NOVELFLEX

نافذة على الغد

حكاية بين يدي · بقلم @ma waraa.alhibr

كان الصباح باردًا على غير العادة، والسماء مغطاة بسحب رمادية حجبت ضوء الشمس عن أزقة المدينة القديمة. وقفت سُهى أمام المرآة الصغيرة في غرفتها، ترتب حجابها للمرة الثالثة، ثم تراجعت خطوة لتتأكد من أن كل شيء يبدو مناسبًا.

لم تكن تستعد لمقابلة عمل عادية هذه المرة. كانت ذاهبة إلى العاصمة لتناقش العرض الذي ظل يرافق أفكارها طوال الأيام الماضية، وتبحث عن إجابة لسؤال لم يعد يتعلق بالراتب وحده: هل تستطيع أن تبدأ من جديد دون أن تفقد ما بنته خلال الأسابيع الأخيرة؟

على الطاولة، وضعت ملفًا يحتوي على نسخة من سيرتها الذاتية، وتفاصيل العرض، وقائمة بالأسئلة التي تريد طرحها. وإلى جانب الملف، تركت دفترها الصغير الذي اعتادت أن تسجل فيه مصاريفها وأفكارها.

دخلت أمها الغرفة، تحمل فنجانًا من القهوة.

«أعددت لك القهوة قبل أن تخرجي. هل أنت مستعدة؟»

أخذت سُهى الفنجان، ثم ابتسمت ابتسامة متعبة.

«أظن ذلك. أو ربما سأكون مستعدة عندما أصل إلى هناك.»

جلست أمها على طرف السرير.

«لا تذهبي وأنت تشعرين بأنك مطالبة بإثبات شيء لأحد. أنت لا تذهبين لتثبتي أنك قادرة على النجاح، بل لتعرفي إن كانت هذه الفرصة تناسبك.»

نظرت سُهى إلى أمها طويلًا.

كم مرة ذهبت إلى مقابلة عمل وهي تحمل خوفًا خفيًا من الرفض؟ وكم مرة اعتبرت الحصول على الوظيفة انتصارًا شخصيًا، حتى قبل أن تعرف إن كانت ستمنحها حياة أفضل؟

قالت بهدوء:

«أريد هذه المرة أن أختار، لا أن أقبل فقط لأنني أخشى ألا تأتي فرصة أخرى.»

ابتسمت أمها.

«إذن اذهبي بهذه الفكرة، وعودي بما تعرفينه، لا بما كنت تتمنينه فقط.»

قبل أن تخرج سُهى، ظهرت مريم عند باب الغرفة، تحمل ورقة مطوية.

«أمي، انتظري.»

اقتربت منها ومدت إليها الورقة.

«هذه لك. لا تفتحيها إلا عندما تصلين إلى العاصمة.»

رفعت سُهى حاجبيها بدهشة.

«وما الذي تخفينه عني؟»

ابتسمت مريم.

«سر صغير.»

احتضنتها سُهى وقبّلت جبينها.

«سأفتحها عندما أصل، وأخبرك برأيي عندما أعود.»

قالت مريم بجدية:

«لا أريدك أن تختاري من أجلي فقط. أريدك أن تختاري شيئًا يجعلك سعيدة أيضًا.»

تجمدت سُهى للحظة، ثم ضمت ابنتها بقوة.

كانت مريم تكبر، لا في السنوات وحدها، بل في قدرتها على فهم ما لا تقوله أمها. ومع ذلك، لم تكن تريد أن تجعلها شريكة في كل مخاوفها. كانت تريدها أن تبقى طفلة، وأن تتعلم في الوقت نفسه أن الحب لا يعني أن يختفي الإنسان من أجل من يحب.

خرجت سُهى من البيت، وهي تحمل الملف في حقيبتها والورقة المطوية في جيب معطفها.

وصلت إلى العاصمة قبل موعد اللقاء بنصف ساعة.

كانت الشوارع مزدحمة، والسيارات تتحرك ببطء، والناس يسيرون بخطوات سريعة كأن كل واحد منهم يحاول اللحاق بشيء يخشى أن يفوته.

من نافذة سيارة الأجرة، تأملت سُهى المباني التي عرفتها من قبل. مرّت بجانب الشارع الذي كانت تسلكه في طريقها إلى عملها القديم، ثم رأت المقهى الصغير الذي كانت تجلس فيه أحيانًا بعد يوم طويل.

