مرّ أسبوعان على عودة سُهى إلى المدينة.
لم تصبح الحياة أسهل كما كانت تتمنى، لكنها بدأت تستعيد شيئًا من انتظامها. صارت تستيقظ في السادسة صباحًا، تُعدّ الإفطار، وتساعد مريم على الاستعداد للمدرسة، ثم تذهب إلى المحلّ الذي تعمل فيه بضع ساعات يوميًا في تنظيم الحسابات وترتيب الفواتير.
كان العمل متواضعًا، والأجر بالكاد يكفي بعض الاحتياجات، لكنه منحها شعورًا بأنها تتحرك إلى الأمام بدلًا من البقاء في المكان نفسه.
أما مريم، فقد بدأت تعتاد المدرسة الجديدة. لم تكن قد كوّنت صداقات قوية بعد، لكنها أصبحت تتحدث عن زميلتين تجلسان بالقرب منها، وعن معلمتها التي تحب أن تطرح الأسئلة على التلاميذ.
ومع ذلك، ظلت هناك لحظات تشعر فيها الطفلة بأنها غريبة عن المكان.
كانت تعود إلى المنزل، تضع حقيبتها جانبًا، ثم تجلس قرب النافذة لتفتح دفتر الرسم. لم تكن تتحدث كثيرًا عما يحدث في المدرسة، لكن رسوماتها بدأت تكشف ما تعجز عن قوله.
في الأيام الأولى، رسمت بيتًا تحيط به أشجار طويلة. ثم رسمت طريقًا يمتد إلى الأفق، تقف في نهايته فتاة صغيرة تحمل حقيبة.
وفي إحدى الصفحات، رسمت امرأتين تفصل بينهما مسافة واسعة، وبينهما نافذة مفتوحة.
لم تسألها سُهى عن معنى الرسم. شعرت أن ابنتها ستخبرها عندما تصبح مستعدة.
كانت تتعلم، ببطء، أن الإصغاء لا يعني دائمًا طرح الأسئلة.
في مساء يوم الخميس، عادت سُهى من العمل وهي تحمل كيسًا صغيرًا من الخضراوات. كان المطر قد بدأ يهطل، والشوارع تفوح منها رائحة التراب المبتل.
وجدت مريم جالسة على الأرض في غرفة الجلوس، تحيط بها أوراق كثيرة وأقلام تلوين.
قالت سُهى وهي تضع الكيس على الطاولة:
— يبدو أنك أقمت معرضًا كاملًا هنا!
رفعت مريم رأسها، وابتسمت.
— أريد أن أرسم شيئًا للمدرسة.
— هل طلبت المعلمة منكم ذلك؟
— نعم. قالت إن المدرسة ستنظم نشاطًا فنيًا، ويمكن لمن يريد أن يشارك برسمة أو لوحة. ستُعلّق الأعمال في القاعة الكبيرة.
جلست سُهى إلى جوارها.
— وهل قررتِ ماذا سترسمين؟
هزّت مريم رأسها.
— أريد أن أرسم شيئًا جميلًا، لكنني لا أعرف ماذا.
أخذت سُهى تتأمل الرسومات المنتشرة أمامها. كانت ابنتها تستخدم الألوان بجرأة، وتجمع بينها بطريقة لا تتبع القواعد التي اعتادت رؤيتها في رسومات الأطفال. لم تكن الرسومات متقنة تمامًا، لكنها كانت تحمل إحساسًا واضحًا.
رفعت ورقةً رسمت عليها مريم نافذة كبيرة تطل على نهر.
— ما هذا المكان؟
أجابت مريم:
— لا أعرف. تخيلته فقط.
— ولماذا النافذة كبيرة إلى هذا الحد؟
فكرت الطفلة قليلًا، ثم قالت:
— حتى يستطيع الناس أن يروا العالم كله من خلالها.
ابتسمت سُهى.
— لكن النافذة وحدها لا تجعل العالم كله ظاهرًا. هناك أشياء لا نراها مهما اتسعت النوافذ.
