت البضاعة. هم يريدونها اليوم، وإذا لم يجدوا ما يحتاجون إليه، ذهبوا إلى متجر آخر.
وضعت سُهى حقيبتها جانبًا، وراجعت القائمة.
— ما المنتجات التي ما زال الطلب عليها مستقرًا؟
— أدوات التنظيف الأساسية، وبعض الأواني، وقطع صغيرة لا تتأثر كثيرًا بالتوريد.
— إذن، علينا ألا ننفق ما بقي من السيولة على منتجات بطيئة البيع لمجرد أن المورد يستطيع توفيرها.
نظر إليها خالد.
— المشكلة أن بعض الزبائن اعتادوا أن يجدوا كل شيء هنا.
— وهذا ما يجب أن نحافظ عليه قدر الإمكان، لكن ليس على حساب قدرتك على دفع المستحقات. يمكننا أن نخبر الزبائن بموعد تقريبي للمنتجات غير المتوفرة، ونقترح بدائل حين تكون مناسبة. أما شراء مخزون كبير من دون التأكد من سرعة بيعه، فقد يزيد المشكلة.
جلس خالد خلف مكتبه، وأخرج ملفًا سميكًا.
— لديّ أيضًا ثلاثة زبائن تأخروا في الدفع. أحدهم وعدني منذ شهر، والثاني يقول إنه ينتظر راتبه، والثالث لم يعد يجيب عن اتصالاتي.
بدأت سُهى تراجع المبالغ وتواريخ الاستحقاق.
— علينا أن نفصل بين من يستطيع الدفع لكنه يتأخر، ومن يمر فعلًا بصعوبة. نتواصل مع كل واحد بوضوح، ونطلب مواعيد محددة. لا يمكننا أن نواصل البيع بالدين للجميع بينما أنت مطالب بدفع مستحقاتك في مواعيدها.
تنهد خالد.
— أحيانًا أشعر أنني أعاقب الناس على ظروف لم يختاروها.
— وأنا أفهم ذلك. لكن ظروفهم ليست وحدها التي تحتاج إلى حماية. أنت أيضًا لديك عائلة والتزامات وعمال، إن وُجدوا، يعتمدون على استمرار المتجر. الرحمة لا تعني أن تترك حساباتك مفتوحة إلى أجل غير معلوم.
ظل خالد صامتًا قليلًا، ثم قال:
— يبدو أنك بدأتِ تتحدثين عن الحسابات كما لو أنك تتحدثين عن الناس.
أجابت سُهى وهي ترتب الأوراق:
— لأن الحسابات في النهاية تخص الناس. وراء كل مبلغ شخص ينتظر أن يقبض، أو أسرة تخشى أن ينقطع دخلها، أو صاحب مشروع يحاول ألا يخسر ما بناه.
نظر خالد إليها باهتمام.
— هل فكرتِ في جعل هذا عملك الأساسي؟
ترددت سُهى، ثم أخبرته بقرارها.
— رفضت وظيفة العاصمة هذا الصباح.
رفع حاجبيه.
— حقًا؟
— نعم. لم أجد طريقة أستطيع بها قبول شروطها الحالية من دون أن أضع نفسي ومريم تحت ضغط أكبر مما نحتمل. سأحاول توسيع عملي هنا، لكنني لن أعتبر القرار نهائيًا إلى الأبد. إذا لم تنجح الخطة، سأبحث عن بديل.
أومأ خالد ببطء.
— هذا أفضل من أن تقولي إنك اخترتِ البقاء لأنك لا تستطيعين الرحيل.
ابتسمت سُهى.
— ربما. لا أريد أن يكون خوفي هو الذي يقرر كل مرة.
أخرج خالد دفترًا صغيرًا من درج مكتبه.
— لديّ اقتراح. لن أعدك بأجر كبير، لأنك تعرفين وضعي. لكنني أستطيع أن ألتزم معك بأجر شهري ثابت مقابل متابعة الحسابات، إضافة إلى مراجعة المخزون والمستحقات مرة كل أسبوع. وإذا تحسنت المبيعات، نراجع الأجر.
لم توافق سُهى فورًا.
— أريد أن نتفق على عدد الساعات والمهام بوضوح، حتى لا يتحول العمل المحدود إلى يوم كامل كل يوم.
ضحك خالد.
