لم تكن سُهى تحب القرارات التي تحتاج إلى صفحات من الحسابات كي تبدو بسيطة، لكنها تعلّمت أن أكثر القرارات خطورة هي تلك التي تُتخذ في دقائق، تحت ضغط الخوف أو الحماس.
في صباح يوم الخميس، جلست إلى الطاولة الصغيرة في غرفة الجلوس، وأمامها ملف متجر خالد، ودفتر فاطمة، وقائمة المصاريف التي أعدّتها لمعرض مريم. كانت الأوراق مرتبة في ثلاثة أكوام، ومع ذلك شعرت بأن كل كومة منها تجرّ الأخرى، وأن عليها أن تجد طريقة تمنع الأمور من التداخل قبل أن تتداخل حياتها كلها.
وضعت فنجان القهوة جانبًا، وفتحت الملف الذي أعطاها خالد إياه في اليوم السابق.
كانت شركة التوزيع تعرض عليه تجربة توريد بعض المنتجات المنزلية بكميات محدودة. بدت الفكرة جيدة في ظاهرها؛ فالمتجر يحتاج إلى بضائع جديدة، والشركة تريد توسيع شبكة زبائنها، وقد ينجح التعاون في تنشيط المبيعات.
لكن سُهى لم تعد تثق كثيرًا في العبارات التي تبدو جميلة قبل قراءة السطور الصغيرة تحتها.
أخرجت ورقة وكتبت:
* قيمة البضاعة.
* موعد الدفع.
* مصاريف النقل.
* شروط إرجاع المنتجات غير المباعة.
* مسؤولية التلف أو النقص.
* مدة التجربة.
* طريقة إنهاء الاتفاق.
ثم أعادت قراءة الوثيقة، وتوقفت عند بند يتعلق بالمنتجات التي لا تُباع خلال فترة محددة.
لم يكن البند واضحًا بما يكفي.
اتصلت بخالد.
— هل اتصلت بالشركة لتحديد موعد اللقاء؟
— اتصلوا هم. يريدون المرور على المتجر غدًا، وإذا اتفقنا يمكنهم تجهيز أول شحنة الأسبوع المقبل.
— هل سألتهم عن مصير البضائع التي لا تُباع؟
ساد صمت قصير قبل أن يجيب:
— قالوا إنهم يتعاملون مع كل حالة بحسب الاتفاق.
— هذا لا يكفي يا خالد. هل ستبقى البضاعة ملكًا لك حتى تُباع؟ وهل تستطيع إرجاعها؟ وإذا لم تستطع، فهل ستدفع ثمنها كاملًا حتى لو بقيت على الرفوف؟
تنهد خالد.
— أنت تجعلين الأمر يبدو أصعب مما هو عليه.
ابتسمت سُهى رغم أنه لا يستطيع رؤيتها.
— ربما. لكنني أفضل أن يبدو صعبًا الآن على أن يصبح صعبًا فعلًا بعد شهرين.
لم يجادلها. اتفقا على أن تذهب معه إلى المتجر يوم الجمعة لمقابلة ممثل الشركة، بعد أن تعدّ قائمة بالأسئلة التي يجب طرحها.
أغلقت الهاتف، ثم نظرت إلى الأوراق أمامها.
كان خالد يريد فرصة تنعش متجره، وهي تريد أن تنجح في مساعدته. لكن رغبتها في إثبات كفاءتها لم تكن سببًا كافيًا لدفعه إلى مخاطرة لا يستطيع تحملها.
كتبت في أعلى الصفحة:
لا نوافق على شيء لم نفهم تكلفته كاملة.
ثم انتقلت إلى دفتر فاطمة.
في ذلك المساء، وصلت فاطمة إلى البيت وهي تحمل حقيبة قماشية ثقيلة.
قالت وهي تضعها على الطاولة:
— هذه كل الفواتير التي وجدتها. حتى إنني فتشت في درج المطبخ، ووجدت فواتير قديمة كنت أظن أنني نسيتها إلى الأبد.
ضحكت سُهى.
— جيد. الفاتورة التي نظن أننا لن نحتاج إليها هي أحيانًا التي تشرح لنا أين ذهب المال.
جلست فاطمة، وأخرجت من حقيبتها أوراقًا صغيرة وبعض الإيصالات المطوية.
بدأتا العمل.
كانت فاطمة قد دوّنت هذه المرة عدد الطلبات، والمبالغ التي قبضتها، وثمن المواد الأساسية. لكنها نسيت تسجيل التغليف والتوصيل في معظم الأيام.
أشارت سُهى إلى أحد الأسطر.