نظرت مريم إلى الرسم، ثم أضافت خطًا رفيعًا عند طرف النافذة.
— لهذا رسمت ستارة أيضًا. يمكن أن نفتحها أو نغلقها عندما نريد.
توقفت سُهى عن الابتسام للحظة.
كانت ابنتها تتحدث عن النافذة، لكنها شعرت أن الحديث يتجاوز الرسم. ربما كانت مريم تحاول أن تستعيد إحساسها بالاختيار في حياة قرر الكبار فيها أشياء كثيرة نيابة عنها.
قالت سُهى:
— أعتقد أنك وجدتِ فكرتك.
رفعت مريم عينيها.
— حقًا؟
— نعم. ارسمِي النافذة كما تتخيلينها أنتِ، لا كما يطلب منك أحد أن تكون.
بدت السعادة على وجه الطفلة.
ثم سألت فجأة:
— أمي، هل كنتِ ترسمين عندما كنت صغيرة؟
ضحكت سُهى.
— كنت أرسم أحيانًا، لكنني لم أكن جيدة مثلك.
— وماذا كنتِ تحبين؟
كادت سُهى تجيب بأنها كانت تحب أشياء كثيرة، لكنها توقفت.
لم تكن تريد أن تعطي ابنتها إجابة سريعة عن سؤال يستحق أكثر من ذلك.
— كنت أحب الموسيقى.
— أي موسيقى؟
— كنت أتعلم العزف على آلة الأورغ. وكنت أستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية أحيانًا.
اتسعت عينا مريم.
— هل تستطيعين العزف الآن؟
— لا أعرف. لم أعزف منذ سنوات.
— لماذا؟
لم تجد سُهى جوابًا جاهزًا.
كيف تشرح لطفلة أن بعض الأشياء لا تختفي لأننا لم نعد نحبها، بل لأن الحياة تمتلئ بأشياء أخرى حتى لا يبقى لها مكان؟ وكيف تقول لها إن التأجيل الذي نعتقد أنه مؤقت قد يتحول، من دون أن نشعر، إلى سنوات طويلة؟
قالت أخيرًا:
— انشغلت بالعمل، ثم أصبحت لديّ مسؤوليات كثيرة.
أجابت مريم ببساطة:
— لكن يمكنك أن تعزفي عندما تنتهين من العمل.
ضحكت سُهى.
— الأمر ليس بهذه السهولة دائمًا.
عادت مريم إلى رسمها، ثم قالت دون أن ترفع رأسها:
— يمكنك أن تجربي فقط.
لم تجب سُهى.
لكن العبارة بقيت في ذهنها طوال المساء.
في اليوم التالي، ذهبت سُهى إلى المدرسة لحضور لقاء قصير مع معلمة مريم.
كانت ليلى امرأة في منتصف الثلاثينات، هادئة الملامح، تتحدث بوضوح دون أن ترفع صوتها. وما إن دخلت سُهى إلى القسم حتى ابتسمت لها ودعتها إلى الجلوس.
قالت ليلى:
— أردت أن أتحدث معك عن مريم. إنها فتاة ذكية، وتلاحظ التفاصيل بسرعة، لكنها ما زالت متحفظة في التعامل مع زملائها.
شعرت سُهى بالقلق.
— هل تواجه صعوبات في الدراسة؟
— لا، مستواها جيد. لكنني لاحظت أنها تتردد في المشاركة، حتى عندما تعرف الإجابة. وعندما يعمل التلاميذ في مجموعات، تميل إلى البقاء وحدها.
تنهدت سُهى.
— أخشى أن يكون الانتقال قد أثر فيها أكثر مما تظهره لنا.
أومأت ليلى.
— من الطبيعي أن تحتاج إلى وقت. تغيير المدرسة ليس أمرًا بسيطًا لطفلة في عمرها، خاصة إذا اضطرت إلى ترك أصدقائها وبيئتها المعتادة.
ثم فتحت درج مكتبها وأخرجت ورقة.
