NOVELFLEX

حين تضيق المساحات

حكاية بين يدي · بقلم @ma waraa.alhibr

لم يكن الصباح مختلفًا في ظاهره عن سائر الصباحات التي عرفتها سُهى منذ عودتها إلى المدينة.

استيقظت على صوت والدتها وهي تفتح نافذة المطبخ، وعلى خطوات مريم الصغيرة في الممر، وعلى رائحة القهوة التي بدأت تملأ البيت القديم. كان كل شيء يسير وفق إيقاع مألوف، حتى إنها كادت تنسى الرسالة التي وصلتها من الشركة في العاصمة، والقرار الذي ينتظرها قبل نهاية الأسبوع.

لكن الحياة لا تحتاج دائمًا إلى أحداث كبيرة كي تغيّر مسار يوم كامل. أحيانًا تكفي مكالمة واحدة، أو فاتورة غير متوقعة، أو خبر يصل متأخرًا ليكشف أن الاستقرار الذي نحاول بناءه ما زال هشًّا.

جلست سُهى إلى الطاولة، وفتحت الرسالة التي أرسلتها الشركة مساء أمس. راجعت الراتب وساعات العمل وتاريخ بداية الوظيفة، ثم كتبت على ورقة منفصلة قائمة بالمصاريف الشهرية: الطعام، ومصاريف المدرسة، والمساهمة في فواتير البيت، والتنقل، وبعض الاحتياجات التي لم تعد تستطيع تأجيلها.

حسبت المبالغ مرة، ثم أعادت حسابها.

كان الفرق واضحًا. الوظيفة في العاصمة ستمنحها دخلًا أفضل بكثير، أما العمل الذي بدأته في المدينة فما زال يحتاج إلى وقت حتى يصبح مصدر رزق يمكن الاعتماد عليه وحده.

وضعت القلم جانبًا، وشعرت بوخزة من القلق.

دخلت أمها المطبخ، وجلست قبالتها.

«هل وصلت إلى قرارك؟»

أجابت سُهى دون أن ترفع رأسها:

«وصلت إلى أنني لا أستطيع تجاهل العرض. الأرقام واضحة، يا أمي. مهما حاولت تنظيم عملي هنا، فلن أستطيع الوصول إلى راتب ثابت في وقت قصير.»

قالت أمها بهدوء:

«وهل يعني ذلك أنك ستقبلين؟»

«يعني أن عليّ أن أبحث عن حل لبقية الأمور. ربما أستطيع أن أجد طريقة لترتيب حياة مريم، وربما أحتاج إلى بعض الوقت قبل الانتقال.»

صمتت الأم قليلًا، ثم قالت:

«لا أريدك أن تبقي هنا فقط لأنك تخافين من التغيير، كما لا أريدك أن ترحلي لأنك تخافين من الفقر. حاولي أن تفرقي بين الأمرين.»

رفعت سُهى عينيها.

«وكيف أفعل ذلك؟ أحيانًا أشعر أن كل قرار أتخذه سيؤذي أحدًا. إن بقيت، أخشى أن أعجز عن توفير ما تحتاج إليه مريم. وإن رحلت، أخشى أن أقتلعها من جديد من المكان الذي بدأت تتأقلم فيه.»

مدت أمها يدها وأمسكت يدها.

«أنت لا تستطيعين منع كل ألم عن ابنتك، يا سُهى. لكنك تستطيعين ألا تتركيها وحدها في مواجهته. اشرحي لها ما يحدث، واستمعي إليها، ثم اتخذي القرار الذي ترينه أصلح. لا تجعليها مسؤولة عن الاختيار، ولا تتعاملي معها كأنها لا تفهم شيئًا.»

شعرت سُهى أن كلمات أمها لامست موضعًا حساسًا في داخلها.

كانت تريد حماية مريم إلى درجة أنها بدأت تخشى أن تتخذ أي قرار قد يزعجها، وكأن الأمومة تعني أن تعيش الأم حياة خالية من الأخطاء والتردد. لكنها كانت تعرف في أعماقها أن ذلك مستحيل.

