لم تكن سُهى تحب الأسواق المزدحمة، لكنها اكتشفت بعد عودتها إلى المدينة أن بعض الأعمال لا يمكن إنجازها إلا بالتجول بين المحالّ، والسؤال عن الأسعار، والتحدث إلى أشخاص لا تعرفهم جيدًا.
في صباح يوم السبت، خرجت من المنزل وهي تحمل دفترًا صغيرًا كتبت فيه قائمة بالمشتريات التي تحتاج إليها الأسرة. كانت قد قررت أن تستغل عطلة نهاية الأسبوع لزيارة متجر خالد، والاطلاع على طبيعة العمل الذي عرض عليها القيام به.
لم تخبر أمها بأنها تشعر بشيء من القلق.
لم يكن الأمر متعلقًا بالعمل نفسه، بل بفكرة أن تبدأ من جديد في مكان يعرفها فيه الناس منذ طفولتها. كانت تخشى أن تتحول عودتها إلى موضوع للأحاديث الجانبية، وأن تجد نفسها مضطرة إلى تفسير قراراتها لكل شخص يقابلها.
لكنها كانت تعرف أيضًا أن الاختباء لن يحل المشكلة.
ارتدت معطفًا خفيفًا، وودعت مريم التي بقيت في المنزل مع جدتها، ثم أغلقت الباب خلفها.
كان الصباح هادئًا، والشوارع لا تزال تستيقظ ببطء. فتح أصحاب المحال أبوابهم، وراح بعضهم ينظف الواجهات، بينما كان عمال البلدية يجمعون بقايا الأوراق التي حملتها الرياح إلى أطراف الطريق.
سارت سُهى وهي تفكر في موعد تسليم الحسابات الجديدة. كانت تريد أن تثبت لخالد أنها جديرة بالثقة، وأنها تستطيع إنجاز العمل بكفاءة، حتى لو كانت ظروفها الشخصية قد أربكت حياتها في الأشهر الماضية.
حين وصلت إلى المتجر، وجدته يقف أمام الباب، يتحدث إلى رجل مسن يحمل كيسًا من الأدوات.
ما إن رآها حتى أنهى الحديث، ورحب بها.
— صباح الخير يا سُهى. تفضلي، كنت أنتظرك.
دخلت المتجر.
كانت الرفوف ممتلئة بمختلف الأدوات المنزلية؛ أوانٍ معدنية، ومصابيح، وأدوات إصلاح، وصناديق صغيرة من المسامير والمفكات. في الخلف، وُضع مكتب خشبي قديم فوقه حاسوب وطابعة وبعض الملفات.
أشار خالد إلى المكتب.
— هذا مكانك. أعرف أنه ليس مكتبًا فاخرًا، لكنه عملي.
ابتسمت سُهى.
— لا أحتاج إلى مكتب فاخر. أحتاج فقط إلى أن أجد الأوراق التي أبحث عنها.
ضحك خالد.
— إذا نجحتِ في ذلك، فستكونين قد أنجزتِ نصف المهمة. أحيانًا أشتري أشياء وأنسى أين وضعتها، ثم أضطر إلى شراء غيرها.
بدأت سُهى مراجعة السجلات، واكتشفت منذ الساعة الأولى أن العمل يحتاج إلى صبر أكثر مما توقعت. بعض الفواتير لم تُرتب بحسب التاريخ، وهناك اختلافات بين الكميات المسجلة والموجودة في المخزن.
لم تُخفِ ملاحظاتها عن خالد.
قالت له:
— إذا أردنا معرفة الأرباح الحقيقية، فعلينا أولًا أن نفصل بين المشتريات والمصاريف اليومية، وأن نراجع الديون المستحقة للموردين.
استمع إليها باهتمام.
— وهل تعتقدين أن الأمر سيستغرق وقتًا طويلًا؟
— يعتمد على مدى دقة المعلومات المتوفرة. لا أستطيع أن أعدك بنتيجة قبل أن أراجع كل شيء.
أومأ خالد.
— هذا ما أريده. لا أريد أرقامًا جميلة على الورق، بل أريد أن أعرف أين تذهب أموالي فعلًا.
