NOVELFLEX

ما لا تقوله الأرقام

حكاية بين يدي · بقلم @ma waraa.alhibr

لم تكن سُهى تعرف أن بعض الأخبار تحتاج إلى أيام قليلة فقط كي تنتقل من مجرد احتمال إلى حقيقة يصعب تجاهلها.

في صباح الاثنين، وصلت إلى متجر خالد فوجدته يقف أمام الباب، يتحدث مع صاحب متجر مجاور. كان الرجلان يتبادلان الأخبار بصوت منخفض، وتبدو على وجهيهما علامات القلق.

ما إن اقتربت سُهى حتى أنهى خالد حديثه مع جاره، ثم أشار إليها بالدخول.

قال وهو يغلق الباب خلفها:

«تأكدت الأخبار هذا الصباح. المصنع الذي حدثتك عنه سيوقف جزءًا من نشاطه، وقد تتأخر بعض الشحنات لأسابيع. لا أحد يعرف متى ستعود الأمور إلى طبيعتها.»

وضعت سُهى حقيبتها على الكرسي.

«هل تأثرت طلباتك كلها؟»

«ليس كلها، لكن عددًا من المنتجات التي يعتمد عليها المتجر لن يصل في موعده. والمشكلة أن الموردين الآخرين بدأوا يرفعون الأسعار، لأن الجميع يحاول شراء البضائع نفسها.»

توجهت سُهى إلى الطاولة وأخرجت دفتر الحسابات.

«إذن علينا أن نعرف أولًا ما الذي نملكه فعلًا، وما الذي يمكن بيعه، وما الذي يجب أن نتوقف عن طلبه حتى تتضح الصورة.»

جلس خالد قبالتها.

«أخشى أن تكون هذه بداية مشكلة طويلة.»

لم تحاول سُهى أن تطمئنه بكلمات لا تملك ما يثبتها. كانت تعرف أن بعض الأزمات لا تُحل بالتفاؤل وحده، وأن تجاهل الأرقام قد يجعل الوضع أسوأ.

قالت:

«ربما. لكننا لن نستطيع معرفة حجم المشكلة إذا لم نراجع حساباتنا بدقة.»

بدأت بمراجعة المخزون، وسجلت المنتجات المتوفرة والكميات التي قاربت على النفاد، ثم قارنت أسعار شرائها بأسعار بيعها. وبعد ساعات من العمل، ظهرت أمامهما صورة لم تكن مريحة، لكنها كانت أوضح من التخمين.

بعض المنتجات يمكن الاستمرار في بيعها دون خسارة كبيرة، بينما أصبحت منتجات أخرى أقل جدوى بسبب ارتفاع تكلفة شرائها. وهناك بضائع لا يمكن تعويضها بسهولة إذا نفدت.

قالت سُهى وهي تشير إلى الجدول:

«أقترح أن نوقف طلب المنتجات التي لا تحقق ربحًا كافيًا في الوقت الحالي، وأن نبحث عن بدائل محلية لما يمكن استبداله. أما البضائع التي لا بديل لها، فعلينا أن نحدد كمياتها بعناية حتى لا ننفق كل السيولة عليها.»

نظر خالد إلى القائمة طويلًا.

«هذا يعني أنني سأضطر إلى تقليل الخيارات أمام الزبائن.»

«لفترة مؤقتة، ربما. لكن من الأفضل أن تعرض منتجات أقل وتستطيع توفيرها، بدلًا من أن تعد الزبائن ببضائع لا تعرف متى ستصل.»

تنهد خالد.

«كنت أظن أن المشكلة الكبرى في إدارة متجر هي أن تبيع قليلًا. لم أكن أفكر كثيرًا في أن كثرة البيع قد تكون مشكلة أيضًا إذا لم يكن المال يعود في الوقت المناسب.»

أجابت سُهى:

«كل شيء يحتاج إلى توازن. البيع مهم، لكن التدفق النقدي مهم أيضًا. قد يكون لديك زبائن كثيرون، ومع ذلك لا تملك المال الكافي لدفع فاتورة مستحقة اليوم.»

