لم تنم سُهى جيدًا تلك الليلة.
كانت قد عادت من العاصمة متعبة، تحمل حقيبتها الصغيرة في يد، وهاتفها في اليد الأخرى، بينما ظلت كلمات مسؤول التوظيف تتردد في ذهنها كلما أغمضت عينيها.
لم تكن المقابلة سيئة، بل على العكس؛ فقد بدا الرجل مقتنعًا بخبرتها، وأبدى إعجابه بقدرتها على تنظيم الحسابات واكتشاف الأخطاء بسرعة. لكنه كان واضحًا حين تحدث عن طبيعة العمل.
قال لها قبل أن تغادر مكتبه:
«نحتاج إلى شخص يستطيع الالتزام بساعات العمل كاملة. أحيانًا سنضطر إلى البقاء بعد الموعد الرسمي، خصوصًا في نهاية الشهر. كما أن العمل يتطلب الحضور إلى المكتب يوميًا، ولا يمكننا حاليًا توفير نظام عمل مرن.»
سألته سُهى يومها:
«وهل توجد إمكانية لتأجيل بداية العمل أسبوعين؟ أحتاج إلى ترتيب بعض الأمور العائلية.»
أجابها بابتسامة مهنية هادئة:
«يمكننا مناقشة موعد البداية إذا وقع الاختيار عليك، لكن طبيعة العمل نفسها لن تتغير.»
شكرته وغادرت، دون أن تمنحه وعدًا أو ترفض الفرصة.
والآن، وهي مستلقية على سريرها القديم في بيت أمها، أدركت أن المشكلة لم تكن في الراتب وحده. كانت الوظيفة قادرة على منحها استقرارًا ماليًا افتقدته منذ أشهر، لكنها ستعيدها إلى حياة اعتادت فيها أن تركض من مكان إلى آخر، وأن تؤجل كل ما يخصها حتى تنتهي من واجباتها تجاه الآخرين.
والأصعب من ذلك أنها ستضطر إلى إعادة ترتيب حياة مريم مرة أخرى.
التفتت نحو ابنتها النائمة. كان ضوء المصباح الصغير ينعكس على وجهها، وإحدى يديها تستقر فوق دفتر الرسم المفتوح بجانب الوسادة.
اقتربت سُهى منها، وسحبت الغطاء قليلًا فوق كتفيها.
همست:
«لا أريد أن أظلمك يا مريم، ولا أريد أن أظلم نفسي أيضًا.»
لم يكن في الغرفة من يسمعها، ومع ذلك شعرت براحة غريبة بعد أن نطقت بما كانت تخفيه في صدرها.
في الصباح، استيقظت مريم قبل أمها على غير عادتها.
كانت قد رسمت نافذة كبيرة، تطل منها فتاة على حديقة واسعة، وفي طرف الحديقة طريقان؛ أحدهما يؤدي إلى بيت صغير تحيط به الأشجار، والآخر يمتد نحو مدينة بعيدة.
حين دخلت سُهى الغرفة، وجدتها تضيف بعض الألوان إلى الرسم.
قالت مبتسمة:
«يبدو أنك قضيت وقتًا طويلًا مع هذه النافذة.»
رفعت مريم رأسها.
«لم أستطع النوم. كنت أفكر في الطريقين.»
جلست سُهى بجانبها.
«وهل عرفتِ أيهما ستختارين؟»
هزت مريم رأسها.
«ليس بعد. الطريق الذي يؤدي إلى البيت جميل، لكنني لا أعرف ماذا يوجد في نهايته. والطريق الذي يؤدي إلى المدينة يبدو طويلًا، لكن ربما توجد هناك أشياء جميلة أيضًا.»
ابتسمت سُهى رغم التعب الذي يثقل عينيها.
«يبدو أنك أصبحتِ أكثر حكمة مني.»
ضحكت مريم قليلًا، ثم عادت إلى ألوانها قبل أن تسأل بصوت خافت:
«هل عرفتِ شيئًا عن الوظيفة؟»
ترددت سُهى لحظة. كانت تستطيع أن تؤجل الحديث إلى وقت آخر، لكنها تذكرت وعدها لابنتها بألا تخفي عنها ما يتعلق بمستقبلهما.
«ذهبت إلى المقابلة، وقد أعجبهم عملي. لكن الوظيفة تحتاج إلى وقت طويل، وسأضطر إلى العودة إلى العاصمة إذا قبلوني.»
توقفت يد مريم عن الحركة.
«هل سنعود إلى هناك؟»
«لا أعرف بعد. لم يقدموا لي عرضًا نهائيًا.»