كل شيء بدا مألوفًا، لكنه لم يعد يمنحها الشعور نفسه.

تذكرت أيامًا كانت تعود فيها إلى شقتها متعبة، وتضع حقيبتها قرب الباب، ثم تبدأ فورًا في إعداد العشاء ومراجعة واجبات مريم وترتيب ما لم تستطع إنجازه خلال النهار. كانت تؤجل الموسيقى، وتؤجل لقاءات الأصدقاء، وتؤجل حتى لحظات الراحة، وهي تقنع نفسها بأن ذلك كله مؤقت.

لكن المؤقت طال أكثر مما توقعت.

وصلت إلى المبنى، وصعدت إلى الطابق الذي توجد فيه الشركة. استقبلها الموظف بابتسامة، ثم طلب منها الانتظار قليلًا.

جلست في قاعة صغيرة، ووضعت حقيبتها على ركبتيها. أخرجت الورقة التي أعطتها إياها مريم، لكنها لم تفتحها. تذكرت وعدها، فتركتها في جيبها.

بعد دقائق، خرج مسؤول التوظيف ودعاها إلى مكتبه.

صافحها بحرارة، ثم أشار إلى المقعد المقابل.

«يسعدني أنك جئت مرة أخرى. كما أخبرتك في الهاتف، نحن مهتمون بانضمامك إلى الفريق.»

شكرته سُهى، ثم وضعت ملفها على الطاولة.

بدأ الحديث عن الراتب وتاريخ المباشرة، ثم انتقلت إلى السؤال الذي كانت تستعد له.

«أريد أن أكون واضحة معكم منذ البداية. لدي ابنة صغيرة، وأحتاج إلى تنظيم مسؤولياتي العائلية بطريقة تسمح لي بأداء عملي جيدًا. هل توجد إمكانية لتعديل ساعات الحضور في بعض الأيام، أو الحصول على مرونة محدودة عند الضرورة؟»

استمع الرجل إليها باهتمام، ثم شبك أصابعه فوق المكتب.

«أفهم ما تقولينه، لكن طبيعة العمل لدينا تتطلب حضور الموظفين في أوقات محددة. لا يمكنني أن أعدك بمرونة منتظمة، خصوصًا في الأشهر الأولى.»

شعرت سُهى بخيبة أمل، لكنها واصلت الحديث.

«وماذا عن الإجازات؟ وهل يمكنني معرفة المسؤوليات الدقيقة للمنصب قبل توقيع العقد؟»

شرح لها الرجل طبيعة المهام، وآلية تقييم الأداء، والالتزامات التي ستترتب عليها خلال فترة التجربة. كان العرض جيدًا من الناحية المالية، والشركة تبدو منظمة، لكن الشروط لم تختلف كثيرًا عما سمعته في المرة الأولى.

حين انتهى من الشرح، سألها:

«هل تعتقدين أن العرض يناسبك؟»

لم تتسرع في الإجابة.

نظرت إلى الأوراق أمامها، ثم قالت:

«أعتقد أنه عرض جيد مهنيًا، لكنني أحتاج إلى التفكير في مدى ملاءمته لظروفي الحالية. لا أريد أن أقبل ثم أكتشف أنني لا أستطيع الوفاء بالتزاماتي.»

ابتسم الرجل باحترام.

«أقدّر صراحتك. لكننا نحتاج إلى إجابة نهائية خلال يومين.»

أومأت سُهى.

«سأجيبكم في الموعد المحدد.»

صافحته وغادرت المكتب.

في الممر، توقفت قرب النافذة المطلة على الشارع. كانت المدينة تتحرك أسفلها بلا اكتراث لما يدور في داخلها.

أخرجت الورقة التي أعطتها إياها مريم وفتحتها.

وجدت رسمًا صغيرًا لنافذة، وخلفها سماء واسعة، وفي أسفل الورقة كتبت ابنتها:

«أمي، أتمنى أن تجدي نافذتك أنت أيضًا. لا أريدك أن تبقي في مكان لا تحبينه من أجلي، ولا أن ترحلي إلى مكان لا ترتاحين فيه من أجلي. أريدنا فقط أن نكون بخير، أينما كنا.»

قرأت سُهى الكلمات مرة، ثم أعادت قراءتها.

لم تستطع منع دموعها هذه المرة.