— أريد أن أشاركك شيئًا. طلبت من التلاميذ رسم مكان يشعرون فيه بالأمان. رسمت مريم نافذة تطل على نهر، وكتبت تحتها: «المكان الذي أستطيع أن أرى منه ما لا أستطيع الوصول إليه».
قرأت سُهى العبارة مرتين.
لم تكن تعرف أن ابنتها كتبت هذه الكلمات. شعرت بالفخر من ناحية، وبالحزن من ناحية أخرى. لقد كانت مريم تفكر في أشياء أكبر مما تستطيع التعبير عنه في حديث يومي.
قالت ليلى:
— لا أريد أن أحمّل الرسم أكثر مما يحتمل، لكنني أعتقد أنه قد يكون وسيلة جيدة لمساعدتها على التعبير عن نفسها. إنها تملك حسًا فنيًا واضحًا.
ابتسمت سُهى.
— هي تحب الرسم فعلًا.
— لدينا ورشة فنية صغيرة ستبدأ الشهر المقبل، بالتعاون مع مركز ثقافي في المدينة. ليست مخصصة للمتفوقين فقط، بل للأطفال الذين يريدون تجربة الرسم والتعرف إلى أطفال آخرين. ربما تناسبها.
أخذت سُهى الورقة التي تحتوي على تفاصيل الورشة.
كان النشاط مجانيًا، لكنه يتطلب حضور مريم مرتين في الأسبوع، بعد انتهاء الدراسة.
قالت سُهى:
— سأناقش الأمر معها.
ثم أضافت بعد تردد:
— أشكرك لأنك انتبهت إليها.
أجابت ليلى:
— هذا جزء من عملي. لكنني أؤمن بأن الطفل لا يحتاج إلى من يراقب درجاته فقط، بل إلى من يحاول أن يفهم ما يحدث داخله أيضًا.
حين خرجت سُهى من المدرسة، شعرت بأن لقاءها بليلى أعاد إليها ذكرى قديمة.
كانت ليلى زميلتها في المرحلة الثانوية، قبل أن تتفرقا بسبب الدراسة والعمل. لم تتغير ملامحها كثيرًا، لكن الحياة تركت آثارها على وجهها، كما فعلت مع سُهى.
تذكرت أحاديثهما القديمة عن المستقبل، وعن أحلامهما الكبيرة، وعن اعتقادهما بأنهما ستتمكنان من تغيير العالم إذا حصلتا على الفرصة المناسبة.
لم تغيّرا العالم، بالطبع.
لكن ليلى أصبحت معلمة تحاول أن تجعل حياة الأطفال أفضل قليلًا، بينما كانت سُهى تحاول أن تجد طريقها من جديد.
ربما لم تكن الأحلام تتحقق دائمًا بالطريقة التي نتصورها، فكرت سُهى، وربما لا يكون ذلك سببًا كافيًا للتخلي عنها.
في ذلك المساء، عادت سُهى إلى المنزل ومعها ورقة تفاصيل الورشة.
وجدت مريم تساعد جدتها في ترتيب المائدة. كانت الطفلة قد أصبحت أكثر ارتياحًا في البيت، وصارت تساعد في بعض الأعمال الصغيرة دون أن تطلب منها أمها ذلك.
قالت سُهى:
— لديّ خبر لك.
تركت مريم الملاعق واقتربت منها.
— ماذا حدث؟
— تحدثت مع معلمتك اليوم. أخبرتني عن رسوماتك، وعن ورشة فنية ستبدأ الشهر المقبل.
أضاء وجه مريم.
— ورشة رسم؟
— نعم. ستلتقين بأطفال آخرين، وستتعلمون استخدام الألوان وطرق الرسم المختلفة.
سكتت الطفلة للحظات.
— هل يمكنني الذهاب؟
— بالطبع، إذا كنت تريدين ذلك. سنراجع المواعيد أولًا حتى نعرف كيف ننظم وقتنا.