— هنا، طلبتِ عشرين علبة من الحلوى. كم استغرق إعدادها؟
— قرابة أربع ساعات، من دون احتساب وقت التنظيف.
— وثمن المواد؟
أجابت فاطمة، ثم أضافت:
— والتوصيل دفعته من مالي لأن الزبونة طلبت أن تصلها العلب إلى المنزل.
— هل أضفتِ التوصيل إلى السعر؟
خفضت فاطمة رأسها قليلًا.
— لا. شعرت أن المبلغ الذي طلبته مرتفع أصلًا.
لم ترد سُهى فورًا. كانت تعرف ذلك الشعور؛ أن تخاف صاحبة المشروع من خسارة الزبون أكثر مما تخاف من خسارة تعبها.
قالت أخيرًا:
— لا ينبغي أن تدفعي ثمن رضا الزبون من وقتك ومالك كل مرة. يمكنك أن تمنحي تخفيضًا حين تختارين ذلك، لكن يجب أن تعرفي أولًا كم يكلفك الطلب فعلًا.
رفعت فاطمة عينيها.
— أحيانًا أشعر أنني إذا رفعت السعر قليلًا، سيذهب الناس إلى غيري.
— وقد يحدث ذلك مع بعضهم. لكن ليس كل زبون مناسبًا لكل مشروع. إذا كان السعر لا يغطي المواد والتغليف والتوصيل ووقت العمل، فأنت لا تربحين زبونًا، بل تدفعين له كي يشتري منك.
بدا الكلام قاسيًا بعض الشيء، حتى لسُهى نفسها، لكنها لم تسحبه.
قضتا قرابة ساعتين في ترتيب الأرقام. وفي النهاية، لم تكتشف فاطمة أنها كانت تخسر في كل طلب كما خافت، لكنها اكتشفت أن ربحها أقل بكثير مما كانت تتصور، وأن بعض الطلبات الكبيرة تستنزف وقتها من دون مقابل مناسب.
كتبت سُهى لها جدولًا بسيطًا بثلاثة أعمدة: المصروفات، والمبيعات، والربح التقريبي.
قالت فاطمة وهي تتأمل الورقة:
— لم أكن أعرف أنني أحتاج إلى كل هذه التفاصيل.
— لا تحتاجين إلى جدول معقد. تحتاجين فقط إلى معلومات صادقة.
قبل أن تغادر، دفعت فاطمة المبلغ المتفق عليه مقابل الجلسة.
كان مبلغًا متواضعًا، لكنه أول أجر تتلقاه سُهى في ذلك الأسبوع عن عمل لم يكن مرتبطًا بمتجر خالد.
وضعت المال في ظرف صغير خصصته لمصاريف البيت، وشعرت بارتياح لا يخلو من القلق. فما زالت تحتاج إلى مزيد من العملاء، وما زالت المبالغ التي تدخل يدها تتفاوت من أسبوع إلى آخر.
لكنها لم تعد تنتظر اتصالًا واحدًا كي تعرف إن كان عملها موجودًا أم لا.
في اليوم التالي، كان متجر خالد أكثر ازدحامًا من المعتاد، لا بسبب كثرة المشترين، بل لأن بعض الزبائن جاءوا يسألون عن أسعار منتجات ارتفعت كلفتها، بينما اكتفى آخرون بالنظر إلى الرفوف ثم الخروج.
وقف خالد خلف الصندوق، يراقب رجلًا مسنًا يعيد علبة إلى مكانها بعد أن سأل عن سعرها.
قال الرجل:
— كنت أشتريها كل شهر. لم أتوقع أن يتغير سعرها بهذا القدر.
أجابه خالد بلطف:
— حتى نحن فوجئنا بالتغيير. إذا أردت، لديّ نوع آخر بسعر أقل.
اختار الرجل البديل، واشترى علبة واحدة بدلًا من اثنتين.
حين غادر، نظر خالد إلى سُهى.
— هذه هي المشكلة. الناس لا يشترون ما كانوا يشترونه، ونحن لا نستطيع شراء ما كنا نشتريه.
فتحت سُهى دفتر المبيعات.
— لهذا يجب أن نعرف ما الذي يطلبه الناس الآن، لا ما كانوا يطلبونه قبل ثلاثة أشهر.
أشارت إلى قائمة المنتجات.
— هذه الأصناف تُباع بانتظام، حتى لو بكميات أقل. أما هذه، فقد بقيت منها كميات كبيرة. لا نحتاج إلى إعادة شرائها في الوقت الحالي.