لم تكن مريم تطلب منها البقاء، ولم تكن تطلب منها الرحيل. كانت تمنحها شيئًا أثمن من الإجابة: الإذن بأن تفكر في حياتها هي أيضًا.

طوت الورقة بعناية وأعادتها إلى جيبها.

ثم غادرت المبنى.

في طريق العودة، لم تشعر سُهى بأنها خسرت فرصة العمل، ولا بأنها اقتربت من قبولها. كانت تشعر فقط بأنها أصبحت ترى الصورة بوضوح أكبر.

لم تكن الوظيفة سيئة، ولم تكن مخاوفها وهمًا. لكنها كانت تعرف الآن أن الراتب الأفضل لن يحل كل شيء، وأن العودة إلى العاصمة ستحتاج إلى خطة واقعية لرعاية مريم وإدارة المصاريف وتجنب الإرهاق الذي عاشته سابقًا.

وفي المقابل، لم يكن البقاء في المدينة القديمة ضمانًا للراحة. فالمتجر الذي تعمل معه يواجه صعوبات، والمشاريع الصغيرة التي تساعدها تحتاج إلى وقت كي تنمو.

كانت تقف بين خيارين غير مثاليين، لكنها لم تعد تنظر إلى ذلك باعتباره دليلًا على عجزها.

حين وصلت إلى البيت، وجدَت مريم جالسة مع جدتها، تقرأ قصة مصورة.

رفعت رأسها فور سماع صوت الباب.

«هل عدتِ؟»

ابتسمت سُهى.

«نعم، يا حبيبتي.»

ركضت مريم نحوها، ثم توقفت فجأة.

«هل فتحتِ الورقة؟»

أخرجت سُهى الورقة من جيبها، وأمسكت بيد ابنتها.

«فتحتها. وأريد أن أشكرك عليها.»

نظرت مريم إليها بقلق.

«هل جعلتك حزينة؟»

هزت سُهى رأسها.

«لا. جعلتني أفكر في شيء كنت أنساه أحيانًا.»

«ما هو؟»

جلست سُهى على الأريكة، وجلست مريم بجانبها.

«أنني أنا أيضًا أحتاج إلى نافذة أرى منها المستقبل. وأنني لا أريد أن أختار حياتي كلها بدافع الخوف.»

تأملت مريم وجهها، ثم سألت:

«وهل عرفتِ ماذا ستفعلين؟»

أجابت سُهى بصدق:

«ليس بعد. لكنني أصبحت أعرف الأسئلة التي يجب أن أجيب عنها قبل أن أقرر.»

بدت مريم راضية عن الإجابة، وعادت إلى قصتها.

أما سُهى، فدخلت غرفتها بعد قليل، ووضعت أوراق العرض على المكتب. ثم فتحت دفترها وكتبت ثلاثة أسئلة:

* هل أستطيع توفير دخل كافٍ إذا بقيت؟

* هل أستطيع تنظيم حياة مريم إذا عدت إلى العاصمة؟

* هل توجد طريقة لتقليل المخاطر في كلا الخيارين؟

لم تكتب إجابات فورية. قررت أن تتحدث مع أمها، وأن تراجع إمكانات عملها المحلي بالأرقام، وأن تضع تصورًا واضحًا لما ستحتاج إليه إذا قبلت الوظيفة.

كانت تعرف أن يومين لا يكفيان لحل كل مشكلاتها، لكنهما يكفيان لتتخذ قرارًا أكثر وعيًا من قراراتها السابقة.

في اليوم التالي، ذهبت سُهى إلى متجر خالد، ووجدته يرتب بعض البضائع على الرفوف.

أخبرته بما حدث في العاصمة.

استمع إليها دون مقاطعة، ثم قال:

«يبدو أنهم لم يقدموا لك المرونة التي كنت تأملينها.»

«نعم. الراتب جيد، لكن ساعات العمل ستجعل ترتيب حياة مريم صعبًا، على الأقل في البداية.»

سكت خالد قليلًا، ثم سأل:

«هل فكرتِ في أن تجعلي عملك هنا أكثر تنظيمًا؟ ليس اعتمادًا على متجري وحده، بل على خدمة تقدمينها لعدة مشاريع؟»

نظرت إليه باهتمام.

«فكرت في ذلك، لكنني لم أضع خطة كاملة بعد.»

أشار إلى الدفتر أمامها.

