NOVELFLEX

ما لا تقوله الأرقام

حكاية بين يدي · بقلم @ma waraa.alhibr


بدأ الأسبوع الجديد على غير العادة.

استيقظت سُهى قبل موعدها بقليل، لا بسبب صوت المنبه، بل بسبب رنين هاتفها الذي لم يتوقف منذ دقائق. كانت الرسائل تتوالى من مجموعة صغيرة أنشأتها مع بعض صاحبات المشاريع اللواتي تساعدهن في تنظيم حساباتهن.

فتحت الهاتف، فوجدت رسالة من نجلاء تسأل عن طريقة تسجيل طلبية جديدة، وأخرى من فاطمة ترسل صورة فاتورة لم تعرف أين تضعها في جدول المصاريف، ثم رسالة من ريم تخبرها بأنها تلقت طلبًا كبيرًا على قطع التطريز وتريد رأيها في السعر.

وضعت الهاتف على الطاولة، وأغمضت عينيها لحظة.

لم يكن الأمر مزعجًا بحد ذاته. كانت سعيدة بأن النساء بدأن يعتمدن على السجلات التي أعددنها معًا، وأنهن أصبحن يسألن قبل اتخاذ بعض القرارات بدلًا من الانتظار حتى تتراكم الأخطاء.

لكنها أدركت أن مساعدتهن بدأت تتحول إلى عمل يومي متواصل، وأن عليها أن تضع حدودًا واضحة حتى لا يصبح هاتفها مكتبًا مفتوحًا طوال الوقت.

أعدّت القهوة، ثم كتبت في دفترها:

الرد على الرسائل بعد الظهر، باستثناء الحالات المستعجلة.

بدت الجملة صغيرة، لكنها كانت خطوة جديدة في تعلمها إدارة عملها.

في منتصف الصباح، ذهبت إلى متجر خالد.

كان واقفًا أمام الباب يتحدث مع عامل التوصيل، وقد بدا عليه الانزعاج.

ما إن رآها حتى قال:

— وصلتني رسالة من الشركة.

— هل حددوا موعد الشحنة؟

— ليس تمامًا. يقولون إن بعض المنتجات تأخرت بسبب مشكلة في التوريد، وإن الكمية المتاحة حاليًا أقل من الكمية التي اتفقنا عليها.

وضعت سُهى حقيبتها على المكتب.

— وهل طلبوا منك دفع المبلغ كاملًا؟

— لا. لكنهم يريدون تأكيد الطلب اليوم حتى يحجزوا الكمية المتوفرة.

ناولها الهاتف.

قرأت الرسالة، ثم أعادتها إليه.

— علينا أن نعرف المنتجات التي يمكنهم توفيرها قبل التأكيد. لا نريد أن ندفع مقابل شحنة ناقصة ثم نكتشف أن الأصناف الأكثر طلبًا غير موجودة.

جلس خالد خلف المكتب، وأخرج نسخة الاتفاق.

— أخشى أن نخسر هذه الفرصة إذا تأخرنا في الرد.

قالت سُهى:

— وأخشى أن نشتري ما لا نحتاج إليه لمجرد أننا نخاف من ضياع الفرصة.

بدأت بمقارنة القائمة الجديدة بقائمة المبيعات خلال الأسابيع الماضية. كان أحد المنتجات التي تأخرت الشركة في توفيرها من أكثر المنتجات طلبًا، بينما كانت بعض الأصناف المتاحة أقل حركة.

قال خالد وهو يراقبها:

— لو قبلنا بالكمية المتاحة، سنحصل على خصم جيد.

— لكن هل سيعوض الخصم ضعف الطلب على هذه الأصناف؟

لم يجب.

واصلت سُهى الحساب، ثم كتبت ثلاثة أرقام على ورقة منفصلة.

— إذا اشترينا الكمية المقترحة، فسيبقى لدينا مبلغ محدود بعد الدفع. وإذا تأخرت المبيعات، قد نضطر إلى تأجيل تسديد بعض المستحقات. أما إذا طلبنا فقط المنتجات التي نعرف أن الناس يبحثون عنها، فسيكون الربح أقل، لكن المخاطرة أيضًا أقل.

مرر خالد يده على وجهه.

— أحيانًا أشعر أنني أختار بين خسارتين.

— لأن الخيارات فعلًا ليست سهلة الآن. لكن يمكننا اختيار الخسارة الأصغر، أو الأفضل، اختيار القرار الذي يمنحنا فرصة للاستمرار.

