شعرتْ بضعفٍ ينهشها من الداخل، وبجبنٍ يطوّق قلبها، وانكسارٍ يكاد يفضحها أمام الجميع... لكنها أقسمت ألّا تسمح لذلك بأن يظهر. لا الآن، ولا أمامهم. على الأقل لا أمام أولئك الذين عرفوها يومًا صاخبةً، عصيّةً على الهزيمة.
"اشتقتُ إليكم جميعًا حقًّا... كيف مضت بكم هذه السنوات؟"
أردفت بنبرةٍ مرحة، تلك النبرة ذاتها التي اعتادوها منها قديمًا، وكأن الزمن لم يمسسها، وكأن الغياب لم يترك فيها شقوقًا خفيّة.
"لا جديد يُذكر... ننتقل من مكانٍ إلى آخر لأجل العمل، كما هي العادة."
أجاب كيونغسو بهدوئه المألوف، ذلك الهدوء الذي لم يتغيّر منذ ثمانية أعوام.
أومأت له، ثم أخذت تتبادل الحديث مع الجميع قليلًا... الجميع إلا بيكهيون.
وحين لم يعد في قدرتها تجاهله، التفتت إليه مبتسمة.
"وكيف كنتَ أنت يا بيكهيون؟ هل كنتَ بخير؟"
سألته وهي تنظر إليه، ثم إلى الفتاة الواقفة بجانبه نظرةً عابرة.
فاكتفى بهزّ رأسه، إشارةً مقتضبة تفيد بأنه بخير... بدونها.
مدّت يدها لتصافح تلك الفتاة، لا مودةً، بل فضولًا مشوبًا بالتقييم.
تأملتها من رأسها حتى أخمص قدميها. حسنًا...
شفَتاها خاليتان من التشققات والجروح؛ وهذا يعني أن بيكهيون لا يقبّلها كثيرًا... أو لا يقبّلها أصلًا.
كما كان يفعل معها.
وعنقها صافٍ، وترقوتها بيضاء لا أثر عليها؛ فلا علامات شغف، ولا آثار لهفة.
وهذا يعني أنهما لا يقضيان وقتًا حميمًا كما كان يقضي معها.
هي... كانت دائمًا ممهورةً بعلاماته.
والآن جاء الاختبار الأخير.
"ألن تعرّفوني، يا شباب، من هذه الحُلوه؟"
أردفت بابتسامة واسعة، فأجابها بيكهيون ببرود.
"إنها حبيبتي."
ابتسمت بسعادة، وأومأت له.
"يا إلهي... إنها جميلة حقًّا."
وكانت سعادتها صادقة هذه المرة، لا مصطنعة.
فالاختبار الأخير نجح هو الآخر.
لم يجذبها من خصرها وهو يعرّفها، لم يضمّها إليه، لم يتباهَ بها كما كان يفعل معها.
إذًا... العلاقة سطحية؟ أم مزيّفة؟
لم يفعل معها شيئًا من تلك التفاصيل الصغيرة التي كان يفعلها معها.
تنهدت في سرّها، وكل ما يدور في رأسها أنها امرأة حقيرة.
رفعت عينيها إليه، فوجدته ما يزال يرمقها بكراهيةٍ حادّة، حتى خُيّل إليها أنه يتصورها مشدودةً إلى سيخٍ من حديد، كدجاجةٍ مشوية، ويقتطعها قطعةً قطعة وهو يتلذذ بعذابها.
ومجرد تخيّل ذلك كان مرعبًا... وهي لا تنكر قط أنه مختلّ قليلًا.
قررت أن تنسحب سريعًا. لا تريد مزيدًا من الاحتكاك به، لا وهذه التعابير القاسية تعلو وجهه.
نظرت إلى الشباب وابتسمت ابتسامةً صغيرة، تحاول أن تبدو طبيعية قدر الإمكان، حتى لا يفضح وجهها رعبها ممن يحدّق بها.
"أين تقيمين الآن يا هانيا؟"
التفتت إلى جونميون الذي قاطع هربها حين سألها، وأول ما خطر ببالها كم أصبح أكثر وسامةً من ذي قبل؛ حاجباه الكثيفان، شعره المصفف بأناقة، عيناه الضيقتان الآسرتان و-
حسنًا، يكفي. عليها أن ترد قبل أن تبدو مراهقةً منحرفة تحدّق فيه بشهوة.
"أوه... وصلت من سفري منذ ساعات فقط، ولم أستقر على سكنٍ بعد. أقيم في الفندق حاليًا."
أومأ جونميون بتفهّم.
وعندها أدركت أن وقت الهرب قد حان أخيرًا قررت أن لا تظل أكثر.
فهي، في الحقيقة، تخاف من نظرات بيكهيون.
وتشعر أيضًا بأنها غريبة... ودنيئة نوعًا ما، وإن لم تكن واثقة تمامًا من ذلك.
"كنت أودّ الحديث معكم أكثر، لكن الوقت تأخر، ويجب أن أذهب."
"سُررنا بلقائك، ونتمنى أن نراك مرةً أخرى."
