NOVELFLEX

فرصة على مهل

حكاية بين يدي · بقلم @ma waraa.alhibr


ظلت سُهى تنظر إلى رسالة التعاون المهني بعد أن أرسلت ردها الأول.

لم تكن الدعوة تتضمن تفاصيل كثيرة، لكنها أشارت إلى لقاء تنظمه جمعية محلية لدعم أصحاب المشاريع الصغيرة، بهدف مساعدة أصحاب الحرف والمشاريع المنزلية على تحسين طرق الإدارة والتسويق والتخطيط المالي.

كان المطلوب منها تقديم جلسة مبسطة حول تنظيم الحسابات وإدارة المصاريف، ثم المشاركة في نقاش مفتوح مع عدد من أصحاب المشاريع.

أعادت قراءة الرسالة، وتوقفت عند عبارة وردت في نهايتها:

«نرغب في الاستفادة من خبرات الأشخاص الذين يعملون ميدانيًا مع المشاريع الصغيرة، ويعرفون التحديات التي تواجه أصحابها عن قرب».

ابتسمت سُهى.

لم تكن تحمل شهادة كبيرة في إدارة الأعمال، ولم تكن تملك مكتبًا يحمل اسمها، لكنها كانت تعرف كيف يبدو دفتر الحسابات حين تختلط فيه مصاريف البيت بمصاريف المشروع، وكيف تشعر امرأة حين تكتشف أنها تعمل ساعات طويلة ولا تعرف إن كانت تربح أم تخسر.

كانت تعرف هذه التفاصيل لأنها جلست أمامها، لا لأنها قرأتها في كتاب فقط.

وصلتها رسالة جديدة من الجهة المنظمة تطلب منها الحضور إلى اجتماع تمهيدي في الأسبوع المقبل لمناقشة طبيعة المشاركة والأجر المقترح.

أغلقت الهاتف، ثم كتبت الموعد في دفترها.

لم تخبر أحدًا بعد.

كانت تريد أن تفهم العرض أولًا.

في متجر خالد، لم يكن الصباح هادئًا.

وصلت سُهى لتجد خالد يتحدث عبر الهاتف بصوت مرتفع نسبيًا، بينما يقلب مجموعة من الأوراق.

أنهى المكالمة عندما رآها، وقال:

— الشركة وافقت على حذف صنفين من الطلب، لكنها تريد أن نتحمل رسومًا إضافية بسبب تعديل الشحنة.

جلست سُهى وطلبت منه أن يريها التفاصيل.

قرأت الرسالة، ثم قارنت الرسوم بالمبلغ الأصلي.

— هذه الرسوم لم تكن موجودة في الاتفاق الأول.

— يقولون إنها رسوم تعديل وتجهيز.

— وهل وافقت عليها مسبقًا؟

— لا.

أعادت سُهى الورقة إليه.

— إذن علينا أن نطلب منهم توضيحًا مكتوبًا يبين سببها وطريقة احتسابها. لا يمكن أن تصبح كل خطوة في الاتفاق سببًا لإضافة مبلغ جديد.

جلس خالد قبالتها.

— أخشى أن أبدو صعب التعامل.

— أنت لا ترفض الدفع المستحق، بل تطلب تفسير المبلغ الذي لم تتفق عليه. هناك فرق.

اتصل خالد بممثل الشركة مرة أخرى، وهذه المرة كان أكثر حزمًا. شرح له أن المتجر وافق على الشحنة وفق الشروط التي استلمها، وأن أي رسوم جديدة يجب أن تكون واضحة ومقبولة من الطرفين.

لم يكن النقاش سهلًا. حاول الممثل إقناعه بأن الرسوم بسيطة مقارنة بقيمة البضاعة، لكن خالد طلب منه إرسال تفصيل رسمي قبل اتخاذ القرار.

بعد المكالمة، قال خالد:

— لم أكن أفعل ذلك من قبل. كنت أوافق حتى لا أضيع الوقت.

قالت سُهى:

— وربما لهذا وجدت نفسك أحيانًا تدفع مبالغ لم تكن تتوقعها.

ابتسم خالد ابتسامة خفيفة.