— وإذا طلبها أحد الزبائن؟
— يمكننا تسجيل الطلب، ثم نطلب الكمية المناسبة. الأفضل أن نخسر بيعًا واحدًا أحيانًا من أن نجمد مالنا في بضاعة قد تبقى طويلًا.
لم يبدُ خالد مقتنعًا تمامًا. كان معتادًا على ملء الرفوف، ويرى أن المتجر الذي تبدو بضائعه قليلة قد يفقد ثقة زبائنه.
قال:
— الناس تحب أن تجد كل شيء أمامها.
— صحيح. لكنهم أيضًا يحبون أن يجدوا متجرك مفتوحًا بعد شهر، وأن يجدوا فيه ما يحتاجون إليه فعلًا.
نظر إليها طويلًا، ثم أعاد النظر في الأرقام.
— حسنًا. سنجرب طريقتك، لكن لا أريد أن يبدو المتجر فارغًا.
— لن نجعله فارغًا. سنجعله مرتبًا، ونختار ما نضعه فيه بعناية.
كان ذلك أول خلاف حقيقي بينهما منذ بدء العمل معًا. لم يتحول إلى خصام، لكنه ذكّر سُهى بأن تقديم النصيحة لا يعني أن الطرف الآخر سيقبلها بسهولة، حتى عندما تكون الأرقام واضحة.
وفي منتصف النهار، وصل ممثل شركة التوزيع.
كان رجلًا في الأربعينات، يحمل حقيبة جلدية وجهازًا لوحيًا، ويتحدث بثقة شخص اعتاد أن يقدم العروض أكثر مما اعتاد أن يسمع الاعتراضات.
جلسوا في المكتب الصغير خلف المتجر، وبدأ الرجل بشرح مزايا التعاون.
— لدينا منتجات مطلوبة، وأسعارنا مناسبة للتجار الذين يريدون توسيع مبيعاتهم. يمكننا البدء بكميات محدودة، ثم زيادة الشحنة بحسب النتائج.
سأل خالد:
— وما شروط الدفع؟
شرح الرجل المدة المقترحة، ثم انتقل إلى الحديث عن خصومات الكمية.
فتحت سُهى دفترها.
— قبل الحديث عن الخصومات، أريد توضيح ثلاثة أمور. هل توجد رسوم نقل منفصلة؟ وما سياسة البضاعة غير المباعة؟ وهل يمكن تغيير كمية الطلب بعد تأكيدها؟
ابتسم الرجل ابتسامة مهنية.
— النقل يعتمد على قيمة الشحنة. أما البضاعة غير المباعة، فنحن لا نستقبل المرتجعات إلا في حالات محددة.
— وما هذه الحالات تحديدًا؟
ذكر بعض الشروط العامة، ثم قال إنه يستطيع إرسال نسخة مفصلة من سياسة الإرجاع.
تابعت سُهى:
— وهل توجد رسوم إضافية على الحساب أو على التقارير الدورية؟ وماذا يحدث إذا تأخرت الشحنة عن الموعد المحدد؟
تدخل خالد، وقد بدا عليه شيء من الحرج.
— هي مسؤولة عن مراجعة حسابات المتجر، وتريد أن تكون الأمور واضحة منذ البداية.
لم تنظر سُهى إليه. واصلت تدوين الإجابات.
لم يكن ممثل الشركة عدائيًا، لكنه لم يكن مستعدًا لمنحهم كل ما يريدون في اللحظة نفسها. أوضح أن الشركة تتحمل بعض تكاليف النقل في الطلبات الأكبر، وأنها لا تستطيع ضمان موعد دقيق في ظل اضطراب التوريد، لكنها ستبلغ المتجر بأي تأخير.
وعندما انتهى اللقاء، وعد بإرسال نسخة معدلة من العرض تتضمن الرسوم وشروط البضائع غير المباعة.
خرج الرجل، وبقي خالد واقفًا عند الباب.
قال:
— أخشى أننا أضعنا فرصة جيدة بكثرة الأسئلة.
أغلقت سُهى دفترها.
— لو كانت الفرصة جيدة فعلًا، فلن تفسدها الأسئلة الواضحة. وإذا كانت لا تحتمل الأسئلة، فمن الأفضل أن نعرف ذلك الآن.
هز خالد رأسه، ثم قال بصوت أخفض:
— لا أريد أن أبدو ضعيفًا أمام الشركات. أشعر أحيانًا أن الجميع يطلب مني الدفع قبل أن يبيعني شيئًا.