نظرت مريم إلى رسمها، ثم قالت:
«أنا لا أريد أن نرحل عن جدتي. لكنني لا أريدك أن تتعبي كل يوم لأن المال لا يكفي.»
شعرت سُهى بشيء ينقبض في صدرها. لم تكن تريد أن تحمل طفلتها همومًا أكبر من عمرها، لكنها أدركت أن مريم كانت ترى أكثر مما تتصور.
وضعت يدها على كتفها.
«ليس مطلوبًا منك أن تجدي حلًا لمشكلاتي يا حبيبتي. هذه مسؤوليتي أنا. أريدك فقط أن تكوني طفلة، وأن تدرسي وترسمي وتلعبي. أما أنا فسأبحث عن الطريق الذي يسمح لنا بالعيش بكرامة، دون أن نجعل الخوف يختار بدلًا منا.»
رفعت مريم عينيها إليها.
«حتى لو كان الطريق صعبًا؟»
«حتى لو كان صعبًا. المهم أن نفهم إلى أين يقودنا.»
عادت مريم إلى الرسم، لكن هذه المرة أضافت إلى النافذة ستارة خفيفة، وفتحتها على اتساعها.
أما سُهى، فشعرت أن حديث الصباح لم يمنحها الإجابة التي تبحث عنها، لكنه أزال عنها عبئًا آخر: عبء التظاهر بأنها تعرف كل شيء.
في ذلك اليوم، ذهبت سُهى إلى متجر خالد في وقت أبكر من المعتاد.
كان المتجر مزدحمًا ببعض الزبائن، وكانت أصوات الحركة في الشارع تتسلل من الباب المفتوح. خلف المنضدة، كان خالد يحاول مطابقة قائمة مشتريات مع مجموعة فواتير، وقد بدا عليه الانزعاج.
ما إن رآها حتى قال:
«جئتِ في الوقت المناسب. أظن أنني سأحتاج إلى مساعدتك في أمر جديد.»
وضعت سُهى حقيبتها جانبًا.
«هل هناك خطأ آخر في الحسابات؟»
تنهد خالد.
«لا أعرف إن كان خطأ أم مشكلة أكبر. هناك مورد يطلب مني تسديد مبلغ لم أكن أتوقع أن يكون مستحقًا الآن. كنت أظن أن موعد الدفع بعد أسبوعين.»
اقتربت من المنضدة وأخذت الأوراق.
«دعني أراجع الفواتير أولًا.»
بدأت تقارن التواريخ والمبالغ، ثم طلبت منه دفتر المشتريات وكشوف المدفوعات. وبعد نحو نصف ساعة، اكتشفت أن المورد لم يخطئ في حسابه، لكن خالد كان قد اعتمد على موعد قديم في إحدى الرسائل، بينما تغيرت شروط الدفع في الفاتورة الجديدة.
قالت وهي تشير إلى السطر الأخير:
«المبلغ صحيح، لكن موعد الاستحقاق تغير. يبدو أنك لم تنتبه إلى التعديل.»
مرر خالد يده على جبينه.
«وهذا ما كنت أخشاه. المشكلة أنني لا أملك المبلغ كاملًا الآن.»
جلست سُهى إلى الطاولة الصغيرة في الزاوية.
«كم تستطيع أن تدفع هذا الأسبوع دون أن تعجز عن شراء البضائع الأساسية؟»
فكر قليلًا قبل أن يجيب.
«ربما نصف المبلغ، لكن ذلك سيجعلني أؤجل دفع مستحقات أخرى.»
«إذن لا بد أن نرتب الأولويات. لن نحل المشكلة إذا دفعنا هذا المورد ثم وجدنا أنفسنا عاجزين عن تسديد فاتورة أخرى بعد يومين.»
أحضرت ورقة جديدة، وبدأت تقسّم المستحقات إلى ثلاثة أقسام: ما يجب دفعه فورًا، وما يمكن التفاوض بشأن تأجيله، وما يمكن تغطيته من الأموال التي ينتظر المتجر تحصيلها من الزبائن.
كان خالد يتابعها بصمت.
بعد أن انتهت، دفع الورقة نحوه.
«هل تعلمين؟ كنت أظن أنني أحتاج إلى شخص يكتب الأرقام في الدفتر فقط. لكنك تجعلينني أرى ما يحدث قبل أن يتحول إلى مشكلة.»
أجابت سُهى وهي تجمع الأوراق:
«الأرقام لا تتحدث وحدها، لكننا نستطيع أن نفهم ما تقوله إذا نظرنا إليها مجتمعة.»