قفزت مريم فرحًا، ثم عادت لتسأل:
— هل سأحتاج إلى ألوان جديدة؟
ضحكت سُهى.
— سنرى ما لدينا في البيت أولًا.
لم تكن تريد أن تعدها بأشياء لا تستطيع شراءها، لكنها كانت سعيدة لأن ابنتها وجدت شيئًا تنتظره بحماس.
بعد العشاء، جلست مريم ترسم من جديد.
أما سُهى، فذهبت إلى الغرفة القديمة وفتحت الخزانة التي لم تلمسها منذ عودتها. كانت تبحث عن بطانية إضافية حين وجدت صندوقًا خشبيًا صغيرًا في الرف السفلي.
عرفته فورًا.
كان صندوقًا احتفظت فيه بأشياء من سنوات دراستها: صور قديمة، ورسائل، ودفتر موسيقى، وبعض الأوراق التي اصفرّت أطرافها.
جلست على الأرض وفتحته.
وجدت صورة لها وهي في السابعة عشرة، تقف أمام آلة الأورغ في قاعة صغيرة. كانت ترتدي قميصًا أبيض، وشعرها مربوط إلى الخلف، وعلى وجهها ابتسامة واسعة لم تتذكر متى فقدتها.
قلبت الصورة، فوجدت تاريخًا مكتوبًا بخط يدها.
ثم فتحت دفتر الموسيقى.
كانت الصفحات مليئة بالملاحظات والتدريبات، وبعض الألحان التي تعلمتها في تلك الفترة. مررت أصابعها فوق الورق، وكأنها تتحقق من أن الفتاة التي كتبت تلك الملاحظات ما زالت موجودة في مكان ما داخلها.
سمعت صوت أمها عند الباب.
— ماذا وجدتِ؟
رفعت سُهى الصورة.
— أشياء قديمة.
دخلت أمها وجلست إلى جوارها.
تأملت الصورة طويلًا، ثم ابتسمت.
— كنتِ تحبين العزف كثيرًا.
— كنت أظن أنني سأستمر فيه.
— ولماذا توقفتِ؟
أغلقت سُهى الدفتر.
— لأنني كنت أريد أن أعمل وأعتمد على نفسي. ثم تزوجت، ثم أصبحت لديّ مسؤوليات أخرى. وفي كل مرة كنت أقول لنفسي إنني سأعود إليه عندما تستقر حياتي.
نظرت إليها أمها.
— وهل استقرت حياتك يومًا كما كنت تتوقعين؟
ابتسمت سُهى بحزن.
— لا.
قالت أمها:
— لا أحد ينتظر حتى تصبح الحياة خالية من المشكلات كي يفعل الأشياء التي يحبها. لو انتظرنا ذلك، فقد لا نفعل شيئًا أبدًا.
لم تكن سُهى بحاجة إلى نصيحة أخرى، لكنها شعرت أن كلمات أمها أصابت موضعًا دقيقًا في داخلها.
وضعت الدفتر في حضنها.
— أخشى أنني لم أعد أجيد العزف.
أجابتها أمها:
— إذن ستبدئين من جديد. ليس مطلوبًا منك أن تكوني كما كنتِ في السابعة عشرة.
صمتت سُهى طويلًا.
ثم أخذت الدفتر ووقفت.
— سأحاول أن أبحث عن الآلة غدًا.
ابتسمت أمها.
— هذا كل ما تحتاجين إلى فعله الآن.
في اليوم التالي، ذهب خالد إلى محلّ الحسابات الذي تعمل فيه سُهى.
كان خالد في أواخر الثلاثينات، يعمل في متجر لبيع الأدوات المنزلية في الشارع المقابل. عرفه أهل الحي منذ سنوات، لا لأنه كان أكثرهم ثراءً أو نفوذًا، بل لأنه كان رجلًا يعتمد عليه الناس في الأمور الصغيرة: توصيل غرض ثقيل إلى منزل امرأة مسنة، أو إصلاح رفّ مكسور، أو مساعدة صاحب محلّ في نقل بضاعته.