— يبدو أنك تغيرين طريقة تفكيري، لا طريقة حساباتي فقط.

لم تجبه، بل بدأت مراجعة كشف المبيعات.

لاحظت أن بعض المنتجات الأساسية أصبحت تُباع بكميات أصغر، وأن الزبائن صاروا يقارنون الأسعار قبل الشراء. كما تأخر عدد من التجار في تسديد ديونهم.

قال خالد وهو يتأمل الدفتر:

— بالأمس جاءني زبون كان يشتري حاجيات بيته كاملة. هذه المرة اشترى نصف ما اعتاد شراءه.

— الناس تحاول أن تتكيف مع ظروفها.

— ونحن نحاول أن نتكيف معها أيضًا.

أغلقت سُهى الدفتر.

— لهذا علينا أن نراقب المصاريف باستمرار. لا يمكننا العمل وفق أرقام الشهر الماضي وكأن شيئًا لم يتغير.

في نهاية الجلسة، اتفقا على مراجعة المبيعات أسبوعيًا بدلًا من الاكتفاء بالمراجعة الشهرية. كما قررا عدم تقديم ديون جديدة للزبائن الذين لم يسددوا مستحقاتهم السابقة، مع الحفاظ على التعامل باحترام مع الجميع.

وقبل أن تغادر، قال خالد:

— لديّ طلب آخر.

التفتت إليه.

— ما هو؟

— أريد أن تراجعي حسابات المتجر مرتين في الأسبوع خلال الشهر القادم، إذا كان وقتك يسمح.

تفاجأت سُهى قليلًا.

— مرتين في الأسبوع؟

— نعم. أشعر أن المتابعة أصبحت ضرورية، خصوصًا مع تغير الأسعار وتأخر التوريد.

فكرت للحظات، ثم قالت:

— يمكنني تخصيص زيارتين قصيرتين، لكن علينا أن نحدد المهام والأجر من البداية. لا أريد أن تتداخل الزيارات الإضافية مع العمل المتفق عليه سابقًا.

ضحك خالد.

— أصبحتِ تتحدثين مثل أصحاب الشركات.

ابتسمت.

— لأنني أحاول ألا أعمل مثل شخص لا يعرف قيمة وقته.

اتفقا على زيادة محدودة في الأجر مقابل الزيارتين الإضافيتين، على أن يراجعا الاتفاق بعد شهر.

خرجت سُهى من المتجر وهي تشعر أنها قطعت خطوة مهمة؛ لم تعد تقبل توسيع مسؤولياتها لمجرد أن أحدهم يحتاج إلى مساعدتها. بدأت تفهم أن العمل الجيد يحتاج إلى اتفاق واضح، مثلما يحتاج إلى الثقة.

في المساء، كانت فاطمة تنتظرها برسالة صوتية طويلة.

استمعت إليها سُهى وهي ترتب أوراقها.

كانت فاطمة قد بدأت تسجيل كل طلبية بالتفصيل، لكنها واجهت مشكلة جديدة. إحدى الزبونات طلبت كمية كبيرة من الحلويات لمناسبة عائلية، وطلبت تخفيضًا مقابل الكمية.

أرسلت فاطمة الأسعار المقترحة، ثم ترددت قبل الموافقة.

اتصلت بها سُهى.

— هل حسبتِ تكلفة الطلب؟

— نعم. حسبت المواد والتغليف والتوصيل.

— ووقت العمل؟

— حسبته أيضًا، لكنني لست متأكدة من طريقة تقديره.

قالت سُهى:

— كم ساعة ستحتاجين؟

أخبرتها فاطمة بالمدة، ثم شرحت عدد المساعدات اللواتي سيشاركنها في التحضير.

راجعت سُهى الحسابات معها.

— إذا منحتِها التخفيض الذي طلبته، سيبقى لك ربح، لكنه أقل من ربحك المعتاد. هل تستطيعين إنجاز الطلب دون التأثير في طلباتك الأخرى؟

سكتت فاطمة.

— هذه هي المشكلة. لديّ طلبان في اليوم نفسه.