ابتسم خالد.
«وهذا بالضبط ما أحتاج إليه.»
ثم فتح درجًا صغيرًا وأخرج دفترًا جديدًا.
«أريدك أن تتولي متابعة الحسابات بصورة منتظمة، لا أن تأتي فقط عندما تقع المشكلة. سأدفع لك مبلغًا ثابتًا مقابل ذلك، إضافة إلى ما اتفقنا عليه بشأن الساعات الإضافية.»
نظرت سُهى إليه باستغراب.
«هل تستطيع تحمل هذه التكلفة الآن؟»
«إذا ساعدتني على تجنب الأخطاء والتأخر في الدفع، فستكون هذه التكلفة أقل من خسارة المال بسبب الفوضى.»
لم تجب فورًا. كانت تعلم أن خالد لا يملك متجرًا كبيرًا، وأن وضعه المالي لم يكن مريحًا تمامًا، لكنها رأت في عرضه فرصة حقيقية.
قالت أخيرًا:
«حسنًا. لنجرب ذلك لمدة شهر، ثم نراجع النتائج معًا.»
صافحها خالد بحرارة، قبل أن يعود إلى ترتيب البضائع.
وللمرة الأولى منذ عودتها إلى المدينة، شعرت سُهى بأن خبرتها القديمة لم تعد مجرد شيء تحاول الاستفادة منه للبقاء. لقد أصبحت شيئًا يحتاج إليه الآخرون فعلًا.
بعد الظهر، وصلت إلى المتجر امرأة في أواخر الثلاثينات، تحمل كيسًا قماشيًا مليئًا بمنتجات يدوية صغيرة.
كانت سُهى قد التقتها قبل أيام، حين ساعدتها على حساب تكلفة بعض القطع التي تصنعها في منزلها. اسمها نجلاء، وهي أم لطفلين بدأت مشروعها بعد أن توقفت عن العمل في أحد المصانع.
وضعت الكيس على الطاولة وقالت:
«جئت لأخبرك أنني بعت معظم القطع التي تحدثنا عنها.»
ابتسمت سُهى.
«هذا خبر جيد! هل حققتِ ربحًا أفضل هذه المرة؟»
تغيرت ملامح نجلاء قليلًا.
«بعت أكثر، نعم، لكنني لا أعرف إن كان الربح أفضل. أنفقت المال الذي حصلت عليه على شراء مواد جديدة، ولم يبقَ معي شيء تقريبًا.»
طلبت سُهى منها أن تجلس، ثم أخرجت الدفتر الذي أعدتاه معًا في اللقاء السابق.
بدأتا بمراجعة المبيعات والمشتريات، وتبين أن نجلاء كانت تحتسب ثمن المواد الخام فقط، وتنسى أحيانًا تكلفة التغليف والتنقل والقطع التي تتلف أثناء العمل. كما أنها كانت تمنح بعض الزبائن تخفيضات صغيرة دون أن تحسب أثرها في الربح.
قالت نجلاء بحزن:
«كنت أظن أن كثرة البيع تعني أن مشروعي ينجح.»
أجابتها سُهى بلطف:
«كثرة البيع مهمة، لكنها ليست المقياس الوحيد. إذا كنتِ تبيعين كثيرًا وتدفعين أكثر مما تكسبين، فسوف تتعبين دون أن تتقدمي.»
خفضت نجلاء رأسها.
«أشعر أحيانًا أنني بدأت متأخرة. هناك نساء يعرضن منتجاتهن على الإنترنت، ويملكن صورًا جميلة وصفحات مرتبة، أما أنا فأصنع كل شيء في المنزل، وأحيانًا أعمل ليلًا بعد أن ينام أطفالي.»
نظرت سُهى إلى القطع المصنوعة بعناية داخل الكيس.
«أنتِ لا تبدئين من الصفر. لديكِ مهارة، ولديكِ منتجات يحبها الناس. ما تحتاجين إليه هو أن تنظمي عملك وتعرفي قيمة ما تصنعين. أما الصور والتسويق، فيمكننا أن نبدأ فيهما خطوة خطوة.»
رفعت نجلاء رأسها.
«هل تساعدينني في ذلك أيضًا؟»
«أستطيع أن أتابع معك الحسابات، ونضع معًا قائمة واضحة بالتكاليف والأسعار. ويمكننا بعد ذلك أن نفكر في طريقة أفضل لعرض المنتجات.»
تنفست نجلاء بارتياح.