أغلق خالد الدفتر للحظة، ثم قال:

«أريدك أن تواصلي متابعة الحسابات، حتى لو اضطررنا إلى تقليل ساعات العمل الإضافية. وجودك يساعدني على فهم الوضع بدلًا من التصرف تحت الضغط.»

أومأت سُهى.

«سأواصل العمل معك وفق ما نستطيع الاتفاق عليه، لكن علينا أن نكون واقعيين في المصاريف، أنا وأنت.»

كان ذلك أول اتفاق بينهما يُبنى على احتمال الخسارة، لا على توقع التحسن وحده.

ومع ذلك، شعرت سُهى بالراحة. فالوضوح، حتى حين يكون مؤلمًا، أفضل من أن تبني خططها على أمل لا يستند إلى شيء.

في منتصف النهار، خرجت سُهى لشراء بعض المستلزمات التي تحتاج إليها مريم للمدرسة.

لاحظت أن السوق أكثر ازدحامًا من المعتاد، لكن الوجوه بدت متوترة. كان بعض التجار يناقشون الأسعار الجديدة، بينما يتوقف الزبائن أمام الرفوف طويلًا قبل اتخاذ قرار الشراء.

سمعت امرأة تقول لصاحبتها:

«كل يوم يرتفع سعر شيء جديد. لم نعد نعرف كيف ننظم مصاريفنا.»

أجابتها الأخرى:

«المشكلة ليست في الأسعار وحدها. زوجي يعمل في المصنع، ولا نعرف ماذا سيحدث إذا توقف عن العمل.»

توقفت سُهى للحظة.

لم تكن قد فكرت كثيرًا في الأشخاص الذين يعملون داخل المصنع نفسه. كانت ترى أثر الأزمة في المتاجر والفواتير، لكنها لم تتخيل كيف يمكن أن تصل إلى البيوت، فتغير حسابات أسر كاملة في أيام قليلة.

واصلت طريقها، وهي تفكر في أن الأرقام التي تراجعها كل صباح ليست مجرد مبالغ في دفاتر. خلف كل فاتورة صاحب عمل يخشى الخسارة، وخلف كل تأخير عامل لا يعرف إن كان راتبه سيصل كاملًا، وخلف كل زيادة في الأسعار أم تحاول أن توفر لأطفالها ما يحتاجون إليه.

عادت إلى المتجر وهي تحمل هذه الأفكار معها.

وجدت خالد يتحدث مع رجل في منتصف الأربعينات، يرتدي قميصًا رماديًا ويحمل ملفًا بلاستيكيًا. كان يبدو مرهقًا، وقد ترك على الطاولة ورقة مطوية.

حين انتهى الحديث، أشار خالد إلى الرجل وقال:

«هذا سامي، يعمل في المصنع الذي حدثتك عنه. جاء ليسأل عن بعض الأدوات التي يحتاج إليها في المنزل.»

صافحته سُهى، فرحب بها الرجل.

قال سامي:

«سمعت أنك تساعدين خالد في حسابات المتجر. يبدو أنك تعملين في المحاسبة.»

«لدي خبرة في تنظيم الحسابات، وأعمل حاليًا مع بعض المشاريع الصغيرة.»

جلس سامي على الكرسي، ثم قال بعد تردد:

«أنا لا أفهم كثيرًا في هذه الأمور، لكنني بدأت أفكر في عمل جانبي. إذا توقف المصنع، لا أعرف كيف سأغطي مصاريف البيت.»

سأله خالد:

«هل أكدوا لكم أن المصنع سيغلق؟»

هز سامي رأسه.

«لم يقولوا إنه سيغلق نهائيًا. لكنهم أخبرونا أن بعض الأقسام ستتوقف مؤقتًا، وأن هناك مراجعة للعقود. لا أحد يستطيع أن يعطينا جوابًا واضحًا.»