— إذن يجب أن نحسب أثر الوقت أيضًا. ليس المهم أن يكون الطلب مربحًا على الورق فقط، بل أن تكوني قادرة على إنجازه دون إرهاق أو تأخير بقية الزبائن.

قالت فاطمة:

— ربما أرفض التخفيض.

— يمكنك أن تعرضي عليها تخفيضًا أقل، أو تقترحي تقسيم الطلب على يومين إذا كان ذلك يناسبها.

بعد دقائق، أرسلت فاطمة عرضًا جديدًا للزبونة.

لم تقبله الزبونة فورًا، وطلبت بعض الوقت للتفكير.

قالت فاطمة وهي تنهي المكالمة:

— أشعر أنني أصبحت أرفض طلبات أكثر مما أقبل.

أجابت سُهى:

— أنت لا ترفضين العمل، بل تختارين العمل الذي تستطيعين إنجازه بسعر عادل. ومع الوقت ستتعلمين كيف توازنين بين الطلبات.

ثم أضافت:

— ولا تنسي أن تسجلي ما يحدث، حتى لو لم تتم الصفقة. معرفة سبب رفض الزبون للسعر قد تساعدك على فهم السوق، لكنها لا تعني أن عليك خفض السعر دائمًا.

أما نجلاء، فقد بدأت ترى نتائج مختلفة.

اتصلت بسُهى في صباح اليوم التالي، وأخبرتها أنها رتبت منتجاتها في مجموعتين: منتجات صغيرة تُباع باستمرار، وقطع أكبر تصنعها حسب الطلب.

قالت بحماس:

— لم أعد أشتري المواد لكل شيء دفعة واحدة. أنتظر الطلبات المؤكدة، ثم أشتري ما أحتاج إليه.

ابتسمت سُهى.

— هذا أفضل من تجميد المال في مواد قد لا تستخدمينها قريبًا.

— كما أنني بدأت أكتب السعر الحقيقي لكل قطعة. اكتشفت أن بعض المنتجات كنت أبيعها بأقل من تكلفتها.

ضحكت سُهى.

— على الأقل اكتشفنا ذلك قبل أن يستمر الأمر عامًا آخر.

ثم تغير صوت نجلاء قليلًا.

— لكن لديّ مشكلة. إحدى الزبونات تريد أن تدفع بعد استلام الطلب بأسبوع.

سألتها سُهى:

— هل تعرفينها؟

— معرفة سطحية. طلبت مني سابقًا قطعتين ودفعتهما نقدًا.

— وهل الطلب الجديد كبير؟

— نعم، ويحتاج إلى مواد سأشتريها خصيصًا لها.

فكرت سُهى قليلًا.

— يمكنك طلب عربون يغطي تكلفة المواد على الأقل، وتوضيح موعد دفع بقية المبلغ قبل البدء. إذا رفضت، فلا تشتري المواد على أمل أن تدفع لاحقًا.

قالت نجلاء:

— أخشى أن أخسرها.

أجابتها سُهى:

— لا تجعلي رغبتك في كسب زبونة تجعلك تتحملين مخاطرة لا تستطيعين تحملها.

بعد انتهاء المكالمة، شعرت سُهى بشيء من الرضا.

كانت النساء يبدأن في اتخاذ قراراتهن بأنفسهن. لم تعد كل واحدة تنتظر منها أن تخبرها ماذا تفعل، بل أصبحن يعرفن الأسئلة التي يجب طرحها قبل قبول أي طلب.

وهذا بالضبط ما كانت تريده.

في الجهة الأخرى من المدينة، كان سامي يقف أمام ثلاجة قديمة في منزل أحد الزبائن.

كان الرجل قد اتصل به بعد أن نصحه أحد الجيران بالتعامل معه. شرح له سامي أنه سيحتاج إلى معاينة الجهاز أولًا، ثم يحدد تكلفة الإصلاح قبل شراء أي قطعة.

بعد الفحص، اكتشف أن المشكلة أكبر مما توقع.

لم يكن العطل في القطعة التي ظنها، بل في جزء آخر من نظام التبريد، ما جعل تكلفة الإصلاح أعلى.

اتصل بالزبون وشرح له الوضع.

