NOVELFLEX

حسابات الحياة

حكاية بين يدي · بقلم @ma waraa.alhibr

لم تكن سُهى تحبّ الأرقام بقدر ما كانت تحبّ ما تستطيع الأرقام أن تمنحه للإنسان من وضوح.

فالأرقام، مهما بدت قاسية، لا تخفي حقيقتها طويلًا. إذا كان المال قليلًا، ظهر ذلك في نهاية الشهر. وإذا زادت المصاريف على المداخيل، لم تنفع الكلمات الجميلة في سدّ الفجوة بينهما. أما الحياة، فكانت أكثر تعقيدًا؛ إذ تستطيع أن تبذل كل ما في وسعك، ثم تجد نفسك أمام طريقين لا تعرف أيهما سيقودك إلى المكان الذي تريد.

في صباح يوم الخميس، جلست سُهى إلى الطاولة الصغيرة في غرفة الجلوس، وأمامها دفتر مفتوح وقلم أسود وهاتفها المحمول. كان البيت هادئًا إلا من صوت أمها وهي ترتب بعض الأواني في المطبخ، وصوت مريم التي كانت تستعد للذهاب إلى المدرسة.

كتبت في أعلى الصفحة: «مصاريف الشهر».

ثم بدأت تسجل ما عليها دفعه: مساهمتها في مصاريف البيت، ومصاريف المدرسة، والملابس التي تحتاج إليها مريم، وفاتورة الهاتف، وبعض المبالغ الصغيرة التي اقترضتها خلال الأسابيع الماضية.

حين انتهت، أعادت الحساب مرتين.

لم يتغير الرقم.

كان دخلها من العمل المؤقت يكفي بالكاد لتغطية الأساسيات، أما ما تحصل عليه من مساعدة في تنظيم حسابات بعض المحلات، فلم يكن منتظمًا بما يسمح لها بالتخطيط للمستقبل. شهر جيد قد يمنحها شيئًا من الراحة، وشهر آخر يعيدها إلى القلق نفسه.

وضعت القلم، وأسندت ظهرها إلى الكرسي.

لم تكن تريد الثراء، ولا حياة فاخرة، ولا أن تمتلك ما لا يستطيع الآخرون امتلاكه. كانت تريد فقط أن تستيقظ في الصباح دون أن يكون أول ما تفكر فيه هو المال، وأن تتمكن من شراء ما تحتاج إليه ابنتها دون أن تضطر إلى تأجيله إلى الشهر التالي.

أرادت بيتًا صغيرًا تشعر فيه بالاستقرار، وعملًا يحترم خبرتها، ووقتًا تستطيع فيه أن تجلس مع مريم دون أن يظل عقلها منشغلًا بالفواتير.

كانت تلك أحلامًا بسيطة، لكنها بدت بعيدة في بعض الأيام.

دخلت مريم وهي تحمل حقيبتها المدرسية، ثم توقفت عند الباب حين لاحظت وجه أمها.

— هل حدث شيء؟

رفعت سُهى رأسها سريعًا.

— لا، يا حبيبتي. لماذا تسألين؟

— لأنك تنظرين إلى الدفتر كما لو أنه أخبرك بخبر سيئ.

ضحكت سُهى رغم تعبها.

— إنه يخبرني فقط أنني بحاجة إلى تنظيم مصاريفي بشكل أفضل.

اقتربت مريم من الطاولة، وألقت نظرة فضولية على الأرقام.

— هل يمكن للرسم أن يساعدك في الحسابات؟

— ربما. كيف؟

— يمكنك أن ترسمي بيتًا كبيرًا، ثم تضعي داخله كل الأشياء التي نحتاج إليها، وبعدها تعرفين ما الذي ينقصنا.

ابتسمت سُهى، وأغلقت الدفتر.

— فكرة جميلة، لكنني أخشى أن يكون البيت الذي سترسمينه أغلى مما أستطيع دفعه الآن.

لم تضحك مريم هذه المرة. نظرت إلى أمها قليلًا، ثم قالت:

— لا بأس. سأرسم بيتًا صغيرًا.

أحست سُهى بوخزة في قلبها.

لم تكن تريد لابنتها أن تصغّر أحلامها حتى تتناسب مع ضيق ظروفهما. أرادت أن تتعلم مريم أن الواقع يحتاج إلى حساب، لكن ذلك لا يعني أن تتخلى عن أحلامها قبل أن تحاول.

مدت يدها ومسحت على شعرها.

— ارسمي البيت الذي تحبينه، يا مريم. أما أنا فسأحاول أن أجد طريقة للوصول إليه.

ابتسمت مريم، ثم أسرعت إلى الباب كي لا تتأخر عن المدرسة.

وبقيت سُهى تنظر إلى الدفتر المغلق.