ساد الصمت قليلًا.

ثم تابع سامي:

«لدي بعض المهارات في إصلاح الأدوات والأجهزة المنزلية البسيطة. كنت أساعد أصدقائي وجيراني أحيانًا، لكنني لم أفكر يومًا في تحويل ذلك إلى عمل.»

قالت سُهى:

«قد يكون من المفيد أن تبدأ على نطاق صغير، دون أن تستثمر مبلغًا كبيرًا. يمكنك أن تحصر الأدوات التي تحتاج إليها، وتحدد أنواع الإصلاحات التي تستطيع القيام بها، ثم تبدأ من خلال المعارف والجيران.»

أخرج سامي ورقة من ملفه.

«كتبت بعض الأشياء التي أستطيع إصلاحها. لكنني لا أعرف كيف أحدد السعر، ولا كيف أعرف إن كنت سأربح أم أخسر.»

أخذت سُهى الورقة، وراجعتها.

«يمكننا أن نحسب تكلفة المواد ووقت العمل والتنقل، ثم نحدد سعرًا مناسبًا. والأهم ألا تشتري أدوات كثيرة قبل أن تعرف إن كان هناك طلب على خدماتك.»

بدا الرجل أكثر اهتمامًا.

«هل يمكن أن تساعديني في إعداد حسابات بسيطة للمشروع؟»

أجابت سُهى:

«نعم. يمكننا أن نبدأ بجلسة واحدة، ونضع خطة صغيرة تناسب إمكاناتك.»

شكرها سامي، وترك لها رقم هاتفه قبل أن يغادر.

بعد خروجه، قال خالد:

«يبدو أن الأزمة ستجعل كثيرين يبحثون عن مصادر دخل إضافية.»

نظرت سُهى إلى الورقة التي بقيت أمامها.

«نعم. لكن لا ينبغي أن نعدهم بأن المشاريع الصغيرة ستحل كل مشكلاتهم. ما نستطيع فعله هو مساعدتهم على البدء بحذر، وفهم التكاليف قبل أن يخاطروا بما يملكون.»

أومأ خالد موافقًا.

ولم تكن سُهى تدرك بعد أن الحديث القصير مع سامي سيجعلها تعيد التفكير في طبيعة العمل الذي بدأت تبنيه، وفي الدور الذي يمكن أن تؤديه خبرتها خارج حدود الدفاتر والمتاجر.

في البيت، كانت مريم تجلس إلى الطاولة وتراجع واجباتها المدرسية، بينما كانت جدتها تطوي بعض الملابس.

دخلت سُهى وهي تحمل كيس المشتريات، فرفعت مريم رأسها وسألت:

«هل اشتريتِ الأوراق الملونة التي طلبتها؟»

أخرجت سُهى الكيس وناولتها الأوراق.

«نعم، لكنني اشتريت حزمة واحدة فقط. سنرى إن كنت تحتاجين إلى المزيد لاحقًا.»

تأملت مريم الأوراق، ثم ابتسمت.

«تكفيني هذه الحزمة. أريد أن أستخدم الألوان التي لديّ أولًا.»

لاحظت سُهى أن ابنتها لم تعد تطلب الأشياء بالطريقة نفسها التي كانت تفعلها في السابق. لم تعد كل رغبة تتحول إلى إصرار، ولم تعد كل إجابة مؤجلة تعني خيبة أمل.

جلست بجانبها وسألتها:

«كيف كان يومك في المدرسة؟»

«جيدًا. أخبرتنا المعلمة أننا سنعرض رسوماتنا في نهاية الشهر، وقد اختارت رسمي ليكون ضمن الأعمال التي ستوضع قرب المدخل.»

ابتسمت سُهى.

«هذا رائع يا مريم! أنا فخورة بك.»

لكن ابتسامة مريم خفتت قليلًا.

«هناك شيء آخر.»

انتظرت سُهى.