أعجبتها صراحته. لم يكن يبحث عن شخص يوافقه على كل شيء، بل عن شخص يستطيع أن يخبره بالحقيقة حتى عندما لا تكون مريحة.
جلست إلى المكتب وبدأت العمل.
ومع مرور الساعات، شعرت للمرة الأولى منذ زمن بأنها تستخدم مهاراتها في شيء تستطيع قياس نتائجه. لم تكن مضطرة إلى إقناع أحد بأنها قادرة، ولم يكن عليها أن تشرح ظروفها العائلية.
كانت هناك فواتير تحتاج إلى مراجعة، وأرقام تحتاج إلى تصحيح، ومهمة واضحة تنتظر الإنجاز.
وكان ذلك، في حد ذاته، مريحًا.
عند منتصف النهار، دخلت امرأة تحمل حقيبة كبيرة، وتوقفت قرب أحد الرفوف.
بدت في أواخر الثلاثينات، وكانت ترتدي ملابس بسيطة وتحمل في يدها ورقة صغيرة كتبت عليها بعض المقاسات.
رحب بها خالد، ثم تركها تتفقد البضائع.
بعد دقائق، سألته عن أسعار بعض الأدوات، وبدأت تقارن بينها وبين ما كتبته في الورقة.
لاحظت سُهى أنها تحسب المبلغ أكثر من مرة، ثم تعيد بعض القطع إلى أماكنها.
قال خالد بهدوء:
— يمكنك أخذ الكمية التي تحتاجين إليها فقط. لا داعي إلى شراء كل شيء دفعة واحدة.
أجابته المرأة:
— أعرف، لكنني أحاول أن أنهي العمل بأقل تكلفة ممكنة. إذا اشتريت كل شيء الآن، فلن يبقى لديّ ما يكفي للمصاريف الأخرى.
كانت كلماتها عادية، لكنها لفتت انتباه سُهى.
سألها خالد:
— هل تعملين في ورشة؟
— أحاول أن أبدأ مشروعًا صغيرًا في المنزل. أصنع بعض الأشياء يدويًا، وأبيعها للمعارف. أريد أن أخصص غرفة صغيرة للعمل، لكنني لا أستطيع إنفاق الكثير.
ابتسم خالد مشجعًا.
— البداية الصغيرة أفضل من الاقتراض من أجل مشروع لا تعرفين بعد كيف سيسير.
أومأت المرأة.
ثم التفتت إلى سُهى وسألتها:
— هل تعملين هنا؟
— أساعد خالد في الحسابات.
قالت المرأة:
— محظوظ هو. أنا لا أجيد الحسابات جيدًا، وأحيانًا أبيع كثيرًا ثم أكتشف أنني لم أربح شيئًا.
تبادلت سُهى وخالد نظرة سريعة.
قالت سُهى:
— هذا يحدث عندما لا نفصل بين مال المشروع ومصاريف البيت. إذا أردتِ، يمكنك أن تكتبي كل ما تنفقينه وكل ما تبيعينه في دفتر بسيط، حتى تعرفي إن كنت تحققين ربحًا.
أخرجت ورقة صغيرة ورسمت لها جدولًا من أربعة أعمدة: التاريخ، والمشتريات، والمبيعات، والمصاريف.
شرحت لها الطريقة بإيجاز.
أخذت المرأة الورقة، وراحت تتأملها باهتمام.
— هل الأمر بهذه البساطة؟
— ليس دائمًا، لكن تسجيل الأرقام يساعدك على فهم ما يحدث. لا تحتاجين إلى برنامج مكلف في البداية.
شكرتها المرأة، ثم دفعت ثمن مشترياتها وغادرت.
نظر خالد إلى سُهى وقال:
— يبدو أنك لم تعودي إلى المدينة لتعملي في الحسابات فقط.
ابتسمت.
— ولماذا عدت في رأيك؟
فكر قليلًا، ثم أجاب:
— لا أعرف. لكنني أعتقد أن الإنسان قد يجد أحيانًا فرصة في المكان الذي لم يعد يتوقع منه شيئًا.
لم ترد سُهى.
كانت عبارته قريبة مما بدأت تشعر به، لكنها لم تكن مستعدة بعد لتسمية ما يحدث في حياتها فرصة.