كان عليها أن تجد طريقة، لا مجرد أمل.

في ذلك الصباح، ذهبت سُهى إلى متجر خالد في وقت أبكر من المعتاد.

كان المتجر يقع في أحد شوارع المدينة القديمة، بين محل لبيع الملابس وآخر لقطع الغيار. لم يكن كبيرًا، لكنه كان معروفًا لدى سكان الحي؛ إذ يبيع أدوات منزلية مختلفة، من الأواني الصغيرة إلى المصابيح وأدوات التنظيف وبعض المستلزمات اليومية.

كان خالد يحرص على معاملة زبائنه باحترام، حتى أولئك الذين يأتون لشراء شيء بسيط ثم يقفون طويلًا يسألونه عن الأسعار. ولهذا، كان كثيرون يفضلون التعامل معه على الرغم من وجود متاجر أكبر في أطراف المدينة.

حين دخلت سُهى، وجدته واقفًا خلف الطاولة الخشبية، يقلب بعض الأوراق ويعيد ترتيبها بعصبية لم تعهدها فيه.

رفع رأسه عندما رآها.

— صباح الخير، سُهى.

— صباح الخير. هل كل شيء على ما يرام؟

جمع خالد الأوراق بسرعة، ثم قال:

— نعم، لا شيء مهم. مجرد حسابات لا تنتهي.

لم تقتنع بإجابته، لكنها لم تضغط عليه.

خلعت معطفها، ووضعت حقيبتها في المكان الذي اعتادت الجلوس فيه، ثم فتحت دفتر الحسابات.

كان عملها في المتجر قد بدأ قبل أسابيع، حين عرض عليها خالد أن تساعده في تنظيم الفواتير وتسجيل المبيعات والمصاريف. لم يكن قادرًا على دفع راتب كامل لموظفة دائمة، لذلك اتفقا على أن تأتي في أيام محددة، وتتقاضى مقابل الساعات التي تعملها.

كان العمل محدودًا، لكنه منحها فرصة للاستفادة من خبرتها، كما ساعدها على التعرف إلى أصحاب محلات آخرين يحتاجون إلى خدمات مشابهة.

بدأت بمراجعة الفواتير، ثم قارنت المبالغ المسجلة في الدفتر بما هو موجود في الأوراق المرفقة.

بعد أقل من ساعة، لاحظت فرقًا في أحد الحسابات.

راجعت الأرقام مرة أخرى، ثم نادت خالد.

— هل تتذكر هذه الفاتورة؟

اقترب منها.

— أي فاتورة؟

أشارت إلى السطر الذي وضعته تحته خطًا.

— هذه. المبلغ المسجل هنا أكبر من المبلغ الموجود في الفاتورة الأصلية.

أخذ الورقة، وتأملها قليلًا.

— ربما أخطأت في النقل.

— هذا ممكن، لكنني وجدت فرقًا آخر في حساب المورد نفسه. هل دفعت جزءًا من المبلغ نقدًا؟

فكر خالد، ثم أخرج محفظته من جيبه وتفقد بعض الأوراق.

— دفعت دفعة صغيرة قبل أسبوعين، لكنني لا أذكر إن كنت سجلتها.

أجابت سُهى:

— إذن علينا أن نتحقق قبل أن نثبت المبلغ النهائي. إذا تركنا الحساب كما هو، فقد تدفع أكثر مما عليك، أو تظن أن المورد يطالبك بمبلغ غير صحيح.

تنهد خالد، وجلس على الكرسي المقابل.

— لهذا أحتاج إلى شخص يفهم الحسابات. كنت أظن أنني أستطيع إدارة كل شيء وحدي، لكنني اكتشفت أن البيع والشراء ليسا كافيين لإدارة متجر.

ابتسمت سُهى.

— لا أحد يستطيع أن يدير كل شيء وحده طوال الوقت.

نظر إليها خالد لحظة، ثم قال:

— يبدو أنك تتحدثين عن المتجر وعن الحياة معًا.

لم تجب، لكنها شعرت بأن الجملة لامست شيئًا تعرفه جيدًا.

أكملا مراجعة الحسابات حتى اقترب موعد الظهيرة. واتضح أن الخطأ لم يكن في الفاتورة وحدها، بل في تسجيل دفعة سابقة لم تُخصم من المبلغ المستحق.

لم تكن المشكلة كبيرة، لكنها كانت كافية لتثير قلق خالد؛ إذ كان يواجه أصلًا تأخرًا في تحصيل بعض الديون من زبائن يشترون بالدفع المؤجل.

قال وهو يتأمل الدفتر بعد تصحيحه:

— لو لم نراجع هذه الحسابات اليوم، لربما دفعت المبلغ كاملًا ثم اكتشفت الخطأ بعد فوات الأوان.