«سمعت بعض الأطفال يتحدثون عن المصنع. قال أحدهم إن أباه قد يفقد عمله، وإنهم ربما يضطرون إلى الانتقال إلى مدينة أخرى.»

شعرت سُهى بالقلق.

«وهل تعرفين هذا الطفل؟»

«نعم، إنه في صفي. كان حزينًا اليوم، ولم يشاركنا اللعب في الاستراحة.»

فكرت سُهى قليلًا قبل أن تجيب.

«أحيانًا تحدث مشكلات في عمل الكبار، وتؤثر في العائلات. لكننا لا نعرف بعد ماذا سيحدث لعائلته، ولا ينبغي أن نفترض الأسوأ قبل أن نعرف الحقيقة.»

قالت مريم:

«هل يمكن أن يحدث لنا شيء كهذا؟»

كان السؤال مباشرًا، ولم ترغب سُهى في أن تجيب عنه بوعد لا تستطيع ضمانه.

«قد نواجه صعوبات، نعم. وقد نضطر أحيانًا إلى تغيير بعض الخطط. لكنني أعمل على تنظيم أمورنا، وسأخبرك إذا حدث شيء يؤثر في حياتنا.»

نظرت مريم إلى دفترها.

«أحيانًا أتمنى لو أن الكبار يستطيعون معرفة ما سيحدث قبل أن يحدث.»

ابتسمت سُهى بحنان.

«وأنا أيضًا. لكننا لا نستطيع معرفة كل شيء. ما نستطيع فعله هو أن نستعد قدر الإمكان، وأن نطلب المساعدة عندما نحتاج إليها.»

فكرت مريم، ثم قالت:

«إذن سأرسم طفلًا يمسك مصباحًا في طريق مظلم.»

سألتها سُهى:

«ولماذا مصباح؟»

«لأنه لا يستطيع أن يجعل الطريق مضيئًا كله، لكنه يستطيع أن يرى الخطوة التي أمامه.»

لم تستطع سُهى إخفاء تأثرها.

مدت يدها وربتت على شعر ابنتها.

«هذه فكرة جميلة جدًا.»

عادت مريم إلى واجباتها، بينما بقيت سُهى تنظر إليها بصمت. كانت تخشى أن تسرق الهموم من طفلتها خفتها، لكنها أدركت أن حماية مريم لا تعني إبعادها عن كل حقيقة، بل مساعدتها على فهم ما يحدث بقدر يناسب عمرها، دون تحميلها مسؤوليات لا تخصها.

في اليوم التالي، تلقت سُهى اتصالًا من ليلى.

قالت المعلمة بحماس:

«أريد أن أتحدث معك عن فكرة قد تعجبك.»

كانت سُهى في طريقها إلى المتجر، فتوقفت عند زاوية هادئة لتستمع إليها.

أوضحت ليلى أن المركز الثقافي يفكر في تنظيم يوم مفتوح لعرض أعمال الأطفال وبعض المنتجات التي تصنعها النساء في المدينة. الهدف هو تشجيع المواهب المحلية، وإتاحة فرصة لأصحاب المشاريع الصغيرة للتعريف بمنتجاتهم.

قالت ليلى:

«أفكر في دعوة نجلاء للمشاركة بمنتجاتها، وربما بعض النساء الأخريات. كما يمكننا أن نخصص ركنًا بسيطًا للأطفال لعرض رسوماتهم.»

أعجبت سُهى بالفكرة.

«هذا قد يساعد نجلاء على الوصول إلى زبائن جدد، خاصة إذا استطعنا تنظيم عرض المنتجات بطريقة واضحة.»

«هذا ما كنت أتمناه. لكن المركز لا يملك ميزانية كبيرة، ونحن بحاجة إلى شخص يساعدنا في تنظيم المصاريف والتواصل مع المشاركين.»

صمتت سُهى لحظة.

«يمكنني مساعدتكم في إعداد ميزانية بسيطة وتحديد التكاليف الأساسية. أما العمل الميداني، فعلينا أن نوزعه بين المتطوعين حتى لا يتحمل شخص واحد كل شيء.»