كان يعرف سُهى منذ طفولتها، وإن لم تكن علاقتهما وثيقة.
دخل المحلّ يحمل ملفًا ورقيًا.
— صباح الخير. هل أنتِ سُهى؟
رفعت رأسها عن الفواتير.
— نعم.
— أنا خالد، ابن عمّ نادر صاحب متجر الأدوات المنزلية.
ابتسمت حين تعرفت إليه.
— أتذكرك. كنت تسكن قرب المدرسة القديمة، أليس كذلك؟
— صحيح. ويبدو أنك عدتِ إلى المدينة أخيرًا.
شعرت سُهى بأن العبارة تحمل سؤالًا لم ترغب في الإجابة عنه، لكنها لم تجد في نبرة خالد فضولًا مزعجًا.
قالت:
— نعم، عدت منذ فترة قصيرة.
أشار إلى الملف.
— أبحث عن شخص يساعدني في تنظيم حسابات المتجر يومين في الأسبوع. سمعت من صاحب هذا المحل أنك تعملين في الحسابات، فأردت أن أسألك إن كنت مهتمة.
تفاجأت سُهى.
— وهل أخبرك صاحب المحلّ عن عملي؟
— قلت له إنني أحتاج إلى مساعدة، فذكر أنك منظمة وتجيدين التعامل مع الملفات. بالطبع، إن لم يناسبك الأمر فلا مشكلة.
أخذت سُهى الملف وتصفحت الأوراق.
كانت المهمة بسيطة نسبيًا، لكن المتجر يحتاج إلى ترتيب سجلات المبيعات والمشتريات، ومراجعة بعض الفواتير المتراكمة.
سألته عن الأجر وساعات العمل.
أجابها بوضوح، دون أن يقدم وعودًا مبالغًا فيها.
فكرت سُهى قليلًا.
قد لا تكون هذه فرصة تغير حياتها، لكنها ستمنحها دخلًا إضافيًا، وربما تساعدها على تقليل اعتمادها على أمها.
قالت:
— أعتقد أنني أستطيع مساعدتك. أحتاج فقط إلى تنسيق المواعيد مع عملي الحالي.
ابتسم خالد.
— خذي وقتك. لا أريد أن أسبب لك ضغطًا إضافيًا.
ثم أضاف:
— وإذا احتجتِ إلى أي شيء يتعلق بالعمل أو بالمتاجر هنا، فأخبريني. المدينة صغيرة، والناس يساعد بعضهم بعضًا.
شكرته، وغادر.
عادت سُهى إلى أوراقها، لكنها شعرت بأن شيئًا قد تغير.
لم يكن الأمر يتعلق بخالد نفسه، بل باكتشافها أن العودة إلى المدينة لا تعني بالضرورة العودة إلى الحياة القديمة. كانت هناك فرص لم تعرف عنها شيئًا، وأشخاص يمكن أن يكونوا جزءًا من بدايتها الجديدة.
ربما لم تكن مضطرة إلى بناء حياتها من الصفر تمامًا.
ربما تستطيع أن تستخدم ما بقي لديها من خبرة، وما تعرفه عن الناس، وما تعلمته من السنوات الصعبة.
في نهاية الأسبوع، جلست سُهى مع مريم في غرفة الجلوس.
كانت الأم قد رتبت بعض الأوراق المتعلقة بالعمل الجديد، بينما كانت ابنتها تلوّن رسم النافذة الذي قررت تقديمه إلى المدرسة.
قالت مريم:
— أمي، هل ستأتين معي إلى الورشة عندما تبدأ؟
— سأحاول أن أرافقك في اليوم الأول.
— وبعد ذلك؟
— سنرى المواعيد، ونرتب أمورنا.
فكرت مريم قليلًا، ثم سألت:
— هل يمكن أن أتعلم الرسم جيدًا عندما أكبر؟
— بالتأكيد.
— وهل يمكن أن أصبح فنانة؟
نظرت سُهى إلى ابنتها.