أغلقت سُهى الدفتر.

— لهذا يجب أن نسجل كل دفعة فور حدوثها، حتى لو كانت صغيرة. والأفضل أن نضع جدولًا واضحًا للمبالغ المستحقة وتواريخ دفعها.

هز خالد رأسه موافقًا.

— هل يمكنك إعداد هذا الجدول لي؟

— نعم، لكنني سأحتاج إلى مراجعة كل الفواتير القديمة أولًا.

— افعلي ما ترينه مناسبًا.

تردد قليلًا، ثم أضاف:

— وسأدفع لك مقابل الوقت الإضافي الذي ستحتاجين إليه.

شعرت سُهى بالارتياح. لم يكن المبلغ الذي ستحصل عليه كبيرًا، لكنه كان يعني أنها لم تعد تنتظر دخلًا واحدًا يحدد قدرتها على تدبير شؤونها.

وقبل أن تعود إلى عملها، قال خالد:

— بالمناسبة، هناك امرأة سألتني عنك أمس. لديها مشروع صغير لصناعة بعض المنتجات اليدوية في المنزل، وتريد شخصًا يساعدها على تنظيم حساباتها.

رفعت سُهى رأسها.

— هل أخبرتها أنني أعمل في هذا المجال؟

— أخبرتها أنك تساعدينني في الحسابات، وأنك دقيقة في عملك. أعطيتها رقمك، إذا لم يكن لديك مانع.

سكتت سُهى لحظة.

قبل أسابيع، كانت تدخل المحلات وتسأل إن كان أحد يحتاج إلى موظفة، ثم تعود إلى البيت دون نتيجة. أما الآن، فقد بدأ بعض الناس يصلون إليها من خلال عملها نفسه.

لم يكن ذلك نجاحًا كبيرًا، لكنه كان بداية مختلفة.

قالت:

— لا مانع لدي. يمكنني مساعدتها بعد أن أنتهي من عملي هنا.

ابتسم خالد.

— إذن يبدو أن حسابات المتجر لن تكون آخر الحسابات التي ستراجعينها.

عادت سُهى إلى أوراقها، وشعرت للمرة الأولى منذ مدة بأن خبرتها لا تزال قادرة على فتح الأبواب.

لكنها لم تكن تعرف أن بابًا آخر، أكبر بكثير، كان يستعد للانفتاح أمامها.

بعد الظهر، عادت سُهى إلى البيت وهي تفكر في العمل الذي ينتظرها. كانت قد اتفقت مع خالد على مراجعة بقية الحسابات في الأسبوع التالي، كما تلقت رسالة من المرأة التي أخبرها عنها، تطلب منها تحديد موعد للحديث عن مشروعها.

وضعت حقيبتها على الطاولة، ثم أخرجت هاتفها لتتفقد الرسائل.

كان هناك بريد إلكتروني جديد من شركة في العاصمة.

توقفت يدها فوق الشاشة.

عرفت اسم الشركة فور رؤيته. كانت قد أرسلت إليها سيرتها الذاتية قبل مدة طويلة، حين كانت تبحث عن عمل بعد خسارتها لوظيفتها السابقة. لم تتلقَّ ردًا آنذاك، حتى إنها نسيت الأمر تقريبًا.

فتحت الرسالة.

كانت الشركة تعتذر عن التأخر في الرد، وتخبرها بأن قسم الإدارة يبحث عن موظفة لديها خبرة في تنظيم الملفات والحسابات ومتابعة الأعمال اليومية. وقد رأت الإدارة أن خبرتها مناسبة للمنصب، وتود دعوتها إلى مقابلة خلال الأيام المقبلة.

قرأت سُهى الرسالة مرة، ثم أعادتها إلى بدايتها.

كان الراتب المعروض في الإعلان السابق أعلى بكثير من دخلها الحالي، كما أن الوظيفة توفر عقدًا أكثر استقرارًا ومزايا لم تكن تحصل عليها في أعمالها المؤقتة.

شعرت بفرح سريع، أعقبه خوف لم تستطع تفسيره في البداية.

لقد انتظرت فرصة كهذه طويلًا. كان من المفترض أن تشعر بالسعادة فقط، لكن فكرة العودة إلى العاصمة جعلت قلبها يضطرب.

وضعت الهاتف على الطاولة، وجلست.

لم تكن العاصمة مجرد مكان للعمل بالنسبة إليها. كانت المكان الذي بنت فيه حياتها الأولى، ثم شهدت انهيارها. هناك تعلّمت الاعتماد على نفسها، وهناك أيضًا عرفت معنى أن يصبح المرء عاجزًا عن الاحتفاظ بما بناه.