قال الرجل:

— ألم تقل لي إن الإصلاح سيكون بسيطًا؟

أجاب سامي:

— قلت لك إنني سأعاين الجهاز وأحدد العطل. الآن ظهرت مشكلة مختلفة، ولا أريد أن أشتري قطعة ثم أكتشف أنها لن تحل المشكلة.

— وكم سيكلف الإصلاح؟

ذكر سامي التكلفة التقريبية.

تردد الرجل.

— هذا مبلغ كبير. ربما أشتري ثلاجة جديدة.

لم يحاول سامي إقناعه بالعكس.

قال:

— هذا حقك. يمكنك مقارنة تكلفة الإصلاح بسعر جهاز آخر، وأنا لا أريدك أن تدفع مبلغًا لا يناسبك.

أنهى المكالمة، وجلس لحظات يفكر.

كان يتمنى أن يحصل على هذا العمل، لكنه شعر بشيء من الارتياح لأنه لم يشترِ القطعة قبل موافقة الزبون.

في المساء، اتصل بسُهى وأخبرها بما حدث.

قالت:

— تصرفت بشكل صحيح. ليس مطلوبًا منك أن تقبل كل عمل، ولا أن تقنع كل زبون بأن الإصلاح هو الخيار الأفضل.

— لكنني أحتاج إلى دخل إضافي.

— أعرف. ومع ذلك، لا ينبغي أن تجعل حاجتك إلى المال سببًا لتقديم وعود لا تستطيع الوفاء بها.

سكت سامي قليلًا، ثم قال:

— زوجتي بدأت تساعدني في تسجيل المصاريف. قالت إنني كنت أنفق مبالغ صغيرة يوميًا دون أن أشعر.

ابتسمت سُهى.

— هذا جيد. الحسابات لا تخص صاحب المشروع وحده، بل قد تساعد الأسرة كلها على فهم أين يذهب المال.

في اليوم الذي يليه، تلقت سُهى ردًا من الجمعية المحلية.

أكدت الجهة المنظمة موعد الاجتماع التمهيدي، وأرفقت برنامجًا أوليًا للقاء. كما أوضحت أن مشاركتها ستكون بأجر محدد، وأنها ستحتاج إلى إعداد عرض مبسط لمدة ساعة تقريبًا.

قرأت التفاصيل أكثر من مرة.

كانت فرصة جيدة، لكنها تحتاج إلى تحضير. كما أن الموعد المقترح يتعارض مع جلسة متابعة متفق عليها مع هناء.

لم تتصل بالجمعية لتأكيد المشاركة فورًا.

فتحت دفتر المواعيد، وراجعت الأسبوع القادم. ثم اتصلت بهناء.

— أريد أن أطلب منك تغيير موعد جلستنا من الثلاثاء إلى الأربعاء، إذا كان ذلك مناسبًا لك.

قالت هناء:

— لا مشكلة، الأربعاء أفضل لي أيضًا.

شكرتها سُهى، ثم اتصلت بالجمعية وأكدت حضور الاجتماع التمهيدي، لا المشاركة النهائية.

أرادت أن تسمع منهم أكثر عن طبيعة اللقاء، وعدد المشاركين، والموضوعات التي يتوقعون منها تناولها.

عندما أغلقت الهاتف، دخلت أمها تحمل طبقًا صغيرًا من الفاكهة.

— هل هناك عمل جديد؟

أجابت سُهى:

— دعوني للمشاركة في لقاء حول المشاريع الصغيرة، يريدون مني تقديم جلسة عن تنظيم الحسابات.

جلست أمها.

— وهل ستقبلين؟

— ربما. أريد أن أعرف التفاصيل أولًا.

ابتسمت أمها.

— هذا جواب مختلف عن أجوبتك القديمة.

ضحكت سُهى.

— لأنني تعلمت أن أقرأ الشروط قبل أن أتحمس.

ثم أضافت:

— أشعر بالخوف قليلًا. ماذا لو لم أكن بالمستوى الذي يتوقعونه؟

نظرت إليها أمها بهدوء.