قالت أخيرًا:

«سأطلب منهم مهلة قصيرة قبل إعطاء الجواب النهائي.»

ابتسمت أمها.

«هذه بداية جيدة.»

في متجر خالد، كانت الحركة أقل من المعتاد.

لاحظت سُهى ذلك فور دخولها. لم يكن هناك سوى زبون واحد يتفحص بعض الأدوات المنزلية، بينما كان خالد يقف خلف المنضدة ويقلب هاتفه بين يديه.

وضع الهاتف جانبًا حين رآها.

«صباح الخير. أحتاج إلى التحدث معك بشأن أمر مقلق.»

توقفت سُهى عن إخراج دفتر الحسابات من حقيبتها.

«ماذا حدث؟»

أشار إلى الكرسي المقابل.

«اتصل بي موردان هذا الصباح. أحدهما يريد تسديد مستحقاته قبل الموعد الذي اتفقنا عليه، والآخر أخبرني أن شحنة البضائع التي طلبتها ستتأخر.»

جلست سُهى.

«هل أعطاك سببًا واضحًا؟»

«قال إن شركته تواجه صعوبات في التوريد، وإن الأسعار قد تتغير إذا تأخر وصول البضائع. لم أكن أظن أن الأمر سيصل إلى هذا الحد.»

فتحت دفتر الحسابات.

«لنبدأ بما نعرفه. كم لديك من مستحقات قريبة؟ وكم من المال تستطيع توفيره حاليًا؟»

أخرج خالد أوراقه، وبدأ يشرح لها الوضع. كان قد اشترى كمية من البضائع اعتمادًا على مبيعات متوقعة، لكنه لم يتمكن من تحصيل بعض الديون من الزبائن في الوقت المناسب. والآن، مع تأخر الشحنة وارتفاع تكلفة بعض المنتجات، أصبح مضطرًا إلى إعادة النظر في خطته.

راجعت سُهى الأرقام، ثم قالت:

«أعتقد أن علينا إيقاف البيع بالدين مؤقتًا، على الأقل للزبائن الذين لم يسددوا المبالغ القديمة.»

اعترض خالد:

«لكن بعضهم زبائن قدامى، وإذا رفضت البيع لهم فقد يذهبون إلى متجر آخر.»

«أفهم ذلك. لكنك لا تستطيع شراء البضائع بمال لا تملكه، ثم تنتظر أشهرًا حتى تسترده. يمكنك أن تمنحهم مهلة للسداد، أو تقبل دفعات صغيرة، لكن لا ينبغي أن تواصل زيادة الديون دون خطة.»

مرر خالد يده على ذقنه.

«أخشى أن أخسر زبائني.»

أجابته سُهى:

«وأنا أخشى أن تخسر قدرتك على الاستمرار في العمل. هناك فرق بين المحافظة على الزبون والمحافظة على عادة تضر بمشروعك.»

ظل صامتًا لحظات، ثم تنهد.

«حسنًا. لنمنح أنفسنا شهرًا واحدًا نجرب فيه نظامًا جديدًا.»

بدأت سُهى تعد قائمة بالزبائن الذين لديهم مستحقات، وحددت مع خالد المبالغ التي يمكن تحصيلها أولًا، ثم رتبت الفواتير حسب مواعيد الدفع وأهمية البضائع التي يحتاج إليها المتجر.

كان العمل يحتاج إلى وقت أطول مما توقعت، لكنها لم تتذمر. لقد بدأت تفهم أن مهارتها في تنظيم الحسابات لا تكمن في جمع الأرقام فحسب، بل في مساعدة الناس على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا قبل أن تتحول المشكلات الصغيرة إلى أزمات كبيرة.

ومع اقتراب الظهيرة، دخل رجل يحمل ملفًا بنيًّا، وطلب التحدث إلى خالد بشأن فاتورة قديمة.

