لم يكن صباح يوم اللقاء التدريبي عاديًا بالنسبة إلى سُهى.
استيقظت قبل موعدها، وأعدّت القهوة، ثم جلست أمام الأوراق التي أمضت أيامًا في إعدادها. كانت قد رتبت محاور الجلسة، وأعدّت أمثلة بسيطة من واقع المشاريع الصغيرة، وطبعت نماذج فارغة يمكن للمشاركين استخدامها في تسجيل مصاريفهم ومبيعاتهم.
راجعت الصفحات مرة أخيرة، ثم توقفت عند الورقة الأولى.
كتبت في أعلاها:
«لا تحتاج إلى أن تكون خبيرًا في الحسابات حتى تفهم مشروعك، لكنك تحتاج إلى أن تعرف أين يذهب مالك».
ابتسمت.
كانت العبارة تختصر الكثير مما تعلمته خلال الأشهر الماضية.
دخلت أمها المطبخ، فرأتها محاطة بالأوراق.
— هل ستأخذين كل هذه الملفات معك؟
ضحكت سُهى.
— ربما أحتاج إليها جميعًا.
— لا تحملي نفسك أكثر مما يلزم. اذهبي وتحدثي كما تتحدثين مع النساء اللواتي تساعدينهن هنا.
رفعت سُهى رأسها.
— أخشى أن أنسى شيئًا مهمًا.
— وإن نسيتِ، يمكنك أن تقولي إنك لا تعرفين. لا أحد يعرف كل شيء.
كانت تلك الجملة كافية لتخفف توترها قليلًا.
في الجمعية، استقبلتها الأستاذة منى عند المدخل.
— أهلًا سُهى، وصل المشاركون مبكرًا اليوم. يبدو أنهم متحمسون.
دخلت القاعة، فوجدت نحو خمسة عشر شخصًا يجلسون حول طاولات متفرقة. بعضهم يحمل دفاتر، وبعضهم جاء ومعه عينات من المنتجات التي يصنعها.
كان بينهم رجل يدير ورشة نجارة صغيرة، وامرأة تبيع مستحضرات طبيعية، وشابتان تعملان في صناعة الإكسسوارات، إضافة إلى صاحبات مشاريع منزلية في الخياطة والحلويات والتطريز.
شعرت سُهى بتوتر جديد.
لم تكن هذه المرة جلسة فردية مع صاحبة مشروع تعرف ظروفها، بل مجموعة من الأشخاص ينتظرون منها أن تقدم شيئًا مفيدًا.
قدمتها منى باختصار، ثم أعطتها الكلمة.
وقفت سُهى أمام الحاضرين، وضعت أوراقها على الطاولة، ونظرت إلى الوجوه.
بدأت بصوت هادئ:
— قبل أن نتحدث عن الأرباح والخسائر، أريد أن أسألكم سؤالًا بسيطًا: هل حدث أن بعتم منتجات كثيرة في يوم واحد، ثم اكتشفتم في نهاية الأسبوع أن المال الذي بقي لديكم أقل بكثير مما توقعتم؟
ارتفعت أيدي كثيرة، وتعالت بعض الضحكات.
قالت إحدى النساء:
— يحدث معي دائمًا تقريبًا!
ابتسمت سُهى.
— إذن لسنا هنا لنتعلم الحسابات من الصفر فقط، بل لنتعلم كيف نفهم ما يحدث داخل مشاريعنا.
بدأت تشرح الفرق بين المبيعات والربح، مستخدمة مثالًا بسيطًا عن طلبية حلويات منزلية. كتبت على اللوح تكلفة المواد والتغليف والتوصيل، ثم أضافت الوقت والجهد، وأوضحت كيف يمكن لطلبية تبدو مربحة أن تتحول إلى عمل مرهق بعائد ضعيف.
قاطعها أحد المشاركين:
— لكن إذا حسبنا وقتنا، سترتفع الأسعار كثيرًا، وقد يذهب الزبائن إلى غيرنا.
أجابت سُهى:
— هذا احتمال موجود. لكن إذا كان السعر لا يغطي تكاليفك، فأنت لا تحافظ على الزبون، بل تدفع من مالك حتى يستمر في الشراء منك. المطلوب ليس رفع الأسعار بلا تفكير، بل معرفة الحد الأدنى الذي لا ينبغي أن تنزل عنه.
ثم عرضت نموذجًا بسيطًا لتسجيل العمليات اليومية.