فهمت سُهى أن الأمر لا يتعلق بالبضاعة وحدها. كان الرجل يحاول حماية متجر بناه خلال سنوات، ويخشى أن تؤدي قراراته الخاطئة إلى فقدان ما تبقى من استقراره.
قالت بهدوء:
— طلب التوضيح ليس ضعفًا. أنت لا ترفض التعاون، أنت تحاول أن تعرف إن كنت تستطيع الوفاء بشروطه.
جلس خالد مجددًا، وبدأ يتفحص الأرقام التي أعدّتها.
— لنقرر بعد وصول النسخة الجديدة.
وافقت سُهى، لكنها لاحظت في عينيه ذلك التعب الذي صار يظهر كثيرًا في الآونة الأخيرة.
لم يكن أحد منهما يعرف ما الذي سيحدث في الأسابيع المقبلة.
في مساء اليوم نفسه، عاد سامي إلى الحي وهو يحمل صندوقًا صغيرًا من الأدوات.
وجد سُهى قرب مدخل المنزل، فرفع الصندوق قليلًا وقال:
— أظن أنني أستطيع أن أخبرك بخبر جيد هذه المرة.
ابتسمت.
— أصلحت الجهاز؟
— أصلحت الغسالة. كان العطل أبسط مما توقعت.
شرح لها أن الزبونة اتصلت به بسبب توقف الغسالة عن تصريف الماء. ذهب لمعاينتها، وتأكد من وجود انسداد في جزء من نظام التصريف. نظف الجزء المتضرر، واختبر الجهاز أكثر من مرة قبل أن يغادر.
لم يحتج إلى شراء قطعة جديدة، ولذلك لم يتحمل مصاريف إضافية.
— وكم قبضت؟
ذكر المبلغ، ثم أضاف سريعًا:
— لكنه ليس كله ربحًا. دفعت ثمن التنقل، واستهلكت بعض المواد، وأخذت معي أدوات احتجت إلى استبدال جزء منها.
أخرج دفترًا صغيرًا من جيبه، وفتحه أمامها.
كان قد سجل المبلغ الذي قبضه، ثم كتب تحته المصاريف.
تأملت سُهى الصفحة.
— جيد. الآن أصبح لدينا رقم أقرب إلى الحقيقة.
— بقي شيء واحد.
رفعت عينيها إليه.
— ماذا؟
— استغرقت المعاينة والإصلاح وقتًا أطول مما توقعت. أخبرتها أنني سأصل في نصف ساعة، لكنني وصلت بعد ساعة تقريبًا بسبب المواصلات. كما أنني وعدتها أن أنهي العمل بسرعة، ثم اكتشفت أنني بحاجة إلى وقت إضافي للاختبار.
قال ذلك بنبرة من يقر بخطأ صغير قبل أن يكبر.
أجابته سُهى:
— في المرة القادمة، لا تعطِ موعدًا دقيقًا قبل أن تعرف ظروف الطريق والعمل. قل إنك ستصل خلال فترة تقريبية، وإنك ستحدد المدة بعد المعاينة.
— أخشى أن يظن الزبون أنني لا أعرف عملي.
— الزبون لا يحتاج إلى شخص يدّعي أنه يعرف كل شيء. يحتاج إلى شخص يشرح له ما يستطيع فعله، وما لا يعرفه بعد.
أغلق سامي الدفتر.
— يبدو أنك أصبحتِ مستشارة للجميع.
ضحكت سُهى.
— لو كان ذلك صحيحًا، لعرفت كيف أجعل جدولي أقل ازدحامًا.
جلسا على مقعد قرب الباب، وراحا يراجعان حساب الإصلاح. اتضح أن الربح الصافي مقبول بالنسبة إلى عمل جانبي، لكنه لا يكفي لتعويض النقص في راتبه من المصنع.
قال سامي وهو يحدق في الدفتر:
— كنت أظن أنني إذا حصلت على ثلاثة أو أربعة طلبات في الأسبوع، فسأعوض ما فقدته.
— ربما تستطيع تعويض جزء منه مع الوقت، لكن لا تبنِ ميزانيتك على طلبات لم تنجزها بعد. احسب دخلك الأساسي كما هو الآن، واعتبر دخل الإصلاح مبلغًا إضافيًا إلى أن يصبح منتظمًا.
أومأ ببطء.
— لا أحب فكرة أنني أبدأ من جديد في هذا العمر.
نظرت إليه سُهى.
— أنت لا تبدأ من الصفر. لديك خبرة، ويداك تعرفان العمل، وهناك من بدأ يثق بك. لكنك تحتاج إلى وقت حتى يتحول ذلك إلى دخل ثابت.