استقبله خالد بوجه متوتر، لكن سُهى اقترحت أن يراجعوا الفاتورة معًا. وبعد نقاش قصير، اتضح أن جزءًا من المبلغ قد سُدد بالفعل، لكنه لم يُسجل في الدفتر.

غادر الرجل بعد أن اتفقوا على موعد واضح لتسديد الباقي.

نظر خالد إلى سُهى وقال:

«لو لم نراجع الأوراق، لكنت دفعت مبلغًا لا أستحق دفعه.»

أغلقت الدفتر.

«لهذا السبب لا ينبغي أن نعتمد على الذاكرة وحدها.»

ثم ابتسمت وأضافت:

«ولا ينبغي أن ننتظر حتى يصبح كل شيء مستعجلًا.»

ضحك خالد، لكن ضحكته لم تخفِ القلق الذي ظل حاضرًا في عينيه.

في الأيام التالية، بدأت آثار الأزمة تظهر في أماكن أخرى من المدينة.

تحدث أصحاب المتاجر عن ارتفاع أسعار بعض المواد، وتأخر وصول الشحنات، وتراجع قدرة الزبائن على الشراء. وفي السوق، أصبحت النساء يتنقلن بين المحال بحثًا عن الأسعار الأقل، ويشترين ما يحتجنه فقط بدلًا من اقتناء أشياء إضافية كما كن يفعلن من قبل.

أما نجلاء، صاحبة المشروع اليدوي، فقد جاءت إلى سُهى في موعدهما الأسبوعي وهي تحمل دفترًا صغيرًا.

قالت قبل أن تجلس:

«أخشى أن أضطر إلى التوقف عن العمل.»

رفعت سُهى رأسها.

«لماذا؟ هل تراجعت المبيعات؟»

«بعض الزبائن أجلوا طلباتهم، والمواد التي أستخدمها أصبحت أغلى. إذا رفعت الأسعار، فقد أخسر الزبائن، وإذا أبقيتها كما هي، فلن أربح شيئًا تقريبًا.»

فتحت سُهى دفترها.

«دعينا نراجع الأمر بهدوء قبل أن نتخذ قرارًا.»

بدأتا بمراجعة تكلفة كل منتج. كان بعض ما تصنعه نجلاء يحتاج إلى وقت طويل، في حين كانت تبيعه بسعر لا يعكس الجهد المبذول فيه. كما أنها كانت تشتري مواد بكميات صغيرة، ما يجعل تكلفة القطعة الواحدة أعلى.

اقترحت سُهى أن تركز مؤقتًا على المنتجات التي تحقق أفضل هامش ربح، وأن تقلل عدد القطع التي تصنعها حسب الطلب دون عربون. كما نصحتها بتحديد أسعار جديدة لبعض المنتجات، مع توضيح أن الزيادة مرتبطة بتكلفة المواد.

قالت نجلاء بقلق:

«أخشى أن يقول الناس إنني أصبحت أطلب الكثير مقابل أشياء صغيرة.»

أجابتها سُهى:

«من حق الزبون أن يعرف السعر قبل أن يشتري، ومن حقك أيضًا ألا تعملي بخسارة. إذا كان السعر لا يناسب بعض الناس، يمكنك تقديم منتجات أبسط وأقل تكلفة. لكن لا تجعلي خوفك من اعتراض الآخرين يدفعك إلى خسارة مالك.»

نظرت نجلاء إلى الأرقام.

«لم أفكر من قبل في تقسيم المنتجات بهذه الطريقة.»

«ليس عليك أن تصنعي كل شيء للجميع. ابدئي بما تتقنينه ويحقق لك ربحًا معقولًا، ثم وسعي مشروعك عندما تتحسن الظروف.»

بدت نجلاء أكثر هدوءًا.

قبل أن تغادر، قالت:

«أتعلمين؟ عندما بدأت هذا المشروع، كنت أظن أن أصعب شيء هو أن أتعلم صنع المنتجات. لم أتخيل أن الحسابات ستأخذ كل هذا الوقت.»

ابتسمت سُهى.