ضحكت ليلى.

«كنت أعرف أنك ستقولين ذلك. منذ سنوات وأنت تحاولين تنظيم كل شيء بنفسك.»

ابتسمت سُهى.

«ربما بدأت أتعلم أن التنظيم لا يعني أن أقوم بكل شيء وحدي.»

اتفقتا على اللقاء في المركز مساء اليوم التالي.

حين أنهت المكالمة، شعرت سُهى بشيء من الحماس. لم تكن الفكرة ستمنحها دخلًا مباشرًا بالضرورة، لكنها قد تساعدها على توسيع شبكة علاقاتها المهنية، وتمنح المشاريع الصغيرة فرصة جديدة في وقت بدأت فيه الأسواق تضيق.

والأهم أنها رأت إمكانية للجمع بين ما تجيده وما تحبه: تنظيم الأعمال، ودعم النساء اللواتي يحاولن بناء مصادر دخل مستقلة، والمشاركة في نشاط يفتح أمام الأطفال مساحة للتعبير عن أنفسهم.

في المساء، ذهبت سُهى إلى المركز الثقافي.

وجدت ليلى في قاعة واسعة تتوسطها طاولات خشبية، وعلى الجدران لوحات قديمة وأعمال فنية لأطفال شاركوا في أنشطة سابقة.

كانت هناك ثلاث نساء ينتظرن الاجتماع، من بينهن نجلاء، التي بدت سعيدة حين رأت سُهى.

قالت نجلاء:

«سمعت أنك ستساعديننا في تنظيم اليوم المفتوح. أظن أنني سأحتاج إلى نصائحك بشأن الأسعار وطريقة عرض المنتجات.»

أجابت سُهى:

«سنراجع كل شيء، لكن لا أريدك أن تصنعي كميات كبيرة قبل أن نعرف عدد الزوار وطبيعة الطلب.»

جلست المجموعة حول الطاولة، وبدأت ليلى تشرح الفكرة.

كان اليوم المفتوح سيشمل ركنًا لعرض المنتجات اليدوية، وركنًا للأطفال لعرض الرسومات، وطاولة صغيرة لتبادل الكتب، إضافة إلى ورشة قصيرة لتعليم الأطفال بعض التقنيات الفنية البسيطة.

استمعت سُهى إلى الاقتراحات، ثم كتبت قائمة بالمصاريف المتوقعة: أدوات العرض، والمواد اللازمة للورشة، واللافتات، وبعض المستلزمات البسيطة.

قالت إحدى المشاركات:

«إذا كانت المصاريف كثيرة، ربما علينا إلغاء الفكرة.»

أجابت سُهى:

«ليس بالضرورة. يمكننا أن نبدأ بما نحتاج إليه فعلًا، وأن نستفيد من الطاولات والأدوات الموجودة في المركز. لا نحتاج إلى إنفاق المال على ديكور جديد إذا كان بإمكاننا ترتيب المكان بطريقة جميلة باستخدام ما لدينا.»

اقترحت ليلى أن تتولى مجموعة من المتطوعين إعداد اللافتات يدويًا، وأن تحضر كل مشاركة المواد التي تحتاج إليها لعرض منتجاتها، بدلًا من تحميل المركز كل النفقات.

وبعد نقاش استمر أكثر من ساعة، أصبحت الخطة أكثر وضوحًا.

قبل أن ينتهي الاجتماع، قالت نجلاء:

«أريد أن أشكرك يا سُهى. منذ بدأت هذا المشروع، كنت أشعر أنني أعمل وحدي. كلما واجهت مشكلة، ظننت أن الحل الوحيد هو أن أعمل ساعات أطول.»

نظرت سُهى إليها باهتمام.

«العمل الجاد مهم، لكنه لا يكفي وحده. أحيانًا نحتاج إلى أن نغير الطريقة التي نعمل بها، أو أن نطلب المساعدة من أشخاص يستطيعون تقديم شيء لا نعرفه.»