اتصل خالد بممثل الشركة، وطلب منه تعديل الكمية وإرسال قائمة نهائية بالمنتجات المتاحة وأسعارها، مع تأكيد أن أي تغيير في الطلب يحتاج إلى موافقته المكتوبة.

لم يحصل على كل ما أراد.

فالشركة رفضت تخفيض بعض الرسوم، وأبلغته أن موعد التسليم قد يتغير بحسب توفر المنتجات. لكنه استطاع تقليص الشحنة إلى الأصناف الأكثر طلبًا.

بعد المكالمة، قال:

— لن تكون الصفقة كما تخيلتها.

أجابت سُهى:

— ليست كل صفقة جيدة هي الصفقة التي تمنحنا أكبر كمية. أحيانًا تكون الصفقة الجيدة هي التي لا تضعنا في موقف لا نستطيع الخروج منه.

لم يبتسم خالد، لكنه بدا أكثر هدوءًا.

ثم أضاف:

— هناك أمر آخر. أحد زبائني القدامى طلب مني أن أؤجل له الدفع مرة أخرى. أعرفه منذ سنوات، ولا أريد أن أحرجه.

نظرت سُهى إلى دفتر الديون.

— وكم أصبح مجموع ما عليه؟

أخبرها بالمبلغ.

قالت بهدوء:

— أنت تعرف ظروفه، لكنك أيضًا تعرف ظروف متجرك. يمكن أن تمنحه مهلة محددة إذا كنت قادرًا على ذلك، لكن يجب أن تسجل الموعد الجديد، وألا تستمر في البيع له بالدين من دون اتفاق واضح.

تنهد خالد.

— أخشى أن أخسر زبائني.

— وأنا لا أريدك أن تخسر زبائنك. لكن الزبون الذي لا يستطيع الدفع الآن يحتاج إلى ترتيب واضح، لا إلى دين مفتوح لا تعرف متى ينتهي.

بقي خالد صامتًا، ثم طلب من سُهى أن تكتب له كشفًا مختصرًا بالديون ومواعيد التحصيل.

كانت تعرف أن هذه الخطوة لن تعالج كل شيء، لكنها قد تمنعه من اتخاذ قرارات عشوائية تحت ضغط المجاملة.

بعد الظهر، التقت سُهى بهناء في المركز الثقافي.

كانت هناء امرأة هادئة في أواخر الثلاثينات، تحمل حقيبة مليئة بعينات من المنتجات التي تصنعها. وضعت أمام سُهى قطعًا صغيرة من القماش المزخرف، وأكياسًا قماشية، وبعض أدوات الزينة المنزلية.

قالت:

— أعمل منذ سنة تقريبًا، لكنني لا أعرف إن كان المشروع يربح فعلًا. أحيانًا أبيع كثيرًا، ثم أجد نفسي مضطرة إلى شراء المواد من جديد ولا يبقى معي شيء.

بدأت سُهى تسألها عن طريقة العمل، وعدد القطع التي تنتجها، وأسعار المواد، والمبيعات، وكيف تفصل مال المشروع عن مصاريف البيت.

كانت الإجابات متفرقة.

أخرجت هناء دفترًا صغيرًا، وأشارت إلى بعض الصفحات.

— هنا كتبت ما بعته الأسبوع الماضي، وهنا كتبت ما اشتريته. أما الباقي فأعرفه تقريبًا.

تصفحت سُهى الدفتر.

— هل تحتفظين بفواتير المواد؟

— بعضها فقط.

— وهل تحسبين الوقت الذي تستغرقه كل قطعة؟

ابتسمت هناء باستغراب.

— الوقت؟ أنا أصنعها بنفسي، ولا أدفع لنفسي أجرًا.

رفعت سُهى رأسها.

— لكن وقتك له قيمة. إذا صنعتِ قطعة خلال ساعة، وأخرى تحتاج إلى أربع ساعات، فلا يمكن أن يكون سعرهما متساويًا لمجرد أن تكلفة المواد متقاربة.

تأملت هناء القطع الموضوعة أمامها.

— لم أفكر في الأمر بهذه الطريقة.

قالت سُهى:

— لن نبدأ بحسابات معقدة. سنختار ثلاثة منتجات فقط، ونحسب تكلفة كل واحد منها، ثم نحدد السعر الذي يغطي المواد والتغليف ووقت العمل. بعد ذلك نرى أي المنتجات يستحق أن تركزي عليه.