قالت:
— لا أريد منكم أن تعودوا إلى بيوتكم وتبحثوا عن برامج معقدة. ابدأوا بدفتر واحد، وقسموه إلى ثلاثة أجزاء: المصاريف، والمبيعات، والديون. سجلوا كل عملية في يومها، حتى لو كانت صغيرة.
رفعت إحدى الشابات يدها.
— وماذا عن المال الذي نأخذه من المشروع لشراء حاجيات البيت؟
قالت سُهى:
— سجليه بوضوح على أنه مبلغ سُحب من مال المشروع للاستخدام الشخصي. المشكلة ليست في أن تستفيدي من مشروعك، بل في أن تسحبي المال دون أن تعرفي كم أخذتِ، ثم تعتقدي أن المشروع لم يربح.
بدأ بعض الحاضرين بتدوين الملاحظات.
ومع مرور الوقت، اختفى التوتر من صوت سُهى. أصبحت تتحرك بين الطاولات، وتراجع أمثلة المشاركين، وتجيب عن أسئلتهم.
كانت تستمع أكثر مما تتحدث أحيانًا.
وفي نهاية الجلسة، قالت منى:
— بقي لدينا وقت قصير. هل لدى أحدكم سؤال أخير؟
رفع رجل في منتصف الأربعينات يده.
— أنا أملك ورشة نجارة صغيرة. أحيانًا أشتري المواد لمشروع معين، ثم يتراجع الزبون عن الطلب. كيف أسجل ذلك؟
نظرت إليه سُهى باهتمام.
— أولًا، لا تشترِ مواد خاصة بطلبية كبيرة دون عربون أو اتفاق واضح. وإذا حدث ذلك بالفعل، فسجل المواد التي بقيت لديك ضمن المخزون، ولا تعتبر قيمتها خسارة كاملة ما دمت تستطيع استخدامها في أعمال أخرى. لكن عليك أن تتابعها حتى لا تنسى أنها موجودة.
هز الرجل رأسه.
— لم أكن أفكر في الأمر بهذه الطريقة.
وعندما انتهت الجلسة، اقتربت منها امرأة كانت تجلس في الصف الأخير.
— هل تقدمين هذه الخدمة بشكل فردي أيضًا؟
— نعم، بحسب طبيعة المشروع وما يحتاج إليه.
أخرجت المرأة بطاقة صغيرة.
— لديّ محل لبيع الملابس، وأواجه مشكلة في متابعة المخزون والديون. هل يمكن أن نحدد موعدًا؟
أخذت سُهى البطاقة.
— بالتأكيد. اتصلي بي خلال الأسبوع، وسنتفق على موعد أولي لفهم طبيعة العمل.
شكرتها المرأة، ثم غادرت.
التفتت سُهى إلى منى، فوجدتها تبتسم.
— كانت جلسة جيدة جدًا.
قالت سُهى:
— كنت متوترة في البداية.
— لم يظهر ذلك. أعجبني أنك استخدمت أمثلة من الواقع، ولم تحاولي تقديم نفسك كأنك تعرفين كل شيء.
شعرت سُهى بالامتنان.
— هذا ما أحاول الالتزام به. أريد أن أقدم ما أعرفه فعلًا.
سلمتها منى أجر الجلسة، وأخبرتها أنهم يرغبون في تنظيم لقاء آخر بعد شهرين، إذا سمح جدولها.
خرجت سُهى من القاعة وهي تحمل ملفها، لكنها كانت تشعر أن شيئًا ما تغير داخلها.
لم تعد خبرتها مجرد مجموعة خدمات تقدمها لأصحاب المشاريع واحدًا واحدًا. أصبح بإمكانها أن تنقل ما تعلمته إلى مجموعة أكبر، وأن تبني من تجربتها عملًا له شكل أوضح.
في طريق عودتها، توقفت عند متجر خالد.
كان جالسًا خلف مكتبه، يتصفح هاتفه، وحين رآها رفع رأسه.
— كيف كان اللقاء؟
جلست سُهى وأخبرته باختصار عن الجلسة والأسئلة التي طرحت عليها.
قال خالد:
— يبدو أنك أصبحتِ صاحبة محاضرات الآن!
ضحكت.
— مجرد جلسة صغيرة.
— لا تقللي من الأمر. أنت بدأتِ من دفتر حسابات متجري.
ثم تغيرت ملامحه قليلًا، وأخرج ورقة من درج المكتب.
— وصلتني أخيرًا قائمة الشحنة.
أخذت سُهى الورقة وبدأت تقرأ.
كانت الشركة قد وافقت على التعديل، لكنها أخبرته أن بعض المنتجات لن تكون متوفرة، وأن الشحنة ستصل على دفعتين. كما طلبت منه دفع الجزء المتبقي قبل إرسال الدفعة الثانية.