— ماذا ستقولين لهم؟

— سأشرح ما أعرفه من تجربتي مع أصحاب المشاريع. لن أدعي أنني خبيرة في كل شيء.

— وهذا أفضل ما يمكنك فعله. لا تحتاجين إلى أن تكوني شخصًا آخر حتى تستحقي الفرصة.

ظلت سُهى تفكر في كلمات أمها بعد أن غادرت الغرفة.

كانت قد قضت سنوات تقيس قيمتها بما تستطيع إنجازه، وبمدى رضا الآخرين عن عملها. والآن، بدأت تكتشف أن الصدق بشأن حدود خبرتها قد يكون أهم من محاولة الظهور بمظهر الشخص الذي يعرف كل شيء.

في المساء، عادت مريم من المدرسة وهي تحمل ورقة جديدة.

— أمي، المعلمة قالت إن بإمكاني المشاركة في مسابقة الرسم القادمة.

رفعت سُهى رأسها عن الحاسوب.

— مسابقة أخرى؟

— نعم، لكن هذه المرة موضوعها «مدينتي كما أراها».

أخرجت مريم الورقة، وبدأت تشرح أن المسابقة مفتوحة للأطفال، وأن عليهم تقديم رسم يعبر عن المكان الذي يعيشون فيه.

قالت بحماس:

— أريد أن أرسم المدينة القديمة، لكن ليس كما تبدو في الصور. أريد أن أرسمها كما أراها أنا.

ابتسمت سُهى.

— وكيف ترينها؟

فكرت مريم قليلًا.

— أرى النوافذ القديمة، والأبواب الكبيرة، والناس الذين يعرفون بعضهم. وأرى الأزقة التي تبدو ضيقة، لكنها تصل إلى أماكن جميلة.

تأملت سُهى ابنتها.

لم تكن مريم تتحدث عن المدينة القديمة بوصفها المكان الذي اضطرت إلى الانتقال إليه، بل بدأت تراها من زاوية مختلفة. صار لها فيها أصدقاء، ومدرسة، ومركز ثقافي، وأماكن تعرف طريقها إليها.

قالت سُهى:

— يمكنك أن ترسمي ما تحبينه فيها، وما لا تحبينه أيضًا. ليس عليك أن تجعلي كل شيء جميلًا.

نظرت مريم إليها باستغراب.

— لماذا؟

— لأن الرسم الحقيقي لا يحتاج إلى أن يخفي الأشياء التي لا تعجبنا. يمكنك أن ترسمي بابًا قديمًا يحتاج إلى إصلاح، أو شارعًا مزدحمًا، أو نافذة لا يدخل منها الضوء كما يجب. المهم أن تعبري عن نظرتك أنتِ.

أحضرت مريم دفتر الرسم وجلست إلى الطاولة.

بدأت ترسم واجهة منزل قديم، ثم أضافت نافذة صغيرة مفتوحة، وطفلة تقف أمام الباب تحمل حقيبة مدرسية.

سألتها سُهى:

— من هذه الطفلة؟

أجابت مريم دون أن ترفع رأسها:

— لا أعرف بعد. ربما فتاة انتقلت إلى بيت جديد، وتحاول أن تعتاد عليه.

ابتسمت سُهى، ولم تقل شيئًا.

في صباح السبت، ذهبت سُهى إلى الاجتماع التمهيدي مع الجمعية.

كان اللقاء في قاعة صغيرة داخل مركز اجتماعي، حضره ثلاثة أشخاص من الجهة المنظمة، إلى جانب صاحبة مشروع في صناعة الصابون الطبيعي، ورجل يدير ورشة نجارة، وامرأة تصنع الملابس المنزلية.

استقبلتها المسؤولة عن البرنامج، الأستاذة منى، بابتسامة.

— سعداء بحضورك. وصلتنا توصيات جيدة عن عملك مع المشاريع الصغيرة.

شعرت سُهى بشيء من الارتباك.

— أشكركم. ما زلت أعمل بصورة مستقلة، وأحاول تطوير خدماتي تدريجيًا.

جلست منى وبدأت شرح البرنامج.