«كم سأدفع لك مقابل هذه المتابعة؟»
حددت سُهى مبلغًا يناسب حجم المشروع، ثم اتفقتا على موعد أسبوعي لمراجعة المبيعات والمصاريف.
حين غادرت نجلاء، بقيت سُهى تنظر إلى الدفتر المفتوح أمامها.
لم تكن قد بنت مشروعًا كبيرًا، ولم يصبح دخلها كافيًا بعد لتشعر بالأمان التام. لكنها بدأت ترى طريقًا لم يكن واضحًا قبل أسابيع: يمكنها أن تستفيد من خبرتها في مساعدة أصحاب المشاريع الصغيرة، وأن تبني عملًا خاصًا بها دون أن تضطر إلى التخلي فورًا عن حياتها الجديدة.
كان الطريق بطيئًا، لكنه طريقها.
في المساء، عادت سُهى إلى البيت، فوجدت أمها في المطبخ تحضر العشاء، بينما كانت مريم تجلس إلى الطاولة وتقص أوراقًا ملونة
سألتها الجدة:
«كيف كان يومك؟»
وضعت سُهى حقيبتها على الكرسي.
«أفضل مما توقعت. اتفقت مع خالد على متابعة حسابات متجره بصورة منتظمة، وهناك امرأة أخرى ستدفع لي مقابل متابعة حسابات مشروعها المنزلي.»
التفتت أمها إليها، وقد ظهرت على وجهها ابتسامة صغيرة.
«الحمد لله. يبدو أنك بدأتِ تجدين لنفسك مكانًا هنا.»
جلست سُهى قربها.
«لكنني لا أعرف إن كان هذا سيكفي. الراتب الذي عرضوه عليّ في العاصمة أفضل بكثير.»
وضعت أمها الملعقة جانبًا.
«هل اتصلوا بك؟»
أومأت سُهى.
«أرسلوا رسالة اليوم. يريدون معرفة إن كنت ما زلت مهتمة بالوظيفة، وقالوا إنهم سيحددون موعدًا آخر للحديث عن الشروط إذا أكدت لهم ذلك.»
«وماذا ستفعلين؟»
نظرت سُهى إلى ابنتها التي كانت تحاول قص دائرة ورقية دون أن تمزقها.
«لا أعرف. جزء مني يريد أن أقبل. أريد أن أستطيع دفع مصاريفنا دون أن أحسب ثمن كل شيء مرتين. أريد أن أشتري لمريم ما تحتاج إليه دون أن أشعر بالذنب. وأريد أن أطمئن إلى أنني لن أعود يومًا إلى هنا لأنني لم أعد قادرة على دفع الإيجار.»
سكتت لحظة، ثم تابعت:
«لكنني أخاف أن أقبل الوظيفة، ثم أكتشف أنني عدت إلى النقطة نفسها. أعمل طوال اليوم، وأعود متعبة، وأشعر أنني لا أملك وقتًا لابنتي ولا لنفسي.»
اقتربت أمها منها.
«يا ابنتي، لا توجد حياة تضمن لك ألا تتعبي. حتى البقاء هنا سيحتاج إلى جهد، وربما تواجهين فيه مشكلات لم تتوقعيها. لا تجعلي الخوف من تكرار الماضي يمنعك من رؤية الفرص الجديدة.»
تنهدت سُهى.
«أحيانًا أشعر أنني إن اخترت المال فسأكون أنانية، وإن اخترت البقاء فسأكون مقصرة في حق مريم.»
هزت أمها رأسها بحزم.
«لا تقيسي أمومتك بعدد الساعات التي تقضينها بجانب ابنتك، ولا تقيسي نجاحك بمقدار المال الذي تكسبينه وحده. المهم أن تختاري ما تستطيعين الاستمرار فيه، وأن تكوني صادقة مع نفسك ومع مريم.»
ثم عادت إلى إعداد العشاء، قبل أن تضيف:
«ولا تنسي أنك لست مطالبة بأن تحلي كل شيء في يوم واحد.»
بقيت سُهى صامتة، تفكر في كلمات أمها. كان من السهل أن تطلب منها ألا تقلق، لكن أمها لم تفعل ذلك. لقد ذكّرتها فقط بأن القلق لن يمنحها إجابة، وأن القرار يحتاج إلى معلومات حقيقية لا إلى توقعات مخيفة.
بعد العشاء، جلست سُهى مع مريم في الغرفة الصغيرة التي أصبحت مكانهما المفضل للرسم والحديث.