لم يبدُ مقتنعًا تمامًا، لكنه لم يعترض.
قبل أن يغادر، قال:
— بالمناسبة، اتصل بي رجل يريد إصلاح ثلاجة. قال إن فيها عطلًا قد يكون مكلفًا.
— هل حددت معه موعدًا؟
— نعم، غدًا. لكنه يريدني أن أشتري القطعة قبل أن آتي.
تغيرت ملامح سُهى قليلًا.
— لا تفعل ذلك.
— سأخبره أنني أحتاج إلى معاينة الجهاز أولًا، وأن شراء القطعة سيكون بعد الاتفاق على التكلفة.
ابتسمت.
— هذه هي الطريقة الصحيحة.
انصرف سامي، وبقيت سُهى لحظة تفكر في الفرق بين رجل كان يرى العمل الجانبي مجرد حل سريع، ورجل بدأ يتعلم أن كل خطوة تحتاج إلى حساب، وأن النجاح لا يأتي من كثرة الوعود، بل من القدرة على الوفاء بها.
في اليوم التالي، عادت مريم من المدرسة وهي تحمل ورقة مطوية بعناية.
لم تخلع حقيبتها حتى اقتربت من أمها.
— أمي، وصلتني التفاصيل!
كانت عيناها تلمعان بحماس لم تره سُهى منذ أيام.
أخذت الورقة وفتحتها. كانت دعوة المشاركة في المعرض الفني للأطفال تتضمن موعد الافتتاح، ومكان المركز الثقافي، وإمكانية توفير نقل جماعي للأطفال المشاركين، شرط تسجيل الأسماء مسبقًا ودفع مساهمة رمزية في تكاليف النقل.
قرأت سُهى الورقة مرتين.
قالت مريم:
— هل نستطيع الذهاب؟
جلست سُهى إلى جانبها.
— دعينا نحسب الأمر أولًا. كم بقي على المعرض؟
— أسبوعان.
— جيد. سأتحقق من موعد النقل، ثم نرتب وقتنا.
انخفض حماس مريم قليلًا.
— يعني أنك لست متأكدة؟
لاحظت سُهى تغير وجه ابنتها، فأمسكت يدها.
— أنا متأكدة أنني أريدك أن تشاركي. أما التفاصيل، فنحتاج إلى ترتيبها. لا أريد أن أعدك بشيء ثم أكتشف في آخر لحظة أنني لم أحسب الوقت أو المصاريف جيدًا.
ظلت مريم صامتة لحظات، ثم سألت:
— هل ستأتين معي؟
كان هذا هو السؤال الحقيقي، وقد شعرت سُهى بثقله أكثر من ثقل أي مبلغ مكتوب في الورقة.
كانت لديها جلسة مع عميلة جديدة في ذلك اليوم، وموعد مراجعة حسابات مع خالد في الأسبوع التالي، فضلًا عن مسؤوليات البيت واحتياجات أمها.
لكنها لم ترد أن تجعل مريم تشعر بأن حلمها مجرد بند آخر ينتظر ما يتبقى من الوقت.
قالت:
— سأرتب عملي حتى أكون معك. وإذا ظهرت مشكلة، فسنتحدث عنها معًا. لكنني لا أريدك أن تقلقي بشأن المال أو المواعيد. هذه مسؤوليتي أنا.
ارتاحت مريم، وأخرجت من حقيبتها الرسم الذي كانت تعمل عليه.
كان الطفل الذي يحمل المصباح قد تغير مرة أخرى. لم يعد واقفًا عند بداية الطريق، بل صار يسير فوق ممر متعرج تحيط به بيوت صغيرة. وفي نهاية الممر ظهرت نافذة مضيئة، لكن الطفل لم يكن يتجه إليها مباشرة؛ كان ينظر إلى علامة صغيرة تشير إلى طريق آخر.
تأملت سُهى الرسم.
— لماذا جعلتِ الطريق يتفرع هنا؟
قالت مريم وهي تشير إلى العلامة:
— لأنه يمكن أن يكون هناك أكثر من طريق للوصول إلى المكان الذي نريده.
— وهل يعرف الطفل أي طريق سيختار؟
هزت مريم رأسها.
— ليس بعد. لكنه لم يعد خائفًا من أن ينظر حوله.
شعرت سُهى بأن الجملة وصلت إليها من مكان أعمق من الرسم.
لم تكن ابنتها قد نسيت ما حدث، ولم تكن قد أصبحت سعيدة طوال الوقت لمجرد أنها بدأت تتأقلم مع المدرسة الجديدة. لكنها كانت تتعلم أن الحياة لا تتوقف عند أول تغيير، وأن الطريق الذي لم تختره قد يحمل لها أشياء لم تكن تعرفها.