وافقت هناء، وبدأتا بتسجيل البيانات المتوفرة.

اكتشفتا أن أحد المنتجات الصغيرة يحقق هامش ربح جيدًا ويباع بسرعة، بينما تحتاج قطعة أخرى إلى وقت طويل، ولا يطلبها الزبائن إلا نادرًا.

قالت هناء:

— كنت أظن أن القطعة الكبيرة هي الأفضل لأنها تبدو أغلى.

أجابتها سُهى:

— السعر المرتفع لا يعني بالضرورة ربحًا أكبر. علينا أن ننظر إلى ما يبقى بعد كل التكاليف.

عندما انتهى اللقاء، اتفقتا على أن تحضر هناء خلال الأسبوع المقبل فواتيرها المتبقية، وأن تبدأ بتسجيل كل عملية شراء وبيع.

دفعت هناء المبلغ المتفق عليه مقابل الجلسة، ثم قالت وهي تجمع منتجاتها:

— نجلاء أخبرتني أنك تساعدينها، وفاطمة أيضًا قالت إن دفاترها أصبحت أسهل.

ابتسمت سُهى.

— يسعدني أن ذلك أفادكما.

— ربما تحتاج إليك صديقتي أيضًا. لديها مشروع صغير لكنها لا تعرف كيف تحدد الأسعار.

ترددت سُهى لحظة، ثم قالت:

— أعطيها رقمي، لكن أخبريها أنني أحتاج إلى معرفة طبيعة عملها أولًا قبل تحديد ما يمكنني مساعدتها فيه.

خرجت هناء، وبقيت سُهى تنظر إلى دفتر مواعيدها.

كان عدد الأسماء يزداد، لكن الأهم من ذلك أنها بدأت تدرك أن لكل عميلة احتياجات مختلفة، وأنها لا تستطيع تقديم الخدمة نفسها للجميع.

في اليوم التالي، كانت ريم تنتظرها في المركز الثقافي.

وضعت أمامها قطعة تطريز كبيرة، تتوسطها زخارف دقيقة بألوان هادئة.

قالت بحماس:

— تلقيت طلبًا من متجر صغير يريد عشر قطع مشابهة.

تأملت سُهى القطعة.

— كم طلبوا منك أن يكون السعر؟

ذكرت ريم المبلغ.

سألتها سُهى:

— وكم تحتاجين من الوقت لإنجاز القطعة الواحدة؟

— يوم تقريبًا، إذا لم تكن لديّ أعمال أخرى.

— وهل السعر يشمل التغليف والتوصيل؟

هزت ريم رأسها.

— لا. لم أحسبهما بعد.

فتحت سُهى دفترها.

— إذن لا تتسرعي في الموافقة. نحتاج إلى معرفة تكلفة المواد والوقت والتغليف، ثم نرى إن كان السعر مناسبًا.

قالت ريم:

— لكنني أخشى أن يذهب الطلب إلى امرأة أخرى.

— لا أريدك أن تخسري الطلب، لكنني لا أريدك أيضًا أن تقبليه ثم تكتشفي أنك تعملين لأيام مقابل مبلغ لا يغطي تعبك.

بدأتا الحسابات، وكانت النتيجة أقل مما توقعته ريم.

لم يكن السعر المعروض سيئًا تمامًا، لكنه كان يحتاج إلى تعديل بسيط أو تقليل بعض التفاصيل التي تتطلب وقتًا طويلًا.

اقترحت سُهى أن تعرض ريم على المتجر خيارين: القطعة بالتطريز الكامل بسعر أعلى، ونسخة أبسط بسعر أقل.

ترددت ريم.

— هل تعتقدين أنهم سيقبلون؟

— لا أعرف. لكنك ستمنحينهم خيارًا بدلًا من أن تضطري إلى قبول سعر واحد لا يناسبك.

في المساء، أرسلت ريم رسالة إلى المتجر تعرض فيها الخيارين.

لم يصلها الرد سريعًا.

وحين اتصلت بسُهى في اليوم التالي، قالت إن المتجر وافق على النسخة الأبسط، وطلب ثلاث قطع فقط كتجربة أولى.

ضحكت ريم بفرح.

— ثلاث قطع فقط! كنت أتمنى أن يطلبوا العشر.