كان اللقاء يهدف إلى جمع أصحاب المشاريع الصغيرة في يوم تدريبي يتضمن جلسات قصيرة حول حساب التكلفة، والتسعير، وتنظيم المبيعات، والتخطيط المالي.

قالت منى:

— نريد أن تكون الجلسة عملية، لا نظرية. كثير من المشاركين لا يستخدمون الحاسوب، وبعضهم لا يعرف كيف يبدأ تسجيل حساباته.

أومأت سُهى.

— هذا ما ألاحظه أيضًا. أحيانًا يكون دفتر صغير منظم أفضل لهم من جدول معقد لا يستطيعون استخدامه.

سألها أحد الحاضرين:

— وهل يمكن فعلًا معرفة الربح من دون محاسب؟

أجابت سُهى:

— يمكن لصاحب المشروع أن يتعلم تسجيل العمليات الأساسية وفهم تكاليفه، لكن بعض الحالات تحتاج إلى مختص. المهم أن يعرف ما الذي يستطيع متابعته بنفسه، ومتى يحتاج إلى مساعدة.

تدخلت منى:

— نريد منك التركيز على هذه الفكرة. أن يشعر المشاركون بأن الحسابات ليست شيئًا مخيفًا، وأن بإمكانهم البدء بخطوات بسيطة.

ناقشوا مدة الجلسة والأجر والتجهيزات المطلوبة. كان المقابل المالي مناسبًا، لكنه يتطلب إعداد مادة تدريبية واضحة، وتخصيص وقت للتحضير.

لم توافق سُهى على كل شيء فورًا.

طلبت نسخة مكتوبة من الاتفاق، وتفاصيل مسؤولياتها، وموعد تسليم المادة.

ابتسمت منى.

— يبدو أنك لا تتركين شيئًا من دون مراجعة.

ضحكت سُهى.

— أحاول أن أتعلم من أخطائي.

عندما انتهى الاجتماع، خرجت وهي تحمل ملفًا صغيرًا، وفي داخلها شعور مختلف.

لم تكن مجرد امرأة تحاول العثور على عمل بعد أن فقدت وظيفتها القديمة. كانت تجربتها الجديدة تمنحها فرصة لتقديم معرفة اكتسبتها من العمل اليومي مع الناس.

ومع ذلك، لم يكن الطريق مضمونًا.

كانت تعرف أن إعداد الجلسة سيحتاج إلى جهد، وأن نجاحها لن يُقاس بعدد الحضور فقط، بل بمدى استفادتهم مما ستقدمه.

في المساء، جلست سُهى إلى مكتبها الصغير.

فتحت دفترًا جديدًا وكتبت على غلافه:

«جلسة الحسابات البسيطة للمشاريع الصغيرة»

ثم بدأت تدوّن الأفكار التي تريد تناولها:

* كيف أفصل مال المشروع عن مال البيت؟

* كيف أسجل المصروفات اليومية؟

* كيف أحسب تكلفة المنتج؟

* لماذا لا يعني ارتفاع المبيعات ارتفاع الربح؟

* كيف أحدد سعرًا مناسبًا؟

* متى أقبل طلبًا كبيرًا، ومتى أعتذر عنه؟

توقفت عند السؤال الأخير.

تذكرت فاطمة وطلب الحلويات الكبير، ونجلاء والزبونة التي طلبت الدفع بعد أسبوع، وريم التي تعلمت أن تقدم خيارين بدلًا من قبول سعر لا يناسبها.

كتبت تحت السؤال:

«لا تقبل كل طلب لمجرد أنه فرصة. احسب قدرتك على تنفيذه، وتأكد من شروط الدفع، واحمِ وقتك ومالك».

ثم أغلقت الدفتر للحظة.

كان البيت هادئًا. أمها تشاهد التلفاز، ومريم تعمل على رسمها الجديد في الغرفة المجاورة.

ذهبت إليها.

وجدتها قد رسمت منزلًا قديمًا تحيط به نوافذ مضاءة، وفي مقدمة الصورة طفلة تقف أمام الباب، بينما تمتد خلفها أزقة كثيرة.

قالت مريم:

— أمي، هل ترين أنني جعلت البيت يبدو حزينًا؟

تأملت سُهى الرسم.