هل ستكون عودتها هذه المرة استعادة لما فقدته، أم عودة إلى حياة لم تعد تناسبها؟

دخلت أمها تحمل سلة صغيرة من الملابس النظيفة.

— ما بك؟ تبدين شاردة.

رفعت سُهى الهاتف.

— وصلتني رسالة من شركة في العاصمة. يريدون مقابلتي من أجل وظيفة إدارية.

وضعت الأم السلة جانبًا وجلست.

— أليست هذه الوظيفة التي أخبرتِني عنها قبل مدة؟

— نعم. كنت قد أرسلت إليهم سيرتي الذاتية، لكنني لم أتوقع أن يجيبوا بعد كل هذا الوقت.

— وهل الراتب جيد؟

— أفضل بكثير من دخلي الحالي، والعمل أكثر استقرارًا.

ابتسمت الأم.

— هذا خبر جيد إذن.

خفضت سُهى عينيها.

— إذا قبلوني، فقد أضطر إلى العودة إلى العاصمة. وربما أعمل لساعات طويلة، ولا أعرف إن كان بإمكاني أن آخذ مريم معي أو أن أرتب حياتنا هناك من جديد.

تأملتها أمها قليلًا.

— هل تريدين الوظيفة؟

— أريدها من ناحية المال والاستقرار. لكنني أخشى أن أفقد ما بدأنا ببنائه هنا.

قالت الأم بهدوء:

— لا تجعلي الخوف يقرر بدلًا منك، يا سُهى. اذهبي إلى المقابلة على الأقل، واسألي عن الشروط. أنت لا توافقين على الوظيفة لمجرد أنك ذهبت إلى المقابلة.

— وماذا لو قبلوني؟

— عندها ستفكرين في الأمر من جديد. ليس عليك أن تحسمي كل شيء اليوم.

نظرت سُهى إلى أمها.

كانت تتوقع منها أن تقول إن عليها البقاء من أجل مريم، أو أن تؤكد لها أن العودة إلى العاصمة هي الحل الوحيد. لكنها لم تفعل أيًّا من ذلك.

قالت الأم:

— أحيانًا نظن أن علينا الاختيار بين طريقين قبل أن نعرف ما الذي يقدمه كل واحد منهما. لا تتعبي نفسك بقرارات لم يحن وقتها بعد.

أعادت سُهى النظر إلى الرسالة.

كانت أمها محقة. لم تكن قد حصلت على الوظيفة بعد، ولم تعرف إن كانت الشركة ستقبل شروطها أو تسمح لها بترتيب ظروفها العائلية.

فتحت البريد الإلكتروني، وكتبت ردًا تؤكد فيه اهتمامها بالفرصة، وتطلب تحديد موعد للمقابلة ومعرفة المزيد عن ساعات العمل وشروط العقد.

ثم ضغطت زر الإرسال.

شعرت بشيء من الراحة، لا لأنها حسمت أمرها، بل لأنها توقفت عن التعامل مع الفرصة كما لو كانت تهديدًا لحياتها.

لقد كان من حقها أن تعرف ما ينتظرها قبل أن تختار.

في المساء، عادت مريم من المدرسة تحمل ورقة مطوية داخل دفترها.

كان وجهها متحمسًا على غير عادته، وما إن دخلت حتى اتجهت إلى أمها.

— أمي، أريد أن أريك شيئًا.

كانت سُهى ترتب بعض الأوراق فوق الطاولة، لكنها تركتها جانبًا.

— أريني.

فتحت مريم الورقة. كانت رسمًا لشارع طويل، على جانبيه بيوت صغيرة ومتاجر، وفي آخره طريق يتفرع إلى اتجاهين. عند بداية الطريق وقفت امرأة تحمل حقيبة، وإلى جانبها طفلة تمسك دفترًا.

تأملت سُهى الرسم.

— هذا جميل. هل طلبت المعلمة منكم رسم الشارع؟

— طلبت منا أن نرسم مكانًا يجعلنا نفكر في المستقبل.

— وماذا يعني هذا الطريق؟

أشارت مريم إلى الاتجاه الأول.

— هذا الطريق يعود إلى البيت القديم.

ثم أشارت إلى الاتجاه الثاني.

— وهذا يذهب إلى مكان جديد لم أره من قبل.

ابتسمت سُهى.

— وأيهما ستختارين؟

هزت مريم رأسها.

— لا أعرف. أظن أنني سأحتاج إلى معرفة ما يوجد في نهاية كل طريق.

بقيت سُهى تنظر إلى الرسم.

لم تكن تعرف إن كانت مريم قد سمعت حديثها مع جدتها، أو أنها رسمت الفكرة من تلقاء نفسها. لكنها شعرت بأن ابنتها، بطريقتها البسيطة، كانت تقول لها شيئًا تحتاج إلى سماعه.