أجابتها سُهى:

— ثلاث قطع تمنحك فرصة لتختبري التعامل معهم من دون أن تضعي نفسك تحت ضغط كبير. إذا نجحت التجربة، يمكنكما التوسع.

قالت ريم:

— أظن أنني بدأت أفهم لماذا تطلبين منا أن نسجل كل شيء.

ابتسمت سُهى.

— لأن الذاكرة جيدة في تذكر المبالغ الكبيرة، لكنها تنسى المصاريف الصغيرة التي تتراكم في النهاية.

في تلك الأثناء، لم تكن الأمور تسير بسهولة مع سامي.

اتصل بها مساء الأربعاء، وكان صوته متوترًا.

— أحتاج إلى رأيك في أمر حدث اليوم.

— ماذا حصل؟

— ذهبت لمعاينة الثلاجة التي أخبرتك عنها. اكتشفت أن العطل يحتاج إلى قطعة تبديل، لكن الزبون رفض دفع ثمنها مقدمًا.

سألته:

— وهل كنت قد اشتريتها؟

— لا. تذكرت كلامك.

تنفست سُهى براحة.

— جيد. وماذا فعلت؟

— شرحت له أنني لا أستطيع شراء القطعة من مالي قبل تأكيد الطلب. قال إن فنيًا آخر سيقبل بذلك.

صمت قليلًا، ثم أضاف:

— شعرت بأنني سأخسر العمل.

قالت سُهى:

— ربما خسرته فعلًا، لكنك لم تخسر مالك. وهذا فرق مهم.

— لكنني أحتاج إلى المال يا سُهى. ساعات المصنع انخفضت، وكل طلب أصبح مهمًا بالنسبة إليّ.

لم تجبه مباشرة. كانت تعرف أن النصائح سهلة حين لا يكون المرء هو الذي ينتظر آخر الشهر ليدفع مصاريف بيته.

قالت أخيرًا:

— أفهم ذلك. لكن إذا اشتريت القطعة ولم يعد الزبون، فستتحمل ثمنها وحدك. يمكنك أن تعرض عليه دفع جزء من ثمنها مقدمًا، أو أن تشتريها بعد تأكيد مكتوب. أما أن تتحمل المخاطرة كاملة، فهذا ليس عملًا آمنًا.

في اليوم التالي، اتصل سامي مجددًا.

كان قد حصل على طلب آخر، هذه المرة لإصلاح مروحة كهربائية. عاينها، وحدد المشكلة، واتفق مع صاحبتها على ثمن القطعة وأجر العمل قبل أن يشتري شيئًا.

أنجز الإصلاح في الوقت المتفق عليه.

وعندما راجع حسابه مع سُهى، اكتشف أن المبلغ الذي بقي له بعد المصاريف لم يكن كبيرًا، لكنه كان واضحًا ومحددًا.

قال مبتسمًا:

— هذه المرة لم أضطر إلى انتظار الزبونة كي تقرر إن كانت ستدفع.

أجابته سُهى:

— لأنك اتفقت معها قبل أن تبدأ.

نظر إلى دفتره.

— بدأت أشعر أن هذا العمل يمكن أن يصبح مصدر دخل حقيقيًا، لكنني لا أريد أن أترك المصنع.

— ولا ينبغي أن تفعل الآن. احتفظ بعملك الأساسي ما دام موجودًا، واجعل الإصلاحات مصدرًا إضافيًا إلى أن تتضح الأمور.

ثم سألها:

— هل تعتقدين أن المصنع سيعود إلى نظامه السابق؟

لم تكن سُهى تملك إجابة.

قالت:

— أتمنى ذلك، لكن من الأفضل أن تخطط لما تستطيع فعله الآن، لا لما تتمنى أن يحدث.

خفض سامي عينيه.

— زوجتي بدأت تقلق من المصاريف. ابني يحتاج إلى دروس إضافية، وكنا قد وعدناه بها قبل أن تتغير ساعات عملي.

شعرت سُهى بأنها تقترب من حدود ما تستطيع تقديمه. كان بإمكانها مساعدته في ترتيب الميزانية، لكنها لم تكن قادرة على إعادة ساعات العمل التي خسرها.

قالت:

— يمكننا مراجعة مصاريف البيت مرة أخرى، ونرى ما الذي يمكن تأجيله مؤقتًا. لكن لا أريدك أن تشعر بأنك فشلت لأن الظروف تغيرت. أنت تحاول أن تحمي عائلتك، وهذا في حد ذاته مسؤولية كبيرة.