— معك حق. أنت أول شخص يفاوضني على حدود العمل بدلًا من أن يطلب مني مزيدًا منه.
— لأنني تعلمت أن العمل الذي لا حدود له قد يأخذ كل شيء، حتى عندما لا يدفع ما يكفي.
اتفقا على جدول محدد، وكتبا المهام والأجر وموعد المراجعة بعد شهر.
وحين انتهيا، شعرت سُهى أن رفض الوظيفة لم يعد مجرد باب أغلقته؛ فقد بدأت تضع أمام نفسها بابًا آخر، ولو كان أضيق وأكثر حاجة إلى الصبر.
في المركز الثقافي، كان التحضير لليوم المفتوح قد دخل مرحلة جديدة.
امتلأت إحدى القاعات بطاولات خشبية استعارتها ليلى من إدارة المركز. وُضعت على الجدران أوراق بيضاء لتثبيت رسومات الأطفال، فيما خصصت مساحة جانبية للمنتجات اليدوية، وطاولة عند المدخل لتسجيل الزوار وتوجيههم.
وصلت نجلاء في الصباح تحمل صندوقين من منتجاتها: قطعًا قماشية صغيرة، وأكياسًا مطرزة، وعلب هدايا صنعتها بألوان هادئة.
وضعت الصناديق فوق الطاولة، ثم بدأت تخرج القطع واحدة تلو الأخرى.
قالت وهي تتأمل المكان:
— لا أصدق أنني سأعرض منتجاتي أمام الناس هكذا. اعتدت أن أبيع لمن يعرفني، أو لمن يرى صور المنتجات على هاتفي.
ساعدتها سُهى في ترتيب البطاقات.
— هذا اليوم فرصة لتعرفي ما الذي يجذب الناس، وما الذي يسألون عنه، وما الأسعار التي يقبلونها. لا تتوقعي أن تبيعي كل شيء. أحيانًا تكون المعلومة التي تحصلين عليها أهم من البيع نفسه.
أخرجت نجلاء دفترًا صغيرًا.
— كتبت عدد القطع التي جلبتها، وسعر كل واحدة، وتكلفتها. كما اتفقنا.
ابتسمت سُهى بفخر.
— ممتاز. ولا تنسي تسجيل أي تخفيض تمنحينه، حتى نعرف في النهاية كم بقي لك من الربح.
على الطاولة المجاورة، كانت ريم ترتب قطع تطريز دقيقة على أقمشة صغيرة. بدت مترددة في وضع الأسعار.
قالت لسُهى:
— أخشى أن أكتب سعرًا مرتفعًا فلا يشتري أحد، أو سعرًا منخفضًا فأكتشف أنني عملت كل هذه الساعات من دون مقابل حقيقي.
أخذت سُهى إحدى القطع وتأملتها.
— لنحسبها معًا. ما تكلفة القماش والخيط؟
أجابت ريم، وبدأتا تدوين الأرقام.
— وماذا عن الوقت الذي تقضينه في إنجاز القطعة؟
خفضت ريم عينيها.
— لا أحسبه عادة. أعتبره شيئًا أفعله في البيت.
— لكنه وقت من حياتك، ريم. وإذا كنتِ تريدين أن يصبح هذا العمل مصدر دخل، فلا يمكننا أن نتعامل مع وقتك وكأنه بلا قيمة.
لم يكن حساب سعر التطريز سهلًا. فبعض القطع تستغرق ساعات طويلة، وقد لا يقبل الزبائن سعرًا يغطي كل الوقت الذي تحتاج إليه. لذلك اتفقتا على تصنيف المنتجات حسب صعوبة تنفيذها، وترك القطع الأكثر تفصيلًا للطلبات الخاصة، بدلًا من صنع كميات كبيرة منها قبل التأكد من وجود مشترين.
قالت ريم، وهي تنظر إلى البطاقات التي كتبتها:
— أشعر الآن أنني لا أبيع قطعة تطريز فقط. أنا أتعلم كيف أجعل عملي يستمر.
— وهذا هو الهدف.
وفي زاوية القاعة، كان سامي يتحدث مع ليلى عن إمكانية عرض خدمات الإصلاح التي يفكر في تقديمها. لم يحضر أجهزة كثيرة، ولم ينفق مالًا على أدوات جديدة، بل وضع لوحة صغيرة كتب عليها أنواع الإصلاحات التي يستطيع القيام بها، ورقم هاتفه للتواصل بشأنها.