قالت سُهى:
— أعتقد أن هذا الرسم يستحق أن يراه الناس.
ابتسمت مريم.
— سأكتب له اسمًا عندما أنتهي.
— خذي وقتك. لا تستعجلي الاسم قبل أن تعرفي ماذا تريدين أن تقولي به.
جمعت مريم أوراقها، ثم ذهبت إلى غرفتها لتكمل الرسم.
أما سُهى، ففتحت دفتر المصاريف. كتبت تكلفة النقل، وأضافت مبلغًا صغيرًا للطعام، ثم خصصت وقتًا للذهاب والعودة.
لم تكن النفقات كبيرة، لكنها لم تكن بلا أثر على ميزانيتها.
نظرت إلى الأرقام، ثم نقلت مبلغًا بسيطًا من بند المصاريف المرنة إلى بند المعرض.
لم تشعر بأنها ارتكبت خطأ. كانت تعرف أن الادخار لا يعني حرمان البيت من كل ما يمنحه معنى، كما أن الفرح لا يبرر إنفاق المال دون حساب.
أغلقت الدفتر، ووضعت الورقة الخاصة بالمعرض في ملف منفصل.
للمرة الأولى منذ وقت طويل، لم تنظر إلى موعد ابنتها بوصفه عائقًا أمام العمل، بل جزءًا من الحياة التي تحاول بناءها.
بعد يومين، جاءتها رسالة من امرأة تدعى هناء، تعمل في صناعة منتجات منزلية بسيطة. كانت قد حصلت على رقم سُهى من نجلاء، وكتبت أنها تريد تنظيم حسابات مشروعها قبل موسم البيع القادم.
اتصلت بها سُهى في المساء.
شرحت هناء أنها تصنع بعض المنتجات بنفسها، وتشتري موادها من أكثر من مورد. كانت تبيع عبر المعارف وصفحتها الصغيرة، لكنها لا تعرف أي المنتجات تحقق ربحًا أفضل، ولا كيف تحدد سعرًا يغطي وقتها ومصاريفها.
استمعت سُهى، ثم قالت:
— يمكنني مساعدتك في ترتيب الحسابات، لكنني أحتاج أولًا إلى معرفة حجم العمل، وعدد المنتجات، وما الذي تسجلينه حاليًا. لا أريد أن أحدد لك تكلفة الخدمة قبل أن أفهم المطلوب.
قالت هناء:
— كنت أظن أن الأمر مجرد جدول للمبيعات.
— قد يكون جدولًا بسيطًا فعلًا، وقد يحتاج إلى مراجعة تكاليف المنتجات أيضًا. نحدد ذلك بعد أن أرى السجلات.
اتفقتا على لقاء قصير في المركز الثقافي، حيث يمكنهما مراجعة الأوراق وتحديد ما تحتاج إليه هناء.
عندما أغلقت سُهى الهاتف، شعرت بفرحة صغيرة. كانت توصية نجلاء تعني أن العمل الذي قدمته بدأ يترك أثرًا لدى الآخرين.
لكن الفرحة لم تستمر طويلًا قبل أن تنظر إلى جدولها الأسبوعي.
كان لديها موعد مع فاطمة، ومراجعة مع خالد، وجلسة أولى مع هناء، ومهمة صغيرة لريم، فضلًا عن أعمال البيت وموعد معرض مريم.
أخذت ورقة جديدة، وبدأت تقسيم الوقت.
وضعت بجانب كل مهمة المدة المتوقعة، ثم أضافت وقتًا احتياطيًا للتنقل والتأخير. وعندما انتهت، اكتشفت أن الجدول لا يتسع لكل شيء إذا أرادت أن تعمل من الصباح حتى المساء.
ترددت قليلًا، ثم اتخذت قرارًا لم تكن معتادة عليه.
اتصلت بريم، وأخبرتها أنها تستطيع مراجعة حساباتها مساء الأربعاء بدلًا من الثلاثاء.
اعتذرت عن تغيير الموعد، فقبلت ريم بهدوء.
بعد المكالمة، شعرت سُهى بالذنب للحظات، ثم كتبت في دفترها:
الالتزام لا يعني أن أكون متاحة في كل وقت. الالتزام أن أحدد ما أستطيع إنجازه، ثم أنجزه كما اتفقنا.
لم تكن الجملة حلًا سحريًا لمشكلة الوقت، لكنها منحتها طريقة أوضح للنظر إليها.