— أراه بيتًا يحمل حكايات كثيرة.

— لكن النوافذ مضاءة.

— لهذا لا يبدو حزينًا تمامًا.

ابتسمت مريم، ثم قالت:

— أريد أن أكتب تحت الرسم: «كل بيت يحتاج إلى فرصة ليصبح بيتًا».

جلست سُهى بجانبها.

— عبارة جميلة.

ثم أضافت بعد لحظة:

— هل تشعرين أن هذا البيت أصبح بيتك؟

فكرت مريم طويلًا.

— في البداية لم أشعر بذلك. كنت أشتاق إلى بيتنا القديم، وإلى غرفتي ومدرستي. لكنني الآن أحب هذه النافذة، وأحب جدتي، وأعرف الطريق إلى المركز الثقافي.

توقفت قليلًا، ثم تابعت:

— ما زلت أشتاق أحيانًا.

احتضنتها سُهى.

— من حقك أن تشتاقي. حبك لهذا المكان لا يعني أنك نسيتِ المكان الآخر.

أسندت مريم رأسها إلى كتف أمها.

— هل أنت أيضًا تشتاقين؟

نظرت سُهى إلى الرسم.

— نعم. أحيانًا أشتاق إلى أشياء كثيرة. لكنني أتعلم أن أعيش هنا دون أن أنكر ما كان هناك.

لم تتحدثا أكثر.

كانت سُهى تعرف أن العودة إلى الجذور لا تعني أن الماضي يصبح أقل أهمية، بل أن الإنسان يتعلم كيف يحمل ذكرياته دون أن يسمح لها بمنعه من بناء أيام جديدة.

قبل النوم، وصلها بريد إلكتروني من الجمعية يتضمن الاتفاق النهائي.

قرأته بعناية، وراجعت موعد الجلسة والأجر والمدة المطلوبة، ثم وافقت عليه.

بعد ذلك، فتحت دفتر المواعيد وخصصت وقتًا للتحضير، ووقتًا للراحة، ووقتًا لمراجعة أعمال عملائها.

لم تملأ كل الفراغات.

تركت مساحة فارغة في نهاية الأسبوع.

كانت تعرف أن بعض الأمور ستظهر فجأة، وأنها لا تستطيع أن تخطط لكل دقيقة في حياتها.

وقبل أن تغلق الحاسوب، وصلتها رسالة من خالد:

«الشركة وافقت على الشحنة المعدلة، لكنها أخبرتنا أن موعد التسليم قد يتأخر مرة أخرى. سأرسل لك التفاصيل صباحًا».

ثم رسالة من نجلاء تخبرها بأن الزبونة وافقت على دفع عربون.

ورسالة قصيرة من سامي:

«أنجزت إصلاحًا آخر اليوم، واتفقنا على السعر قبل البدء. شكرًا على نصائحك».

ابتسمت سُهى، ثم أغلقت الهاتف.

كانت هناك أخبار جيدة، وأخرى غير مؤكدة، ومشكلات لم تجد طريقها إلى الحل بعد.

لكنها لم تعد تشعر بأنها مطالبة بأن تحمل كل شيء في اللحظة نفسها.

وضعت رأسها على الوسادة، وفكرت في اللقاء القادم الذي ستقف فيه أمام مجموعة من أصحاب المشاريع، وتتحدث عن الحسابات التي كانت قبل أشهر ترتبها لشخص واحد في متجر صغير.

ربما لم يكن هذا هو الطريق الذي رسمته لنفسها في شبابها.

وربما لم تكن قد وصلت إلى المكان الذي تطمح إليه.

لكنها، للمرة الأولى منذ عودتها، لم تعد تقيس حياتها بما فقدته فقط.

بدأت تقيسها أيضًا بما استطاعت أن تبنيه.

وفي مكان قريب، كانت مريم قد تركت رسمها الجديد فوق مكتبها، ينتظر أن تجف ألوانه.

كان البيت هادئًا، والنوافذ مضاءة، والطريق خارجها لا يزال طويلًا.

لكن هذه المرة، لم تكن سُهى تخشى طوله كما كانت من قبل.