«كل مشروع له جانبان: ما نصنعه بأيدينا، وما نحتاج إلى فهمه حتى نستطيع الاستمرار في صنعه.»

بعد مغادرة نجلاء، كتبت سُهى ملاحظة في دفترها: أحتاج إلى إعداد خدمة واضحة لأصحاب المشاريع الصغيرة، تتضمن متابعة الحسابات والتكاليف والتسعير، بمقابل يناسب حجم كل مشروع.

كانت الفكرة لا تزال في بدايتها، لكنها رأت فيها فرصة لتوسيع عملها المحلي. لم تعد تنتظر أن يأتيها كل زبون مصادفة؛ بدأت تفكر في كيفية تحويل خبرتها إلى خدمة منظمة تستطيع تقديمها لعدد أكبر من الناس.

في المدرسة، كانت مريم تستعد للمشاركة في المعرض الفني الصغير الذي ستنظمه ليلى في نهاية الشهر.

خصصت معظم أوقات الفراغ لرسم المرأة التي تقف أمام بابين، لكنها لم تكن راضية عن النتيجة. في كل مرة، كانت تغير لون أحد البابين أو تعيد رسم الطريق الممتد خلفه.

لاحظت ليلى انشغالها، فسألتها أثناء الورشة:

«لماذا تعيدين رسم اللوحة نفسها كل مرة؟»

أجابت مريم:

«لأنني لا أعرف أي باب يجب أن ألوّن أولًا.»

جلست ليلى بجانبها.

«هل تعتقدين أن عليك أن تختاري بابًا واحدًا؟»

فكرت مريم قليلًا.

«إذا لم تختر المرأة بابًا، فلن تستطيع الدخول.»

«صحيح. لكنها تستطيع أن تنظر إلى البابين قبل أن تقرر. ويمكنها أيضًا أن تعرف ما الذي تحتاج إليه قبل أن تفتحهما.»

نظرت مريم إلى المعلمة.

«وماذا لو لم يكن أي باب مناسبًا؟»

ابتسمت ليلى.

«عندها يمكنها أن تبحث عن باب ثالث، أو أن تصنع طريقًا آخر. ليس كل ما نرسمه يجب أن يكون له جواب واحد.»

ظلت مريم صامتة، ثم نظرت إلى اللوحة من جديد.

لأول مرة، شعرت أن بإمكانها تغيير الفكرة بدلًا من إجبارها على الوصول إلى نهاية محددة. أضافت إلى اللوحة طريقًا ضيقًا يمر بين البابين، ويقود إلى نافذة مفتوحة في جدار منخفض.

حين انتهت، وقفت أمام الرسم تتأمله.

سألتها ليلى:

«ماذا يمثل هذا الطريق؟»

قالت مريم:

«ربما تستطيع المرأة أن تجد مكانًا آخر لم تكن تعرفه.»

لم تطلب ليلى منها أن تشرح أكثر. كانت تعرف أن الأطفال أحيانًا يقولون بالرسم ما لا يستطيعون قوله بالكلمات، وأن أفضل ما يمكن للبالغين فعله هو منحهم المساحة كي يكتشفوا معانيهم بأنفسهم.

في طريق العودة إلى البيت، أخبرت مريم أمها بما حدث في الورشة.

قالت سُهى وهي تستمع إليها:

«أعجبتني فكرة الطريق الثالث.»

«وأنا أيضًا. لأنني لا أحب أن يكون عليّ الاختيار بين شيئين فقط.»

ابتسمت سُهى، لكنها شعرت بشيء من المرارة. كانت ابنتها تتحدث عن الرسم، بينما كانت هي تحاول في حياتها الحقيقية أن تجد طريقًا ثالثًا بين البقاء والرحيل، بين الأمان المالي والوقت الذي تحتاج إليه أسرتها.

ربما لم تكن الحلول جاهزة، لكنها بدأت تفهم أن البحث عنها ليس ضعفًا.

في مساء يوم الخميس، وصلتها رسالة من الشركة في العاصمة تسألها عن قرارها النهائي.