فهي لا تزال قلقة بشأن الإيجار القديم، ومصاريف مريم، والعمل المؤقت، والمستقبل الذي لا يبدو واضحًا.
ومع ذلك، بدأت تلاحظ أن بعض الأيام تمنحها أكثر مما كانت تتوقع منها.
عادت سُهى إلى المنزل بعد الظهر، فوجدت مريم جالسة إلى جانب جدتها، تساعدها على فرز بعض الأزرار القديمة التي احتفظت بها في علبة معدنية.
رفعت مريم رأسها عندما دخلت.
— أمي! انظري ماذا وجدت جدتي!
اقتربت سُهى، فرأت أزرارًا بألوان وأحجام مختلفة.
قالت الجدة:
— كنت أحتفظ بها من الملابس القديمة. لم أستطع التخلص منها، فقد كنت أظن أنني سأحتاج إليها يومًا.
أخذت مريم زرًا أزرق ووضعته فوق ورقة بيضاء.
— يمكنني أن أصنع منها لوحة.
ابتسمت سُهى.
— وكيف ستفعلين ذلك؟
— سأرسم شجرة، ثم أستخدم الأزرار لتزيينها.
جلست إلى جانبها.
— فكرة جميلة. لكن اختاري الأزرار التي لا تحتاج إليها جدتك.
اعترضت الجدة ضاحكة:
— خذيها كلها إن أردتِ. لقد بقيت في هذه العلبة أكثر مما بقي بعض الناس في حياتي!
ضحكن جميعًا.
كانت لحظة عائلية صغيرة، لكنها جعلت سُهى تشعر بشيء من الطمأنينة. لم تكن حياتهن مثالية، ولم تختفِ الصعوبات، لكن البيت بدأ يستعيد دفئه تدريجيًا.
بعد قليل، جلست سُهى مع أمها في المطبخ.
قالت الأم:
— هل سار العمل جيدًا؟
— نعم. هناك الكثير من الفوضى في الحسابات، لكنني أستطيع ترتيبها.
— وهل ستستمرين فيه؟
— أعتقد ذلك. وخالد عرض عليّ أن أساعده يومين إضافيين في الشهر إذا احتجنا إلى مراجعة الحسابات.
سكتت أمها، ثم قالت:
— هذا جيد. لكن لا تنسي نفسك في خضم العمل.
رفعت سُهى حاجبيها.
— الجميع يطلب مني ألا أنسى نفسي. لكنني لا أعرف كيف أفعل ذلك.
ابتسمت أمها.
— ربما لا تحتاجين إلى إجابة كبيرة. ابدئي بأشياء صغيرة. نامي عندما تكونين متعبة، وتناولي طعامك في موعده، ولا تحملي نفسك مسؤولية كل ما يحدث حولك.
تنهدت سُهى.
— أحيانًا أشعر أنني إذا توقفت لحظة، فسوف ينهار كل شيء.
نظرت أمها إليها بحنان.
— هذا الشعور هو ما يتعبك أكثر من العمل نفسه.
لم تستطع سُهى الاعتراض.
كانت تعرف أنها أصبحت تتعامل مع كل مشكلة وكأنها اختبار لقدرتها على البقاء. إذا تأخرت مريم عن المدرسة، شعرت بأنها أم مقصرة. وإذا لم تستطع شراء شيء تحتاج إليه ابنتها، شعرت بأنها فشلت. وإذا طلبت مساعدة من أحد، عادت إلى البيت وهي تفكر في الطريقة التي سترد بها الجميل.
كانت تريد أن تثبت للجميع أنها تستطيع الاعتماد على نفسها.
لكنها لم تسأل نفسها يومًا: من الذي طلب منها أن تثبت ذلك طوال الوقت؟
في صباح الاثنين، حدث ما لم تتوقعه.
كانت سُهى ترتب بعض الملفات عندما وصلها اتصال من رقم لا تعرفه.
أجابت، فسمعت صوت رجل يسألها إن كانت سُهى التي عملت سابقًا في إحدى الشركات بالعاصمة.
ترددت قبل أن تجيب بنعم.