قالت مريم:

— المعلمة ليلى قالت إننا لا نستطيع معرفة كل شيء عن المستقبل، لكن يمكننا أن نسأل ونتعلم قبل أن نقرر.

رفعت سُهى رأسها.

— قالت لك ذلك؟

— نعم. قالت أيضًا إن الرسم لا يعني أن نعرف كيف ستكون الأشياء بالضبط، بل أن نتخيل الاحتمالات.

ابتسمت سُهى.

— يبدو أن المعلمة ليلى تعرف كيف تجعل الدروس مفيدة خارج المدرسة أيضًا.

جلست مريم قربها.

— هل يمكن أن أسألك شيئًا؟

— بالتأكيد.

— هل سننتقل إلى العاصمة مرة أخرى؟

تجمدت سُهى للحظة.

لم تكن تريد أن تخفي عنها شيئًا، لكنها لم تكن مستعدة لإثارة قلقها بشأن أمر لم يتحدد بعد.

قالت:

— وصلتني فرصة عمل هناك، وقد أذهب إلى مقابلة. لكنني لم أقبل شيئًا، ولا أعرف إن كنت سأحصل على الوظيفة أصلًا.

نظرت مريم إلى الرسم.

— وهل تريدين العودة؟

أخذت سُهى وقتها قبل الإجابة.

— أريد عملًا يمنحنا استقرارًا أكبر. لكنني لا أريد أن أتخذ قرارًا يجعل حياتنا أصعب دون سبب. سأعرف تفاصيل أكثر، ثم نفكر في الأمر معًا.

قالت مريم:

— لا أريد أن نبدأ من جديد كل مرة.

شعرت سُهى بثقل العبارة.

اقتربت من ابنتها، وأمسكت يدها.

— أفهمك يا مريم. لقد تغيرت أشياء كثيرة في حياتك خلال فترة قصيرة، ومن حقك أن تتعبي من التغيير. لن أعدك بأننا لن ننتقل أبدًا، لأنني لا أعرف ما الذي سيحدث في المستقبل. لكنني أعدك بأنني لن أتعامل مع حياتك كأنها حقيبة أستطيع حملها من مكان إلى آخر دون أن أسألك عما تشعرين به.

ظلت مريم صامتة قليلًا.

ثم سألت:

— وهل يمكن أن نبقى هنا إذا وجدتِ عملًا جيدًا؟

— ربما. الأمر يعتمد على طبيعة العمل والدخل وما يمكننا ترتيبه.

— إذن لا تقرري قبل أن تعرفي.

ابتسمت سُهى، وشعرت بالدهشة من تكرار الفكرة نفسها خلال يوم واحد.

— يبدو أن هذه أصبحت قاعدة في بيتنا.

ضحكت مريم.

— إنها قاعدة جيدة.

وضعت الرسم فوق الطاولة، ثم ذهبت إلى غرفتها لتكمل واجباتها.

أما سُهى، فبقيت أمام الورقة طويلًا.

كانت قد بدأت تنظر إلى المستقبل بوصفه طريقًا واحدًا عليها أن تختار بين أوله وآخره. لكن مريم ذكّرتها بأن الطريق قد يتفرع، وأن معرفة ما يوجد في نهايته أهم من اتخاذ القرار بسرعة.

في اليوم التالي، ذهبت سُهى إلى متجر خالد لمراجعة بعض الحسابات الإضافية.

وجدته يتحدث عبر الهاتف بنبرة متوترة. كان يشرح لمورّد أن المبلغ الذي طلبه لا يمكن دفعه كاملًا في الموعد المحدد، وأن عليه أن يمنحه بضعة أيام لتسوية الحساب.

أنهى المكالمة، ووضع الهاتف على الطاولة.

قالت سُهى:

— هل هناك مشكلة؟

أجاب بعد تردد:

— لا شيء خطير، لكن أحد الموردين يريد مستحقاته قبل الموعد الذي اتفقنا عليه. وهناك زبائن لم يدفعوا ديونهم بعد.

— هل تستطيع دفع جزء من المبلغ الآن، والاتفاق على موعد واضح للباقي؟

— ربما. لكنني لا أحب أن أطلب التأجيل من أحد. طوال سنوات عملي، كنت أحاول أن أدفع مستحقات الناس في موعدها.

قالت سُهى:

— التأخر في الدفع لا يعني بالضرورة أنك فشلت في عملك. المهم أن تكون صريحًا، وألا تعد بما لا تستطيع الوفاء به.

تنهد خالد.

— أعرف ذلك، لكنني أخشى أن تتأثر سمعة المتجر.