قرأت الرسالة أكثر من مرة، ثم وضعت الهاتف جانبًا.

كانت قد طلبت مهلة قصيرة، ولم يعد من الممكن تأجيل الرد طويلًا. فتحت دفتر الحسابات الشخصي، وراجعت دخلها المتوقع من متجر خالد ومشروع نجلاء. حتى لو حصلت على عميلين جديدين خلال الشهر المقبل، فإن المبلغ لن يكون مضمونًا، وقد تتغير الظروف في أي لحظة.

أما الوظيفة، فراتبها ثابت نسبيًا، لكنه سيجبرها على إعادة ترتيب حياة مريم، وربما على تحمل نفقات إضافية إن اضطرت إلى الانتقال أو الاستعانة بمن يساعدها في رعاية ابنتها.

دخلت أمها الغرفة، فوجدتها غارقة في الحسابات.

«ما زلت تفكرين في الأمر؟»

أجابت سُهى:

«أشعر أنني أدور في حلقة. كلما وجدت سببًا للقبول، وجدت سببًا للتردد.»

جلست أمها قربها.

«هل سألتِ الشركة عن كل ما تحتاجين إلى معرفته؟»

«سألت عن الراتب وساعات العمل والإجازات. لكنني لم أعرف إن كان بإمكانهم منحني مهلة أطول قبل البدء.»

«إذن اتصلي بهم واسألي. لا تفترضي أنهم سيرفضون قبل أن تسمعي جوابهم.»

نظرت سُهى إلى الهاتف.

كانت تخشى أن يبدو طلبها دليلًا على عدم الجدية، لكنها أدركت أن الصمت لن يغير شيئًا.

اتصلت بالشركة، وطلبت التحدث إلى مسؤول التوظيف. شرحت له أنها مهتمة بالعرض، لكنها تحتاج إلى وقت إضافي لترتيب التزاماتها العائلية، وسألته إن كان من الممكن تأجيل بداية العمل بضعة أسابيع.

استمع إليها الرجل، ثم أجاب:

«أتفهم وضعك، لكن لدينا حاجة فعلية إلى شغل المنصب قريبًا. يمكننا منحك أسبوعًا إضافيًا لتأكيد قرارك، أما تاريخ البداية فسيظل كما هو في الوقت الحالي.»

شكرت سُهى الرجل، وأنهت المكالمة.

لم تحصل على ما كانت تتمناه، لكنها حصلت على شيء آخر: وضوح أكبر. لم يعد أمامها أن تتخيل احتمال وجود مرونة غير مؤكدة. أصبح عليها أن تقرر بناءً على الشروط الحقيقية للوظيفة.

جلست أمها بجانبها.

«ماذا قالوا؟»

«منحوني أسبوعًا إضافيًا، لكنهم لن يؤجلوا بداية العمل.»

أومأت أمها.

«على الأقل أصبحت الصورة أوضح.»

تنهدت سُهى.

«نعم. لكنني لا أعرف إن كان ذلك يجعل القرار أسهل.»

«ليس بالضرورة. أحيانًا يجعل القرار أصعب، لأننا نتوقف عن الاختباء خلف الاحتمالات.»

لم تجد سُهى ما تقوله.

في تلك الليلة، لم تكتب في دفترها أي خطة جديدة. تركت الصفحة فارغة، وسمحت لنفسها بأن تكون متعبة دون أن تضطر إلى تحويل التعب إلى قرار فوري.

في صباح السبت، جاء خالد إلى البيت القديم بنفسه.

كان يحمل ملفًا من الأوراق، وبدا عليه أنه قطع الطريق على عجل.

استقبلته أم سُهى، ثم نادت ابنتها.

جلس خالد في غرفة الجلوس، ووضع الملف على الطاولة.

«أعتذر عن المجيء دون موعد، لكنني أردت أن أتحدث معك بشأن أمر لا يمكنني تأجيله.»

جلست سُهى قبالته.

«هل حدث شيء جديد في المتجر؟»

أومأ.