قال خالد:
— هذا يعني أنني سأدفع قبل أن أبيع كل البضاعة الأولى.
أجابته سُهى:
— نعم، وهذا يحتاج إلى مراجعة السيولة. علينا أن نعرف المبلغ الذي سيبقى لديك بعد دفع الجزء الأول، والمبلغ الذي تحتاج إليه لتسيير المتجر خلال الفترة المقبلة.
أخرجت حاسوبها وبدأت الحساب.
بعد دقائق، قالت:
— إذا دفعت المبلغ كما طلبوا، فسيبقى لديك ما يكفي للمصاريف الأساسية، لكن هامش الأمان سيكون ضعيفًا جدًا. وإذا تأخرت المبيعات أسبوعًا إضافيًا، قد تضطر إلى الاقتراض أو تأجيل مستحقات أخرى.
قال خالد:
— وماذا تقترحين؟
— أن تطلب منهم ربط دفع الدفعة الثانية بوصول الدفعة الأولى وفحصها، أو على الأقل تقسيم المبلغ إلى دفعتين أصغر.
— لا أعرف إن كانوا سيوافقون.
— يمكننا أن نطلب. لكن إذا رفضوا، فلا بد أن نعيد النظر في الكمية كلها.
اتصل خالد بالشركة، وشرح لهم موقفه.
لم يحصل على موافقة كاملة، لكن الممثل وافق على تأجيل جزء من المبلغ إلى ما بعد تسليم الدفعة الأولى، بشرط أن يوقع خالد على جدول دفع محدد.
قرأ خالد الشروط، ثم ناولها لسُهى.
راجعتها بعناية.
— هذا أفضل من الشرط السابق، لكن يجب أن تحتفظ بنسخة من الاتفاق، وأن تتأكد من تاريخ التسليم المحدد لكل دفعة.
قال خالد:
— سأفعل.
ثم نظر إليها وسأل:
— هل تعتقدين أنني سأستطيع تجاوز هذه الفترة؟
لم ترغب سُهى في أن تمنحه طمأنينة لا تملكها.
— أعتقد أن لديك فرصة إذا واصلت مراقبة المصاريف، وقللت الشراء غير الضروري، ولم تترك الديون تتراكم. لكن لا أستطيع أن أعدك بأن الأمور ستكون سهلة.
أومأ خالد.
— يكفيني أن أعرف أين أقف.
في المساء، كانت مريم تنتظر أمها بفارغ الصبر.
ما إن دخلت سُهى حتى ركضت نحوها.
— أمي! هل نجحتِ؟
ضحكت سُهى وهي تضع حقيبتها.
— أظن ذلك. تحدثت مع مجموعة من أصحاب المشاريع، وسألوني أسئلة كثيرة.
— وهل أجبتِ عنها كلها؟
— عن معظمها.
جلست مريم بجانبها.
— وهل كنتِ خائفة؟
ابتسمت سُهى.
— في البداية، نعم.
فكرت مريم قليلًا ثم قالت:
— لكنك قلتِ لي إن الخوف لا يعني أننا لا نستطيع فعل الشيء.
احتضنتها سُهى.
— يبدو أنك تذكرين نصائحي أكثر مما أظن.
قالت مريم بفخر:
— لأنني أستخدمها في الرسم أيضًا.
ثم أحضرت دفترها.
كانت قد بدأت رسم المدينة القديمة، وأضافت إلى واجهات البيوت تفاصيل دقيقة: شرفة صغيرة، نافذة نصف مفتوحة، بابًا خشبيًا، وطفلًا يركض في زقاق ضيق.
قالت:
— أريد أن أجعل الرسم كبيرًا هذه المرة، لكنني لا أعرف كيف أرتب كل هذه البيوت.
جلست سُهى معها، وأحضرت ورقة أخرى.
— ما رأيك أن ترسمي مخططًا صغيرًا أولًا، ثم تختاري أين تضعين التفاصيل؟
ابتسمت مريم.
— مثلما تفعلين مع الحسابات؟
ضحكت سُهى.
— تقريبًا. أنت ترتبين البيوت، وأنا أرتب الأرقام.
لم تدم فرحة ذلك اليوم طويلًا.
في صباح اليوم التالي، تلقت سُهى اتصالًا من أم هناء، المرأة التي بدأت مساعدتها في تنظيم مشروعها.
كان صوتها قلقًا.
— سُهى، أريد أن أتحدث معك بخصوص هناء.