«أنت تساعدينني في الحسابات، وتتابعين مشروع نجلاء، وبدأتِ تتحدثين مع سامي عن مشروعه المحتمل. ربما تستطيعين أن تجمعي هذه الأعمال في خدمة واحدة، بدلًا من أن تنتظري كل مرة أن يأتيك شخص يحتاج إلى مساعدة.»

شعرت سُهى أن الفكرة التي كانت تتشكل في ذهنها بدأت تأخذ صورة أوضح.

قالت:

«يمكنني إعداد باقات بسيطة لأصحاب المشاريع الصغيرة: متابعة شهرية للحسابات، وتنظيم المصاريف، وحساب تكلفة المنتجات، ومراجعة الأسعار.»

«بالضبط. ويمكنك أن تحددي عدد الساعات التي تستطيعين العمل فيها، حتى لا تقبلي أكثر مما يمكنك إنجازه.»

فتحت سُهى دفترها وبدأت تكتب.

«سأحتاج إلى تحديد الأسعار، وعدد العملاء الذي يمكنني متابعته، والتكاليف التي سأتحملها. كما أحتاج إلى أن أكون واضحة بشأن ما أقدمه وما لا أقدمه.»

ابتسم خالد.

«هذه أول مرة أراك تتحدثين عن عملك كأنه مشروع قائم بذاته، لا مجرد وسيلة لتغطية المصاريف.»

توقفت سُهى عن الكتابة.

كانت كلماته صحيحة. طوال الأسابيع الماضية، كانت تنظر إلى العمل المحلي على أنه حل مؤقت إلى أن تجد وظيفة مستقرة. لم تفكر في أنه قد يصبح مشروعًا مهنيًا مستقلًا، إذا أدارته بوعي وحددت له أهدافًا واضحة.

قالت:

«ربما كنت أبحث عن وظيفة تمنحني الاستقرار، دون أن أفكر في أنني أستطيع بناء شكل مختلف من العمل.»

أجاب خالد:

«هذا لا يعني أن العمل الحر أفضل دائمًا من الوظيفة. لكل منهما مخاطره. لكن من الجيد أن تقارني بينهما بناءً على ما تستطيعين تحقيقه فعلًا، لا بناءً على الاسم أو الصورة التي يحملها كل واحد منهما.»

أغلقت سُهى دفترها، وهي تشعر بأن الحديث أضاف احتمالًا جديدًا إلى قائمة خياراتها.

لم يكن عليها أن تتخلى عن الوظيفة كي تفكر في مشروعها، ولم يكن عليها أن تعتبر مشروعها فشلًا إذا قررت العودة إلى العاصمة.

كانت تحتاج فقط إلى معرفة ما يمكن أن تبنيه، وما الذي تستطيع تحمله في هذه المرحلة من حياتها.

بعد الظهر، اجتمعت سُهى مع ليلى ونجلاء في المركز الثقافي لمراجعة الاستعدادات لليوم المفتوح.

كانت القاعة قد بدأت تتغير. وُضعت الطاولات على جانبي المدخل، وخُصص ركن للرسومات، وآخر للمنتجات اليدوية. أما الأطفال، فكانوا يستعدون لتجهيز لوحاتهم وتعليقها في المكان الذي اختارته ليلى.

أخرجت سُهى جدول المصاريف، وبدأت تراجعه مع المجموعة.

قالت نجلاء:

«تمكنت من إعداد كمية صغيرة من المنتجات، لكنني لم أجرؤ على صنع المزيد قبل أن أعرف إن كانت ستباع.»

أجابت سُهى:

«أحسنتِ. من الأفضل أن تختبري الطلب أولًا. وإذا وجدتِ أن بعض المنتجات تحظى باهتمام أكبر، يمكنك زيادة الكمية لاحقًا.»

ثم أشارت إلى طاولة المنتجات.

«أقترح أن نضع بطاقة صغيرة بجانب كل منتج، توضح اسمه وسعره، وأن نحتفظ بسجل بسيط للمبيعات. بهذه الطريقة ستعرف كل مشاركة ما الذي بيع، وما الذي بقي، وما إذا كان عليها تعديل أسعارها مستقبلًا.»

قالت ليلى:

«يمكننا أيضًا وضع دفتر للزوار، يكتب فيه من يرغب في التواصل مع أصحاب المشاريع.»

أعجبت الفكرة الجميع، وبدأوا بتقسيم المهام.