جلست سُهى أمام دفتر الحسابات، وبدأت تراجع المبالغ المستحقة. وبعد بعض الحسابات، اكتشفت أن المشكلة لا تكمن في نقص المبيعات وحده، بل في أن جزءًا من المال بقي عالقًا لدى زبائن اشتروا بالدفع المؤجل، بينما استمرت المصاريف اليومية في الخروج من الصندوق.

قالت:

— أعتقد أن علينا أن نغيّر طريقة البيع بالدين لفترة مؤقتة. لا يمكن أن يبقى جزء كبير من رأس المال خارج المتجر بينما تستمر التزاماتك في التراكم.

أجاب خالد:

— أخشى أن يخسر المتجر بعض زبائنه إذا فعلت ذلك.

— وربما يخسر أكثر إذا لم تستطع شراء البضائع من الموردين. يمكنك أن تشرح للزبائن أن نظام الدفع المؤجل سيتغير مؤقتًا، وأنك ستعود إليه عندما تتحسن السيولة.

فكر خالد في كلامها.

ثم قال:

— أنت محقة. كنت أركز على المبيعات، ولم أنتبه إلى أن المال الذي لم يصلني بعد لا يستطيع دفع الفواتير اليوم.

ابتسمت سُهى.

— هذه إحدى الحيل التي تخدعنا بها الحسابات أحيانًا. قد يبدو العمل ناجحًا على الورق، لكن الأرقام لا تصبح مالًا حقيقيًا حتى تُحصَّل.

دوّن خالد ملاحظاتها، ثم أغلق الدفتر.

— يبدو أنني سأحتاج إلى وقت إضافي منك خلال الفترة المقبلة.

— يمكننا الاتفاق على ذلك، لكنني أريد أن تكون الساعات والأجر واضحين.

نظر إليها خالد، ثم ابتسم.

— هذا حقك. وسنرتب الأمر.

لم تتردد سُهى في طلب ما تستحقه هذه المرة. كانت تعرف أنها تحتاج إلى المال، لكنها بدأت تفهم أن حاجتها إليه لا تعني أن تتنازل عن حقها في معرفة شروط عملها.

وقبل أن تغادر المتجر، أخبرته عن عرض العمل في العاصمة.

استمع إليها باهتمام، ثم قال:

— إنها فرصة تستحق الدراسة.

— لكنني لا أعرف إن كان من المناسب أن أعود.

— هل تخشين العودة إلى العاصمة نفسها، أم تخشين أن تعودي إلى الظروف التي عشتها هناك؟

فكرت سُهى في السؤال.

— ربما أخشى الأمرين معًا.

قال خالد:

— المكان لا يضمن لك النجاح ولا الفشل. لكن الخبرة التي خرجتِ بها من تجربتك السابقة قد تساعدك هذه المرة على اتخاذ قرارات مختلفة.

سكت قليلًا، ثم أضاف:

— لا أقول لك اذهبي، ولا أقول لك ابقي. أنا فقط أرى أنك بذلتِ جهدًا كبيرًا حتى تصلي إلى هذه المرحلة، ومن حقك أن تدرسي كل فرصة دون أن تشعري بأنك تخونين ما بنيته هنا.

شعرت سُهى بالامتنان. لم يحاول خالد إقناعها بالبقاء كي يستفيد من عملها، ولم يتعامل مع رحيلها المحتمل بوصفه خسارة شخصية. ترك لها مساحة لتفكر، وهو ما كانت تحتاج إليه أكثر من أي نصيحة جاهزة.

مرّت الأيام التالية وهي تحمل في داخلها أسئلة كثيرة.

بدأت تستعد للمقابلة، فراجعت سيرتها الذاتية، وجمعت شهاداتها، وتدرّبت على الإجابة عن الأسئلة التي قد تُطرح عليها. لم تكن تريد أن تدخل المقابلة وهي تعتذر عن الظروف التي مرت بها، أو تحاول إخفاء الفترة التي قضتها دون عمل مستقر.

كانت قد تعلمت أن بعض الفجوات في السيرة المهنية لا تعني أن الإنسان فقد قدرته على العمل، وأن الظروف الشخصية لا تمحو ما اكتسبه من خبرة.

وفي الوقت نفسه، واصلت عملها مع خالد، وأنجزت جدول المستحقات، وبدأت تساعد المرأة التي تدير مشروعها المنزلي. كانت تلك المرأة تصنع منتجات يدوية وتبيعها عبر معارفها، لكنها لم تكن تعرف إن كانت تحقق ربحًا حقيقيًا أم أنها تستهلك مالها في شراء المواد.

جلست سُهى معها، وشرحت لها كيف تسجل ثمن المواد، وتكلفة التغليف، والنقل، وسعر البيع، ثم تحسب ما يتبقى بعد خصم المصاريف.