كانت مريم قد انتهت من تلوين النافذة الكبيرة، وكتبت أسفلها بخطها الطفولي:
«المكان الذي أستطيع أن أرى منه المستقبل.»
تأملت سُهى العبارة طويلًا.
«لماذا كتبتِ هذا العنوان؟»
أجابت مريم وهي ترتب أقلامها:
«لأنني عندما أنظر من النافذة لا أرى ما يحدث في الغرفة فقط. أرى الشارع والناس والبيوت، وأتخيل الأماكن التي يمكن أن أذهب إليها.»
ثم رفعت عينيها إلى أمها.
«هل يمكن أن نرسم نافذة حقيقية في بيتنا القادم؟»
ابتسمت سُهى.
«إذا وجدنا بيتًا مناسبًا، سنحاول ذلك.»
«حتى لو كان صغيرًا؟»
«حتى لو كان صغيرًا.»
فكرت مريم قليلًا، ثم سألت:
«هل قررتِ بشأن الوظيفة؟»
جلست سُهى على حافة السرير، ودعت ابنتها لتجلس بجانبها.
«ليس بعد. أريد أن أتحدث معهم مرة أخرى، وأن أعرف إن كان هناك مجال لتعديل بعض الشروط. وفي الوقت نفسه سأواصل عملي هنا، حتى أعرف إن كان بإمكاني بناء دخل ثابت.»
«إذن لن نرحل الآن؟»
«لن نتخذ قرارًا متسرعًا. وإذا تغير شيء، فسأتحدث معك قبل أن نقرر ما سنفعله.»
بدت مريم أكثر ارتياحًا.
ثم مدت يدها إلى دفتر الرسم، وقلبت صفحاته حتى وصلت إلى رسم قديم لبيت صغير ذي نوافذ واسعة.
«كنت أرسم هذا البيت عندما كنا في العاصمة. في ذلك الوقت كنت أظن أنه يشبه بيتنا القديم.»
تأملت سُهى الرسم. كانت تتذكر اليوم الذي رسمته فيه مريم، حين كانت تحاول إقناع نفسها بأن الانتقال إلى بيت جديد لن يكون صعبًا.
قالت بهدوء:
«ربما لم يكن البيت الذي كنتِ تتخيلينه مكانًا محددًا. ربما كنتِ تتمنين بيتًا تشعرين فيه بالأمان.»
أومأت مريم.
«أظن ذلك. لأنني الآن أحب بيت جدتي، رغم أنه ليس مثل البيت الذي رسمته.»
احتضنتها سُهى، وشعرت بأن ابنتها تتعلم شيئًا لم تكن تريدها أن تتعلمه بهذه السرعة: أن البيوت ليست جدرانًا فقط، وأن الاستقرار لا يعني أن تبقى الأشياء كما كانت، بل أن يجد الإنسان من يستطيع أن يتكئ عليه حين تتغير.
في اليوم التالي، عادت سُهى إلى متجر خالد، وبدأت تنظيم حساباته وفق النظام الجديد الذي اتفقت معه عليه.
أنشأت سجلًا للمبالغ المستحقة، وآخر للمشتريات، وثالثًا لمواعيد الدفع والتحصيل. وطلبت من خالد أن يحتفظ بكل فاتورة في مكانها، وأن يسجل أي مبلغ يدفعه فورًا بدلًا من الاعتماد على الذاكرة.
في البداية، بدا الأمر مرهقًا له.
قال وهو يقلب الدفاتر:
«لم أكن أتخيل أنني أحتاج إلى كل هذه التفاصيل. كنت أفتح المتجر في الصباح، وأبيع، وأشتري، ثم أغلق في المساء. إذا كان هناك مال في الدرج، أظن أن الأمور بخير.»
ابتسمت سُهى.
«وهذه هي المشكلة. المال الموجود في الدرج لا يخبرك وحده إن كنت قد ربحت أم لا. قد تكون قد بعت كثيرًا، لكن عليك أن تدفع للموردين، وتغطي المصاريف، وتستعد لشراء البضائع من جديد.»
أشار خالد إلى السجل.
«وهل ستساعدني هذه الجداول على معرفة ذلك؟»
«ستساعدك على رؤية الصورة كاملة. لكن عليك أن تلتزم بتسجيل كل شيء.»
تنهد خالد، ثم قال مازحًا:
«يبدو أنني سأحتاج إلى تعلم الحسابات من جديد.»
ضحكت سُهى.
«لن تحتاج إلى أن تصبح محاسبًا. يكفي أن تعرف أين يذهب مالك، ومتى يدخل، ومتى يجب أن يخرج.»