— هل حدث شيء؟
— نعم. لقد تلقت طلبية كبيرة، وبدأت في تجهيزها، لكن الزبونة أرسلت لها رسالة تطلب فيها إلغاء الطلب.
تغيرت ملامح سُهى.
— هل اشترت هناء المواد بالفعل؟
— نعم، اشترت معظمها. وكانت تعتمد على هذا المبلغ لتسديد بعض المصاريف.
أغمضت سُهى عينيها للحظة.
— سأحاول الاتصال بها.
أنهت المكالمة، ثم اتصلت بهناء.
لم تجب في المرة الأولى. وبعد دقائق، عاودت الاتصال.
جاءها صوت هناء متعبًا.
— لم أعد أعرف ماذا أفعل.
قالت سُهى بهدوء:
— أخبريني بالتفاصيل.
شرحت هناء أن الزبونة طلبت منها مجموعة من الأكياس القماشية المزخرفة، وأنها وافقت على السعر بعد أن وعدتها الزبونة بإرسال العربون في اليوم التالي. لكن هناء، خوفًا من ضياع الطلب، اشترت المواد قبل وصول العربون.
وبعد يومين، تراجعت الزبونة عن الطلب بحجة تغير خططها.
سألتها سُهى:
— هل لديك رسالة تؤكد الطلب والسعر؟
— نعم.
— وهل اتفقتما على العربون كتابة؟
— تحدثنا عنه عبر الهاتف، لكنني لم أطلب منها تأكيدًا مكتوبًا.
تنهدت هناء.
— أعرف أنني أخطأت. لكنني كنت أريد أن أبدأ العمل بسرعة.
قالت سُهى:
— لا نحتاج الآن إلى لوم نفسك. نحتاج إلى معرفة ما يمكن إنقاذه.
طلبت منها أن تحصر المواد التي اشترتها، وأن تميز بين ما يمكن استخدامه في منتجات أخرى وما لا يصلح إلا للطلب الملغى.
ثم قالت:
— لا تتلفي شيئًا، ولا تحاولي بيع كل المواد بسرعة وبسعر منخفض. سنرى أولًا ما الذي يمكن تحويله إلى منتجات أخرى.
وافقت هناء بصوت خافت.
بعد المكالمة، بقيت سُهى تنظر إلى هاتفها.
كانت هذه المرة الأولى التي ترى فيها بوضوح كيف يمكن لقرار صغير، اتخذ تحت ضغط الخوف من ضياع زبونة، أن يربك مشروعًا كاملًا.
أدركت أن الجلسة التي قدمتها في الصباح السابق لم تكن كافية وحدها. الناس يحتاجون إلى تطبيق ما يتعلمونه عندما يواجهون موقفًا حقيقيًا، لا إلى معرفة القاعدة فقط.
في نهاية الأسبوع، اجتمعت سُهى بهناء في المركز الثقافي.
أحضرت هناء المواد التي اشترتها، وبدأتا بتصنيفها.
وجدتا أن جزءًا كبيرًا منها يمكن استخدامه في أكياس أصغر، وقطع ديكور بسيطة، وبعض الإكسسوارات القماشية.
قالت هناء:
— لو كنت قد انتظرت العربون، لما اشتريت كل هذا.
أجابت سُهى:
— صحيح، لكن لا تجعلي الخطأ يمنعك من التفكير في الحل. لدينا مواد يمكن الاستفادة منها، ولدينا درس واضح للمرة القادمة.
ثم فتحت دفترها وكتبت معها قاعدة جديدة:
«لا يبدأ تنفيذ الطلب الخاص ولا شراء مواده قبل تأكيد الطلب ودفع العربون المتفق عليه».
قالت هناء:
— سألتزم بها، حتى لو خسرت بعض الزبائن.
ابتسمت سُهى.
— الزبون الجاد سيفهم أن عملك له تكاليف والتزامات.
عندما انتهتا، لم تكن هناء قد استعادت المبلغ الذي خسرته، لكنها أصبحت تعرف ما لديها من مواد، وما يمكن تحويله إلى منتجات أخرى، وكيف تتجنب تكرار الموقف.
وقبل أن تغادر، قالت:
— هل تعتقدين أنني سأستطيع الاستمرار؟
نظرت إليها سُهى.
— نعم، إذا تعلمتِ من هذه التجربة، ولم تحاولي تعويض الخسارة بقرارات متسرعة أخرى.
ابتسمت هناء للمرة الأولى منذ بداية اللقاء.
في طريق العودة، تلقت سُهى رسالة من ليلى.
كانت مريم قد نسيت في المركز الثقافي علبة ألوانها، وأخبرتها ليلى أنها وجدتها واحتفظت بها حتى تمر سُهى لأخذها.