اقتربت منه سُهى.
— هل قررت أن تبدأ؟
— قررت أن أختبر الفكرة. لن أترك عملي في المصنع، لكنني سأقبل بعض الإصلاحات البسيطة خارج ساعات العمل، إذا كان ذلك ممكنًا.
— جيد. هل حددت أسعارًا أولية؟
أخرج ورقة مطوية.
— كتبت أسعارًا تقريبية، لكنني لست متأكدًا إن كانت تغطي ثمن القطع التي قد أحتاج إليها.
جلست معه لدقائق، وراجعا تكلفة المواد ووقت العمل والتنقل. اتفقا على أن يطلب عربونًا عند الحاجة إلى شراء قطع غيار خاصة، وأن يوضح للزبون تكلفة الإصلاح قبل البدء فيه، وألا يعد بإصلاح جهاز لا يعرف إن كان قادرًا على التعامل معه.
قال سامي:
— أظن أنني كنت أريد أن أبدأ بسرعة لأنني خائف مما قد يحدث في المصنع.
أجابته سُهى:
— الخوف قد يدفعنا إلى التحرك، لكنه ليس أفضل شخص لاختيار ما نفعله. ابدأ بما تعرفه، واختبر الطلب، ثم وسّع عملك عندما تصبح لديك معلومات كافية.
هز رأسه موافقًا.
في تلك اللحظة، رن هاتفه. ابتعد قليلًا ليرد، ثم عاد ووجهه أكثر جدية.
سألته ليلى:
— هل حدث شيء؟
قال سامي:
— أبلغونا أن بعض العمال ستُقلّص ساعات عملهم خلال الفترة القادمة. لم يحددوا بعد من سيشمله القرار، لكننا نعرف أن الأمر قد يؤثر في أجورنا.
ساد صمت قصير.
لم يكن سامي الوحيد الذي يخشى هذا الخبر. فقد أصبح الحديث عن المصنع حاضرًا في المتاجر والبيوت، حتى بين أشخاص لا يعملون فيه مباشرة. كل تأخير في الإنتاج كان ينعكس على مورد، وكل نقص في البضائع كان ينعكس على متجر، وكل انخفاض في دخل عامل كان ينعكس على مشتريات أسرة.
قالت ليلى أخيرًا:
— لهذا نحتاج إلى هذا اليوم. ليس لأنه سيحل كل المشكلات، بل لأنه يمنح الناس فرصة لرؤية أعمال بعضهم بعضًا.
لم ترد سُهى. نظرت إلى القاعة التي بدأت تمتلئ بالألوان، وفكرت في أن ما يجري هنا صغير أمام حجم الأزمة، لكنه ليس بلا قيمة.
عادت مريم من المدرسة في ذلك اليوم وهي تحمل ملفًا بلاستيكيًا شفافًا.
وضعت حقيبتها قرب الباب، ثم دخلت إلى غرفة أمها بحذر.
— أمي، هل أنت مشغولة؟
كانت سُهى تراجع حسابات نجلاء على دفترها، لكنها أغلقت الدفتر فورًا.
— تفضلي. ماذا تحملين؟
أخرجت مريم الرسم.
كان الطفل الذي يحمل مصباحًا ما يزال في منتصف الطريق المظلم، لكن مريم أضافت إلى المشهد تفاصيل جديدة. ظهرت خلف الطفل بيوت صغيرة، وفي إحدى النوافذ ضوء أصفر دافئ. أما في نهاية الطريق، فلم ترسم شمسًا كبيرة كما كانت تفعل من قبل، بل وضعت خطًا خفيفًا يشير إلى منعطف لا يُعرف ما وراءه.
تأملت سُهى الرسم.
— لقد تغير كثيرًا.
قالت مريم:
— طلبت منا المعلمة أن نراجع أعمالنا قبل المعرض، وأن نفكر فيما نريد أن نقوله من خلالها. في البداية أردت أن أجعل الطريق ينتهي عند بيت مضيء، لكنني شعرت أن ذلك يشبه القول إن كل شيء سيكون بخير دائمًا.
جلست إلى جانب أمها.
— وأنا لا أعرف إن كان كل شيء سيكون بخير. لذلك تركت الطريق يستمر.