أردف تشين بإبتسامته المشرقة التي كادت تذيب قلبها، فبادلته ابتسامتها، ثم بدأت تعانقهم واحدًا تلو الآخر.
حتى جاء الدور على حبيبة بيكهيون.
احتضنتها بقوة، ثم ابتعدت قليلًا من غير أن تفك ذراعيها عنها، وابتسمت ابتسامةً عريضة.
"هل أحتضن بيكهيون أيضًا... أم أنك تغارين؟"
أردفت وهي تشير إليه.
ولا تدري من أين جاءت تلك الجرأة، لكن اللسان أحيانًا يسبق العقل.
نظرت الفتاة إليها بدهشة، وقد بدا أنها لم تتوقع هذا، وربما كانت تعرف جيدًا من تكون.
-حبيبة بيكهيون السابقة والخائنة.-
أومأت مرتبكة، تحاول اصطناع ابتسامة، وفي اللحظة نفسها انتهزت هانيا الفرصة، فلفّت ذراعيها حول عنق بيكهيون، تحتضنه بأنوثةٍ متعمّدة، كأنما تريد إغاظة الأخرى.
كانت تعلم أنها الآن تتصرف كحقيرة، كعاهرة تقف أمام حبيبته وتعبث بحدود اللياقة.
لكنها، رغم ذلك، لم تستطع أن تمنع نفسها من عناقٍ انتظرته ثماني سنوات.
أكان العُهر يجري في دمها حقًا؟
توقعت أن يصدّها.
لكنه، على خلاف ما توقعت، لفّ ذراعيه حول خصرها، وجذبها إليه أكثر، ثم غرس وجهه في شعرها واستنشق بعمق.
وكأنه... اشتاق لهذا أيضًا، مثلها تمامًا.
شعرت أن الأمور بدأت تسلك طريقًا آخر، فابتعدت ببطء، ونظرت إليه لحظةً قصيرة، ثم التفتت إلى البقية ولوّحت لهم، وغادرت مسرعة.
وكأن قلبها يكاد يفرّ من قفصها الصدري.
شعرت بنظرات حبيبتة تلاحقها.
ربما كانت تنظر إليها باشمئزاز، أو باحتقار.
لكنها لم تهتم كثيرًا.
فهي لا ترى أنها فعلت شيئًا خاطئًا.
أليست من الطبيعي أن تُعانق حبيبها السابق فحسب؟
كما تظن...
....
عادت إلى الفندق، وألقت بنفسها على السرير.
وجهٌ هادئ، أنفاسٌ منتظمة، وعقلٌ صاخب بما يكفي لإغراق مدينةٍ كاملة بالضوضاء.
حدث اليوم أكثر مما توقعت، وتشعر أنها منهكة العقل أكثر من الجسد.
حدقت في سقف الغرفة بشرود.
كانت حبيبة بيكهيون جميلة في نظرها.
وفكرت طويلًا أنها لم تكن تعلم أنه يحب ذوات الشعر الكستنائي.
لذا تساءلت
هل ينبغي لها أن تصبغ شعرها الآن؟
أمسكت بأطراف شعرها الأشقر.
لقد صبغته يوم ذهبت إلى لندن.
يقولون إن الشعر يحمل الذكريات.
ولم تقصّه لأنه كان قصيرًا أصلًا، لكنها أطالته وصبغته، وبدّلت هيئته كلها تقريبًا.
ومع ذلك... لم تنسه.
ما زالت تشتاق إليه.
إلى مزاحه معها، إلى حديثهما الذي لا ينتهي، إلى حضوره، إلى كل شيءٍ كان يخصّه.
ولا تدري كيف يداهمها هذا الندم الآن، مع أنها هي من خانته بيديها، وهي من اختارت الخراب بنفسها.
لكنها أدركت أخيرًا أن الإنسان ضعيف بطبعه؛
يندفع خلف رغباته حينًا، ثم لا يعرف سوى الندم حين يفوت الأوان، وتُغلق أبواب الإصلاح.
أو لم يفت الأوان بعد؟
من يخون يُسمّى عاهرًا.
وبما أنها كذلك الآن... فلم لا تكمل طريق العهر إلى آخره؟
لن تخسر شيئًا، أليس كذلك؟
سوى كرامتها... وربما خسرتها منذ زمن.
هل ستكون أنانية إن أرادته مرةً أخرى؟
أم وقحة فحسب؟
حسنًا... حين أحبها بيكهيون، كانت وقحة إلى حدٍّ كبير.
فإن أرادت استعادته، فستستعيده بوقاحتها ذاتها.
ورغم أنها كانت تدرك أن أفكارها هذه تُعامله كسلعة؛ تشتريه، ثم تبيعه، ثم تعود لتشتريه مرةً أخرى...
إلا أنها لم تستطع التوقف.
شعرت أنها ترتكب ذنبًا جديدًا في حقه، وخطيئة أخرى تُضاف إلى سجلها المثقل.
لم تكن تعرف ما الذي ستفعله تحديدًا.
لكنها، على الأقل، ستحاول أن تُصلح ما بينهما.
لم تعد تريد أن تهرب منه في المرة القادمة.
مُقابَلَة؟-¹
خطأ/mistake · بقلم Cezra🍂