ومع مرور الساعات، بدأ خالد يفهم أهمية النظام الجديد. لم تختفِ مشكلاته المالية، لكنه أصبح قادرًا على معرفة المبالغ التي يستطيع دفعها، والمبالغ التي ينبغي التفاوض بشأنها، والسلع التي لا تحقق له ربحًا كافيًا.
وفي نهاية اليوم، أعطاها أجرها المتفق عليه.
تأملت سُهى النقود للحظة قبل أن تضعها في محفظتها. لم يكن المبلغ كبيرًا، لكنه لم يكن مجرد نقود بالنسبة إليها. كان دليلًا صغيرًا على أن ما تملكه من معرفة وخبرة يمكن أن يتحول إلى مصدر دخل، وأنها ليست مضطرة إلى انتظار فرصة واحدة كي تبدأ من جديد.
في المدرسة، كانت مريم تعيش تحولًا آخر.
بعد أسابيع من التردد، وافقت أخيرًا على المشاركة في ورشة الرسم التي تنظمها ليلى في المركز الثقافي القريب. لم تكن الورشة كبيرة، ولم تضم سوى عدد محدود من الأطفال، لكنها منحت مريم مساحة تستطيع فيها أن تتحدث بلغة تعرفها جيدًا: الألوان والخطوط والصور.
في اللقاء الأول، جلست مريم في آخر القاعة، واحتفظت بدفترها فوق ركبتيها. كان الأطفال الآخرون يتحدثون بصوت مرتفع، ويتبادلون الأقلام، بينما بقيت هي تراقبهم.
اقتربت منها ليلى وجلست بجانبها.
«هل تفضلين أن تبدئي وحدك؟»
أومأت مريم.
«لا أعرفهم بعد.»
ابتسمت المعلمة.
«لا بأس. ليس عليك أن تعرفي الجميع اليوم. اختاري فقط ما تريدين رسمه.»
نظرت مريم إلى الأوراق الموضوعة أمامها، ثم بدأت ترسم بيتًا قديمًا، تتدلى من شرفته نبتة خضراء، وتطل من نافذته امرأة تلوح لشخص بعيد.
راقبتها ليلى من بعيد، ثم عادت بعد قليل.
«من هذه المرأة؟»
ترددت مريم، قبل أن تجيب:
«إنها أم تنتظر ابنتها كي تعود إلى البيت.»
«وهل الابنة بعيدة؟»
«نعم، لكنها تعرف أن أمها تنتظرها.»
لم تسأل ليلى سؤالًا آخر. اكتفت بالجلوس إلى جانبها لبعض الوقت، ثم تركتها تكمل رسمها.
في نهاية الورشة، طلبت من الأطفال أن يعرض كل واحد منهم عمله على المجموعة. شعرت مريم بالخجل، لكنها حملت ورقتها ووقفت أمام زملائها.
قالت بصوت منخفض:
«رسمت بيتًا، لأنني أعتقد أن الإنسان قد يذهب إلى أماكن كثيرة، لكنه يحتاج دائمًا إلى مكان يستطيع العودة إليه.»
ساد الصمت لثوانٍ، ثم قال أحد الأطفال:
«أحببت الشجرة التي بجانب النافذة.»
ابتسمت مريم للمرة الأولى منذ بداية اللقاء.
لم يكن ذلك تصفيقًا كبيرًا، ولم يتحول الجميع فجأة إلى أصدقائها، لكنه كان بداية صغيرة. وحين عادت إلى البيت، كانت تحمل رسمها بيدها بدلًا من أن تخفيه داخل حقيبتها.
في المساء، وجدت سُهى ابنتها تنتظرها قرب الباب.
«أمي! لقد عرضت رسمي أمام الجميع.»
تركت سُهى ما في يدها والتفتت إليها.
«حقًا؟ وكيف شعرتِ؟»
«كنت خائفة في البداية. ظننت أنهم سيضحكون على رسمي، لكنهم أحبوا الشجرة.»
أخذت سُهى الورقة وتأملتها بعناية.
«الشجرة جميلة فعلًا، لكنني أحببت أيضًا الطريقة التي جعلتِ بها النافذة مفتوحة. كأن البيت يتنفس.»
ابتسمت مريم بفخر.
«قالت لي المعلمة إنني أستطيع أن أشارك في معرض صغير في نهاية الشهر، إذا أردت.»
«وهل تريدين المشاركة؟»
«نعم، لكنني أريد أن أرسم شيئًا جديدًا.»
جلست سُهى على الأرض بجانبها.