كانت تريد أن تقول لها إن كل شيء ممكن، لكنها تعلمت أن الحياة لا تمنحنا النتائج لمجرد أننا نرغب فيها. أرادت أن تحافظ على حلم مريم، من دون أن تجعلها تعتقد أن النجاح مضمون.
قالت:
— يمكنك أن تتعلمي وتعملي بجد، وأن تكتشفي مع الوقت ما الذي تحبينه فعلًا. لا أعرف ماذا ستصبحين عندما تكبرين، لكنني أريدك أن تمنحي نفسك فرصة لتجربة الأشياء التي تحبينها.
ابتسمت مريم، ثم عادت إلى الرسم.
بعد لحظات، سألتها سُهى:
— وأنتِ، هل تعرفين ماذا تريدين أن تصبحي عندما أكبر أنا؟
رفعت مريم رأسها، وضحكت.
— أنتِ كبيرة بالفعل!
ضحكت سُهى معها.
— أعرف، لكنني أقصد ماذا تريدين أن أكون؟
فكرت مريم بجدية مصطنعة، ثم قالت:
— أريدك أن تعودي إلى الموسيقى.
توقفت سُهى عن الضحك.
— لماذا؟
أجابت مريم:
— لأنك عندما تتحدثين عنها، يصبح وجهك مختلفًا.
لم تعرف سُهى ماذا تقول.
كانت تظن أنها أخفت عن ابنتها كثيرًا من أحزانها، لكنها لم تنتبه إلى أن الأطفال يلاحظون أشياء لا نتوقع أن يروها.
اقتربت من مريم، وأخذت تنظر إلى رسمها.
— سأحاول يا مريم.
قالت الطفلة:
— لا بأس إن لم تعزفي جيدًا في البداية. يمكنك أن تتعلمي مرة أخرى.
كانت كلماتها تشبه ما قالته أم سُهى في الليلة السابقة.
للمرة الأولى، أدركت سُهى أن الأمومة ليست طريقًا تسير فيه امرأة واحدة لتقود طفلًا صغيرًا نحو الحياة. إنها علاقة يتعلم فيها الطرفان، ويخطئان، ويكتشفان أشياء جديدة عن بعضهما.
كانت تظن أنها وحدها من يمنح مريم القوة، لكنها بدأت ترى أن ابنتها تمنحها هي الأخرى سببًا لتنهض من جديد.
في تلك الليلة، أخرجت سُهى آلة الأورغ القديمة من خزانة المخزن.
كانت مغطاة بطبقة من الغبار، وبعض مفاتيحها تحتاج إلى تنظيف، لكن هيكلها ظل سليمًا.
وضعتها على الطاولة الصغيرة قرب النافذة، ووصلتها بالكهرباء.
وقفت مريم إلى جانبها، تراقب بحماس.
ضغطت سُهى على أحد المفاتيح.
صدر صوت موسيقي خافت.
ثم ضغطت على مفتاح آخر.
كان الصوت مختلفًا قليلًا عما تتذكره، أو ربما كانت ذاكرتها هي التي تغيرت.
جلست على الكرسي، وفتحت دفتر الموسيقى.
حاولت عزف لحن بسيط تعلمته في طفولتها، لكنها أخطأت في الانتقال بين النغمات، وتوقفت أكثر من مرة لتراجع الملاحظات.
ضحكت مريم.
— أخطأتِ!
التفتت إليها سُهى متظاهرة بالاستياء.
— وهل تضحكين على أمك؟
قالت مريم وهي تحاول كتم ضحكتها:
— قليلًا فقط.
ضحكت سُهى معها، ثم عادت إلى العزف.
هذه المرة، لم تحاول أن تتقن اللحن كاملًا. اكتفت بتكرار الجزء الذي تعرفه، حتى بدأت أصابعها تتذكر شيئًا من حركتها القديمة.
لم يكن عزفها جميلًا بما يكفي لتقدمه أمام أحد، لكنه كان كافيًا لتشعر بأنها استعادت جزءًا من نفسها.