خلال الاجتماع، اقتربت من سُهى امرأة شابة لم تسبق لها رؤيتها. كانت تحمل بعض قطع التطريز داخل حقيبة شفافة.

قالت بتردد:

«عذرًا، هل يمكنني أن أسألك عن شيء؟ أخبرتني نجلاء أنك تساعدين أصحاب المشاريع في الحسابات.»

ابتسمت سُهى.

«بالطبع، تفضلي.»

جلست المرأة، وقدمت نفسها باسم ريم. كانت تصنع قطعًا مطرزة في المنزل، لكنها لم تكن تعرف كيف تحدد أسعارها أو تنظم طلباتها.

قالت:

«أبيع بعض القطع عبر معارفي، لكنني أشعر أنني أعمل كثيرًا مقابل مبلغ قليل. أخشى أن أرفع الأسعار، وفي الوقت نفسه لا أستطيع الاستمرار بهذه الطريقة.»

سألتها سُهى عن تكلفة المواد والوقت الذي تحتاج إليه لإنجاز كل قطعة، ثم شرحت لها كيف يمكن حساب السعر بطريقة تراعي التكلفة والجهد وهامش الربح.

استمعت ريم باهتمام، ثم قالت:

«هل يمكن أن ألتقي بك بعد انتهاء هذا اليوم؟ أريد أن أرتب حساباتي بصورة صحيحة.»

أجابت سُهى:

«نعم. يمكننا تحديد موعد، وسأشرح لك طريقة إعداد سجل بسيط للمصاريف والمبيعات.»

حين غادرت ريم، التفتت ليلى إلى سُهى.

«أعتقد أن يومنا المفتوح قد يكون بداية شيء أكبر مما تصورناه.»

ابتسمت سُهى.

«ربما. لكن علينا أن ننجح في تنظيمه أولًا.»

ضحكت ليلى.

«أنت لا تسمحين للأحلام بأن تسبق الحسابات أبدًا.»

ردت سُهى مبتسمة:

«تعلمت أن الأحلام تحتاج إلى حسابات جيدة حتى تستطيع الاستمرار.»

كان ذلك صحيحًا، لكنه لم يعد يعني بالنسبة إليها أن الأرقام أهم من الأحلام. بل بدأت تفهم أن كليهما يحتاج إلى الآخر: الحلم يمنح العمل معناه، والحسابات تمنحه فرصة للبقاء.

في مساء اليوم نفسه، عادت سُهى إلى المنزل ووجدت أمها ترتب بعض الأوراق القديمة في صندوق خشبي.

جلست قربها وساعدتها في ترتيب الصور والرسائل.

وبينما كانت تقلب بعض الأوراق، وجدت سُهى صورة قديمة لها في السابعة عشرة، تجلس أمام آلة الأورغ في غرفة بيت العائلة. كان شعرها منسدلًا على كتفيها، ووجهها يحمل ابتسامة واسعة لم ترها في صورها منذ سنوات.

تأملت الصورة طويلًا.

قالت أمها:

«كنتِ تحبين العزف كثيرًا في تلك الأيام.»

ابتسمت سُهى.

«كنت أظن أنني سأواصل العزف مهما حدث.»

«ولماذا توقفتِ؟»

أعادت سُهى الصورة إلى الصندوق برفق.

«لأنني كنت أؤجل الأمر كل مرة. أولًا بسبب الدراسة، ثم العمل، ثم الزواج، ثم المسؤوليات. وكنت أقول لنفسي إنني سأعود إليه عندما تستقر حياتي.»

نظرت أمها إليها.

«وهل استقرت الحياة يومًا كما كنتِ تنتظرين؟»

لم تجب سُهى.

تابعت أمها:

«أحيانًا نظن أننا سنعود إلى الأشياء التي نحبها عندما تنتهي المسؤوليات، لكن المسؤوليات لا تنتهي تمامًا. علينا أن نترك لأنفسنا مكانًا بينها.»

شعرت سُهى بأن الحديث أعاد إليها فكرة كانت قد دفنتها منذ زمن.

لم تكن الموسيقى مجرد هواية قديمة. كانت جزءًا من شخصيتها، ووسيلة للتعبير عن مشاعر لم تكن تعرف كيف تشرحها بالكلمات.

قالت:

«أريد أن أعود إلى العزف بانتظام، لا مرة كل أسبوعين عندما أجد وقتًا.»