قالت ليلى:

«وهذا ما نريد أن يقدمه اليوم المفتوح. ليس مجرد بيع منتجات، بل فرصة ليتعرف الناس إلى بعضهم، ويتبادلوا الخبرات.»

خرجت سُهى من المركز وهي تشعر بطاقة مختلفة. لم تكن كل مشكلاتها قد حُلّت، ولم يتغير وضعها المالي فجأة، لكن يومها لم يكن محصورًا في محاولة تجنب الخسارة.

لقد شاركت في بناء شيء جديد، صغير لكنه حقيقي.

في صباح الأربعاء، وصلت إلى متجر خالد فوجدته يتحدث عبر الهاتف بنبرة متوترة.

كان يحاول إقناع أحد الموردين بتأجيل موعد الدفع لبضعة أيام، لكن الرجل على الطرف الآخر بدا متمسكًا بشروطه.

أنهى خالد المكالمة، ووضع الهاتف على الطاولة بعنف خفيف.

«يرفض التأجيل. يريد المبلغ كاملًا قبل نهاية الأسبوع.»

جلست سُهى أمامه.

«هل تستطيع دفعه دون أن تتأثر قدرتك على شراء البضائع الأساسية؟»

هز رأسه.

«إذا دفعت المبلغ كاملًا، فلن يبقى معي ما يكفي لشراء بعض المنتجات التي أحتاج إليها.»

أخذت سُهى دفتر الحسابات وراجعت الأرقام مرة أخرى. كان هناك مبلغ ينتظر خالد تحصيله من عدد من الزبائن، لكنه لا يستطيع الاعتماد عليه كله في الوقت المحدد.

قالت:

«أعتقد أن علينا الاتصال بالمورد مرة أخرى، وتقديم خطة دفع محددة. إذا دفعت جزءًا الآن وحددت موعدًا واضحًا للباقي، فقد يقبل.»

أجاب خالد:

«لقد حاولت.»

«إذن دعنا نراجع ما يمكننا عرضه عليه. هل هناك بضائع لم تُبع بعد ويمكن إرجاع بعضها وفق الاتفاق؟ وهل لديك طلبات يمكن تأجيلها دون خسارة كبيرة؟»

بدأا مراجعة الخيارات. لم يكن الحل مضمونًا، لكنهما استطاعا تحديد مبلغ يمكن دفعه فورًا، ومبلغ آخر يمكن توفيره إذا سدد بعض الزبائن ديونهم.

اتصل خالد بالمورد مجددًا، وشرح له الوضع، وعرض عليه خطة سداد مكتوبة.

هذه المرة، وافق المورد على منحه مهلة قصيرة، بشرط الالتزام بالدفعة الأولى في موعدها.

حين أغلق خالد الهاتف، أطلق زفرة طويلة.

«لقد اشترينا بعض الوقت، لا أكثر.»

أجابت سُهى:

«وهذا ما نحتاج إليه الآن. الوقت لن يحل المشكلة وحده، لكنه يمنحنا فرصة للعمل بدلًا من اتخاذ قرارات متسرعة.»

نظر إليها خالد بامتنان.

«لولا تنظيمك للحسابات، لكنت تصرفت بطريقة مختلفة تمامًا.»

ابتسمت سُهى.

«أنا أساعدك على رؤية الخيارات، لكن القرار يبقى قرارك.»

ساد بينهما صمت قصير، ثم قال خالد:

«هل حسمتِ أمر الوظيفة في العاصمة؟»

توقفت سُهى عن الكتابة.

«ليس بعد. أمامي بضعة أيام فقط.»

«وهل ما زلتِ تفكرين في قبولها؟»

«بالطبع. الوضع هنا أصبح أقل استقرارًا مما توقعت، وهذا يجعلني أميل إلى الوظيفة أكثر. لكنني لا أريد أن أقبل قبل أن أرتب أمور مريم.»