في مساء الجمعة، عاد خالد إلى الاتصال بها.
— وصلت النسخة الجديدة من العرض.
ذهبت إليه في المتجر بعد أن انتهت من بعض أعمال البيت. كان قد وضع الوثيقة أمامه، وإلى جانبها ورقة كتب فيها ملاحظاته.
قرأت سُهى البنود المعدلة. لم تتغير جميع الشروط كما تمنيا، لكن الشركة أوضحت رسوم النقل، وحددت المدة التي يمكن خلالها تقديم طلب بشأن المنتجات التالفة، وأكدت أن البضاعة غير المباعة لا تُسترجع إلا بموافقة مكتوبة مسبقة.
أما الدفع، فكان يتطلب تسديد جزء من قيمة الشحنة قبل تجهيزها، ثم دفع الباقي خلال مدة قصيرة من التسليم.
قال خالد:
— يمكنني دفع المبلغ الأول، لكنني سأضطر إلى تأجيل شراء بعض المنتجات الأخرى.
أجابت سُهى:
— وهذا يعني أننا نحتاج إلى مقارنة الربح المتوقع من هذه الشحنة بالمنتجات التي سنؤجل شراءها.
بدأت الحسابات.
أعدّت قائمة بأكثر المنتجات المطلوبة في المتجر، ثم قارنت أسعار الشركة بأسعار الموردين الآخرين. كانت بعض المنتجات أرخص قليلًا لدى الشركة الجديدة، لكن فارق السعر لم يكن كبيرًا في جميع الأصناف. وإذا أضيفت تكلفة النقل، فقد تصبح بعض المنتجات أقل جدوى مما بدت عليه في العرض الأول.
قال خالد وهو يتابع الجدول:
— إذن لا فائدة من أخذ كل ما اقترحوه.
— بالضبط. نختار الأصناف التي نعرف أن لها طلبًا، ونبدأ بكمية صغيرة. وإذا لم يحقق التعاون نتيجة مقبولة، نتوقف عند نهاية التجربة.
ظل خالد يفكر، ثم قال:
— سأقبل بالشحنة الصغيرة، بشرط أن يؤكدوا الكمية والسعر والموعد كتابةً. لن أشتري أكثر من ذلك الآن.
رفعت سُهى رأسها.
— هذا قرار معقول، بشرط أن نحتفظ بما يكفي لتغطية المصاريف الأساسية والمتأخرات. لا ينبغي أن نستخدم كل السيولة في الشحنة.
— أعرف. سأراجع المبلغ الذي أحتاج إليه للأجور والفواتير قبل أن أحول أي شيء.
كانت تلك أول مرة يكرر فيها خالد بنفسه مبدأ كانت سُهى تذكره في كل اجتماع تقريبًا.
ابتسمت.
— يبدو أنك بدأت تحفظ كلامي.
ضحك خالد للمرة الأولى منذ أيام.
— بل بدأت أكتشف كم يكلفني ألا أسمعه.
لكن ضحكته خفتت عندما نظر إلى المتجر.
— هناك أمر آخر. أحد التجار أخبرني أن شحنته تأخرت، وأن المورد طلب منه الانتظار من دون تحديد موعد جديد. أخشى أن يحدث معنا الشيء نفسه.
قالت سُهى:
— لهذا لن نبني خطتنا على وصول البضاعة في يوم واحد محدد. سنطلب تأكيدًا مكتوبًا، ونبقي بعض المال جانبًا إذا تأخرت الشحنة. وإذا لم نستطع تحمل التأخير، فعلينا أن نؤجل الطلب.
لم يكن خالد سعيدًا بالاحتمالات التي وضعتها أمامه، لكنه أدرك أنها ليست من صنعها.
في طريق عودتها، مرّت سُهى أمام متجر صغير كان صاحبه يتحدث مع أحد الزبائن عن انخفاض المبيعات. سمعت كلمات متفرقة عن ساعات العمل، وتأخر الأجور، وارتفاع أسعار المواد.
كانت الأزمة التي بدأت في المصنع تتسع ببطء، وتظهر في تفاصيل الحياة اليومية: مشتريات أقل، وديون أطول، وطلبات مؤجلة.
لم يكن أحد يتحدث عن انهيار وشيك، لكن كثيرين صاروا يحسبون حساب كل مبلغ قبل إنفاقه.
وفهمت سُهى أن عملها لن يكون مجرد ترتيب دفاتر. ستحتاج إلى مساعدة الناس على اتخاذ قرارات صعبة في وقت لا يملك فيه أحد ضمانات كافية.