جلست مريم على الأرض، ووضعت دفتر الرسم على ركبتيها.
بدأت ترسم أمها أمام الآلة الموسيقية.
لم تلتفت سُهى إليها، ولم تعرف أنها ترسمها. ظلت تعزف اللحن نفسه، ببطء، حتى حفظته أصابعها من جديد.
وعندما انتهت، التفتت إلى ابنتها.
— هل انتهيتِ من الرسم؟
رفعت مريم الورقة.
كانت الصورة بسيطة، لكنها التقطت شيئًا لم تستطع سُهى أن تراه في المرآة منذ سنوات: امرأة تجلس أمام آلة موسيقية، ووجهها هادئ، وخلفها نافذة مفتوحة يدخل منها الضوء.
تأملت سُهى الرسم طويلًا.
ثم قالت:
— أريد هذه الصورة.
ابتسمت مريم.
— إنها لكِ.
أخذت سُهى الورقة ووضعتها داخل دفترها القديم، بين صفحات الموسيقى.
لم يكن لديها إطار لتعلّقها به، ولم تكن بحاجة إليه في تلك اللحظة.
كانت تريد فقط أن تحتفظ بها.
ففي تلك الأمسية، لم تتغير ظروفها المادية، ولم تحصل على وظيفة جديدة، ولم تختفِ المخاوف التي كانت توقظها في منتصف الليل.
لكنها أدركت أن الحياة قد تبدأ في التحسن قبل أن تتغير الظروف نفسها.
قد تبدأ حين نسمح لأنفسنا بمحاولة جديدة.
حين نمنح طفلًا فرصة ليجد صوته.
حين نقبل مساعدة من دون أن نشعر بأننا فقدنا استقلالنا.
وحين نتوقف عن الاعتقاد بأن علينا أن نكون أقوياء طوال الوقت كي نستحق الحب والاحترام.
في اليوم التالي، علّقت مريم رسم النافذة على جدار غرفتها.
أما سُهى، فقد احتفظت بصورة العزف داخل دفتر الموسيقى، ثم دوّنت في آخر صفحة منه موعدًا لتخصص نصف ساعة للعزف مرتين في الأسبوع.
لم يكن جدولًا مثاليًا، ولم تكن متأكدة من قدرتها على الالتزام به.
لكنها كتبت الموعدين على أي حال.
كانت تعرف أن العمل سيشغلها، وأن المصاريف لن تنتظر، وأن مريم ستحتاج إلى وقتها واهتمامها.
ومع ذلك، قررت ألا تجعل حياتها مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
وفي صباح الاثنين، ذهبت إلى العمل وهي تحمل حقيبتها المعتادة، لكنها شعرت بخفة لم تعهدها منذ عودتها.
لم تكن قد وجدت كل الإجابات.
لكنها بدأت تفهم أن الأحلام لا تتعارض بالضرورة مع المسؤولية، وأن الأم التي تمنح ابنتها حق الحلم تحتاج هي أيضًا إلى هذا الحق.
وفي مكان آخر من المدينة، كانت ليلى تستعد لبدء التحضيرات للورشة الفنية، بينما كان خالد يراجع سجلات متجره ويبحث عن طريقة لتوسيع نشاطه دون أن يحمّل نفسه ديونًا جديدة.
لم تكن طرقهم قد تقاطعت بالكامل بعد، ولم يكن أي منهم يعرف ما الذي سيجمعهم في الأشهر القادمة.
لكن المدينة القديمة، التي بدت لسُهى في البداية مكانًا عادت إليه بعد فشل، بدأت تكشف لها وجوهًا أخرى.
وجوهًا تحمل قصصًا مختلفة، وأحلامًا لم تكتمل، وقرارات لم يكن اتخاذها سهلًا.
كانت الحياة مستمرة حولها، بكل ما فيها من ضغوط وفرص وتناقضات.
وكان عليها أن تتعلم كيف تعيش فيها، لا أن تنتظر حتى تصبح كما تريد.