قالت المرأة بدهشة:

— كنت أظن أنني أربح لأنني أبيع كل ما أصنعه، لكنني الآن أرى أن بعض المنتجات لا تمنحني إلا مبلغًا صغيرًا جدًا.

أجابت سُهى:

— المهم أنك عرفتِ ذلك الآن. يمكنك تعديل الأسعار أو تغيير طريقة الإنتاج حتى يصبح عملك مجديًا.

سألتها المرأة:

— هل يمكنك أن تتابعي الحسابات معي كل شهر؟

وافقت سُهى، واتفقا على مبلغ محدد مقابل الخدمة.

حين عادت إلى البيت في ذلك المساء، أضافت دخلًا جديدًا إلى دفترها. لم يكن كبيرًا، لكنه كان منتظمًا نسبيًا.

أعادت الحسابات من البداية.

كانت الفجوة بين الدخل والمصاريف لا تزال موجودة، لكنها أصبحت أصغر.

أغلقت الدفتر، وشعرت براحة خفيفة.

لم تكن قد حلت جميع مشكلاتها، لكنها لم تعد تقف في المكان نفسه.

في ليلة المقابلة، لم تستطع سُهى النوم مبكرًا.

كانت قد جهزت ملابسها وأوراقها، وحددت طريقها إلى العاصمة، لكنها ظلت تتقلب في فراشها وهي تفكر في الاحتمالات.

إذا حصلت على الوظيفة، فقد تتمكن من ادخار المال الذي تحتاج إليه لاستئجار بيت مستقل. وربما تستطيع أن توفر لمريم تعليمًا أفضل، وأن تمنحها حياة أكثر استقرارًا من الحياة التي عاشتاها خلال الأشهر الماضية.

لكنها قد تضطر إلى العمل لساعات طويلة، وقد تجد نفسها مرة أخرى بين مسؤوليات لا تنتهي، وتعود إلى الشعور بأنها تؤجل حياتها الشخصية حتى يصبح كل شيء على ما يرام.

والأصعب من ذلك، أنها لم تكن تريد أن تنظر إلى المدينة التي تعيش فيها الآن باعتبارها محطة مؤقتة لا أكثر. لقد بدأت تجد فيها مكانًا لنفسها، وبنت علاقات مهنية جديدة، واستعادت شيئًا من ثقتها بقدرتها على العمل.

هل تستطيع أن تأخذ كل ذلك معها إذا غادرت؟

نهضت من فراشها، وذهبت إلى غرفة الجلوس. أخرجت دفترها القديم، وفتحت صفحة جديدة.

كتبت:

«لا أريد أن أختار حياتي خوفًا من الفقر وحده، ولا خوفًا من كلام الناس، ولا رغبةً في إثبات أنني قادرة على تحمّل كل شيء.

أريد أن أعرف ما الذي تمنحني إياه كل فرصة، وما الذي تطلبه مني في المقابل.

أريد أن أكون أمًا حاضرة في حياة ابنتي، لكنني أريد أيضًا أن أكون امرأة تملك عملًا وقرارًا ومستقبلًا.

لا أعرف إن كان الطريق الصحيح هو البقاء أو الرحيل. لكنني أعرف أنني لا أريد أن أتخذ القرار وأنا أظن أنني لا أملك إلا خيارًا واحدًا».

توقفت عن الكتابة، ثم نظرت إلى الساعة.

كان البيت غارقًا في الهدوء. من خلف باب غرفة أمها، سمعت سعالًا خفيفًا، ثم عادت الأصوات إلى السكون. وفي الغرفة المجاورة، كانت مريم نائمة، وقد تركت دفتر الرسم مفتوحًا على الطاولة الصغيرة.

اقتربت سُهى من الباب، ونظرت إلى ابنتها للحظات.

لم تكن تريد أن تجعل مريم سببًا لرفض كل فرصة، كما لم تكن تريد أن تجعل المستقبل المادي سببًا لتجاهل مشاعرها. كانت تبحث عن طريقة تجمع بين الأمرين، حتى لو لم تكن هذه الطريقة مثالية.

عادت إلى غرفتها، ووضعت دفترها في الدرج.

هذه المرة، لم تحاول أن تجد الإجابة قبل أن تنام.

في صباح اليوم التالي، استيقظت سُهى باكرًا.

ارتدت ملابسها، وراجعت أوراقها، ثم تناولت فطورًا خفيفًا مع أمها ومريم.

كانت مريم تنظر إليها بين حين وآخر، وكأنها تريد أن تسأل عن المقابلة لكنها تخشى أن تفتح موضوعًا لا تحب أمها الحديث عنه.

لاحظت سُهى ذلك، فابتسمت لها.

— سأذهب اليوم إلى العاصمة لإجراء المقابلة.

أومأت مريم.