في تلك الليلة، جلست سُهى قرب النافذة، بينما كانت مريم تضع اللمسات الأخيرة على رسمها.
قالت أمها من داخل الغرفة:
— هل انتهيتِ من عملك اليوم؟
أجابت سُهى وهي تغلق الحاسوب:
— تقريبًا.
— وهل بقي لك وقت لنفسك؟
نظرت سُهى إلى الساعة، ثم إلى الأوراق المنتشرة حولها.
— ليس كثيرًا.
اقتربت أمها وجلست قبالتها.
— لا أريد أن أزعجك بالنصيحة كل يوم، لكنني أراك تعودين إلى العادة القديمة نفسها.
رفعت سُهى حاجبيها.
— أي عادة؟
— حين كنت تعملين في العاصمة، كنت تؤجلين راحتك حتى تنتهي كل المهام. وكانت المهام تزداد كلما أنهيتِ واحدة. الآن تفعلين الشيء نفسه، لكنك أضفتِ إليه مسؤولية مساعدة الآخرين.
لم تجد سُهى جوابًا سريعًا.
قالت أمها:
— مساعدة الناس أمر جميل، لكن ليس مطلوبًا منك أن تحملي مشكلاتهم كلها. يمكنك أن تكوني جيدة في عملك من دون أن تكوني متاحة طوال الوقت.
نظرت سُهى إلى يدها، ولاحظت أنها ما زالت تمسك القلم بقوة.
— أخشى أن أفقد العملاء إذا لم أستجب بسرعة.
— وقد يفقدون ثقتهم بك إذا وعدتِهم بأكثر مما تستطيعين إنجازه.
كانت كلمات أمها بسيطة، لكنها أصابت موضعًا كانت سُهى تحاول تجاهله.
لقد أمضت أسابيع وهي تحاول إثبات أن عودتها إلى المدينة القديمة لم تكن نهاية مسيرتها، وأنها تستطيع بناء عمل مستقل من دون مكتب كبير أو راتب شهري مضمون. وربما جعلها هذا الحرص تقبل أحيانًا بأكثر مما يتسع له يومها.
قالت بعد لحظة:
— أحتاج إلى أن أتعلم كيف أقول لا، من دون أن أشعر بأنني أضيّع فرصة.
ابتسمت أمها.
— أنت لا تضيعين الفرصة حين تحافظين على قدرتك على العمل غدًا.
في تلك اللحظة، جاءت مريم تحمل الرسم.
— انتهيت!
أخذت سُهى الورقة وتأملتها. كان الطفل قد وصل إلى نقطة تتفرع منها ثلاثة طرق، والمصباح في يده يضيء مساحة صغيرة أمامه. أما النافذة المضيئة، فلم تعد في نهاية الطريق، بل ظهرت على جانب أحد المسارات، كأنها احتمال من بين احتمالات كثيرة.
وفي أسفل الرسم، كتبت مريم بخط واضح:
«ليس علينا أن نرى الطريق كله كي نختار خطوتنا التالية».
قرأت سُهى العبارة بصوت منخفض.
— هل هذا هو اسم الرسم؟
أجابت مريم:
— نعم. أظن أنه يناسبه.
احتضنتها سُهى، ثم قالت:
— أظن أنه يناسبنا نحن أيضًا.
لم تسأل مريم عما تقصده. اكتفت بأن أسندت رأسها إلى كتف أمها، بينما وضعت سُهى الرسم فوق الطاولة، بعيدًا عن أكوام الفواتير والحسابات.
كانت تنتظرها في الأسبوع المقبل قرارات كثيرة: شحنة جديدة قد تصل وقد تتأخر، وعميلة لم تبدأ العمل معها بعد، وموعد معرض تريد أن تحضره مع ابنتها، ودخل لا يزال يتغير من شهر إلى آخر.
لم تختفِ المخاوف، ولم تصبح الحياة أسهل لمجرد أنها تعلّمت بعض القواعد.
لكن شيئًا واحدًا تغيّر.
لم تعد سُهى ترى كل مشكلة بوصفها امتحانًا عليها أن تنجح فيه وحدها، ولم تعد ترى كل فرصة بوصفها بابًا يجب أن تدخل منه قبل أن يُغلق.
أطفأت ضوء الغرفة، واحتفظت بالمصباح الصغير قرب نافذتها.
كان الغد سيأتي بما فيه، أما الليلة، فقد قررت أن تترك بعض الحسابات إلى الصباح.
ولم يكن ذلك إهمالًا.
كان جزءًا من الحساب الصحيح.