أومأ خالد.

«أتفهم ذلك. وأريدك أن تعرفي أنني لن ألومك إذا قررتِ الرحيل. أنتِ تساعدينني، لكن حياتك ليست مسؤوليتي، وحياتي ليست مسؤوليتك.»

تأملت سُهى كلماته.

كان هذا النوع من الصراحة يريحها. لم يكن يطلب منها أن تضحي بفرصتها من أجل متجره، ولم يحاول أن يجعل شعورها بالامتنان له قيدًا يمنعها من الرحيل.

قالت:

«أشكرك على تفهمك. سأخبرك بقراري بمجرد أن أحسمه.»

ثم عادت إلى الحسابات، لكن عقلها ظل منشغلًا بالسؤال الذي يرافقها منذ أيام.

هل ينبغي لها أن تختار الطريق الأكثر وضوحًا، حتى لو تطلب منها تغيير حياتها من جديد؟ أم تمنح عملها المحلي فرصة أخرى، مع أنها لا تستطيع ضمان استمراره في ظل الظروف الجديدة؟

لم تكن تعرف بعد.

لكنها بدأت تدرك أن القرار لن يصبح سهلًا لمجرد أنها تؤجله.

في تلك الليلة، فتحت سُهى هاتفها وراجعت مصاريف الشهر مرة أخرى.

كتبت دخلها المتوقع، ثم خصمت منه النفقات الأساسية. أضافت ما قد تحصل عليه من متابعة حسابات خالد ونجلاء، لكنها لم تحتسب أي مبلغ غير مضمون.

بعد الحسابات، بقي لديها عجز صغير، لكنه كان كافيًا ليجعلها تفكر في كل مصروف مرتين.

أغلقت الهاتف، وشعرت بالإحباط يتسلل إليها.

دخلت مريم الغرفة، تحمل رسمًا جديدًا.

«أمي، أريد أن أريك شيئًا.»

رفعت سُهى رأسها وحاولت أن تبتسم.

«تفضلي.»

وضعت مريم الرسم أمامها. كان يمثل امرأة تجلس إلى طاولة، تحيط بها أوراق كثيرة، بينما تقف طفلة بجانبها تحمل مصباحًا صغيرًا.

في خلفية الرسم، كان هناك طريق مظلم، لكن المصباح أضاء جزءًا منه.

قالت مريم:

«هذا هو الرسم الذي أخبرتك عنه. المرأة لا تعرف ماذا سيحدث، لكنها تستطيع أن ترى الخطوة القادمة.»

تأملت سُهى الرسم، ثم نظرت إلى ابنتها.

«إنه جميل جدًا. هل ستعرضينه في المعرض؟»

أومأت مريم.

«نعم. أريد أن أسميه: ما تكشفه الخطوة الأولى.»

شعرت سُهى بأن عينيها امتلأتا بالدموع، لكنها ابتسمت حتى لا تقلق ابنتها.

«عنوان رائع.»

جلست مريم بجانبها.

«أمي، هل أنت خائفة من شيء؟»

أرادت سُهى أن تقول لا، أن تطمئنها كما اعتادت، لكنها قررت أن تكون صادقة.

«نعم، أنا خائفة من أن أتخذ قرارًا خاطئًا، ومن أن لا يكفينا المال، ومن أن تتغير حياتنا مرة أخرى قبل أن نعتاد عليها.»

استمعت مريم بجدية، ثم قالت:

«لكنّك لا تعرفين بعد إن كان القرار خاطئًا.»

ابتسمت سُهى.

«صحيح.»

«إذن لماذا تحزنين قبل أن تعرفي؟»

ضحكت سُهى بخفة، رغم دموعها.

«ربما لأن الكبار أحيانًا يفكرون كثيرًا فيما قد يحدث، وينسون أن يعيشوا ما يحدث الآن.»

وضعت مريم رأسها على كتف أمها.