ضحكت سُهى وهي تقرأ الرسالة.
عندما وصلت إلى البيت، وجدت مريم ترسم على الطاولة.
— هل أضعتِ علبة الألوان؟
رفعت مريم رأسها بسرعة.
— علبة الألوان الصغيرة؟
— نعم، وجدتها ليلى.
وضعت مريم يدها على جبينها.
— نسيتها بعد الورشة!
جلست سُهى بجانبها.
— لا بأس، سنأخذها غدًا.
ثم نظرت إلى الرسم.
كان أكثر اتساعًا من الرسومات السابقة. ظهرت فيه مجموعة من البيوت المتقاربة، وبينها ساحة صغيرة، وفي طرفها نافذة مفتوحة.
قالت مريم:
— هذه المدينة كما أحب أن أتخيلها. فيها بيوت قديمة، لكن الناس يعتنون بها.
تأملت سُهى الرسم.
— وما هذه الساحة؟
— مكان يجتمع فيه الأطفال ليرسموا.
ابتسمت سُهى.
— ربما تصبحين يومًا من الذين ينظمون مثل هذه الأنشطة.
قالت مريم بثقة:
— أريد ذلك.
ثم رفعت رأسها وسألت:
— أمي، هل ستستمرين في العمل مع الجمعية؟
أجابت سُهى:
— لا أعرف بعد. ربما ينظمون لقاء آخر، وربما لا.
— أتمنى أن ينظموا.
— لماذا؟
قالت مريم ببساطة:
— لأنني أحب أن أراك تتحدثين أمام الناس، وأنتِ لا تخافين.
ابتسمت سُهى، لكنها لم تصحح لها أن الخوف لم يختفِ تمامًا.
لقد أصبح فقط أصغر من أن يمنعها.
في تلك الليلة، جلست سُهى وحدها تراجع حساباتها.
كان دخلها قد تحسن قليلًا بفضل زيادة زياراتها لمتجر خالد، والجلسات الفردية، ومشاركتها في اللقاء التدريبي. لكن المصاريف ارتفعت أيضًا، ولم يكن لديها بعد دخل شهري مضمون.
كتبت في دفترها:
الدخل المتوقع للشهر القادم.
ثم كتبت:
المصاريف الثابتة.
وتحتها:
الوقت المتاح للعمل.
توقفت عند السطر الأخير.
كانت قد أصبحت تقضي ساعات طويلة في متابعة الرسائل، ومراجعة الحسابات، وتحضير الجلسات، ومساعدة أصحاب المشاريع على اتخاذ قراراتهم.
تذكرت نصيحة أمها.
لم يكن عليها أن تجعل كل فرصة جديدة تأخذ من وقتها ما تستطيع.
أغلقت الدفتر، وقررت أن تضع جدولًا أكثر وضوحًا للأسبوع المقبل.
لكن قبل أن تنام، وصلتها رسالة جديدة من الأستاذة منى:
«سُهى، تلقينا طلبًا من مؤسسة أخرى لتنظيم برنامج مصغر للمشاريع النسائية. نود أن نناقش معك إمكانية المشاركة في عدة جلسات خلال الشهر القادم. هل يناسبك لقاء يوم الاثنين؟»
قرأت الرسالة مرتين.
كانت فرصة أكبر من الجلسة الأولى، لكنها تعني التزامًا أطول، وتحضيرًا أكثر، وربما تنقلًا إلى مكان آخر.
وضعت الهاتف جانبًا.
لم ترد في الحال.
في الغرفة المجاورة، كانت مريم نائمة، ورسم المدينة القديمة موضوعًا على مكتبها.
نهضت سُهى وأغلقت النافذة قليلًا، ثم عادت إلى سريرها.
كانت تعرف أن الأبواب بدأت تفتح أمامها، لكنها تعلمت أخيرًا أن ليس كل باب مفتوح يجب أن تعبره فورًا.
وفي صباح الاثنين، ستجلس أمام الأستاذة منى، وتستمع إلى العرض الجديد.
لكن هذه المرة، سيكون عليها أن تسأل سؤالًا لم تكن تجرؤ على طرحه من قبل:
هل تتناسب هذه الفرصة مع الحياة التي أحاول بناءها، أم ستجعلني أعود إلى الركض من جديد؟
لم تكن الإجابة واضحة بعد.
وكان ذلك، بحد ذاته، سببًا كافيًا لأن تتأنى.
حين يصبح للصوت صدى
حكاية بين يدي · بقلم @ma waraa.alhibr