عرّف الرجل نفسه بأنه مسؤول سابق عن أحد الأقسام التي تعاملت معها، وأخبرها أن الشركة تبحث عن موظفة ذات خبرة في تنظيم الملفات ومتابعة الفواتير، وأن اسمها وصل إليه من خلال أحد زملائها السابقين.
شعرت سُهى بفرحة مفاجئة.
كانت قد أرسلت سيرتها الذاتية إلى جهات عدة قبل أن تغادر العاصمة، ولم تكن تتوقع أن يعود إليها أحد بعد كل هذا الوقت.
قال الرجل:
— إذا كنت مهتمة، يمكننا تحديد موعد لمقابلة أولية هذا الأسبوع.
سألته سُهى عن طبيعة العمل ومكانه.
اتضح أن الوظيفة في العاصمة، وأن ساعات العمل طويلة نسبيًا، لكنها توفر راتبًا أفضل واستقرارًا أكبر من عملها الحالي.
شكرته وطلبت منه أن يمنحها يومًا للتفكير.
أنهت المكالمة، وظلت تحدق في الهاتف.
كان العرض هو ما احتاجت إليه منذ أشهر.
راتب ثابت، وفرصة لاستعادة مسارها المهني، وربما القدرة على استئجار منزل مستقل لها ولمريم في المستقبل.
لكن العاصمة تعني أيضًا العودة إلى حياة لم تعد تعرف إن كانت قادرة على تحملها. تعني ساعات طويلة بعيدًا عن ابنتها، ومصاريف تنقل، وربما الحاجة إلى ترتيب رعاية مريم أثناء العمل.
لم تكن المشكلة في الوظيفة نفسها.
كانت المشكلة أن الفرصة جاءت في اللحظة التي بدأت فيها حياتها الجديدة تتشكل.
نظرت إلى الأوراق أمامها.
قبل أسابيع، كانت ستقبل العرض فورًا، ثم تحاول التعامل مع بقية المشكلات لاحقًا. أما الآن، فقد أصبحت تعرف أن أي قرار تتخذه لن يؤثر فيها وحدها.
كانت مريم جزءًا من المعادلة، وكذلك أمها التي بدأت صحتها تتراجع، والعمل الذي وافق خالد على أن يدفع لها مقابله أجرًا إضافيًا.
للمرة الأولى، لم تسأل سُهى نفسها: أي الخيارين أفضل؟
بل سألت: أي حياة أريد أن أبني، وما الثمن الذي يمكنني تحمله من دون أن أفقد ما أحاول الحفاظ عليه؟
في المساء، جلست سُهى إلى جانب مريم وهي تراجع واجباتها.
لاحظت الطفلة أن أمها شاردة، فسألتها:
— أمي، هل أنت حزينة؟
التفتت إليها سُهى.
— لماذا تسألين؟
— لأنك تنظرين إلى الورقة نفسها منذ وقت طويل.
ضحكت سُهى بخفة.
— لديّ أمر أفكر فيه.
عادت مريم إلى دفترها، ثم قالت:
— هل هو أمر سيئ؟
— لا أعرف بعد.
سكتت الطفلة قليلًا.
— هل سننتقل مرة أخرى؟
كان السؤال كافيًا ليجعل سُهى تضع الورقة جانبًا.
اقتربت من ابنتها.
— لا يوجد قرار حتى الآن يا مريم. تلقيت عرض عمل، لكنني ما زلت أفكر في الأمر.
— أين العمل؟
— في العاصمة.
انخفض صوت مريم.
— هل سنعود إلى هناك؟
أمسكت سُهى بيدها.
— لا أعرف بعد. أريد أن أختار ما يساعدنا على بناء حياة أفضل، وسأفكر في كل شيء قبل أن أقرر.
نظرت مريم إلى دفترها، ثم قالت:
— أنا أحب جدتي.
— وأنا أيضًا أحبها.
— وأحب مدرستي الجديدة قليلًا.
ابتسمت سُهى.
— قليلًا فقط؟
ضحكت مريم، ثم عادت إلى الجدية.
— لكنني لا أريد أن أترك كل شيء مرة أخرى.