شكرها سامي، ثم أنهى المكالمة.

بقيت سُهى جالسة قليلًا، تفكر في أن الأرقام التي تساعد الناس على ترتيب حياتهم لا تستطيع دائمًا أن تمنحهم ما يحتاجون إليه.

حلّ يوم معرض مريم أسرع مما توقعت سُهى.

في الصباح، كانت مريم تتحرك في البيت بحماس، تراجع حقيبتها الصغيرة وتتأكد من وجود الرسم وأقلامها وعلبة الماء.

أما سُهى، فكانت تتأكد من أنها أغلقت ملف العمل، وأرسلت إلى خالد ملاحظة بخصوص كشف الديون، وحددت موعدًا جديدًا مع هناء.

خرجتا من البيت في الوقت المتفق عليه، وتوجهتا إلى المركز الثقافي حيث ينتظرهما النقل الجماعي.

كانت مريم صامتة في الطريق، تمسك الرسم داخل ملف بلاستيكي شفاف.

سألتها سُهى:

— هل أنت متوترة؟

أومأت مريم.

— ماذا لو لم يعجبهم رسمي؟

ابتسمت سُهى.

— ليس مطلوبًا من الجميع أن يحبوا الرسم نفسه. المهم أن تعبري عما تريدين قوله.

— وماذا لو لم يفهموا معناه؟

— يمكنك أن تشرحيه لهم. وأحيانًا يرى الناس في الرسم أشياء لم نفكر فيها نحن.

نظرت مريم إلى الملف.

— هل ستبقين معي طوال الوقت؟

— نعم. لن أذهب قبل أن تنتهي مشاركتك.

وصلتا إلى المركز، وكان المكان مليئًا بالأطفال والأمهات والمعلمين. عُلقت الرسومات على جدران واسعة، وتوزعت الطاولات في القاعة، بينما كان بعض الأطفال يراجعون أعمالهم قبل افتتاح المعرض.

ساعدت سُهى مريم على تعليق رسمها.

كان عنوانه مكتوبًا في بطاقة صغيرة:

«ليس علينا أن نرى الطريق كله»

وقفت مريم أمامه، ثم ابتعدت خطوة لتراه من بعيد.

قالت:

— يبدو أجمل هنا.

أجابت سُهى:

— لأنه لم يعد مجرد ورقة في غرفتنا. أصبح جزءًا من حكاية يراها الآخرون.

بعد قليل، اقتربت منه امرأة ترافق طفلًا صغيرًا.

تأملت الرسم ثم سألت مريم:

— هل يمكنك أن تخبريني ماذا يفعل هذا الطفل؟

ترددت مريم في البداية، ثم بدأت تشرح.

قالت إن الطفل يحمل مصباحًا لأنه لا يعرف الطريق كله، وإن أمامه أكثر من اختيار، وإنه ليس مضطرًا إلى الوصول بسرعة.

استمعت المرأة باهتمام، ثم قالت:

— أعجبني أنك لم ترسمي نهاية واضحة للطريق.

ابتسمت مريم بخجل.

كانت سُهى تراقبها من بعيد، وشعرت بفخر هادئ. لم تكن مريم تتحدث كثيرًا أمام الغرباء من قبل، لكنها وقفت هذه المرة لتشرح فكرتها بنفسها.

وبعد انتهاء الجولة، أخبرتها ليلى أن أحد المشرفين أعجب بالرسم، واقترح أن تشارك مريم في ورشة فنية قصيرة خلال العطلة القادمة.

اتسعت عينا مريم.

— حقًا؟

قالت ليلى:

— نعم، لكننا سنحتاج إلى معرفة المواعيد أولًا.

نظرت مريم إلى أمها، وكأنها تخشى أن تكون الفرحة أكبر من قدرة البيت على استيعابها.

قالت سُهى:

— سنتحقق من التفاصيل. لا داعي للاستعجال.

لم ترد أن تحوّل كل فرصة جديدة إلى وعد فوري، لكنها لم ترد أيضًا أن تجعل ابنتها تخاف من الفرح.

بعد انتهاء المعرض، جلستا في ساحة المركز تتناولان شطيرتين صغيرتين اشترتهما سُهى في الطريق.

قالت مريم:

— أمي، هل يمكن أن أشارك في الورشة إذا كانت في العطلة؟

نظرت إليها سُهى.