«تلقيت خبرًا من أحد الموردين. هناك مصنع كبير في المنطقة يمر بصعوبات مالية، وقد يؤثر توقف بعض خطوط إنتاجه في توريد عدد من السلع التي نعتمد عليها. لا نعرف بعد حجم التأثير، لكن بعض التجار بدأوا يقلقون.»

تغيرت ملامح سُهى.

«هل يشمل ذلك البضائع التي طلبتها؟»

«بعضها، نعم. لم يؤكدوا إلغاء الشحنات، لكنهم لا يستطيعون ضمان موعد وصولها أو أسعارها.»

فتحت الملف وبدأت تراجع القائمة التي أعدها خالد

كان الأمر أكبر من فاتورة متأخرة أو زبون لم يسدد دينه. إذا استمر التأخير، فقد يضطر خالد إلى شراء بعض البضائع من موردين آخرين بأسعار أعلى، أو إلى الاعتذار من زبائن ينتظرون طلباتهم.

قالت سُهى:

«علينا أن نتعامل مع الأمر على أنه احتمال جدي، لكن لا ينبغي أن نتصرف وكأن المصنع أغلق بالفعل. لنقسم البضائع إلى ما نستطيع توفير بديل له، وما يمكن تأجيل بيعه، وما يعتمد وصوله على هذا المورد وحده.»

أومأ خالد.

«كنت أعرف أنك ستفكرين بهذه الطريقة.»

ثم نظر إليها بشيء من الحرج.

«لكنني أريد أن أكون صريحًا معك. إذا تراجعت المبيعات أو تأخرت البضائع، فقد أضطر إلى تقليل بعض المصاريف، بما فيها ساعات العمل الإضافية.»

فهمت سُهى ما يعنيه كلامه. لم يكن يهددها، بل يحاول أن يخبرها بالحقيقة قبل أن تتفاقم المشكلة.

قالت:

«أقدّر صراحتك. علينا أن نحمي المتجر أولًا، لكنني أحتاج أيضًا إلى أن أعرف ما يمكنني الاعتماد عليه من دخل خلال الشهر المقبل.»

أجابها:

«سأدفع لك الأجر المتفق عليه مقابل متابعة الحسابات ما دمت أستطيع ذلك، وسأخبرك فورًا إذا تغير الوضع. لا أريدك أن تبني قراراتك على وعود لا أستطيع ضمانها.»

شعرت سُهى بالامتنان، رغم أن الحديث لم يمنحها أي طمأنينة.

بعد أن غادر خالد، بقيت جالسة قرب النافذة.

كانت قد أمضت أسابيع تحاول بناء حياة أكثر استقرارًا. بدأت عملًا جديدًا، وساعدت نجلاء على تنظيم مشروعها، وبدأت ترى أن خبرتها يمكن أن تمنحها استقلالًا مهنيًا. والآن، ظهر احتمال أن تتأثر تلك المشاريع بأزمة لا تملك السيطرة عليها.

لم يكن العمل المحلي قد فشل، لكنه لم يصبح آمنًا بعد.

ولم تكن الوظيفة في العاصمة خالية من المخاطر، لكنها كانت توفر دخلًا أكثر وضوحًا.

للمرة الأولى، لم تعد المقارنة بين خيارين نظريين. لقد أصبحت مرتبطة بأشخاص حقيقيين، وأموال محدودة، وقرارات يجب اتخاذها في وقت قصير.

في المساء، جلست سُهى مع مريم في الفناء الصغير خلف البيت.

كانت مريم تلوّن أوراقًا صغيرة ستستخدمها في تزيين ركنها في المعرض، بينما كانت سُهى تراقب أشعة الشمس وهي تنسحب ببطء عن الجدار.

قالت مريم فجأة:

«أمي، هل أنت حزينة؟»

التفتت إليها سُهى.

«لماذا تسألين؟»

«لأنك تنظرين إلى مكان واحد منذ وقت طويل، ولم تفتحي دفتر الحسابات حتى الآن.»