«ما الذي تفكرين فيه؟»
فكرت مريم طويلًا، ثم قالت:
«أريد أن أرسم امرأة تحمل حقيبة، وتقف أمام بابين. لا تعرف أي باب تفتح، لكنها لا تبدو خائفة جدًا.»
شعرت سُهى أن الكلمات استقرت في قلبها قبل أن تفهم معناها بالكامل.
سألتها:
«ولماذا لا تبدو خائفة؟»
أجابت مريم ببساطة:
«لأنها تستطيع أن تفكر قبل أن تختار.»
ابتسمت سُهى، ثم احتضنت ابنتها.
في تلك اللحظة، أدركت أن مريم لم تكن تراقب تغيرات حياتهما فحسب، بل كانت تحاول فهمها بطريقتها الخاصة. وربما كانت الرسومات التي تصنعها ابنتها تساعدها هي أيضًا على رؤية ما تعجز عن قوله بالكلمات.
بعد يومين، وصل إلى هاتف سُهى اتصال من الشركة الموجودة في العاصمة.
ترددت قبل أن تجيب، ثم ابتعدت قليلًا عن ضجيج المتجر.
جاءها صوت مسؤول التوظيف:
«مرحبًا، سيدة سُهى. نشكرك على حضور المقابلة. لقد راجعنا ملفك، ونحن مهتمون بضمك إلى فريقنا.»
شعرت سُهى بتسارع نبضها.
تابع الرجل:
«نرغب في تقديم عرض أولي لك. الراتب سيكون كما ناقشنا، مع إمكانية المراجعة بعد فترة التجربة. لكننا نحتاج إلى تأكيد استعدادك للبدء خلال أسبوعين، والالتزام بساعات العمل كاملة.»
أغمضت سُهى عينيها للحظة.
كانت هذه هي الفرصة التي انتظرتها طويلًا: وظيفة واضحة، ودخل أفضل، واحتمال حقيقي للخروج من دوامة المصاريف المتراكمة.
لكنها لم تعد المرأة نفسها التي كانت ترسل سيرتها الذاتية في ليالي القلق، وتنتظر أي جواب يخرجها من أزمتها.
سألت بهدوء:
«هل يمكنني الحصول على العرض مكتوبًا، مع تفاصيل الراتب وساعات العمل والإجازات؟ أحتاج إلى مراجعة الشروط قبل أن أؤكد قراري.»
أجاب الرجل:
«بالطبع، سنرسله إليك اليوم. لكننا نأمل أن يكون ردك إيجابيًا، لأننا نحتاج إلى حسم الأمر قريبًا.»
«أتفهم ذلك، وسأجيبكم بعد مراجعة التفاصيل.»
أنهت المكالمة، وبقيت واقفة قرب الباب الخلفي للمتجر.
كانت سعيدة، وخائفة، ومضطربة في الوقت نفسه. شعرت للحظة بأنها تقف فعلًا أمام البابين اللذين رسمتهما مريم؛ أحدهما يفتح على دخل أفضل، والآخر يمنحها فرصة لمواصلة بناء حياتها في المدينة التي بدأت تستعيد فيها نفسها.
لكنها لم تكن تريد أن تجعل المسألة صراعًا بين المال والأمومة، كما لو أن أحدهما لا يمكن أن يوجد إلا على حساب الآخر.
كان عليها أن تعرف ما الذي يمكن تغييره، وما الذي لا يمكن تغييره، وما الثمن الحقيقي لكل خيار.
عادت إلى الداخل، فوجدت خالد يراجع قائمة المشتريات.
رفع رأسه حين رآها.
«هل حدث شيء؟ تبدين وكأنك تلقيت خبرًا مهمًا.»
جلست سُهى قبالته.
«عرضوا عليّ الوظيفة في العاصمة.»
ابتسم خالد.
«إذن مبروك. هذه فرصة جيدة.»
«نعم، لكنها تتطلب أن أبدأ خلال أسبوعين، وأن ألتزم بساعات طويلة.»
توقف عن تقليب الأوراق.
«وهل ستقبلين؟»
نظرت إلى السجل المفتوح أمامها.
«لا أعرف بعد.»
قال خالد بعد لحظة صمت:
«لن أطلب منك البقاء من أجلي، ولن أقول لك إن العمل هنا سيصبح أفضل مما هو عليه الآن. ما زال متجري صغيرًا، وما زلت أتعلم كيف أديره بطريقة صحيحة. لا أستطيع أن أعدك بدخل يضاهي راتب الشركة.»