— إذا كانت المواعيد مناسبة، واستطعنا ترتيب المصاريف، فلماذا لا؟

ابتسمت مريم، ثم قالت:

— أريد أن أتعلم كيف أرسم الطرق والبيوت بطريقة أفضل.

ضحكت سُهى.

— ربما تعلّمينني أنتِ يومًا ما.

في طريق العودة، تلقت سُهى رسالة من خالد.

فتحتها وقرأت:

وصلتني رسالة جديدة من الشركة. الشحنة ستتأخر أسبوعًا على الأقل، وبعض الأسعار تغيرت. اتصلي بي عندما تستطيعين.

أعادت قراءة الرسالة، ثم أغلقت الهاتف.

لم ترد أن تفسد على مريم يومها، لكنها شعرت بعودة القلق الذي حاولت أن تتركه خلفها منذ الصباح.

عندما وصلتا إلى البيت، وضعت مريم ملفها قرب النافذة، وذهبت لتخبر جدتها بما حدث في المعرض.

أما سُهى، فجلست إلى الطاولة واتصلت بخالد.

كان صوته متعبًا.

— لا أعرف ماذا أفعل الآن. لقد اتفقنا على أسعار، ثم تغيرت قبل الشحن.

سألته:

— هل طلبوا منك دفع المبلغ الجديد؟

— نعم، لكنهم يقولون إن بإمكاننا إلغاء بعض الأصناف.

فتحت سُهى ملف المتجر.

— لا تدفع شيئًا قبل أن نراجع التعديل. أرسل لي الرسالة والجدول الجديد.

أرسل لها الأوراق، وبدأت تقارنها بالاتفاق السابق.

كان الفرق في الأسعار محدودًا في بعض المنتجات، لكنه أكبر في منتجات أخرى. وإذا وافق خالد على الشحنة كاملة، فسيتجاوز المبلغ الذي خصصه لها.

قالت سُهى:

— لا أرى أن قبول الشحنة كاملة قرار مناسب الآن. يمكننا حذف الصنفين اللذين ارتفع سعرهما كثيرًا، والإبقاء على المنتجات الأساسية. لكن علينا أيضًا أن نراجع ما إذا كانت الشركة ستقبل ذلك من دون رسوم إضافية.

قال خالد:

— وإذا رفضوا؟

— نعيد حساب الخيارات. لا ينبغي أن نلتزم بمبلغ لم نعد قادرين على تحمله لمجرد أننا بدأنا الاتفاق.

ساد صمت طويل.

ثم قال خالد:

— كنت أظن أن الأمور ستتحسن عندما أبدأ التعامل مع شركة أكبر. لكن يبدو أنني دخلت في مشكلات جديدة.

أجابته سُهى:

— التعاون مع شركة أكبر لا يلغي المخاطر. أحيانًا يجعلها مختلفة فقط.

ضحك خالد ضحكة قصيرة خالية من المرح.

— لا أعرف كيف أشكرك على صبرك معي.

قالت سُهى:

— نحن نراجع الأرقام، وهذا عملي. لكنني أريدك أن تعرف أنني سأخبرك عندما أرى أن القرار غير مناسب، حتى لو لم يكن ما تريد سماعه.

— وهذا ما أحتاج إليه.

أنهت المكالمة، ثم أغلقت الملف.

لم تكن تعرف إن كانت ستنجح في حماية المتجر من مزيد من الضغط، لكنها لم تعد ترى أن نجاحها مرتبط بقبول خالد لكل نصيحة تقدمها. دورها أن تمنحه صورة أوضح، وأن تساعده على رؤية العواقب قبل أن يختار.

في وقت متأخر من الليل، دخلت سُهى غرفة مريم.

كانت ابنتها نائمة، وعلى الطاولة الصغيرة قرب سريرها بطاقة المشاركة في المعرض.

اقتربت سُهى، وقرأت العبارة التي كتبتها مريم خلف البطاقة:

«أحيانًا نحتاج إلى شخص يمشي بجانبنا، لا ليختار الطريق بدلًا منا، بل ليجعلنا أقل خوفًا من الاختيار».

ابتسمت سُهى، وشعرت أن ابنتها بدأت تقول أشياء أكبر من عمرها، لا لأنها كبرت فجأة، بل لأنها وجدت مساحة لتعبّر عما كان يختبئ داخلها.

غطتها جيدًا، ثم خرجت بهدوء.

في غرفة الجلوس، كانت أمها تنتظرها.