«يمكنك أن تفكري في الغد، لكن لا تنسي أنني هنا اليوم.»

احتضنتها سُهى بقوة.

لم تكن تريد أن تجعل ابنتها مسؤولة عن طمأنتها، لكنها كانت ممتنة لتلك اللحظة البسيطة التي ذكّرتها بما تحاول حمايته وسط كل هذه الحسابات.

مريم لم تكن مجرد بند في قائمة المصاريف، ولا سببًا يجعلها ترفض كل فرصة جديدة. كانت طفلة تحتاج إلى الاستقرار، نعم، لكنها تحتاج أيضًا إلى أم لا تستهلكها المخاوف حتى تفقد قدرتها على الفرح.

في اليوم التالي، وصلتها رسالة جديدة من الشركة في العاصمة.

كانوا ينتظرون جوابها النهائي.

جلست سُهى إلى الطاولة قبل الذهاب إلى العمل، وفتحت دفترها على الصفحة التي كتبت فيها سؤالها قبل أيام: «ما الذي يمكنني السيطرة عليه؟»

قرأت القائمة ببطء.

يمكنها أن تطلب تفاصيل واضحة عن الوظيفة، وقد فعلت.

يمكنها أن تراجع مصاريفها، وقد فعلت.

يمكنها أن تواصل بناء عملها المحلي، لكنها لا تستطيع ضمان الظروف الاقتصادية.

ويمكنها أن تتحدث مع مريم بصراحة، وأن ترتب معها أي تغيير قد يحدث، لكنها لا تستطيع أن تمنع كل شعور بالحزن أو الخوف.

أما ما لا تستطيع السيطرة عليه، فهو قرار الشركة بشأن شروط العمل، أو مواعيد الموردين، أو ظروف السوق، أو ما سيحدث في الأسابيع المقبلة.

أخذت نفسًا عميقًا.

لم تعد تريد أن تختار الوظيفة بدافع الذعر، لكنها لم تعد تريد أيضًا أن ترفضها لمجرد أن التغيير يخيفها.

قررت أن تذهب إلى العاصمة مرة أخرى، وأن تطلب لقاءً قصيرًا مع مسؤول التوظيف قبل تأكيد قرارها، لتناقش معه إمكانية وجود ترتيبات عملية تساعدها على التوفيق بين العمل والتزاماتها العائلية.

لم تكن تتوقع أن يتغير كل شيء، لكنها أرادت أن تتخذ قرارها بعد أن تستنفد الخيارات الواقعية المتاحة أمامها.

كتبت ردًا مقتضبًا تؤكد فيه اهتمامها بالوظيفة وطلبها لقاءً أخيرًا لمناقشة بعض التفاصيل.

ثم أغلقت الهاتف.

كان ذلك قرارًا صغيرًا، لكنه مختلف عن قراراتها السابقة. لم تقبل ولم ترفض، ولم تختبئ خلف التردد. اختارت أن تتقدم خطوة أخرى نحو معرفة الحقيقة.

وقبل أن تغادر البيت، دخلت غرفة مريم.

كانت ابنتها لا تزال نائمة، ورسمها الجديد موضوعًا فوق مكتبها.

اقتربت سُهى من الورقة، وتأملت الضوء الذي رسمته الطفلة حول المصباح الصغير.

ثم همست:

«خطوة واحدة في كل مرة.»

خرجت من الغرفة، وأغلقت الباب برفق.

لم تكن تعرف أن الأسبوع المقبل سيحمل معها قرارًا مهمًا، وأن الأزمة التي بدأت في المصنع ستتجاوز حدود المتاجر لتصل إلى عائلات كثيرة في المدينة. ولم تكن تعرف أن مشروع اليوم المفتوح الذي تعمل عليه مع ليلى ونجلاء قد يفتح أمامها بابًا لم تتوقعه.

لكنها كانت تعرف أن الحياة لم تتوقف، وأن عليها أن تواصل السير، حتى لو لم تستطع رؤية الطريق كله.