ضحكت سُهى بخفة.

«هل أصبحتِ تراقبينني أنت أيضًا؟»

ابتسمت مريم.

«أنا لا أراقبك. أنا فقط أعرف متى تكونين مشغولة بالتفكير.»

سكتت سُهى لحظة، ثم قررت ألا تخفي عنها كل شيء.

«هناك بعض الصعوبات في العمل، وقد أحتاج إلى اتخاذ قرار بشأن الوظيفة في العاصمة قريبًا.»

توقفت مريم عن التلوين.

«هل يعني ذلك أننا سنرحل؟»

«لا أعرف بعد. ما زلت أدرس الأمر.»

نظرت مريم إلى الأوراق التي أمامها، ثم سألت:

«إذا رحلنا، هل يمكن أن آخذ رسوماتي كلها؟»

شعرت سُهى بألم خفيف في قلبها، لكنها أجابت بهدوء:

«طبعًا. رسوماتك ستبقى معك أينما ذهبنا.»

«وإذا بقينا، هل ستواصلين العمل مع خالد؟»

«إذا استطعنا ذلك، نعم.»

فكرت مريم قليلًا، ثم قالت:

«إذن، في الحالتين، لن نفقد كل شيء.»

نظرت سُهى إليها بدهشة.

تابعت مريم:

«ربما سنفقد بعض الأشياء، مثل المدرسة أو البيت أو الأشخاص الذين نراهم كل يوم. لكن يمكننا أن نحتفظ بأشياء أخرى.»

لم تعرف سُهى كيف تجيب. كانت طفلتها تحاول أن تمنحها الطمأنينة نفسها التي أمضت أسابيع تحاول منحها إياها.

احتضنتها وقالت:

«أنت محقة. لن نستطيع الاحتفاظ بكل شيء، لكننا سنحاول ألا نفقد ما هو مهم حقًا.»

أسندت مريم رأسها إلى كتف أمها.

«وما الشيء المهم حقًا؟»

نظرت سُهى إلى السماء التي بدأت تتلون بألوان الغروب.

«أن نكون صادقتين مع بعضنا، وأن نحاول أن نجد طريقًا نستطيع أن نعيش فيه دون أن نفقد أنفسنا.»

لم تقل مريم شيئًا، لكنها مدت يدها إلى دفترها وكتبت جملة صغيرة أسفل رسمها الجديد:

«ليس كل طريق نتركه يعني أننا فقدناه، وليس كل طريق نختاره يضمن لنا الوصول.»

قرأت سُهى العبارة، ثم ابتسمت بحزن.

كان أمامها أسبوع واحد لتجيب عن عرض العمل. وفي الوقت نفسه، كانت أزمة الموردين تلوح في الأفق، وقد تغير مستقبل متجر خالد والمشروعات الصغيرة التي بدأت تعتمد على خدماتها.

لم تكن تعرف ما الذي سيحدث بعد ذلك، لكنها أدركت أن التحدي لم يعد مجرد الاختيار بين مدينتين.

لقد أصبح عليها أن تتعلم كيف تبني الاستقرار في عالم لا يضمن بقاء الظروف كما هي.

وفي مكان ما من المدينة، كان خبر صعوبات المصنع ينتقل من تاجر إلى آخر، دون أن يعرف أحد بعد مدى تأثيره في حياة الناس الذين يعتمدون عليه.

أما سُهى، فقد عادت إلى غرفتها تلك الليلة، وفتحت دفترها على صفحة جديدة.

كتبت عنوانًا واحدًا:

«ما الذي يمكنني السيطرة عليه؟»

ثم بدأت تعد قائمة بما تستطيع فعله، وما ينبغي أن تستعد له، وما يجب أن تتوقف عن محاولة التحكم فيه.

لم تكن القائمة حلًا للأزمة، لكنها كانت بداية مختلفة.

فهي لم تعد تنتظر أن تصبح الحياة سهلة كي تتحرك، بل بدأت تتعلم كيف تتقدم حتى حين تضيق المساحات من حولها.