شعرت سُهى بأن ابنتها قالت ما كانت تحاول هي نفسها أن تفهمه.
لم تكن مريم ترفض التغيير لأنها تخاف التجربة، بل لأنها سئمت أن تكون حياتها قابلة للتغيير في أي لحظة. كانت تريد أن تنتمي إلى مكان، وأن تعرف أن الصداقة التي بدأت تتشكل لن تنتهي فجأة، وأن البيت الذي ترسمه لن يتحول مرة أخرى إلى مجرد محطة مؤقتة.
قالت سُهى:
— أفهمك يا حبيبتي. وسأضع كلامك في اعتباري.
ثم أضافت بصدق:
— لا أستطيع أن أعدك بأننا لن نغيّر مكاننا أبدًا، لكنني أستطيع أن أعدك بأنني لن أتخذ قرارًا كبيرًا دون أن أفكر في أثره عليك.
بدت مريم أكثر هدوءًا.
عادت إلى واجباتها، بينما بقيت سُهى إلى جانبها.
في تلك اللحظة، فهمت أن حماية ابنتها لا تعني أن تمنع عنها كل تغيير، بل أن تجعلها تشعر بأنها ليست مجرد شخص يتلقى القرارات، وأن صوتها مسموع حتى عندما لا تكون صاحبة القرار النهائي.
في اليوم التالي، اتصلت سُهى بالرجل الذي عرض عليها الوظيفة.
لم ترفض العرض، لكنها طلبت تفاصيل إضافية حول إمكان العمل بنظام هجين أو الحصول على ساعات أكثر مرونة.
أخبرها أن ذلك غير متاح حاليًا، لكنه وعد بأن يراجع الأمر مع الإدارة.
شكرتْه، وأنهت المكالمة.
لم تكن قد حسمت قرارها بعد، لكنها لم تعد تشعر بأنها مضطرة إلى الاختيار تحت ضغط الخوف من ضياع الفرصة.
ذهبت إلى متجر خالد، وأنهت جزءًا كبيرًا من مراجعة الحسابات.
وحين أخبرته عن عرض العمل، استمع إليها دون أن يقاطعها.
قال بعد لحظة:
— إذا كانت الوظيفة أفضل من حيث الراتب والاستقرار، فمن الطبيعي أن تفكري فيها بجدية.
شعرت سُهى بالارتياح؛ فقد كانت تتوقع أن يحاول إقناعها بالبقاء.
تابع خالد:
— لكن اسألي نفسك أيضًا عن الحياة التي ستعيشينها بعد قبولها. أحيانًا ننظر إلى الراتب وننسى الوقت الذي سنحتاج إلى إنفاقه للوصول إليه.
قالت سُهى:
— أخشى أن أرفضها ثم أندم، وأخشى أن أقبلها ثم أكتشف أنني اتخذت القرار نفسه الذي أرهقني سابقًا.
أجابها خالد:
— لا توجد قرارات بلا ثمن. المهم أن تعرفي لماذا اخترتِ، وأن تكون لديك خطة للتعامل مع ما قد يحدث.
صمت قليلًا، ثم أضاف:
— وإذا قررتِ البقاء هنا، فهناك أمور يمكننا العمل عليها معًا. لا أعدك بأنني سأوفر لك وظيفة دائمة، لكنني أستطيع أن أعطيك مسؤوليات أكبر في الحسابات إذا أثبت العمل أن المتجر يحتاج إليها.
لم يكن عرضًا مضمونًا، لكنه كان واضحًا وصادقًا.
وهذا ما جعل سُهى تقدّره.
قالت:
— سأفكر في الأمر. شكرًا لأنك لم تحاول أن تقرر عني.
ابتسم خالد.
— لقد أمضيت سنوات أتعلم أن الناس لا يحتاجون دائمًا إلى من يخبرهم بما يجب أن يفعلوه. أحيانًا يحتاجون إلى شخص يسمعهم فقط.
عادت سُهى إلى المنزل وهي تفكر في هذه العبارة.