ابتسمت أمها.

«إذن ابدئي بوقت صغير، لكن اجعليه ثابتًا.»

في تلك الليلة، أخرجت سُهى الأورغ القديم من الغرفة الخلفية، ونظفت عنه الغبار. جلست أمامه، وضغطت على أحد المفاتيح.

صدر صوت خافت، ثم جربت مفتاحًا آخر.

كانت بعض النغمات غير متناسقة، واحتاجت إلى وقت كي تتذكر حركة أصابعها، لكنها لم تشعر بالضيق. لم يكن مطلوبًا منها أن تعزف كما كانت تفعل قبل سنوات. كانت تريد فقط أن تعود إلى نفسها، ولو قليلًا.

حين دخلت مريم، وجدتها تحاول عزف لحن بسيط.

وقفت عند الباب، ثم سألت:

«أمي، هل هذا هو الصوت الذي كنتِ تحبينه؟»

ابتسمت سُهى.

«نعم. كنت أحب أن أعزف عندما أكون سعيدة، وأحيانًا عندما أكون حزينة.»

اقتربت مريم وجلست بجانبها.

«هل يمكنك أن تعلّميني؟»

«بالطبع، لكن عليك أن تصبري. لن تتعلمي كل شيء في يوم واحد.»

قالت مريم بثقة:

«لا بأس. سأتعلم خطوة خطوة.»

ضحكت سُهى، ثم بدأت تشرح لها أسماء المفاتيح وكيفية وضع أصابعها.

وفي تلك اللحظة، شعرت أن هناك شيئًا صغيرًا قد عاد إلى الحياة في البيت القديم. لم يكن قرارًا مهنيًا، ولا مبلغًا من المال، ولا حلًا لمشكلة اقتصادية.

كان صوتًا تعرفه، وذكرى لم تعد تؤلمها، وبداية لشيء لم تكن مضطرة إلى التخلي عنه كي تكون أمًا مسؤولة.

في اليوم التالي، جلست سُهى إلى مكتبها الصغير، وأعدت ورقة تتضمن خدماتها المهنية المقترحة.

كتبت عنوانًا واضحًا: «تنظيم الحسابات للمشاريع الصغيرة».

ثم حددت ثلاث خدمات أساسية: متابعة المصاريف والمبيعات، وحساب تكلفة المنتجات والأسعار، وإعداد سجل شهري للمبالغ المستحقة والمخزون.

وضعت إلى جانب كل خدمة وصفًا مختصرًا، ثم كتبت ملاحظات عن عدد العملاء الذين تستطيع متابعتهم دون أن يؤثر ذلك في مسؤولياتها تجاه مريم.

لم تكن تريد أن تقع في الخطأ نفسه الذي وقعت فيه سابقًا، حين كانت تقبل كل مهمة خوفًا من فقدان الفرصة، ثم تجد نفسها مرهقة وغير قادرة على الوفاء بكل الالتزامات.

هذه المرة، أرادت أن تبني عملًا يستطيع الاستمرار حتى في الأيام الصعبة.

بعد الظهر، التقت بسامي، الرجل الذي يعمل في المصنع، لمراجعة فكرته عن تقديم خدمات إصلاح منزلية.

أخبرها أن بعض زملائه بدأوا يفكرون في أعمال جانبية تحسبًا لتراجع ساعات العمل، وأنه قد يستطيع الاستفادة من معارفه للحصول على أولى الطلبات.

قالت سُهى:

«هذا جيد، لكن لا تشترِ أدوات جديدة قبل أن تعرف ما الذي تحتاج إليه فعلًا. ابدأ بما تملكه، وسجل كل مصروف وكل مبلغ تحصل عليه.»

سألها سامي:

«وهل تعتقدين أن المشروع يمكن أن ينجح؟»

أجابت بصدق:

«لا أستطيع أن أضمن لك النجاح، لكنني أستطيع مساعدتك على فهم التكاليف وتنظيم العمل، حتى تتخذ قراراتك بناءً على معلومات واضحة.»

أومأ سامي.

«هذا ما أحتاج إليه. لا أريد أن أخسر ما ادخرته في محاولة لإنقاذ نفسي من مشكلة قد تحدث.»

أعجبت سُهى بطريقة تفكيره.

«إذن سنبدأ بخطة بسيطة، ونراجعها بعد شهر. إذا كان هناك طلب حقيقي على خدماتك، يمكنك التوسع تدريجيًا.»