— كيف كان المعرض؟

جلست سُهى بجانبها.

— جميلًا. مريم شرحت رسمها أمام الناس، وتلقت دعوة للمشاركة في ورشة فنية.

ابتسمت أمها بفخر.

— الحمد لله. يبدو أنها بدأت تجد مكانها هنا.

— نعم. وأنا أيضًا بدأت أجد طريقي، لكنني أشعر أحيانًا أنني أركض خلف أشياء كثيرة.

نظرت إليها أمها.

— هل أنت متعبة؟

أجابت سُهى بعد تردد:

— قليلًا. العملاء يزدادون، والعمل يتوسع، لكن دخلي ما زال غير ثابت. وخالد يواجه مشكلة جديدة مع الشركة، وسامي لا يعرف كيف سيعوض نقص راتبه، والنساء اللواتي أساعدهن يحتجن إلى متابعة مستمرة.

قالت أمها:

— وهل يمكنك حل كل ذلك؟

ابتسمت سُهى.

— لا.

— إذن لماذا تحملينه كله في رأسك؟

سكتت سُهى.

تابعت أمها:

— أنت تساعدينهم، وهذا حسن. لكن لكل واحد منهم حياته وقراراته ومسؤوليته. لا تجعلي نجاحك في عملك مرتبطًا بأن تختفي مشكلات الآخرين.

نظرت سُهى إلى يديها.

كانت تعرف أن أمها محقة، لكنها لم تكن تعرف كيف تتخلص من شعور المسؤولية الذي يتسلل إليها كلما أخبرها أحدهم بمشكلة.

قالت:

— أخشى أن أكون مقصرة إذا لم أساعد بما يكفي.

أجابت أمها:

— التقصير أن تعدي بما لا تستطيعين، لا أن تقولي إن وقتك محدود. تذكري أن لك بيتًا وابنة ونفسًا تحتاج إلى الراحة أيضًا.

في تلك الليلة، فتحت سُهى دفترها قبل النوم، وكتبت ثلاث ملاحظات:

* تحديد أوقات واضحة للتواصل مع العملاء.

* عدم قبول أي عمل جديد قبل مراجعة جدول الأسبوع.

* تخصيص وقت ثابت لمريم ولنفسها.

ثم أضافت في أسفل الصفحة:

«ليس واجبي أن أمنع كل خسارة، بل أن أساعد على اتخاذ قرار واعٍ قبل وقوعها».

أغلقت الدفتر، وأطفأت الضوء.

لم يكن الأسبوع قد انتهى بانتصار كبير، ولم تختفِ المشكلات التي تحيط بها. تأخرت شحنة خالد، وظل دخل سامي أقل مما كان، وما زالت مشاريع النساء في بداياتها.

لكن مريم عادت من معرضها وهي تحمل ثقة جديدة، وهناء بدأت أولى خطوات تنظيم مشروعها، وريم حصلت على طلب تجريبي، وفاطمة أصبحت تعرف كيف تحسب تكلفة طلباتها.

أما سُهى، فقد أدركت أن عملها بدأ يكبر، وأن عليها أن تختار كيف تكبر معه.

في صباح اليوم التالي، وصلتها رسالة من عنوان إلكتروني لم تعرفه.

كان موضوع الرسالة:

«طلب تعاون مهني»

فتحتها، وبدأت تقرأ.

لم تكن رسالة عادية من صاحبة مشروع منزلي، بل دعوة للمشاركة في لقاء محلي تنظمه جهة تهتم بالمشاريع الصغيرة، وتبحث عن شخص لديه خبرة في تنظيم الحسابات وتقديم جلسات توجيهية لأصحاب المشاريع الناشئة.

أعادت سُهى قراءة الرسالة.

ثم نظرت إلى دفترها المفتوح، وإلى الرسم الذي علقته مريم قرب النافذة.

لم تعرف بعد إن كانت هذه الفرصة مناسبة لها، ولا كم ستحتاج من الوقت أو الجهد، لكنها لم تشعر بالخوف نفسه الذي كان يرافقها في الماضي.

أخذت نفسًا عميقًا، وبدأت تكتب ردًا تطلب فيه تفاصيل أكثر.

هذه المرة، لم تكن مستعدة لقول نعم بسرعة، ولا لرفض الباب قبل أن تعرف ما وراءه.

كانت تريد أن تتعلم كيف تختار.

وهذا، وحده، كان تقدمًا جديدًا.