شعرت سُهى بوخزة حنان في قلبها. لم تكن ابنتها تعرف تفاصيل الحياة كما تعرفها الكبار، لكنها كانت تلتقط منها ما يكفي لتسأل الأسئلة الصحيحة.
قالت:
— أعتقد أن هذا يجعل الرسم أكثر صدقًا.
— حقًا؟
— نعم. الأمل لا يعني أن نعرف النهاية. أحيانًا يعني أن نرى الخطوة التالية فقط.
ابتسمت مريم.
— مثل المصباح؟
— تمامًا.
أخرجت من حقيبتها بطاقة صغيرة كتبت عليها عنوان الرسم: «ما تكشفه الخطوة الأولى».
ثم قالت:
— المعلمة ليلى أخبرتني أن الرسم سيُعرض في اليوم المفتوح. قالت إنني أستطيع كتابة جملة قصيرة بجانبه تشرح فكرته.
فكرت قليلًا، ثم أضافت:
— سأكتب: «لا يضيء المصباح الطريق كله، لكنه يساعدنا على ألا نبقى في مكاننا.»
ربتت سُهى على كتفها.
— إنها جملة جميلة يا مريم.
نظرت مريم إلى الرسم، ثم قالت:
— هل يمكنني أن أضعه قرب النافذة في القاعة؟ أريد أن يكون الضوء الحقيقي خلفه.
ضحكت سُهى.
— يمكنك أن تطلبي ذلك من ليلى. لكن تأكدي أولًا من أن الضوء لن يجعل الألوان باهتة.
— سأفعل.
حملت مريم رسمها بعناية، ثم توقفت عند الباب.
— أمي؟
— نعم؟
— هل ستعزفين لي الليلة؟
نظرت سُهى إلى الساعة. كانت لا تزال أمامها حسابات تحتاج إلى إنهائها، ورسائل يجب أن ترد عليها، ومصاريف لم تجد لها حلًا بعد.
ومع ذلك، قالت:
— نعم. سنعزف معًا نصف ساعة، كما اتفقنا.
لم يكن وعدًا كبيرًا، لكنه كان موعدًا لم ترغب في تأجيله مرة أخرى.
في المساء، جلست سُهى أمام الأورغ القديم، بينما استقرت مريم إلى جوارها.
كانت المفاتيح بحاجة إلى تنظيف، وبعض النغمات تخرج أضعف من غيرها. لكن سُهى لم تعد تنظر إلى الآلة بوصفها شيئًا ينتمي إلى حياة انتهت، بل إلى جزء منها ظل ينتظر أن تعود إليه.
بدأت تعزف لحنًا بسيطًا كانت تحفظه منذ سنوات.
حاولت مريم أن تقلدها، فأخطأت في موضعين، ثم ضحكت.
— هذا الصوت لا يشبه صوتك!
— لأنك ضغطتِ على المفتاح الخطأ.
— لكنه بدا جميلًا.
— ليس كل خطأ جميلًا يا مريم.
فكرت الصغيرة لحظة، ثم قالت:
— لكنه أحيانًا يقودنا إلى شيء لم نكن نعرفه.
توقفت أصابع سُهى فوق المفاتيح.
نظرت إلى ابنتها، ثم ابتسمت.
— يبدو أنك ستجعلينني أعيد التفكير في كل شيء.
— هذا لأنك تقولين دائمًا إن علينا أن نتعلم.
عادت سُهى إلى العزف، هذه المرة ببطء أكبر. راحت مريم تراقب حركة أصابعها، ثم حاولت أن تضيف نغمة واحدة في نهاية اللحن.
لم يكن العزف متقنًا، ولم يتحول المساء إلى مشهد مثالي خالٍ من الهموم. ففي الغرفة المجاورة، كانت أم سُهى تتحدث في الهاتف عن ارتفاع ثمن بعض المواد الغذائية، وعلى الطاولة بقيت أوراق الحسابات تنتظر مراجعتها.
لكن سُهى شعرت بأن حياتها بدأت تستعيد شيئًا من توازنها. لم تعد تنتظر أن تنتهي مسؤولياتها كي تسمح لنفسها بلحظة فرح، لأنها بدأت تفهم أن المسؤوليات قد لا تنتهي أبدًا.
وحين انتهت النصف ساعة، أغلقت الأورغ وساعدت مريم على ترتيب أوراقها.