— أتمنى أن تسير الأمور جيدًا.

— شكرًا يا حبيبتي.

ترددت مريم قليلًا، ثم قالت:

— لكن إذا حصلتِ على الوظيفة، فلن تقبليها فورًا، أليس كذلك؟

أخذت سُهى يدها.

— لن أقبلها قبل أن أعرف تفاصيلها كاملة، وأفهم كيف ستؤثر في حياتنا. لن أعدك بأنني سأختار ما تريدينه بالضبط، لكنني أعدك بأنني سأستمع إليك، وأنني لن أخفي عنك ما يتعلق بمستقبلنا.

بدت مريم أكثر هدوءًا.

— هذا يكفيني الآن.

احتضنتها سُهى، ثم ودعت أمها وغادرت.

في الطريق إلى العاصمة، أخذت تنظر من نافذة الحافلة إلى الحقول والطرقات والبيوت التي تمر بها. لم تعد تشعر بأنها المرأة نفسها التي غادرت المدينة قبل أشهر وهي تحمل حقيبتين وخوفًا كبيرًا من المجهول.

كانت لا تزال تخاف، لكنها أصبحت تعرف أن الخوف لا يعني بالضرورة أن القرار خاطئ.

وحين وصلت إلى مقر الشركة، وقفت أمام المدخل لبضع ثوانٍ.

تذكرت الأيام التي كانت تعود فيها من مقابلات العمل دون نتيجة، والليالي التي حسبت فيها مصاريفها وهي تتساءل كيف ستتمكن من الاستمرار. ثم تذكرت مريم وهي ترسم طريقًا يتفرع إلى اتجاهين، وتقول إن عليها أن تعرف ما يوجد في نهاية كل طريق قبل أن تختار.

أخذت نفسًا عميقًا، ودخلت.

لم تكن ذاهبة لتطلب من أحد أن ينقذها.

كانت ذاهبة لتعرض خبرتها، وتتعرف إلى فرصة جديدة، وتعرف إن كانت تناسب الحياة التي تحاول بناءها.

وبعد انتهاء المقابلة، خرجت وهي لا تعرف إن كانت ستحصل على الوظيفة، لكنها شعرت بأنها أدت ما عليها.

وفي طريق العودة، فتحت هاتفها فوجدت رسالة من مريم:

«أمي، رسمت اليوم نافذة كبيرة. جعلتها مفتوحة حتى أرى ما وراءها. عندما تعودين، سأريك الرسم».

ابتسمت سُهى وكتبت:

«أتطلع إلى رؤيته يا حبيبتي. سأعود مساءً، وسننظر إليه معًا».

ثم أغلقت الهاتف وأسندت رأسها إلى المقعد.

كانت لا تزال أمامها حسابات كثيرة: حسابات المال، وحسابات الوقت، وحسابات ما تستطيع التضحية به وما يجب أن تحافظ عليه.

لكنها بدأت تفهم أن الحياة ليست دفترًا يمكن أن تتساوى أرقامه دائمًا، وأن بعض القرارات لا تمنحنا ربحًا واضحًا أو خسارة مؤكدة.

أحيانًا يكون علينا أن نختار بناءً على ما نعرفه، وأن نترك مساحة لما لا نعرفه، وأن نتحمل مسؤولية قراراتنا دون أن نحولها إلى أحكام نهائية على أنفسنا.

عندما عادت إلى بيت أمها في المساء، كانت مريم تنتظرها فعلًا، والدفتر مفتوح بين يديها.

أرتها الرسم الجديد.

كانت النافذة واسعة، وستائرها تتحرك بفعل نسمة خفيفة، وخلفها امتد شارع طويل تتوزع على جانبيه بيوت مختلفة. لم يكن هناك باب مغلق، ولا جدار يحجب الطريق.

قالت مريم:

— هذه نافذتي. أستطيع أن أنظر منها إلى العالم، حتى لو لم أعرف بعد إلى أين سأذهب.

تأملت سُهى الرسم، ثم احتضنت ابنتها.

في تلك اللحظة، أدركت أن ما كانت تحاول حسابه منذ الصباح لم يكن المال وحده.

كانت تحاول أن تعرف كيف تبني حياة لا تضطر فيها إلى الاختيار بين كرامتها وأمومتها، بين أحلامها واحتياجات ابنتها، بين الماضي الذي صنعها والمستقبل الذي تريد الوصول إليه.

ولم تكن تعرف الإجابة بعد.

لكنها كانت مستعدة للبحث عنها.

وفي الفصل السادس، ستبدأ سُهى في مواجهة نتائج المقابلة، بينما تتغير الظروف الاقتصادية من حولها، وتكتشف أن الاستقرار الذي تحاول بناءه قد يكون أكثر هشاشة مما تظن.