ثم أضاف بصدق:
«لكنني أستطيع أن أقول إن مساعدتك أصبحت مهمة بالنسبة إليّ، وإنني أريد مواصلة العمل معك ما دمتِ ترغبين في ذلك.»
تأثرت سُهى بصراحته.
«أقدّر ذلك يا خالد. وأنا لا أريد أن أبني قراري على شعوري بأن أحدًا يحتاج إليّ. أريد أن أختار ما يناسب حياتي وحياة ابنتي.»
أومأ موافقًا.
«وهذا هو القرار الذي يجب أن تتخذيـه.»
لم يحاول إقناعها بالبقاء، ولم يلمح إلى أنه سيغضب إن رحلت. ترك لها مساحة التفكير، وكان ذلك في حد ذاته أمرًا لم تعتد عليه سُهى كثيرًا.
في تلك الليلة، فتحت سُهى دفترها القديم.
كتبت في أعلى الصفحة تاريخ اليوم، ثم وضعت عنوانًا:
«ما الذي أعرفه، وما الذي أخشاه؟»
بدأت بالكتابة.
كانت تعرف أن الوظيفة في العاصمة ستمنحها دخلًا أفضل، لكنها ستفرض عليها ساعات عمل طويلة، وتحتاج إلى ترتيب جديد لحياة مريم ومدرستها ورعايتها. وكانت تعرف أيضًا أن العمل المحلي بدأ ينمو ببطء، لكنه لا يزال غير مضمون، وأن عليها البحث عن عملاء إضافيين ووضع خطة واضحة لتغطية المصاريف الأساسية.
أما مخاوفها، فكانت كثيرة.
تخشى أن ترفض الوظيفة ثم تندم حين تتراكم المصاريف. وتخشى أن تقبلها ثم تجد نفسها عاجزة عن مواصلة العمل بسبب الضغط. وتخشى أن تعتمد على مشاريع صغيرة لا تكفيها، كما تخشى أن تجعل الحاجة إلى المال كل قرار في حياتها خاضعًا للخوف.
توقفت عن الكتابة، ثم قرأت ما كتبت.
لأول مرة، لم تحاول إقناع نفسها بأن أحد الخيارين صحيح والآخر خاطئ. كانت تحاول أن تفهم أن لكل قرار مسؤولياته، وأن النضج لا يعني اختيار الطريق الذي يخلو من الألم، بل معرفة ما تستطيع تحمله وما لا تستطيع.
أغلقت الدفتر، وذهبت إلى غرفة مريم.
كانت ابنتها نائمة، وقد وضعت رسم المرأة التي تقف أمام بابين قرب سريرها.
حملت سُهى الورقة وتأملتها.
في الرسم، كانت المرأة تمسك حقيبتها بيد، وتضع يدها الأخرى على مقبض أحد البابين. لم يكن وجهها حزينًا، ولم تكن تبتسم. كانت تبدو منشغلة بالتفكير، وكأنها تمنح نفسها الوقت الذي تحتاج إليه.
أعادت سُهى الورقة إلى مكانها، ثم جلست للحظة قرب ابنتها.
همست:
«سأحاول أن أختار بعقل مفتوح، يا مريم. لا لأنني لا أخاف، بل لأنني لا أريد للخوف أن يختار عني.»
ثم أطفأت المصباح وخرجت بهدوء.
في صباح اليوم التالي، ستراجع عرض العمل بندًا بندًا، وستحسب ما تحتاج إليه الأسرة، وستبحث عن خيارات لم تفكر فيها من قبل. لم تكن تعرف إن كانت ستبقى في المدينة أو تعود إلى العاصمة، لكنها أصبحت تعرف شيئًا واحدًا على الأقل: لم تعد مضطرة إلى اتخاذ قرارها في لحظة يأس.
كان أمامها وقت قصير، ومال محدود، ومسؤوليات لا يمكن تأجيلها طويلًا.
ومع ذلك، كان لديها الآن ما لم يكن لديها حين غادرت العاصمة أول مرة: خبرة تعرف قيمتها، وعمل بدأت تبني أساسه، وابنة تتعلم كيف تعبّر عن مخاوفها بالألوان، وأم تذكّرها بأن الحياة لا تنتهي عند باب واحد.
لكن سُهى لم تكن تعلم أن التحدي المقبل لن يكون متعلقًا بقرارها وحده؛ ففي الأسابيع القادمة، ستبدأ آثار أزمة اقتصادية تتسلل إلى المتاجر الصغيرة في المدينة، وستجد نفسها أمام مسؤوليات جديدة قد تغيّر حساباتها كلها.