قالت مريم وهي تتثاءب:
— أريد أن أتعلم لحنًا كاملًا في العطلة.
— سنختار لحنًا مناسبًا ونتدرب عليه تدريجيًا.
— وهل ستعزفين أنت أيضًا؟
— نعم، سأعزف أنا أيضًا.
لم تقل سُهى إن هذا الوعد قد يصعب الوفاء به في بعض الأيام. لكنها عرفت أنها ستبذل جهدًا حقيقيًا كيلا يصبح كل ما تحبه مؤجلًا إلى أجل غير معلوم.
في اليوم التالي، وصل رد الشركة.
كان قصيرًا ومهنيًا، يشكر سُهى على توضيح قرارها، ويؤكد أن ملفها سيبقى ضمن المرشحين لفرص مستقبلية إذا توفرت وظائف مناسبة.
قرأت الرسالة مرة واحدة، ثم أغلقت الهاتف.
شعرت بالأسف، لكنها لم تعد تشعر بأنها خسرت مستقبلها كله. كان هناك فرق بين أن تفقد فرصة، وأن تعتقد أنك فقدت قدرتك على صنع الفرص.
فتحت دفترها وراجعت الخطة التي كتبتها. ثم أرسلت رسائل إلى نجلاء وريم لتحديد مواعيد متابعة الحسابات، واتصلت بخالد لتأكيد جدول العمل الجديد. وبعد ذلك أعدت قائمة بأسماء أصحاب المشاريع الصغيرة الذين يمكن أن يحتاجوا إلى خدماتها.
لم تتوقع أن يتحول الأمر إلى نجاح سريع. كانت تعرف أن بعضهم قد يرفض، وأن بعضهم قد لا يستطيع دفع أجر ثابت، وأن العمل المحلي يحتاج إلى وقت حتى يكتسب ثقة الناس.
لكنها بدأت تتعامل مع مشروعها بوصفه عملًا حقيقيًا، لا مجرد محاولة مؤقتة لتجاوز الأزمة.
أعدت ورقة تعريفية بسيطة كتبت فيها الخدمات التي تستطيع تقديمها:
* تنظيم سجلات المبيعات والمصاريف.
* حساب تكلفة المنتجات وتحديد أسعار البيع.
* متابعة الديون والمستحقات.
* إعداد ملخص شهري يوضح الإيرادات والمصاريف والربح التقريبي.
* تنظيم المخزون ومراجعة حركة المنتجات.
ثم كتبت أسفل القائمة عبارة قصيرة:
«الحسابات الواضحة تساعدك على اتخاذ قرارات أفضل.»
نظرت إلى الورقة، وشعرت للمرة الأولى أنها لا تعرض خبرتها السابقة فحسب، بل تصوغ لنفسها مهنة جديدة تناسب المرحلة التي تعيشها.
اقترب يوم المعرض، وأصبحت القاعة أكثر ترتيبًا.
علقت ليلى رسومات الأطفال على الجدران، ورتبت نجلاء منتجاتها بحسب أنواعها، بينما ثبتت ريم بطاقات الأسعار على قطع التطريز. ووضع سامي لوحته الصغيرة قرب المدخل، مع توضيح أنه يستقبل طلبات الإصلاح البسيطة بعد الاتفاق على نوع العطل والتكلفة.
أما سُهى، فكانت تتحرك بين الطاولات حاملة دفترًا وقلمًا، تراجع الميزانية وتدون المصاريف التي ظهرت أثناء التحضير.
قالت ليلى وهي تراقبها:
— لو لم أعرفك من قبل، لظننت أنك تعملين في تنظيم المعارض منذ سنوات.
ضحكت سُهى.
— لا تبالغي. أنا فقط أحاول ألا نكتشف في النهاية أننا أنفقنا أكثر مما جمعنا.
— وهذا بالضبط ما نحتاج إليه.
اقتربت نجلاء منهما وهي تحمل بعض البطاقات.
— سُهى، هل يمكن أن تضيفي إلى جدولك خدمة إعداد سجل للمبيعات اليومية؟ لقد تحدثت معي امرأة تعرفها، وقالت إنها تبيع المخبوزات من المنزل ولا تعرف كيف تفرق بين المال الذي يدخل جيبها والمال الذي تحتاج إلى إعادته لشراء المواد.
نظرت سُهى إلى ليلى، ثم إلى نجلاء.