كم مرة طلبت من الآخرين أن يفهموها، بينما كانت هي نفسها تحاول أن تخفي خوفها خلف إجابات جاهزة؟
وكم مرة اعتبرت المساعدة ضعفًا، والراحة كسلًا، والتردد دليلًا على العجز؟
لم تكن تعرف متى تغيرت طريقة تفكيرها، لكنها بدأت تفهم أن النضج لا يعني أن نعرف الإجابة عن كل سؤال.
قد يعني أحيانًا أن نتحمل عدم اليقين دون أن نسمح له بأن يقودنا إلى قرار متسرع.
في نهاية الأسبوع، جلست مريم أمام نافذتها، ترسم أشخاصًا يسيرون في شارع طويل.
كانت قد بدأت تستعد للورشة الفنية، وأصبحت تتحدث عنها كلما عادت من المدرسة.
دخلت سُهى الغرفة، وجلست على طرف الفراش.
— هل انتهيتِ من الرسم؟
رفعت مريم الورقة.
— تقريبًا.
تأملتها سُهى.
كان الشارع مليئًا بالأشخاص، بعضهم يسير معًا، وبعضهم يحمل حقائب، وآخرون يقفون أمام أبواب المحالّ. وفي نهاية الطريق، كانت هناك نافذة مفتوحة يخرج منها ضوء أصفر.
سألتها:
— لماذا رسمتِ النافذة في نهاية الشارع؟
أجابت مريم:
— لأن الناس يسيرون في أماكن مختلفة، لكنهم يستطيعون أن يروا الضوء نفسه.
ابتسمت سُهى.
— هذا جميل.
ثم سألتها:
— هل فكرتِ في عنوان للرسم؟
قالت مريم دون تردد:
— «كلٌّ يبحث عن طريقه».
أعادت سُهى النظر إلى اللوحة.
كان العنوان أكبر من أن تتوقعه من طفلة في العاشرة، لكنه بدا مناسبًا تمامًا لما رسمته.
شعرت بأن ابنتها بدأت تجد لغتها الخاصة، وأنها لم تعد بحاجة إلى أن تشرح لها كل ما يحدث حولها.
كانت مريم تراقب العالم بطريقتها، وتحاول أن تفهمه، وتمنح الأشياء معانيها الخاصة.
أما سُهى، فكانت لا تزال تبحث عن طريقها.
لكنها لم تعد ترى ذلك أمرًا مخجلًا.
فربما لا يكون الإنسان ضائعًا لأنه لم يصل بعد، وربما لا يكون البدء من جديد دليلًا على الفشل. أحيانًا، نحتاج إلى التوقف حتى نكتشف أننا كنا نسير طويلًا في طريق لم يعد يناسبنا.
في تلك الليلة، فتحت سُهى دفترها القديم، وكتبت في الصفحة التالية للصورة التي رسمتها مريم:
«لا أريد أن أختار حياتي خوفًا من الفقر وحده، ولا خوفًا من كلام الناس، ولا رغبةً في إثبات أنني قادرة على كل شيء. أريد أن أختارها لأنني أعرف ما الذي أحاول بناءه، وما الذي لا أريد أن أخسره في الطريق».
أغلقت الدفتر.
ثم ذهبت إلى النافذة، ووقفت تنظر إلى أضواء المدينة.
كانت الشوارع نفسها التي عرفتها في طفولتها، لكن الوجوه تغيرت، والأبواب التي أغلقت قديمًا ربما فُتحت لغيرها، والأحلام التي تركتها وراءها لم تعد تبدو كما كانت.
لم تعرف بعد هل ستقبل وظيفة العاصمة أم ستبقى.
لكنها عرفت شيئًا واحدًا: لن يكون قرارها هذه المرة محاولة للهروب من حياتها، بل محاولة لبنائها.
وفي الغرفة المجاورة، كانت مريم نائمة، وقد وضعت رسمها الجديد قرب سريرها.
لم تكن تعرف شيئًا عن العرض الوظيفي، ولا عن الحسابات التي تشغل أمها، ولا عن الأسئلة التي تتزاحم في رأسها كل ليلة.
كانت تعرف فقط أن أمها وعدتها بأن تفكر جيدًا قبل أن تقرر.
وفي عالم طفلة تحاول أن تجد مكانها، كان ذلك الوعد بدايةً كافية للشعور بالأمان.