اتفقا على موعد لمراجعة الحسابات، ثم غادر سامي وهو يحمل قائمة أولية بالخطوات التي ينبغي عليه تنفيذها.

نظرت سُهى إلى الورقة التي أعدتها لخدماتها. أصبح لديها الآن أكثر من عميل محتمل، وشبكة علاقات بدأت تتشكل حول عملها.

لكنها كانت تعرف أن ذلك لا يكفي بعد لتقرر رفض الوظيفة في العاصمة. فالدخل المتوقع من هذه الخدمات ما زال غير مضمون، والأزمة الاقتصادية قد تؤثر في قدرة أصحاب المشاريع على الدفع.

كان عليها أن تحسب كل شيء بعناية، وأن تقارن بين دخل يمكن أن يتطور مستقبلًا وراتب ثابت تستطيع الاعتماد عليه منذ البداية.

في المساء، وصلها اتصال من الشركة.

أخبرها مسؤول التوظيف أنهم يحتاجون إلى ردها النهائي في اليوم التالي، لأنهم يفكرون في استكمال إجراءات التوظيف مع مرشح آخر إذا لم تتمكن من تأكيد استعدادها للبدء.

شكرت سُهى الرجل، ووعدته بإرسال جوابها في الموعد المحدد.

حين أغلقت الهاتف، شعرت بأن الوقت أصبح أقصر مما كانت تتمنى.

جلست أمام دفترها، وبدأت تكتب عمودين: «القبول» و«الرفض».

في العمود الأول، كتبت الراتب الثابت، والخبرة المهنية، والقدرة على الادخار، وفرصة العودة إلى مجال عملها السابق.

وفي العمود الثاني، كتبت صعوبة التوفيق بين ساعات العمل ورعاية مريم، واحتمال العودة إلى الإرهاق، وتكاليف الانتقال أو التنقل، وخسارة الوقت الذي تحتاج إليه لبناء عملها المحلي.

ثم أضافت سطرًا ثالثًا أسفل العمودين:

«ما الذي أحتاج إليه كي لا يتحول أي من الخيارين إلى عبء لا أستطيع احتماله؟»

توقفت عند السؤال.

كانت الإجابة لا تزال ناقصة. لكنها أدركت أنها لا تحتاج إلى ضمانات كاملة، بل إلى خطة تستطيع تعديلها إذا تغيرت الظروف.

أغلقت الدفتر، ثم ذهبت إلى غرفة مريم.

كانت ابنتها قد انتهت من واجباتها، وتجلس أمام الأورغ تحاول عزف النغمات التي علمتها إياها أمها.

قالت سُهى:

«لقد تحسنتِ كثيرًا.»

ابتسمت مريم بفخر.

«ما زلت أخطئ أحيانًا.»

جلست سُهى بجانبها.

«الأخطاء جزء من التعلم. المهم أن تعرفي أين أخطأتِ، ثم تحاولي مرة أخرى.»

نظرت مريم إليها.

«هل ينطبق ذلك على قرارات الكبار أيضًا؟»

ابتسمت سُهى.

«خصوصًا قرارات الكبار.»

ضحكت مريم، ثم عادت إلى العزف.

استمعت سُهى إلى اللحن البسيط، وشعرت أن البيت الذي كان صامتًا طويلًا بدأ يستعيد شيئًا من روحه.

كانت لا تزال تخاف من المستقبل، لكنها لم تعد تريد أن تؤجل حياتها كلها حتى يصبح المستقبل مضمونًا.

وفي صباح الغد، ستجيب عن عرض العمل.

ستكون هناك أشياء ستكسبها، وأخرى قد تضطر إلى التخلي عنها، لكنها ستتخذ قرارها وهي تعرف ما الذي تريده، وما الذي تستطيع تحمله، وما الذي لا ينبغي أن تسمح للخوف بأن يسلبه منها.

أما اليوم المفتوح في المركز الثقافي، فقد اقترب موعده، وبدأت النساء المشاركات يستعددن لعرض أعمالهن. ولم تكن سُهى تعرف أن هذا اليوم سيمنحها فرصة جديدة لرؤية مستقبلها المهني من زاوية مختلفة تمامًا.

ففي بعض الأحيان، لا يأتي التغيير من الباب الذي ننتظر فتحه، بل من نافذة لم ننتبه إلى وجودها.