— بالطبع. إذا تواصلت معي، سأشرح لها ما أستطيع تقديمه، ونتفق على أجر يناسب حجم عملها.
لم تكن هذه أول مرة تسمع فيها سُهى عن شخص يحتاج إلى المساعدة في الحسابات، لكنها كانت المرة الأولى التي تأتي فيها الفرصة من خلال حديث بين صاحبات مشاريع يتبادلن الخبرات.
أدركت أن الثقة لا تُبنى بالإعلانات وحدها. أحيانًا تبدأ من عمل صغير يؤديه المرء بإتقان، ثم تنتقل سمعته من شخص إلى آخر.
وفي أثناء ذلك، وصل خالد إلى المركز الثقافي بعد إغلاق متجره في وقت مبكر نسبيًا. بدا متعبًا، لكنه حمل معه صندوقًا صغيرًا يحتوي على بعض الأدوات المنزلية التي وافق على عرضها بأسعار معلنة، من دون البيع بالدين.
قال لسُهى:
— أحضرت بعض القطع التي ما زال لديّ منها مخزون كافٍ. إذا بيعت، فسيكون ذلك أفضل من تركها في المتجر.
راجعت سُهى القائمة.
— جيد. لكن لن نعتبر قيمة المبيعات ربحًا كاملًا. سنسجل ما بيع، ونخصم التكلفة والمصاريف المرتبطة به.
هز خالد رأسه مبتسمًا.
— كنت أعلم أنك ستقولين ذلك.
ثم أضاف بصوت أخفض:
— تحدثت اليوم مع أحد الموردين. لا يتوقع أن تعود الإمدادات إلى طبيعتها قريبًا. وهناك متاجر بدأت تطلب كميات أقل لأنها تخشى أن تتراكم عليها الديون.
اختفت ابتسامة سُهى قليلًا.
— وهل تعتقد أن الوضع سيتحسن؟
— لا أعرف. لا أريد أن أهوّل الأمور، لكنني لا أستطيع أيضًا أن أتصرف وكأنها مشكلة عابرة.
وقفا أمام إحدى الطاولات، ينظران إلى القاعة التي يجري تجهيزها.
قال خالد:
— من الغريب أننا نحاول هنا أن نساعد الناس على بناء مشاريع صغيرة، بينما يخشى كثيرون في الخارج فقدان أعمالهم.
أجابته سُهى:
— ربما لهذا السبب بالذات علينا أن نحاول. ليس لأننا نملك حلًا لكل شيء، بل لأن التوقف عن المحاولة لن يحمي أحدًا.
لم يجب خالد. اكتفى بالنظر إلى لوحة سامي الصغيرة، ثم إلى المنتجات التي رتبتها نجلاء وريم بعناية.
كان كل شخص في هذه القاعة يحمل قلقًا لا يعرف كيف ينتهي: سامي يخشى تقلص دخله، وخالد يخشى أن تتسع ديونه، ونجلاء تخشى أن تتراجع المبيعات، وريم تحاول أن تثبت أن وقتها يستحق أجرًا عادلًا.
أما سُهى، فقد كانت تخشى أن تكون قد راهنت على طريق غير مضمون.
ومع ذلك، لم يعد أحد منهم ينتظر أن يأتي شخص آخر ليضمن له النجاح.
في المساء، عادت سُهى إلى البيت لتجد مريم جالسة على الأرض أمام مجموعة من الأوراق الملونة.
كانت قد صنعت إطارًا بسيطًا لرسمها، مستخدمة قطعًا من الورق المقوى، ثم كتبت العنوان بخط واضح.
جلست سُهى قربها.
— يبدو أنك مستعدة للمعرض أكثر مني.
رفعت مريم رأسها بفخر.
— لأنني انتهيت من عملي.
— وأنا أيضًا انتهيت من معظم عملي.
نظرت مريم إلى أمها، ثم سألت:
— هل أنت خائفة من الغد؟
فكرت سُهى قليلًا.
— نعم، بعض الشيء.
— لماذا؟ لقد جهزنا كل شيء.
— لأنني لا أعرف كيف سيسير اليوم، ولا إن كنت سأحصل على عملاء جدد، ولا إن كانت المبيعات ستكفي المشاركين.
عادت مريم إلى تثبيت الإطار، ثم قالت:
— لكنك قلتِ لي إن الرسم لا يحتاج إلى أن نعرف النهاية.
ابتسمت سُهى.
— يبدو أنني سأحتاج إلى تذكيرك بهذه الجملة كثيرًا.
ضحكت مريم، ثم أسندت رأسها إلى كتف أمها.
— أمي، إذا لم ينجح اليوم، هل سنحاول مرة أخرى؟
وضعت سُهى يدها على شعرها.
— إذا لم يسر كما نريد، فسنعرف ما الذي يجب أن نغيره. لا أستطيع أن أعدك بأن كل محاولة ستنجح، لكنني أستطيع أن أعدك بأننا لن نحكم على أنفسنا من تجربة واحدة.
رفعت مريم رأسها.
— هذا يشبه الرسم. إذا لم يعجبني شيء، أستطيع أن أضيف إليه أو أبدأ من جديد.
— نعم، مع اختلاف بسيط.
— ما هو؟
— في الرسم، تستطيعين أحيانًا أن تمحي خطًا وتعيدي رسمه. أما في الحياة، فبعض القرارات لا يمكن محوها بسهولة. لذلك نحاول أن نفكر قبل اتخاذها، وإذا أخطأنا، نتعلم كيف نصلح ما نستطيع إصلاحه.
فكرت مريم في كلامها، ثم قالت:
— سأكتب هذه الجملة في دفتري.
ضحكت سُهى.
— اكتبيها، لكن لا تنسي أن تنامي أيضًا.
ساعدتها على جمع الأوراق، ثم أطفأت الضوء الكبير وأبقت المصباح الصغير قرب السرير.
وقبل أن تغفو مريم، سمعتها تقول:
— أمي، غدًا عندما يأتي الناس، أريد أن أشرح لهم رسمي بنفسي.
جلست سُهى عند طرف السرير.
— ستفعلين ذلك. ليس عليك أن تقولي كلامًا طويلًا. اشرحي لهم ما شعرتِ به وأنت ترسمينه.
أغمضت مريم عينيها.
— سأقول لهم إن الطفل لا يعرف ما ينتظره في نهاية الطريق، لكنه يستطيع أن يحمل مصباحه ويبدأ.
قبّلت سُهى جبينها، ثم خرجت بهدوء.
عادت إلى الطاولة، حيث كانت قائمة المصاريف مفتوحة أمامها. راجعتها للمرة الأخيرة، وضعت قلمًا بجوارها، ثم نظرت إلى الأورغ في الزاوية.
كانت قد اختارت طريقًا، لكنه لم يتحول بعد إلى طريق آمن. وكانت تعرف أن الغد قد يحمل بعض الزبائن أو لا يحمل أيًا منهم، وأن الأزمة التي بدأت تؤثر في حياة الناس لن تتوقف لأن قاعة صغيرة قررت أن تفتح أبوابها.
ومع ذلك، لم تشعر بأنها تقف في المكان نفسه الذي وقفت فيه قبل أسابيع، حين عادت إلى بيت أمها وهي تحمل حقائبها وخوفها، وتظن أن حياتها القديمة قد انتهت.
لقد بدأت تتعلم كيف تبني شيئًا من الأشياء المتاحة أمامها، وكيف تمنح نفسها حق الاختيار من جديد.
أغلقت دفتر الحسابات، وأبقت على صفحة واحدة مفتوحة، كتبت في أعلاها:
«ما الذي تعلمته اليوم؟»
ثم كتبت:
«أن القرار الشجاع ليس القرار الذي يزيل الخوف، بل الذي يُتخذ بعد أن ننظر إلى الخوف في عينيه، ونعرف ما نستطيع فعله رغم وجوده.»
أغلقت الدفتر.
وفي الخارج، كانت المدينة القديمة تستعد لليلة أخرى من لياليها الهادئة. لكن في المركز الثقافي، كانت هناك طاولات تنتظر الزوار، ورسومات تنتظر العيون التي ستراها، ومشاريع صغيرة تأمل أن تجد طريقًا إلى الاستمرار.
لم تكن سُهى تعرف إن كان اليوم المفتوح سيغير شيئًا في حياتها.
لكنها، للمرة الأولى منذ عودتها، لم تكن تنتظر أن تتغير حياتها من تلقاء نفسها.
كانت قد بدأت تضع يديها على أول خيط في حكايتها الجديدة.